أَقُول: قد قدمنَا فِي أول هَذَا الشَّرْح أَن أهل الْولَايَة إِذا لم تكن أَعْمَالهم موزونة بميزان الْكتاب وَالسّنة فَلَا اعْتِدَاد بهَا، وكررنا ذَلِك. وَمَعْلُوم
[ ٤٢٨ ]
أَن أَوْلِيَاء الله إِذا لم يجْعَلُوا كَلَامه وَكَلَام رَسُوله قدوتهم ويمشون على صراطها السوي لم يَصح لَهُم هَذَا الانتساب إِلَى الله ﷿. " وَكَيف يكون وليا [لله] سُبْحَانَهُ من يعرض عَمَّا شَرعه لِعِبَادِهِ ودعاهم إِلَيْهِ ويشتغل بزخارف الْأَحْوَال، وخواطر السوء ويؤثرها على كَلَام من هُوَ ولي لَهُ؟ ! فَإِن هَذَا هُوَ بالعدو أشبه مِنْهُ بالولي.
وَلَيْسَ الْكَلَام فِيمَن كَانَ حَاله هَذَا الْحَال، بل الْكَلَام فِيمَن يستكثر من أَنْوَاع الطَّاعَة الَّتِي رغب إِلَيْهَا الشَّرْع مُقَيّدا لكل موارده ومصادره بِالشَّرْعِ، فَإِن لهَذِهِ الطَّاعَات أثرا عَظِيما فِي صَلَاح بَاطِنه وَوُقُوع خواطره فِي الْغَالِب مُطَابقَة للصَّوَاب. وَكَيف لَا يكون هَكَذَا وَقد صَار محبوبًا لله وَكَانَ سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ وبصره الَّذِي يبصر بِهِ وَيَده الَّتِي يطبش بهَا وَرجله الَّتِي يمشي بهَا فبه يسمع وَبِه يبصر وَبِه يبطش وَبِه يمشي كَمَا وَقع فِي هَذَا الحَدِيث الْقُدسِي.
وَأي رُتْبَة أَعلَى من هَذِه وَأي مزية أكبر مِنْهَا؟ والمحب فِي بني آدم يُؤثر محبوبه على نَفسه ويقدمه عَلَيْهَا بأبلغ جهده وَغَايَة طاقته حَتَّى قَالَ بعض المحبين لمحبوبه شعرًا:
(وَلَو قلت طا فِي النَّار أعلم أَنه رضَا لَك أَو مدنٍ لنا من وصالك)
(لقربت رجْلي نَحْوهَا ووطيتها هدى مِنْك لي أَو ضلة من ضلالك)
(لَئِن سَاءَنِي أَن نلقى بمساءة لقد سرني أَنِّي خطرت ببالك)
[ ٤٢٩ ]
وَقَالَ آخر:
(وَلَقَد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الْهِنْد تقطر من دمي)
(فوددت تَقْبِيل الرماح لِأَنَّهَا لمعت كبارق ثغرك المتبسم)
وَقَالَ آخر:
(ذكرتك والخطى تخطر بَيْننَا وَقد نهلت منا المثقفة السمر)
فَإِذا كَانَ هَذَا فِي الْحبّ البشري الَّذِي هُوَ نوع من أَنْوَاع مخلوقات الرب الَّتِي لَا تدخل تَحت حصر، وَلَا تتطرق إِلَيْهَا إحاطة. فَكيف لَا يصنع الله ﷿ لمحبوبه من تيَسّر الْخَيْر والحماية عَن الْجِنَايَة، وَحفظ الخواطر عَن الزيغ مَا يصير بِهِ ملكي الْأَفْعَال والأقوال، وَإِن كَانَ بشري الْخلقَة وَهُوَ الْقَادِر الْقوي الَّذِي لَا يتعاظمه شَيْء.
وَمِمَّا يُشِير إِلَى صدق غَالب خواطر أهل الْإِيمَان حَدِيث " اتَّقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ يرى بِنور الله " وَهُوَ حَدِيث حسن كَمَا قدمنَا.
وَالْحَاصِل أَن الخواطر الكائنة من أهل الْولَايَة إِذا لم تخَالف الشَّرْع فَيَنْبَغِي أَن تكون مسلمة لَهُم لكَوْنهم أحباء الله وأولياؤه، وَأهل طَاعَته وصفوة عباده.
وَلَيْسَ لمن كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم كالبهيمة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَان، أَو كالإنسان بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَلَائِكَة أَن يُنكر عَلَيْهِم شَيْئا لَا يُخَالف الشَّرِيعَة. فَإِن خَالف شَيْئا مِنْهَا فَهِيَ الجسر الَّذِي لَا يصل أحد إِلَى مراضي الله إِلَّا بالمرور مِنْهُ، وَالْبَاب الَّذِي من دخل من غَيره ضل وَزَل، وَقل وذل.
(يَا سالكا بَين الأسنة والقنا إِنِّي أَشمّ عَلَيْك رَائِحَة الدَّم)
وَلَا شكّ وَلَا ريب أَن من جعل مَا امتن بِهِ الله على عباده الصَّالِحين المستكثرين
[ ٤٣٠ ]
من نوافل الْعِبَادَات فِي هَذَا الحَدِيث من الْمحبَّة لَهُم، وَمَا ترَتّب عَلَيْهَا عصمَة كعصمة الْأَنْبِيَاء مُخطئ مُخَالف للْإِجْمَاع.
فَإِن الْعِصْمَة بِهَذَا الْمَعْنى خص الله سُبْحَانَهُ بهَا رسله وَمَلَائِكَته وَلم يَجْعَلهَا لأحد من خلقه.
فَإِن هَذَا الْمقَام هُوَ مقَام النُّبُوَّة لَا مقَام الْولَايَة. وَلَا يُخَالف فِي ذَلِك إِلَّا جَاهِل أَو زائغ.
وَلَكِن الشَّأْن فِيمَا تستلزمه هَذِه الْمحبَّة من الرب سُبْحَانَهُ وَمَا يتأثر عَن قَوْله كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ، وبصره الَّذِي يبصر بِهِ، وَيَده الَّذِي يبطش بهَا. وَرجله الَّذِي يمشي بهَا. فَإِن هَذَا يدل أبلغ دلَالَة ويفيد أَعلَى مفَاد أَن من وَقع لَهُ ذَلِك من جناب رب الْعِزَّة كَانَ مثبتا أكمل تثبيت، وموفقا أعظم توفيق، وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار لَا مَانع لما أعْطى، وَلَا معطي لما منع.
وَأما مَا حَكَاهُ عَمَّن بَالغ مِنْهُم فَقَالَ: حَدثنِي قلبِي عَن رَبِّي. فَلَيْسَ هَذَا من الخواطر، بل من الرِّوَايَة المكذوبة وَالْكَلَام المفترى إِن كَانَ قَائِله كَامِل الْعقل.
وَإِلَّا فغالب مَا تصدر مثل هَذِه الدَّعَاوَى العريضة عَن المصابين بعقولهم، المخالطين فِي إدراكهم، وَلَيْسَ على مَجْنُون حرج.
[ ٤٣١ ]
وَلَيْسَ أحباء الله سُبْحَانَهُ هم هَؤُلَاءِ، بل الْكَلَام فِي أحبائه [الَّذين] ذكرهم الله فِي هَذَا الحَدِيث الْقُدسِي ولسان حَالهم:
(أَهلا بِمَا لم أكن أَهلا لموقعه قَول المبشر بعد الْيَأْس بالفرج)
(لَك الْبشَارَة فاخلع مَا عَلَيْك فقد ذكرت ثمَّ على مَا فِيك من عوج)
[ ٤٣٢ ]