وواجب على كل من لَهُ ولَايَة يَأْمر فِيهَا بِمَعْرُوف أَو ينْهَى عَن مُنكر أَن يَجْعَل نهي الْمُنكر الَّذِي عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ عنوان كل نهي يُنْهِي بِهِ عَن مُنكر، فَإِنَّهُم فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا يطعنون على كتاب الله وَسنة رَسُوله بِأَن مَا فيهمَا من الشَّرِيعَة قد صَار مَنْسُوخا، ويطعنون على عُلَمَاء الدّين من السّلف الصَّالح، وَمن مَشى على هديهم القويم، ويدفعون بِالرَّأْيِ الَّذِي هُوَ ضد للشريعة، مَا شَرعه الله لبعاده، وهم بِهَذِهِ الْمنزلَة من الْجَهْل الْبَسِيط أَو الْمركب.
فَهَل سَمِعت أذناك بمنكر مثل هَذَا الْمُنكر، وبلية فِي الدّين مثل هَذِه البلية ورزية فِي الْملَّة الإسلامية مثل هَذِه الرزية؟؟ فَإِن النّيل من عرض فَرد
[ ٣٤٠ ]
من أَفْرَاد الْمُسلمين مُنكر لَا يُخَالف فِيهِ مُسلم إِذا كَانَ على طَرِيق الْغَيْبَة أَو الْبُهْتَان، أَو على طَرِيق الشتم مُوَاجهَة، ومكافحة.
فَكيف بِمن جَاءَ بِمَا هُوَ من أعظم الْبُهْتَان، وأقبح الشَّتيمة للشريعة المحمدية، وَالدّين الإسلامي، ولعلماء الْمُسلمين سابقهم ولاحقهم؟ ﴿. فيالله وللمسلمين يالله وللمسلمين يالله وللمسلمين؟﴾ ! .
فَإِن هَؤُلَاءِ لما رَأَوْا كثيرا من الْعلمَاء يداهنونهم ويدارونهم اتقاء لشرهم مَا زادهم ذَلِك إِلَّا شرا، [وَلَا] اثر فيهم إِلَّا تجرئا على مَا هم فِيهِ.
وَلَو تكلم أهل الْعلم بِمَا يجب عَلَيْهِم من نصر الشَّرِيعَة والذب عَن أَهلهَا بِمَا يجب عَلَيْهِم لكانوا أقل شرا وأحقر ضرًا.
وَأَقل حَال أَن يعرفوهم بِأَنَّهُم من أهل الْجَهْل [الَّذين] لَا يسْتَحقُّونَ خَطَايَا وَلَا يستوجبون جَوَابا، فَإِن فِي هَذَا كفا لبَعض مَا صَارُوا عَلَيْهِ من الظَّن بِأَنْفسِهِم الْبَاطِل، والخيال المختل لما يرونه من سكُوت أهل الْعلم عَنْهُم وَالصَّبْر على مَا يسمعونه مِنْهُم، ويبلغهم عَنْهُم.
وَقد يتسبب عَن هَذِه الإهانة لَهُم بالتجهيل، والتضليل فَائِدَة ينْدَفع بهَا بِبَعْض تجرئهم على كتاب الله وَسنة رَسُوله، وعلماء أمته، فَإِن من النَّاس من يصلح بالهوان وَيفْسد بالإكرام، كَمَا هُوَ مَعْلُوم لكل من يعرف أَحْوَال النَّاس وَاخْتِلَاف طبائعهم.
[ ٣٤١ ]
وَلَقَد أحسن الشَّاعِر حَيْثُ قَالَ:
(أكْرم تميمًا بالهوان فَإِنَّهُم إِن أكْرمُوا فسدوا على الْإِكْرَام)
وكما قَالَ الآخر:
(أهن عامراُ تكرم عَلَيْهِ فَإِنَّمَا أَخُو عَامر من مَسّه بهوان)
وَيَنْبَغِي لمن سمع أحدهم يُفْتِي فِي التَّحْلِيل، وَالتَّحْرِيم، وَينصب نَفسه لما لَيْسَ من شَأْنه، أَن يَقُول لَهُ كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(تَقولُونَ هَذَا عندنَا غير جَائِز وَمن أَنْتُم حَتَّى يكون لكم عِنْد؟ !)
وَإِن سمع أحدا مِنْهُم يتَكَلَّم فِي غير مَا يعلم على تَقْدِير أَن علمه بِطرف من الرَّأْي يعد علما كَمَا فِي اصْطِلَاح الْعَامَّة وَإِلَّا فَهُوَ لَيْسَ بِعلم بِالْإِجْمَاع كَمَا قدمنَا نقل ذَلِك، فليتل عَلَيْهِ قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿هَا أَنْتُم هَؤُلَاءِ حاججتم فِيمَا لكم بِهِ علم فَلم تحاجون فِيمَا لَيْسَ لكم بِهِ علم وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ وليتل عَلَيْهِ قَوْله ﷿: ﴿وَلَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام لتفتروا على الله الْكَذِب إِن الَّذين يفترون على الله الْكَذِب لَا يفلحون مَتَاع قَلِيل وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ . وَقَوله ﷿: ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ . وَقَوله تَعَالَى: (وَمن لم يحكم
[ ٣٤٢ ]
بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ وَيَتْلُو عَلَيْهِ الْآيَات الَّتِي فِيهَا الحكم بِالْحَقِّ وبالعدل وَبِمَا أرى الله وَرَسُوله.