وإيضاح الْمقَام بِأَن يُقَال إِن التَّرْجِيح فرع التَّعَارُض وَلَا تعَارض هُنَا أَلْبَتَّة لِأَن كَون الْفَرَائِض أحب الْقرب إِلَى الله لَا يُنَافِي كَون المتقرب بالنوافل يُحِبهُ الله، وَإِنَّمَا يكون التَّعَارُض فِي هَذَا الْمقَام لَو قَالَ: من جَاءَ بالفرائض فَهُوَ أحب إِلَى الله من كل أحد، وَمن تقرب بالنوافل فَهُوَ أحب إِلَى الله من كل أحد؟ ﴿﴾
وَأما مُجَرّد كَونه يحب أَحدهمَا، فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي أَن يحب الآخر ثمَّ لَا تنافى بَين
[ ٤٠٥ ]
مَا ترَتّب عَلَيْهِمَا، فَإِن الَّذِي ترَتّب على التَّقَرُّب بتأدية الْفَرَائِض هُوَ كَون هَذَا التَّقَرُّب أحب إِلَى الله من كل شَيْء من أَعمال الْخَيْر، وَالَّذِي ترَتّب على التَّقَرُّب بالنوافل، هُوَ أَن الله يحب فاعلها، وَكَونه. يحب فاعلها، لَا يُنَافِي كَونه يحب غَيره. وَكَون تأدية الْفَرَائِض أحب من غَيرهَا لَا يُنَافِي أَن تكون تأدية النَّوَافِل محبوبة، بل هُوَ الْمَعْنى الَّذِي يفِيدهُ أفعل التَّفْضِيل فَإِنَّهُ يدل على الِاشْتِرَاك فِي الأَصْل، فالفرائض والنوافل محبوبة إِلَى الله وَلَكِن الْفَرَائِض أحب إِلَيْهِ، وَصَاحب النَّافِلَة يُحِبهُ الله وَلَا يُنَافِيهِ أَن يحب صَاحب الْفَرِيضَة، لَكِن صَاحب النَّافِلَة لما جَاءَ بِمَا جَاءَ بِهِ صَاحب الْفَرِيضَة وَزَاد عَلَيْهِ بِمَا فعله من النَّافِلَة ترَتّب على محبته مَا تضمنه الحَدِيث من كَونه سُبْحَانَهُ سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ إِلَى آخر مَا فِي الحَدِيث. وَمَعْلُوم أَن صَاحب العملين أجره أَكثر من صَاحب الْعَمَل، فاعرف هَذَا وَاشْدُدْ يدك عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قد وَقع من شرَّاح الحَدِيث فِي هَذَا الموطن خبط كثير.
[ ٤٠٦ ]