أسلم قَدِيما، وَكَانَ من الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذين يُعَذبُونَ بِمَكَّة ليرجعوا عَن دينهم، وَأحرقهُ الْمُشْركُونَ بالنَّار، فَكَانَ رَسُول الله يمر بِهِ فيمر يَده على رَأسه وَيَقُول: " يَا نَار كوني بردا وَسلَامًا على عمار كَمَا كنت على إِبْرَاهِيم " وَشهد بَدْرًا، وَلم يشهدها ابْن مُؤمنين غَيره، لِأَن أَبَاهُ ياسرا أسلم، وَأمه سميَّة بنت خباط، وَكَانُوا كلهم يُعَذبُونَ ليرجعوا عَن الْإِسْلَام، فَقَالَ النَّبِي ﷺ " صبرا يَا آل يَاسر، مَوْعدكُمْ الْجنَّة ". وَسَماهُ النَّبِي ﷺ الطّيب المطيب.
وروى عَن رَسُول الله اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ خَمْسَة:
٢٨٦ - / ٣٤٥ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: أَن أَبَا مُوسَى قَالَ لِابْنِ مَسْعُود أَرَأَيْت لَو أَن رجلا أجنب فَلم يجد المَاء شهرا، كَيفَ يصنع بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ عبد الله: لَا يتَيَمَّم وَإِن لم يجد المَاء شهرا.
[ ١ / ٣٤١ ]
فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكيف بِهَذِهِ الْآيَة: ﴿فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا﴾ [الْمَائِدَة: ٦] قَالَ عبد الله: لَو رخص لَهُم فِي هَذِه الْآيَة لَأَوْشَكَ إِذا برد عَلَيْهِم المَاء أَن يتيمموا بالصعيد، فَذكر لَهُ حَدِيث عمار فِي التَّيَمُّم.
وَفِي رِوَايَة: أَن رجلا أَتَى عمر فَقَالَ: أجنبت فَلم أجد مَاء. فَقَالَ: لَا تصل. فَقَالَ عمار: أَلا تذكر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِذْ أَنا وَأَنت فِي سَرِيَّة فأجنبنا فَلم نجد مَاء، فَأَما أَنْت فَلم تصل، وَأما أَنا فتمعكت فِي التُّرَاب وَصليت، فَقَالَ رَسُول الله: " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَن تضرب بيديك الأَرْض ثمَّ تمسح بهما وَجهك وكفيك " فَقَالَ عمر: اتَّقِ الله يَا عمار. قَالَ: إِن شِئْت لَا أحدث بِهِ. فَقَالَ عمر: نوليك مَا توليت.
ظَاهر المناظرة بَين ابْن مَسْعُود وَأبي مُوسَى أَن ابْن مَسْعُود لم يلْتَفت إِلَى الْآيَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَلَكِن ابْن مَسْعُود رأى أَن الْآيَة لَا تَتَضَمَّن التَّيَمُّم إِنَّمَا تخْتَص بِالْحَدَثِ الْأَصْغَر، فَلذَلِك لم ير جَوَاز التَّيَمُّم للْجنب. وَقد اخْتلف النَّاس فِي هَذِه الْآيَة: فَمنهمْ من قَالَ: إِنَّمَا دلّت على التَّيَمُّم عَن الْحَدث الْأَصْغَر فَقَط، وهم الْقَائِلُونَ بِأَن اللَّمْس لمس الْيَد. قَالُوا: وَإِنَّمَا استفدنا جَوَاز التَّيَمُّم للْجنب من حَدِيث عمار، وَيدل عَلَيْهِ أَنه لما تمعك عمار فِي التُّرَاب وَأخْبر رَسُول الله بِفِعْلِهِ قَالَ: " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَن تَقول هَكَذَا " وَعلمه التَّيَمُّم وَلم يردهُ إِلَى بَيَان الْآيَة، وَلَو كَانَ فِيهَا بَيَان ذَلِك لقَالَ كَمَا قَالَ لعمر فِي شَأْن الْكَلَالَة: " يَكْفِيك آيَة الصَّيف ".
وَمِنْهُم من قَالَ: بل دلّت على التَّيَمُّم عَن الْجَنَابَة، وَاخْتلف هَؤُلَاءِ على أَي وَجه دلّت على ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن المُرَاد باللمس فِيهَا
[ ١ / ٣٤٢ ]
الْوَطْء، قَالَه عَليّ ﵇. وَالثَّانِي: أَن فِيهَا تَقْدِيمًا وتأخيرا، وتقديرها: إِذا قُمْتُم إِلَى الصَّلَاة من النّوم، فَأفَاد ذَلِك النّوم وَمَا فِي مَعْنَاهُ من الْبَوْل والمذي وَالرِّيح. ﴿أَو لامستم﴾ أَي بِالْيَدِ ﴿فَاغْسِلُوا﴾ . ثمَّ قَالَ: ﴿وَإِن كُنْتُم جنبا﴾ فأفادت الْآيَة ذكر الطهارتين عِنْد وجود المَاء مَعَ التَّنْبِيه على الْأَحْدَاث. ثمَّ قَالَ: ﴿وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط أَو لامستم النِّسَاء فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا﴾ فَانْصَرف إِلَى الطهارتين جَمِيعًا، وَأفَاد جَوَاز التَّيَمُّم عَن الحدثين، وَهَذَا الْمَعْنى مَرْوِيّ عَن زيد بن أسلم وَابْنه. وَالثَّالِث: أَن الْآيَة لما جعلت التَّيَمُّم بَدَلا عَن الْوضُوء نبهت على أَنه بدل عَن الْغسْل لِأَن التُّرَاب لما جعل بَدَلا عَن المَاء وَجب أَن يَنُوب عَن طهارات المَاء.
وَأما التَّيَمُّم فَإِنَّهُ فِي اللُّغَة الْقَصْد، قَالَ الْأَعْشَى:
(تيممت قيسا وَكم دونه من الأَرْض من مهمه ذِي شزن)
وَقَوله: لَو رخص لَهُم فِي هَذَا لَأَوْشَكَ إِذا برد عَلَيْهِم المَاء أَن يتيمموا للصَّلَاة.
وَعِنْدنَا أَنه إِذا خَافَ ضَرَر الْبرد تيَمّم وَصلى وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ إِن كَانَ مُسَافِرًا، وَإِن كَانَ مُقيما فعلى رِوَايَتَيْنِ. قَالَ الشَّافِعِي: يُعِيد الْمُقِيم، وَله فِي الْمُسَافِر قَولَانِ.
[ ١ / ٣٤٣ ]
وَقَوله: فتمرغت فِي الصَّعِيد كَمَا تتمرغ الدَّابَّة. وَإِنَّمَا فعل هَذَا لِأَنَّهُ رأى التُّرَاب بَدَلا عَن المَاء فَاسْتَعْملهُ فِي جَمِيع الْبدن. فَأَما الصَّعِيد فَهُوَ التُّرَاب قَالَه عَليّ وَابْن مَسْعُود واللغويون، مِنْهُم الْفراء وَأَبُو عبيد والزجاج وَابْن قُتَيْبَة.
وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يَقع اسْم الصَّعِيد إِلَّا على تُرَاب ذِي غُبَار، فعلى هَذَا لَا يجوز التَّيَمُّم إِلَّا بِالتُّرَابِ، وَهُوَ قَول أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَدَاوُد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: يجوز بِجَمِيعِ أَجزَاء الأَرْض كالنورة والجص والزرنيخ وَغَيره. وَزَاد مَالك فَقَالَ: وَيجوز بالحشيش وَالشَّجر، فعلى هَذَا يكون الصَّعِيد عِنْدهمَا مَا تصاعد على وَجه الأَرْض سَوَاء كَانَ تُرَابا أَو غَيره، وَلَا خلاف أَنه إِذا ضرب بِيَدِهِ على الطين أَنه لَا يجْزِيه. وَقد سلم خصمنا برادة الذَّهَب وَالْفِضَّة والصفر والنحاس والدقيق وسحيق الزّجاج والجوهر والصندل ونحاتة الْخشب وَنَحْو ذَلِك، فَأَما الرمل فلأبي حنيفَة وَأحمد فِيهِ رِوَايَتَانِ.
وَقد دلّ حَدِيث عمار هَذَا على أَنه يجوز الِاقْتِصَار فِي التَّيَمُّم على الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ بضربة وَاحِدَة، وَهُوَ قَول مَالك وَدَاوُد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد: لَا يجْزِيه إِلَّا أَن يمسح إِلَى الْمرْفقين. وَلَا
[ ١ / ٣٤٤ ]
يخْتَلف أَصْحَابنَا فِي جَوَاز الْأَمريْنِ، إِنَّمَا اخْتلفُوا فِي الْمسنون: فَقَالَ القَاضِي أَبُو يعلى: الْمسنون أَن يضْرب ضربتين، يمسح بِوَاحِدَة وَجهه وبالأخرى يَدَيْهِ إِلَى الْمرْفقين، فَإِن ضرب ضَرْبَة فَمسح بهَا وَجهه وكفيه جَازَ. وَقَالَ أَبُو الْخطاب الكلواذاني: بل الْمسنون عِنْد أَحْمد ضَرْبَة وَاحِدَة للْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ. وَقَالَ أَبُو الْوَفَاء بن عقيل: ظَاهر كَلَام أَحْمد يدل على أَن الْمسْح إِلَى الْمرْفقين جَائِز وَلَيْسَ بمستحب.
وَقَوله: ونفض يَدَيْهِ. وَفِي لفظ: " يَكْفِيك أَن تضرب بيديك الأَرْض ثمَّ تنفخ " يحْتَج بِهِ من يرى جَوَاز الضَّرْب على حجر لَا غُبَار لَهُ، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَمَالك. وَعند أَحْمد وَالشَّافِعِيّ: لَا بُد من غُبَار يعلق بِالْيَدِ، لقَوْله تَعَالَى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ و" من " للتَّبْعِيض. وَأما نفض الْيَد ونفخها فَالْمُرَاد بِهِ تَخْفيف مَا تعلق بِالْيَدِ. فَإِنَّهُ قد تعلق بهَا الْكثير، والنفخ لَا يدْفع الْخَفِيف، وَبِه تقع الْكِفَايَة.
وَقَوله: اتَّقِ الله يَا عمار. مَعْنَاهُ: احْتَرز فِيمَا تروي، وَلَيْسَ أَنه شكّ فِيهِ، وَلكنه تثقيف لَهُ وتأديب لغيره.
وَقَوله: نوليك مَا توليت: مَعْنَاهُ نَدعك وَمَا تتقلد.
[ ١ / ٣٤٥ ]
٢٨٧ - / ٣٤٦ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
لما بعث عَليّ عمارا إِلَى الْكُوفَة ليستنفرهم.
الاستنفار: الدُّعَاء إِلَى النُّصْرَة. وَهَذَا كَانَ عِنْد خُرُوج عَائِشَة ﵍ إِلَى الْبَصْرَة.
٢٨٨ - / ٣٤٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: دخل أَبُو مُوسَى وَأَبُو مَسْعُود على عمار حَيْثُ أَتَى إِلَى الْكُوفَة ليستنفر النَّاس، فَقَالَا: مَا رَأينَا مِنْك أمرا مُنْذُ أسلمت أكره عندنَا من إسراعك فِي هَذَا الْأَمر. فَقَالَ: مَا رَأَيْت مِنْكُمَا أمرا مُنْذُ أسلمتما أكره عِنْدِي من إبطائكما عَن هَذَا الْأَمر: قَالَ ثمَّ كساهما حلَّة.
أَبُو مُوسَى هُوَ الْأَشْعَرِيّ، وَأَبُو مَسْعُود هُوَ البدري، واسْمه عقبَة ابْن عَمْرو.
وَالْإِشَارَة بقَوْلهمْ: هَذَا الْأَمر، إِلَى الْخُرُوج مَعَ عَليّ ﵇ وَمَعَ عَائِشَة ﵂. وَإِنَّمَا كرها لعمَّار الْخُرُوج فِيمَا ظَاهره الْقِتَال والفتن، وَكره لَهما عمار قعودهما عَن نصْرَة عَليّ ﵇، وَالْحق فِي ذَلِك مَعَ عمار؛ لِأَن عليا ﵇ كَانَ الإِمَام علما وَخِلَافَة، فَهُوَ أعلم بِالْحَقِّ من كل من خاصمه، وَإِنَّمَا خرجت عَائِشَة ﵍ لتصلح الْأَمر فانخرق.
٢٨٩ - / ٣٤٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: رَأَيْت رَسُول الله وَمَا مَعَه إِلَّا خَمْسَة أعبد وَامْرَأَتَانِ.
[ ١ / ٣٤٦ ]
أما عمار فَإِنَّهُ أسلم قَدِيما، وَقد أسلم جمَاعَة قبله، وَإِنَّمَا حكى مَا رأى.
٢٩٠ - / ٣٤٩ - وَفِيمَا انْفَرد بِهِ مُسلم:
خَطَبنَا عمار فأوجز وأبلغ، فَقُلْنَا: لَو كنت تنفست، فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " إِن طول صَلَاة الرجل وَقصر خطبَته مئنة من فقهه، وَإِن من الْبَيَان سحرًا ".
تنفست بِمَعْنى مددت الْكَلَام قَلِيلا، وَهُوَ مشبه بِمد النَّفس.
ومئنة بِمَعْنى عَلامَة تدل على فقه الرجل. قَالَ أَبُو عبيد: هُوَ كَقَوْلِك: مخلقة، ومجدرة، ومحراة.
وَالْفِقْه: الْفَهم، قَالَ الْأَزْهَرِي: الْفِقْه أَن يعلم الرجل من بَاطِن مَا يسْأَل عَنهُ كَمَا يعلم من ظَاهره لَا يخفى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْء. فَأَما الْبَيَان فَقَالَ أَبُو عبيد: الْبَيَان من الْفَهم وذكاء الْقلب مَعَ اللسن، فصاحبه يمدح فَيصدق، ويذم فَيصدق، وَكَأَنَّهُ قد سحر السامعين بذلك. وَقَالَ مَالك ابْن دِينَار: مَا رَأَيْت أبين من الْحجَّاج، إِن كَانَ ليرقى الْمِنْبَر فيذكر إحسانه إِلَى أهل الْعرَاق وصفحه عَنْهُم وإساءتهم إِلَيْهِ حَتَّى أَقُول فِي نَفسِي: وَالله إِنِّي لأحسبه صَادِقا، وَإِنِّي لأظنهم ظالمين لَهُ.
[ ١ / ٣٤٧ ]