وَمَعَ هَذَا فَكل طَائِفَة من طوائف الْمذَاهب الَّذين كدر مشارب مذاهبهم وجود هَؤُلَاءِ المقلدة الَّذين لَا يعْقلُونَ حجَّة، وَلَا يعْرفُونَ برهانًا، وَلَا يفهمون من الْعلم إِلَّا مُجَرّد صور وقفُوا عَلَيْهَا فِي مختصرات المفرعين، قد جعل الله سُبْحَانَهُ فيهم من الْعلمَاء المبرزين العارفين بِالْكتاب وَالسّنة وَبِمَا هُوَ كالمقدمة لَهما من الْعُلُوم الآلية وَغَيرهَا، عددا جمًا كَمَا يعرف ذَلِك من يعرف أَخْبَار النَّاس ويدري بأحوال الْعَالم، وَفِيهِمْ من كمل الله سُبْحَانَهُ لَهُم عُلُوم الِاجْتِهَاد وفوقها، وَلَكنهُمْ امتحنوا بهؤلاء الصم الْبكم من المعاصرين لَهُم من مقلدة الْمذَاهب الَّذين اشْتَركُوا فِيهِ بِمُجَرَّد الانتماء إِلَيْهِ فغلبوهم على أنفسهم وصانعوهم وداروهم لما يخشونه من معرتهم ويتوقعونه من إغراء الْعَامَّة بهم.
فَمنهمْ من كتم اجْتِهَاد نَفسه، وَلم يسْتَطع أَن ينْسب إِلَى نَفسه الِاجْتِهَاد
[ ٣٣٦ ]
وَلَا تَظَهر بِمَا يدين بِهِ ويعتقده من تَقْدِيم مَا يعرفهُ من الْأَدِلَّة على مَا يُخَالِفهُ من الرَّأْي.
وَمِنْهُم من تظهر بعض التُّظَهَّر فلقي من متفقهة المقلدة من إغراء الْعَامَّة بِهِ مَا هُوَ مَعْرُوف لمن نظر فِي التواريخ الْعَامَّة، أَو الْخَاصَّة بِمذهب من الْمذَاهب وَطَائِفَة من الطوائف.
وَمن كَانَ لَا يعرف التَّارِيخ، وَلَا ينشط إِلَى الِاطِّلَاع على أَخْبَار الْعَالم وَتَحْقِيق أَحْوَال الطوائف فَلْينْظر إِلَى مثل مؤلفات ابْن عبد السَّلَام، وَابْن دَقِيق الْعِيد، وَابْن سَيِّد النَّاس، والذهبي، وزين الدّين
[ ٣٣٧ ]
الْعِرَاقِيّ، وَابْن حجر الْعَسْقَلَانِي والسيوطي وأمثالهم من الشَّافِعِيَّة.
وَإِلَى مثل مؤلفات ابْن قدامَة وَمن فِي طبقته من المَقَادِسة وَمن بعدهمْ مثل تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية، وتلميذه ابْن الْقيم وأمثالهم من الْحَنَابِلَة.
وَمثل ابْن عبد البَرِّ وَالْقَاضِي عِيَاض وَابْن الْعَرَبِيّ وأمثالهم من الْمَالِكِيَّة.
وَبِالْجُمْلَةِ فَفِي كل مَذْهَب الْعدَد الْكثير غالبهم يذم التَّقْلِيد وينكر على أَهله وَلَكنهُمْ كَمَا عرفناك لَا يُصَرح مِنْهُم بذلك تَصْرِيحًا إِلَّا الْأَقَل لتِلْك الْعلَّة وغالبهم يلوح بن تَلْوِيحًا ويعرض بِهِ تعريضًا.
[ ٣٣٨ ]