وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ سِتَّة وَسِتُّونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ خَمْسَة.
٤٢١ - / ٥١٤ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: " إِذا رميت بالمعراض فخرق فكله، وَإِن أَصَابَهُ بِعرْض فَلَا تَأْكُله ".
المعراض: نصل عريض لَهُ ثقل ورزانة، فَإِذا أصَاب بحده قطع فذكى، وَإِذا أصَاب بعرضه وقذ فَكَانَت ميتَة. والخرق: الطعْن، والخارق من السِّهَام مَا أصَاب الْغَرَض وَأثر فِيهِ.
وَاعْلَم أَنه يشْتَرط فِي إِبَاحَة الصَّيْد ثَلَاثَة أَشْيَاء: أَهْلِيَّة الصَّائِد، وصلاحية الْآلَة، وَكَيْفِيَّة الِاصْطِيَاد. فَأَما الْأَهْلِيَّة فَأن يكون الصَّائِد من أهل الذَّكَاة كَالْمُسلمِ والكتابي. فَأَما الْآلَة فنوعان: جوارح وَغير جوارح، فالجوارح نَوْعَانِ: حَيَوَان ومحدد، فالحيوان نَوْعَانِ: أَحدهمَا يصيد بنابه كَالْكَلْبِ والفهد والنمر، وَالثَّانِي بمخلابه كالبازي والصقر وَالْعِقَاب والشاهين. وَإِنَّمَا يُبَاح صيدهن بعد التَّعْلِيم، وَيعلم التَّعْلِيم بِأَن
[ ١ / ٤٤٠ ]
يُرْسِلهُ فيسترسل، ويدعوه فَيرجع، وَيشْتَرط فِي تَعْلِيم ذِي الناب أَلا يَأْكُل مَا أمْسكهُ وَلَو مرّة. وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمّد: حد تَعْلِيم سِبَاع الْبَهَائِم أَن تصيد وَلَا تَأْكُل ثَلَاث مَرَّات. وَأما ذَوُو المخلاب فَلَا يشْتَرط فِي تعليمهن ترك الْأكل؛ لِأَنَّهُنَّ يعلمن بِالْأَكْلِ، وذوو الناب يعلمن بترك الْأكل، فَإِن أكل ذُو الناب من صَيْده بعد تعلمه لم يحرم مَا يقدم من صيوده خلافًا لأبي حنيفَة، وَهل يحرم مَا أكل مِنْهُ؟ فِيهِ عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ، وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ: فَإِذا أدْرك الصَّيْد وَفِيه حَيَاة فَمَاتَ قبل أَن يذكيه، فَإِن كَانَ ذَلِك قبل الْقُدْرَة على تذكيته أُبِيح، وَإِن أمكنه فَلم يذكه لم يبح، وَهَذَا قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يُبَاح فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
فَأَما الْكَلْب الْأسود فعندنا أَنه لَا يُبَاح صَيْده وَإِن كَانَ معلما؛ لِأَن النَّبِي ﷺ أَمر بقتْله، وَالْأَمر بِالْقَتْلِ يمْنَع ثُبُوت الند وَيبْطل حكم الْفِعْل، فَيصير وجوده كَالْعدمِ.
وَأما الْجَارِح من المحدد فَكل مَا رمي بِهِ الصَّيْد فجرحه وأنهر دَمه، إِلَّا السن وَالظفر فَإِنَّهُ لَا يُبَاح الصَّيْد بهما، فَإِن رمى الصَّيْد بمحدد فَقتله بثقله وَلم يجرحه لم يحل، وَهَذَا الْمشَار إِلَيْهِ فِي هَذَا الحَدِيث بقوله: " وَإِن أَصَابَهُ بِعرْض فَلَا تَأْكُله " لِأَنَّهُ إِذا أَصَابَهُ بعرضه فَإِنَّمَا أَصَابَته خَشَبَة السهْم لَا حديدها الَّذِي يسيل الدَّم. فَإِن نصب منجلا أَو سكينا فجرح
[ ١ / ٤٤١ ]
الصَّيْد فَقتله حل. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يحل.
وَأما غير الْجَوَارِح كالشبكة والفخ فَإِنَّهُ إِذا حصل فِيهَا الصَّيْد لم يبح أكله حَتَّى يدْرك وَبِه حَيَاة مُسْتَقِرَّة فيذكى.
وَأما كَيْفيَّة الِاصْطِيَاد فَيشْتَرط فِيهَا ثَلَاثَة أَشْيَاء: أَحدهمَا: التَّسْمِيَة، فَإِن أَتَى بغَيْرهَا من الْأَذْكَار لم يجز. وَأما إِن ترك التَّسْمِيَة فَعَن أَحْمد أَربع رِوَايَات. إِحْدَاهُنَّ: لَا يحل الْأكل سَوَاء نسي أَو تعمد، وَهَذَا قَول الشّعبِيّ وَأبي ثَوْر وَدَاوُد. وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة: إِن تَركهَا عَامِدًا لم يحل وَإِن نسي حل، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَالثَّوْري وَمَالك. وَالثَّالِثَة: إِن نَسِيَهَا على السهْم حل الْأكل، فَأَما على الْكَلْب والفهد فَلَا. وَالرَّابِعَة: يحل الْأكل سَوَاء تَركهَا عَامِدًا أَو سَهوا، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي.
وَقَوله: " فَإِن خالطها كلاب " وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا يدْرِي أكلبه الَّذِي سمى عَلَيْهِ عقر هَذَا الصَّيْد أم غَيره، وَالْأَصْل الْحَظْر.
وَقَوله: " فَإِن أَخذ الْكَلْب ذَكَاة " أَي قَائِم مقَام الذَّكَاة.
وَقَوله: " فَإِن وجدته غريقا فِي المَاء فَلَا تَأْكُل، فَإنَّك لَا تَدْرِي المَاء قَتله أم سهمك " اعْلَم أَنه إِذا كَانَت الْجراحَة غير مُوجبَة ثمَّ وجد فِي المَاء فَإِنَّهُ لَا يحل أكله قولا وَاحِدًا، فَإِن كَانَت مُوجبَة قد وَقعت فِي مقتل، فَهَل يحل أم لَا؟ على رِوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد، فَإِن قُلْنَا بِرِوَايَة الْمَنْع فَهِيَ على وفْق الحَدِيث، وَإِن قُلْنَا بِالْجَوَازِ كَانَ الْمَنْع من الحَدِيث
[ ١ / ٤٤٢ ]
مَحْمُولا على أحد شَيْئَيْنِ: إِمَّا على مَا إِذا لم تكن الْجراحَة فِي مقتل، وَإِمَّا على الْوَرع وَإِن كَانَت فِي مقتل.
وَقد جَاءَ فِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث: " يَرْمِي الصَّيْد فيقتفر أَثَره الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَة " أَي يتبع.
٤٢٢ - / ٥١٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا سيكلمه ربه لَيْسَ بَينه وَبَينه ترجمان ".
الترجمان: الْمعبر عَن الْإِنْسَان.
قَوْله: " فَينْظر أَيمن مِنْهُ وأشأم مِنْهُ " يَعْنِي: عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله. " وتلقاء وَجهه " بَين يَدَيْهِ وَهُوَ مَا يلاقي وَجهه.
والشق هَاهُنَا نصف الشَّيْء، وَقد يَقع على الْمَشَقَّة، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِلَّا بشق الْأَنْفس﴾ [النَّحْل: ٧] .
وأشاح بِمَعْنى أعرض، وَقَالَ أَبُو عبيد: أشاح بِمَعْنى حذر من الشَّيْء وَعدل عَنهُ، وَأنْشد:
(إِذا سمعن الرز من رَبَاح شايحن مِنْهُ أَيّمَا شياح)
وأشاح: إِذا جد فِي قتال أَو غَيره، قَالَ عبيد:
(قطعته غدْوَة مشيحا وصاحبي بازل خبوب)
[ ١ / ٤٤٣ ]
وَمعنى الحَدِيث: حذر كَأَنَّهُ ينظر إِلَى النَّار حِين ذكرهَا فَأَعْرض لذَلِك، وَيجوز أَن يكون أَرَادَ الْجد فِي كَلَامه، وَالْأول أشبه بِالْمَعْنَى.
والظعينة قد فسرناها فِي مُسْند عَليّ ﵇.
وَقَوله: فَأَيْنَ دعار طَيء. الدعار جمع داعر: وهم قطاع الطَّرِيق، وأصل الْكَلِمَة من الْفساد، لِأَن الدعارة والدعر الْفساد. قَالَ شَيخنَا أَبُو مَنْصُور اللّغَوِيّ: والعامة تَقول: هم الذعار بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، وَإِنَّمَا هُوَ بِالدَّال، وَهُوَ مَأْخُوذ من الْعود الدعر، وَهُوَ الَّذِي يُؤْذِي بِكَثْرَة دخانه، قَالَ ابْن مقبل:
(باتت حواطب ليلى يلتمسن لَهَا جزل الجذا غير خوار وَلَا دعر)
فَإِن ذهب بهم إِلَى معنى الْفَزع جَازَ أَن يُقَال بِالذَّالِ.
وَقَوله: الَّذين سعروا الْبِلَاد: أَي ملئوها شرا وَفَسَادًا، وَهُوَ مستعار من اسْتعَار النَّار: وَهُوَ توقدها والتهابها.
وَقَوله: " لتفتحن كنوز كسْرَى " الْكُنُوز جمع كنز، قَالَ الزّجاج: هُوَ فِي اللُّغَة المَال المدفون المدخر.
وَأما كسْرَى فَقَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ: هُوَ اسْم أعجمي، وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ خسرو، وَقد تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب، قَالَ عدي:
[ ١ / ٤٤٤ ]
(أَيْن كسْرَى كسْرَى الْمُلُوك أَبُو ساسان أم أَيْن قبله سَابُور)
وَقَالَ عَمْرو بن حسان:
(وكسرى إِذْ تقسمه بنوه بأسياف كَمَا اقتسم اللحام)
وكسرى بِكَسْر الْكَاف أفْصح من كسْرَى بِفَتْحِهَا، وَالنّسب إِلَيْهِ كسروي بِفَتْح الْكَاف، وَيجمع كسورا وأكاسر وأكاسرة.
وهرمز: اسْم أعجمي.
وَأما كَثْرَة المَال فِي آخر الزَّمَان فلكثرة الْفتُوح وانتشار الْإِسْلَام.
٤٢٣ - / ٥١٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: لما نزلت: ﴿حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٧] عَمَدت إِلَى عقال أسود وَإِلَى عقال أَبيض.
العقال هَاهُنَا الْحَبل الَّذِي يعقل بِهِ الْبَعِير. وَقد جَاءَ هَذَا الحَدِيث فِي رِوَايَة أُخْرَى وَفِيه: " إِن وِسَادك إِذن لَعَرِيض " وَظَاهر هَذَا اللَّفْظ عرض الوساد لما تَحْتَهُ. وَفِي لفظ: " إِنَّك لَعَرِيض الْقَفَا " لِأَن عرض الوساد على قدر عرض الْقَفَا، وَفِي هَذَا كِنَايَة عَن البلادة؛ فَإِن المستثقل فِي النّوم عِنْدهم بليد والمتيقظ خَفِيف النّوم. ومقصود الحَدِيث: أَنَّك مَا فهمت. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا القَوْل: إِن نومك إِذن لطويل، فكنى بالوساد عَن النّوم؛ لِأَن النَّائِم يتوسد، وَالْعرض فِي مثل هَذَا
[ ١ / ٤٤٥ ]
يُرَاد بِهِ السعَة وَالْكَثْرَة. وَقَالَ الْخطابِيّ: وَقد يتَأَوَّل هَذَا على أَن من يَأْكُل حَتَّى يسفر يَدُوم لَهُ عرض قَفاهُ وَلحم بدنه فَلَا ينهكه الصَّوْم. وَقد قيل: إِنَّمَا أشكل على عدي لِأَنَّهُ لم يكن نزل (من الْفجْر) قَالَ سهل بن سعد: نزلت هَذِه الْآيَة وَلم ينزل (من الْفجْر) فَكَانَ رجال إِذا أَرَادوا الصَّوْم ربط أحدهم فِي رجلَيْهِ الْخَيط الْأسود وَالْخَيْط الْأَبْيَض، وَلَا يزَال يَأْكُل حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ رئيهما، فَنزل قَوْله تَعَالَى: (من الْفجْر) فَعَلمُوا إِنَّمَا يَعْنِي بذلك اللَّيْل وَالنَّهَار.
٤٢٤ - / ٥١٧ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
" لَيْسَ عِنْدِي إِلَّا دِرْعِي ومغفري "
قَالَ أَبُو الْحُسَيْن بن فَارس: درع الْحَدِيد مُؤَنّثَة، وَدرع الْمَرْأَة قميصها مُذَكّر. وَأما المغفر فجنة للرأس فِي الْحَرْب من حَدِيد أَيْضا، وَسمي مغفرا لِأَنَّهُ يستر الرَّأْس.
وَقَوله فِي الْيَمين: فليكفرها وليأت الَّذِي هُوَ خير. ظَاهره يدل
[ ١ / ٤٤٦ ]
على جَوَاز التَّكْفِير قبل الْحِنْث، وَسَوَاء كفر بِالْمَالِ أَو بالصيام، وَهَذَا مَذْهَب أَحْمد وَمَالك. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يجوز تَقْدِيمهَا بالصيام وَيجوز بِغَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجوز أصلا، وَإِن قدمهَا لم يجزه، وَمن حجَّة أبي حنيفَة أَن الْوَاو للْجمع لَا للتَّرْتِيب، وَأَن الْكَفَّارَة إِذا وَجَبت لأجل الْحِنْث.
٤٢٥ - / ٥١٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أَن رجلا خطب فَقَالَ: من يطع الله وَرَسُوله فقد رشد، وَمن يعصهما فقد غوى، فَقَالَ النَّبِي ﷺ: " قل: وَمن يعْص الله وَرَسُوله ".
إِنَّمَا أنكر عَلَيْهِ لِأَن جمع الِاثْنَيْنِ بِلَفْظ وَاحِد يدل على التَّسَاوِي، فَأَرَادَ مِنْهُ الْفرق لتعظيم الْعَظِيم.
والغواية: الضلال.
[ ١ / ٤٤٧ ]