عقيدته ومذهبه
كان الإِمام السفاريني - ﵀ - ناصرًا للسنة، قامعًا للبدعة، قوالًا بالحق (١)، فكان حنبليَّ الأصول، يقرر عقيدته على طريقة أهل الحديث، باتباع المأثور، واقتفاء السلف الصالح في سائر الأمور (٢)، وهو القائل - ﵀ -: [من الطويل]
عليكَ بآثارِ الرسول وصحبهِ ودع عنكَ آراءَ الرجالِ فتغلِبُ
وإنْ شئتَ أَنْ تخترْ لنفسِكَ مذهَبًا فقولُ ابنِ حنبلْ يا أخا العلمِ أصوَبُ (٣)
ويقول - ﵀ -: اعلم أن مذهب الحنابلة هو مذهب السلف، فيصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسولُه، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل، فالله تعالى ذاث لا تشبه الذوات، متصفةٌ بصفات الكمال التي لا تشبه الصفات من المحدثات، فإذا ورد القرآن العظيم، وصحَّت سنةُ النبيِّ الكريم، عليه أفضلُ الصلاة والتسليم بوصف للباري جلَّ شأنه، تلقيناه بالقبول والتسليم، ووجب إثباتُه له على الوجه الذي ورد، ونَكِلُ معناه للعزيز الحكيم، ولا نعدل به عن حقيقة وصفه، ولا نُلْحِدُ في
_________________
(١) انظر: "المعجم المختص" للزبيدي (ص: ٦٤٦).
(٢) انظر: "ثبت السفاريني" (ص: ٢٩).
(٣) انظر: "الذخائر لشرح منظومة الكبائر" للسفاريني (ص: ٣٨٢).
[ مقدمة / ٢١ ]
كلامه، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا نزيد على ما ورد، ولا نلتفتُ لمن طعن في ذلك وَرَدّ. فهذا اعتقاد سائر الحنابلة كجميع السلف، فمن عدل عن هذا المنهج القويم، زاغ عن الصراط المستقيم وانحرف، فدع عنك فلانًا عن فلان، وعليك بسنة ولدِ عدنان، فهي العروةُ الوثقى التي لا انفصامَ لها، والجُنَّةُ الواقية التي لا انحلال لها (١).
ويقول - ﵀ -: [من الرجز]
فكلُّ ما قدْ جاء في الدليلِ فثابتٌ من غيرِ ما تمثيلِ (٢)
وقد جمع - ﵀ - في كتابه "لوامع الأنوار" أقوال السلف والخلف، ومذاهبَ الفرق في المسائل الاعتقادية، وبَيَّنَ رجحانَ مذهب السلف على غيره، مؤيدًا ذلك بالدلائل النقلية، وكذا العقلية فيما يستدل على مثله بالعقل، واقتبس جُلَّ تحقيقاته فيه من كلام شيخ الإِسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم - رحمهما الله - (٣)، فقد كان الإِمام السفارينيُّ مُحِبًا لهما، لا يكاد كتاب أو رسالة له تخلو من ذكرٍ لهما بالنقول عنهما، وتقديمِ ترجيحاتهما (٤).
_________________
(١) انظر: " لوامع الأنوار" للسفاريني (١/ ١٠٧).
(٢) انظر: "لوامع الأنوار" للسفاريني (١/ ٢١٩).
(٣) من تقريظ السيد محمد رشيد رضا لكتاب السفاريني هذا، انظر: "مقدمة لوامع الأنوار".
(٤) وقد ترجم - ﵀ - في مقدمة كتابه "الذخائر لشرح منظومة الكبائر" لشيخ الإِسلام ابن تيمية ترجمة حافلة تنم عن مقدار حبه وتعظيمه له، ومما قاله فيه (ص: ١٢٨): "وكم عظمه أناس وحفاظ! وكم مدح بقصائد وتسجيع ألفاظ! وقد بلغ النهاية في كل فن وجاوزه، وكان أكرم من حاتم، وأشجع من عنترة في المبارزة، فقد اتفق الحفاظ أنه الصيرفي في "الجرح والتعديل وإليه النهاية في الاستنباطات والتعليل".
[ مقدمة / ٢٢ ]
ومن أحسن ما قرر به الإِمام السفاريني عقيدته ولخصها بقوله في نظم رائق: [من الطويل]
ألا نحنُ قومٌ قدْ رَضِينا بكلِّ ما أتى في كتاب الله يُتلى ويُكتبُ
ونوصِفُ مولانا الكريم بكلِّ ما وَصَفْهُ رَسُولُ الله ذاكَ المُقَرَّبُ
ولكنْ بلا كيفٍ ومِثْلٍ لأن من يُشَبِّهْ إلهَ العرشِ بالخَلْقِ يكذبُ
وما ذاكَ إلا كافرٌ أو منافقٌ وقلْ مثلَه مَنْ قالَ جسمٌ وأكذَبُ
ونرفُضُ قولَ المُلحِدين وزَعْمَهم وعن قولِ أصحابِ الضلالةِ نرغَبُ
ولا نَرتضي ما يزعُمون جميعَه سوى ما به جاء الكتابُ المُهَذَّبُ
وتأويلُهم من أقبحِ العلمِ عندنَا وقولُ رسولِ الله أحلى وأعذَبُ
فجَهْمُ بنُ صفوانَ اللعينُ وحزبُه يُصيبون والمختارُ يُخْطِي ويكذب؟!
فهذا لَعَمْري باطلٌ باتِّفاقِ مَنْ يرى الحقَّ والأَعْمى عن الحقِّ يُحْجَبُ
فمَنْ قالَ في اللهِ العظيمِ برأيِه فلا ريبَ [في] طغيانِهِ يا مُؤَدَّبُ (١)
ومع هذا التقرير القوي منه - ﵀ - لأصول عقائد السلف، إلا أنه - ﵀ - قد تأثر ببعض الأفكار التي كانت سائدة في عصره، كالتوسل (٢)، والتبرك بالدعاء عند القبور (٣)، وأخذِه بعضَ الطرق الصوفية (٤)، وقراءةِ
_________________
(١) انظر: "الذخائر لشرح منظومة الكبائر" للسفاريني (ص: ٣٨١).
(٢) من ذلك قوله في "إجازة عبد القادر بن خليل" (ص: ٢٣٣): بجاهِ رسولِ الله طه الذي ارتقى إلى قابِ قوسِ القربِ من ربِّه العالي
(٣) من ذلك قوله في كتابه: "الذخائر" (ص: ١٣١): "وقبره -أي: شيخ الإِسلام- مشهور يزار، ويتبرك بالدعاء عنده، وقد زرناه مرارًا".
(٤) فقد أخذ علم التصوف عن الشيخ عبد الغني النابلسي، كما ذكر الزبيدي في "المعجم المختص" (ص: ٦٤٣)، وأخذ الطريقة الخلوتية من الشيخ مصطفى البكري الخلوتي، كما ذكر هو في "إجازة الزبيدي" (ص: ١٩٣).
[ مقدمة / ٢٣ ]
بعض الكتب المتضمنة لمخالفات شرعية على بعض مشايخ عصره (١).
وعلى أي حال، فالإمام السفاريني - ﵀ - إمام محبٌّ للسلف الصالح، سائر على طريقهم، مقتفٍ لآثارهم، وعليه مؤاخذاتٌ فيما نُبِّه عليه، مما لا تَحُطُّ من قدره أو علمه، وإنما على المرء التنبهُ إليها؛ لتحصل بركةُ الانتفاع المرجوة من علوم هذا الإِمام القدير، والعصمة لله وحده.
* أما مذهبه في الفروع: فقد كان - ﵀ - حنبليَّ المذهب، كما كان حنبليَّ الاعتقاد، فقد كان مُحبًا للإمام أحمد - ﵀ -، وقد ترجم له تراجمَ مطوَّلَةً في أكثرَ من كتاب من كتبه (٢)، وكان مُكثرًا من نُقول مذهب الحنابلة في سائر كتبه، ولا يخرج عن المذهب أبدًا، وهو القائل: [من الكامل]
مالي إليكَ وسيلةٌ إلا الرَّجا وجميلُ عفوِكَ ثمَّ إني حنبلي (٣)
ولم يكن - ﵀ - يشنع على المخالفين لمذهبه، أو يقوده تعصبٌ
_________________
(١) فقد قرأ على الشيخ عبد السلام بن محمد الكاملي شيئًا من "رسائل إخوان الصفا"، كما ذكر هو في "إجازة الزبيدي" (ص: ١٧٦)، وكذا تلميذه الزبيدي في "المعجم المختص" (ص: ٦٤٣). وقد نبه العلماء المحققون، منهم: شيخ الإِسلام ابن تيمية في مواضع من كتبه على ما حوته هذه الرسائل من مخالفات شرعية كبيرة، وأمور عظام لم يعهدها سلف هذه الأمة، والله الموعد.
(٢) فقد ترجم له - ﵀ - في كتابه هذا: "كشف اللثام"، و"شرح ثلاثيات المسند"، و"غذاء الألباب شرح منظومة الآداب"، و"الذخائر لشرح منظومة الكبائر". قال - ﵀ - في كتابه "غذاء الألباب" (١/ ٢٣٦) بعد ذكره مطلبًا في ذكر طرف من مناقب سيدنا الإِمام أحمد: "وإنما حلينا كتابنا هذا بطرف من ذكره ومناقبه ومآثره، لتحصل له بركة ذكره، فرضوان الله عليه، وأماتنا على طريقته وحبه، ببركة نبينا محمَّد - ﷺ - وآله وحزبه، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم".
(٣) انظر: "النعت الأكمل" للغزي (ص: ٣٠٤).
[ مقدمة / ٢٤ ]
أعمى لترجيحه، بل كان - ﵀ - يكِنُّ حبًا للأئمة الأربعة، ويذكر أقوالهم وأدلتهم حيث ذكر مذهب الحنابلة في الغالب، فيقول - ﵀ - عنهم:-[من الرجز]
ورحمةُ الله مع الرضوانِ والبرِّ والتكريمِ والإحسانِ
تُهْدَى معَ التبجيلِ والإِنعام مِنِّي لِمَثْوى عِصْمَةِ الإِسلامِ
أَئمةٍ لدينِ هذي الأُمةِ أهلِ التقى من سائر الأئمةِ
لا سيما أحمدَ والنعمانِ ومالِكٍ محمدِ الصِّنْوانِ
مَنْ لازمٌ لكلِّ أربابِ العَمَلْ تقليدُ حِبْرٍ منهمُ فاسمعْ تَخَلْ (١)
* * *
_________________
(١) انظر: "لوامع الأنوار" للسفاريني (٢/ ٤٥٧).
[ مقدمة / ٢٥ ]