ولنرجع الْآن إِلَى شرح الحَدِيث الَّذِي نَحن بصدد شَرحه.
قَالَ الْكرْمَانِي: " إِن قَوْله (لي) فِي من عادى لي وليا هُوَ فِي الأَصْل صفة لقَوْله وليا لكنه لما تقدم عَلَيْهِ صَار حَالا ". انْتهى.
أَقُول وَلَا يخْتَلف الْمَعْنى بذلك لِأَن الْمَعْنى على الْوَصْف: من عادى وليا كَائِنا لي وَهُوَ على الْحَال كَذَلِك لَكِن التَّقَدُّم فِيهِ فَائِدَة جليلة، وَهِي الْإِشْعَار باختصاص الْوَلِيّ بِهِ لَا بِغَيْرِهِ، كَمَا هُوَ مَعْرُوف فِي كتب الْمعَانِي وَالْبَيَان، ثمَّ فِي نسبته الْوَلِيّ إِلَى نَفسه تشريف لَهُ عَظِيم وَرفع لشأنه بليغ.
قَالَ ابْن هُبَيْرَة: " وَيُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث تَقْدِيم الْإِعْذَار على الْإِنْذَار " قلت: وَوَجهه أَنه لما قدم معاداة من هُوَ بِهَذِهِ الصّفة من الْولَايَة لله فَكَأَنَّهُ أعذر
[ ٣٤٣ ]
إِلَى كل سامع أَن من هَذَا شَأْنه لَا يَنْبَغِي أَن يعادي بل على كل من عرف أَن هَذِه صفته، أَن يواليه وَيُحِبهُ، فَإِذا لم يفعل فقد أعذر الله إِلَيْهِ، ونبهه على أَن من عادى يسْتَحق الْعقُوبَة الْبَالِغَة على عداوته فَقَالَ منذرًا لَهُ: فقد آذنته بِالْحَرْبِ على مَا صنع مَعَ ولِيِّ.
وَوَقع فِي حَدِيث عَائِشَة عِنْد أَحْمد فِي الزّهْد، وَابْن أبي الدُّنْيَا وَأبي نعيم فِي الْحِلْية وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد بِلَفْظ: " من أذلّ لي وليا " وَفِي أُخْرَى مِنْهُ من آذَى، وَفِي إِسْنَاده عبد الْوَاحِد بن مَيْمُون عَن عُرْوَة، وَهُوَ مُنكر الحَدِيث لَكِن أخرجه الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق يَعْقُوب [عَن] مُجَاهِد عَن عُرْوَة قَوْله: " فقد آذنته " بِالْمدِّ وَفتح الْمُعْجَمَة بعد نون أَي أعلمته.
وَقَالَ فِي الصِّحَاح: " وآذنتك بالشئ " أعلمتكه، والآذن الْحَاجِب. قَالَ الشَّاعِر: تبدل بإذنك المرتضى.
وَقد آذن وتأذَّنَ بِمَعْنى كَمَا يُقَال أَيقَن وتيَقَّن، وَتقول تأَذَّن الْأَمِير فِي النَّاس أَي نَادَى فيهم يكون فِي التَّهدُّد، وَالنَّهْي أَي تقدم وَأعلم. وَقَوله تَعَالَى: (وَإِذا
[ ٣٤٤ ]
تَأَذَّنَ رَبك﴾ أَي أعلم، انْتهى.
فَعرفت بِهَذَا أَن فِي قَوْله: فقد آذنته معنى التهديد لمن عادى الْوَلِيّ وَالنَّهْي لَهُ عَن أَن يقدم على معاداته لِأَنَّهُ قد تقدم إِلَيْهِ بِأَن لَا يعاديه وَأَنه وليه وأعلمه بذلك. وَأما الْمَقْصُور فَيَجِيء بِمَعْنى علم وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فأذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله﴾: أَي اعلموا، وَبِمَعْنى الِاسْتِمَاع. يُقَال أذن لَهُ إِذا اسْتمع مِنْهُ. قَالَ الشَّاعِر:
(إِن يسمعوا رِيبَة طاروا بهَا فَرحا عني وَمَا سمعُوا من صَالح دفنُوا)
(صمٌّ إِذا سمعُوا خيرا ذُكِرْتُ بِهِ وَإِن ذكرت بشرٍّ عِنْدهم أَذِنُوا)
وَمِنْه مَا أذن الله لشَيْء كَإِذْنِهِ لنَبِيّ يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ أَي اسْتمع. وَالْأَذَان الْإِعْلَام، وَمِنْه الْأَذَان للصَّلَاة.
قَوْله: " بِالْحَرْبِ ": فِي رِوَايَة الكُشْمِيهَني: " فقد أذَنْته بِحَرب. وَفِي
[ ٣٤٥ ]
حَدِيث معَاذ عِنْد ابْن ماجة، وَأبي نعيم فِي الْحِلْية بِلَفْظ: " فقد بارز الله بالمحاربة " وَفِي حَدِيث أبي أُمَامَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد بِسَنَد ضَعِيف بِلَفْظ: " فقد بارزني بالمحاربة ". وَمثله لفظ حَدِيث أنس عِنْد أبي يعلى وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ، وَفِي سَنَده ضعف. وَفِي حَدِيث مَيْمُونَة بِلَفْظ " فقد اسْتحلَّ محاربتي. وَفِي رِوَايَة وهب بن مُنَبّه بِلَفْظ: " من أهان وليَّ الْمُؤمن فقد استقبلني بالمحاربة.
[ ٣٤٦ ]
قَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح " وَقد اسْتشْكل وُقُوع الْمُحَاربَة، وَهِي مفاعلة من الْجَانِبَيْنِ مَعَ كَون الْمَخْلُوق فِي أسر الْخَالِق.
وَالْجَوَاب: بِأَنَّهُ من المخاطبة بِمَا يفهم. فَإِن الْحَرْب تنشأ عَن الْعَدَاوَة، والعداوة تنشأ عَن الْمُخَالفَة. وَغَايَة الْحَرْب الْهَلَاك، وَالله ﷿ لَا يغلبه غَالب. فَكَأَن الْمَعْنى قد تعرض لإهلاكي إِيَّاه فَأطلق الْحَرْب وَأُرِيد لَازمه، أَي أعمل بِهِ مَا يعْمل الْعَدو الْمُحَارب " انْتهى.
قلت: فقد جعل ذَلِك من الْكِنَايَة: وَهِي لفظ أُرِيد بِهِ لَازم مَعْنَاهُ مَعَ جَوَاز إِرَادَته كَمَا حَقَّقَهُ أهل علم الْبَيَان.
وَيُمكن أَن يُقَال إِن المفاعلة قد تطلق، وَلَا يُرَاد بهَا وُقُوعهَا من الْجِهَتَيْنِ كَمَا فِي كثير من الاستعمالات الْعَرَبيَّة، فَيكون المُرَاد بالمحاربة هُنَا الْحَرْب من الله ﷿ كَمَا يدل عَلَيْهِ لفظ فقد آذنته بِالْحَرْبِ.
وَيُمكن أَن يَجْعَل العَبْد لما كَانَ معاندًا لله ﷿ بعداوة أوليائه بِمَنْزِلَة من أَقَامَ نَفسه مقَام الْمُحَارب لله سُبْحَانَهُ، وَإِن كَانَ فِي أسره وَتَحْت حكمه بِاعْتِبَار الْحَقِيقَة، وَأَنه أَحْقَر وَأَقل من أَن يحارب ربه لَكِنَّهَا خيلت لَهُ نَفسه الأمارة بالسوء هَذَا الخيال الْبَاطِل فعادى من أمره الله بموالاته ومحبته مَعَ علمه بِأَن ذَلِك مِمَّا يسْخط الرب وَيُوجب حُلُول الْعقُوبَة عَلَيْهِ وإيقاعه فِي المهالك الَّتِي لَا ينجو مِنْهَا.
قَالَ الْفَاكِهَانِيّ: " فِي هَذَا الحَدِيث تهديد شَدِيد لِأَن من حاربه الله تَعَالَى أهلكه وَهُوَ من الْمجَاز البليغ لِأَن من كره من أحبه الله تَعَالَى خَالف الله
[ ٣٤٧ ]
سُبْحَانَهُ وَمن خَالف الله ﷿ عانده، وَمن عانده أهلكه. وَإِذا ثَبت هَذَا فِي جَانب المعاداة ثَبت فِي جَانب الْمُوَالَاة.
فَمن والى أَوْلِيَاء الله ﷿ أكْرمه الله ﷿ وانْتهى.
قلت: لَا مُقْتَضى لهَذَا الْمجَاز بِهَذِهِ الوسائط، والانتقالات، فَإِن مُجَرّد وُقُوع الْحَرْب من الرب للْعَبد، إهلاك لَهُ بأبلغ أَنْوَاع الإهلاك وانتقام مِنْهُ بأكمل أَنْوَاع الانتقام. فَالْحَدِيث خَارج هَذَا الْمخْرج.
وَمثله فِي وَعِيد أهل الرِّبَا: ﴿فأذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله﴾ .
قَالَ الطوفي: " لما كَانَ ولي الله سُبْحَانَهُ مِمَّن تولى الله سُبْحَانَهُ بِالطَّاعَةِ وَالتَّقوى تولاه الله تَعَالَى بِالْحِفْظِ والنصرة. وَقد أجْرى الله تَعَالَى الْعَادة بِأَن عَدو الْعَدو صديق، وصديق الْعَدو عَدو، فعدو ولي الله تَعَالَى عَدو الله سُبْحَانَهُ فَمن عَادَاهُ كَانَ كمن حاربه، وَمن حاربه فَكَأَنَّمَا حَارب الله ﵎ ".
قلت: وَهَذَا هُوَ مثل كلامنا الْمُتَقَدّم فِي تَوْجِيه المفاعلة.
[ ٣٤٨ ]