وَاخْتلفُوا فِي اسْمه وَاسم أَبِيه، فَقَالَ قوم: جُنْدُب بن جُنَادَة بن كَعْب. وَقَالَ آخَرُونَ: جُنْدُب بن السكن. وَقَالَ بَعضهم: يزِيد بن جُنَادَة. وَقيل: يزِيد بن أشعر، وَيُقَال: يزِيد بن عشرقة. وَيُقَال: اسْمه جُنَادَة.
وَكَانَ يتعبد قبل مبعث النَّبِي ﷺ قَدِيما، وَقَالَ: كنت خَامِسًا فِي الْإِسْلَام، وَرجع إِلَى بِلَاد قومه وَلم يقدم إِلَّا بعد الخَنْدَق.
روى عَن رَسُول الله مِائَتي حَدِيث، وأحدا وَثَمَانِينَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ.
٢٩٥ - / ٣٥٤ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: أَنه تزَود وَحمل شنة فِيهَا مَاء حَتَّى قدم مَكَّة. الشنان: الأسقية الَّتِي قد أخلقت، وَاحِدهَا شن، وكل جلد بَال شن، وَيُقَال للقربة مِنْهَا شنة، وَهِي أَشد تبريدا للْمَاء من الجدد.
[ ١ / ٣٥٠ ]
وَقَوله: مَا أَنى للرجل. أَي: مَا آن.
ويقفوه بِمَعْنى يتبعهُ.
وَقَوله: لأصرخن بهَا: أَي بِكَلِمَة التَّوْحِيد بَين ظهرانيهم، يَعْنِي الْمُشْركين بِمَكَّة.
وَقَوله: فَثنى علينا الَّذِي قيل لَهُ: أَي أظهره لنا. وَإِنَّمَا يُقَال النثا بِتَقْدِيم النُّون فِي الشَّيْء الْقَبِيح، فَإِذا قدمت الثَّاء فَهُوَ الْكَلَام الْجَمِيل.
وَقَوله: لَا جماع لَك: أَي لَا نَجْتَمِع مَعَك.
والصرمة: الْقطعَة من الْإِبِل نَحْو الثَّلَاثِينَ.
وَقَوله: فنافر أنيس عَن صِرْمَتنَا وَعَن مثلهَا: أَي من قضى لَهُ بالغلبة أَخذ ذَلِك. وَقَالَ أَبُو عبيد: المنافرة: أَن يفتخر الرّجلَانِ كل وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه ثمَّ يحكما رجلا بَينهمَا، والنافر: الْغَالِب، والمنفور: المغلوب. يُقَال: قد نفره ينفره وينفره نَفرا: إِذا غلب عَلَيْهِ.
وَقَوله: فَأتيَا الكاهن فَخير أنيسا عَلَيْهِ: أَي غَلبه وَقضى لَهُ.
وَقَوله: قد صليت قبل أَن ألْقى رَسُول الله. هَذَا إلهام الْقُلُوب الطاهرة، وَمُقْتَضى الْعُقُول السليمة، فَإِنَّهَا توفق للصَّوَاب وتلهم للرشد
وَقَوله: كَأَنِّي خَفَاء. قَالَ أَبُو عبيد: الخفاء مَمْدُود هُوَ الغطاء، وكل شَيْء غطيته بِشَيْء من كسَاء أَو ثوب فَذَلِك الغطاء خَفَاء، وَجمعه
[ ١ / ٣٥١ ]
أخفية. قَالَ ابْن دُرَيْد: الخفاء كسَاء يطْرَح على السقاء.
وَقَوله: فَرَاثَ عَليّ: أَي أَبْطَا.
وَقَوله: وضعت قَوْله على أَقراء الشّعْر، قَالَ ابْن قُتَيْبَة: يُرِيد أَنْوَاعه وطرقه، وَاحِدهَا قري، يُقَال هَذَا الشّعْر على قري هَذَا.
وَقَوله: فَتَضَعَّفْت رجلا: أَي رَأَيْته ضَعِيفا، فَعلمت أَنه لَا ينالني بمكروه وَلَا يرتاب مقصدي.
وَقَوله: كَأَنِّي نصب أَحْمَر: أَي قُمْت بعد أَن وَقعت كَأَنِّي لجَرَيَان دمي أحد الأنصاب: وَهِي حِجَارَة يذبحون عَلَيْهَا فتحمر بالدماء.
فَأَما زَمْزَم فَقَالَ ابْن فَارس: هُوَ من قَوْلك: زممت النَّاقة: إِذا جعلت لَهَا زماما تحبسها بِهِ، وَذَلِكَ أَن جِبْرِيل لما هزم الأَرْض بمقاديم جنَاحه فَفَاضَ المَاء زمتها هَاجر فسميت بذلك.
وَقَوله: فَمَا وجدت سخْفَة جوع. قَالَ الْأَصْمَعِي: السخفة: الخفة، وَلَا أَحسب قَوْلهم سخيف إِلَّا من هَذَا.
وَقَوله: فَبينا أهل مَكَّة. قَالَ الزّجاج: مَكَّة لَا تَنْصَرِف لِأَنَّهَا مُؤَنّثَة. وَهِي معرفَة، وَيصْلح أَن يكون اشتقاقها من قَوْلهم: امتك
[ ١ / ٣٥٢ ]
الفصيل مَا فِي ضرع النَّاقة: إِذا مص مصا شَدِيدا حَتَّى لَا يبقي فِيهِ شَيْئا، فَتكون قد سميت بذلك لشدَّة الازدحام فِيهَا.
وللعلماء فِي تَسْمِيَة مَكَّة أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: لِأَنَّهَا مثابة يؤمها الْخلق من كل فج، فَكَأَنَّهَا الَّتِي تجلب الْخلق إِلَيْهَا، من قَوْلهم: امتلك الفصيل مَا فِي ضرع النَّاقة.
وَالثَّانِي: من قَوْلك: مككت الرجل: إِذا رددت نخوته، فَكَأَنَّهَا تمك من ظلم فِيهَا: أَي تهلكه وتنقصه، وأنشدوا:
(يَا مَكَّة الْفَاجِر مكي مكا وَلَا تمكي مذحجا وعكا)
وَالثَّالِث: سميت بذلك لجهد أَهلهَا.
وَالرَّابِع: لقلَّة المَاء بهَا.
وَقَوله: فِي لَيْلَة قَمْرَاء. القمراء منسوبة إِلَى الْقَمَر، وَالْمعْنَى: فِي لَيْلَة كَثِيرَة الضَّوْء. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: يُقَال: لَيْلَة إِضْحِيَان وإضحيانة وضحيانة: إِذا كَانَت مضيئة.
وَقَوله: ضرب على أصمختهم: الأصمخة جمع صماخ: وَهِي خرق الْأذن الْبَاطِن الَّذِي يُفْضِي إِلَى الرَّأْس، وَمِنْه يتَأَدَّى فهم المسموع إِلَى النَّفس، وَهَذَا كِنَايَة عَن النّوم المفرط، لِأَن الضَّرْب هَاهُنَا: الْمَنْع من الِاسْتِمَاع، يُقَال: ضرب فلَان على يَد فلَان: إِذا مَنعه من التَّصَرُّف فِي
[ ١ / ٣٥٣ ]
مَاله. وَقَالَ الزّجاج: يُقَال لهَذَا الْخرق الصماخ والسم والمسمع.
قلت: وَقد رَوَاهُ بعض الْمُحدثين بِالسِّين، وَهُوَ غلط، وَجَمِيع اللغويين ذَكرُوهُ بالصَّاد.
وإساف ونائلة صنمان: أَنبأَنَا أَحْمد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن الْمحلي قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد: على بن ثَابت قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن مُحَمَّد بن بَشرَان قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن صَفْوَان قَالَ: حَدثنَا أَبُو عوَانَة عَن أبي بشر عَن ابْن أبي نجيح إِن إسافا ونائلة رجل وَامْرَأَة حجا من الشَّام قبلهَا وهما يطوفان، قَالَ: فمسخا حجرين، وَلم يَزَالَا فِي الْمَسْجِد حَتَّى جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ فأخرجا.
قَوْله: فَمَا تناهتا: أَي مَا رجعتا عَن قَوْلهمَا.
فَقلت: هن مثل الْخَشَبَة - يَعْنِي الذّكر.
فانطلقتا تُوَلْوِلَانِ: أَي تدعوان بِالْوَيْلِ.
وقولهما: لَو كَانَ أحد من أَنْفَارنَا: أَي من قَومنَا، مَأْخُوذ من النَّفر، والنفر: مابين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة.
وقولهما: الصَّابِئ: يَعْنِي الْخَارِج من دين قومه.
وقولهما: قَالَ كلمة تملأ الْفَم: أَي كلمة عَظِيمَة. وَإِنَّمَا أشارتا إِلَى قَوْله: هن مثل الْخَشَبَة.
[ ١ / ٣٥٤ ]
وتحية الْإِسْلَام: السَّلَام.
وَإِنَّمَا كره انتسابه إِلَى غفار لِأَن هَذِه الْقَبِيلَة كَانَت تزن بِسَرِقَة الْحَاج.
وَقَوله: فقدعني صَاحبه: أَي كفني وَمَنَعَنِي. يُقَال: قدعت الرجل وأقدعته: إِذا كففته، وَمِنْه قَول الْحسن: اقدعوا هَذِه الْأَنْفس فَإِنَّهَا طلعة.
وَقَوله: " إِنَّهَا طَعَام طعم " أَي طَعَام يشْبع مِنْهُ ويكف الْجُوع.
وغبرت بِمَعْنى بقيت.
وَأما يثرب فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يثرب اسْم أَرض، ومدينة النَّبِي ﷺ فِي نَاحيَة مِنْهَا. وَقَالَ ابْن فَارس: يرْوى أَن النَّبِي ﷺ نهى أَن تسمى الْمَدِينَة يثرب، وَذَلِكَ أَنه اسْم مَأْخُوذ من التثريب: وَهُوَ اللوم وتقبيح الْفِعْل فِي عين فَاعله، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم﴾ [يُوسُف: ٩٢] أَي: لَا لوم.
وَقَوله: " غفار غفر الله لَهَا، وَأسلم سَالَمَهَا الله " فِيهِ للْعُلَمَاء قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَنه دُعَاء لَهما واستغفار، وَإِنَّمَا اسْتغْفر لهاتين القبيلتين، لِأَنَّهُمَا أسلمتا طَوْعًا من غير حَرْب، وَكَانَ غفار تزن بِسَرِقَة الْحَاج، فَأحب أَن يمحو عَنْهُم تِلْكَ السبة السببة، وَأَن يعلم النَّاس أَن مَا سبق من
[ ١ / ٣٥٥ ]
ذَلِك مغْفُور بِإِسْلَامِهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنه إِخْبَار عَن القبيلتين، فَالْمَعْنى أَن الله سُبْحَانَهُ منع من أذاهما وحربهما.
والمسالمة: الصُّلْح على ترك الْقِتَال والأذى، وَلما سالمت أسلم، فَجَاءَت طَوْعًا، فَدخلت فِيمَا دخلت فِيهِ غفار قَالَ: " أسلم سَالَمَهَا الله ".
وَفِي هَذَا دَلِيل على جَوَاز اخْتِيَار الْكَلَام المتناسب المتجانس، لِأَنَّهُ قد كَانَ يُمكن أَن يَقُول: غفار عَفا الله عَنْهَا، فَلَمَّا قَالَ: " غفر الله لَهَا ". وَقَالَ: " أسلم سَالَمَهَا الله " دلّ على اخْتِيَار ذَلِك. وَإِنَّمَا يخْتَار مثل هَذَا لِأَنَّهُ أحلى فِي السّمع.
وشنفوا لَهُ: أبغضوه ونفروا مِنْهُ. والشنف: الْمُبْغض.
وتجهموا: أَي تنكرت وُجُوههم فاستقبلوه بالمكروه، يُقَال: تجهم وَجه الرجل: إِذا كره وَعَبس.
٢٩٦ - / ٣٥٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: فرج سقف بَيْتِي وَأَنا بِمَكَّة فَنزل جِبْرِيل " أَي كشف وشق.
قَوْله: " ثمَّ جَاءَ بطست ". قَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ عَن أبي عبيد عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ: وَمِمَّا دخل فِي كَلَام الْعَرَب الطست، وَهُوَ فَارسي مُعرب. وَقَالَ الْفراء: طَيء تَقول طست، وَغَيرهم يَقُول طس، وهم الَّذين يَقُولُونَ للص لصت، وجمعهما طسوت ولصوت عِنْدهم. وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: الطس: الطست، لَكِن الطس بِالْعَرَبِيَّةِ، أَرَادَ أَنهم لما عربوه قَالُوا طس، وَيجمع طساسا
[ ١ / ٣٥٦ ]
وطسوسا. قَالَ الراجز:
(ضرب يَد اللعابة الطسوسا )
فَإِن قيل: الْإِيمَان وَالْحكمَة كَيفَ يملآن الطست وليسا بجسم؟
فَالْجَوَاب: أَن هَذَا ضرب مثل لينكشف بالمحس مَا هُوَ مَعْقُول.
وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَنه شرح صَدره لَيْلَة الْمِعْرَاج. وَقد رُوِيَ شرح صَدره فِي زمَان رضاعه عِنْد حليمة، وَهَذِه زِيَادَة تَطْهِير لمَكَان الزِّيَارَة.
وَقَول الخازن: " وَأرْسل إِلَيْهِ؟ " يحْتَمل هَذَا الِاسْتِفْهَام وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن يكون إرْسَال مُحَمَّد ﵇ خَفِي عَن ذَلِك الْملك؛ لِأَن الْمَلَائِكَة مشغولون بِالْعبَادَة، حَتَّى إِن أحدهم لَا يعرف من إِلَى جَانِبه.
وَالثَّانِي: أَن يكون الْمَعْنى: وَأرْسل إِلَيْهِ للعروج إِلَى السَّمَاء، لِأَن بعثته استفاضت بَين الْمَلَائِكَة.
وَقَوله: " عَن يَمِينه أَسْوِدَة " أَي أشخاص، وَهُوَ من السوَاد، والسواد: الشَّخْص، يُقَال: سَواد وأسودة كغراب وأغربة.
وَالنَّسَمُ جمع نسمَة: وَهِي النَّفس.
وَقَوله: حَتَّى ظَهرت: يَعْنِي عَلَوْت وَارْتَفَعت، لمستوى: وَهُوَ الْمَكَان المستوي المعتدل.
وصريف الأقلام: صَوت حركتها على المخطوط فِيهِ، فَكَأَن الْإِشَارَة
[ ١ / ٣٥٧ ]
بذلك إِلَى مَا تكتبه الْمَلَائِكَة من اللَّوْح من أقضية الله ﷿ ووحيه.
فَإِن قيل: كَيفَ رأى آدم ومُوسَى والأنبياء وهم مدفونون فِي الأَرْض؟
فقد أجَاب عَنهُ ابْن عقيل فَقَالَ: شكل الله أَرْوَاحهم على صور أَجْسَادهم.
وجنابذ اللُّؤْلُؤ قبابه، وَاحِدهَا جنبذة: وَهِي الْقبَّة، وَقد وَقع فِي بعض النّسخ حنابل بِالْحَاء الْمُهْملَة وَبعدهَا بَاء. وَفِي نُسْخَة كَذَلِك إِلَّا أَنه بِالْجِيم الْمُعْجَمَة، وكل ذَلِك تَصْحِيف، وَالصَّحِيح جنابذ.
٢٩٧ - / ٣٥٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " إِن المكثرين هم المقلون يَوْم الْقِيَامَة، إِلَّا من أعْطى الله خيرا فَنفخ فِيهِ بِيَمِينِهِ وشماله ".
النفخ رمي الشَّيْء بِسُرْعَة.
والقاع: الْمَكَان السهل الَّذِي لَا ينْبت فِيهِ الشّجر، وَالْجمع القيعان.
والحرة: أَرض ذَات حِجَارَة سود.
وأرغم الله أنف فلَان: ألصقه بالرغام: وَهُوَ التُّرَاب. الْمَعْنى: وَإِن كره أَبُو ذَر ذَلِك.
فَإِن قيل: كَيفَ الْجمع بَين قَوْله: " من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا دخل الْجنَّة " وَبَين دُخُول الْمُوَحِّدين بِذُنُوبِهِمْ النَّار؟
فَالْجَوَاب: أَن مآلهم إِلَى الْجنَّة وَإِن دخلُوا النَّار.
٢٩٨ - / ٣٥٧ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: أذن مُؤذن رَسُول الله الظّهْر،
[ ١ / ٣٥٨ ]
فَقَالَ النَّبِي ﷺ " أبرد، أبرد " أَو قَالَ: " انْتظر، انْتظر " وَقَالَ: " إِن شدَّة الْحر من فيح جَهَنَّم "
الْإِبْرَاد: انكسار وهج الْحر وتوقده، وَذَلِكَ أَن فتور الْحر بِالْإِضَافَة إِلَى شدته برد. وفيح جَهَنَّم: التهابها وغليانها، وَهَذَا رفق بالماشي إِلَى الصَّلَاة، إِمَّا ليمشي فِي الْفَيْء، أَو لينتبه من قائلته، أَو لَهما. وَسَيَأْتِي فِي مُسْند أبي مُوسَى: " من صلى البردين دخل الْجنَّة " يَعْنِي الْفجْر وَالْعصر، لِأَنَّهَا يصليان فِي برد النَّهَار.
٢٩٩ - / ٣٥٩ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: كنت مَعَ رَسُول الله عِنْد غرُوب الشَّمْس فَقَالَ: " أَتَدْرِي أَيْن تذْهب الشَّمْس؟ " فَقلت: الله وَرَسُوله أعلم. قَالَ: " تذْهب تسْجد تَحت الْعَرْش ".
رُبمَا أشكل الْأَمر فِي هَذَا الحَدِيث على من لم يتبحر فِي الْعلم، فَقَالَ: نَحن نرَاهَا تغيب فِي الأَرْض، وَقد أخبر الْقُرْآن أَنَّهَا تغيب فِي عين حمئة، فَإِذا دارت تَحت الأَرْض وصعدت، فَأَيْنَ هِيَ من الْعَرْش؟
فَالْجَوَاب: إِن الْأَرْضين السَّبع فِي ضرب الْمِثَال كقطب رَحا، وَالْعرش لعظم ذَاته كالرحى، فَأَيْنَ سجدت الشَّمْس سجدت تَحت الْعَرْش، وَذَلِكَ مستقرها.
٣٠٠ - / ٣٦٠ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: قَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ: كنت أَقرَأ على أبي فِي السدة، فَإِذا قَرَأَ السَّجْدَة سجد.
[ ١ / ٣٥٩ ]
قَالَ أَبُو عبيد: السدة: الظلة تكون بِبَاب الدَّار، وَمِنْه: من يغش سدد السُّلْطَان يقم وَيقْعد. وَكَانَ عُرْوَة بن الْمُغيرَة يُصَلِّي فِي السدة، وسدة الْمَسْجِد، وَسمي إِسْمَاعِيل السّديّ لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيع الْخمر فِي سدة الْمَسْجِد، وَمِنْهُم من يَجْعَل السدة الْبَاب.
فَأَما سُجُوده فِي السدة المضافة إِلَى الْمَسْجِد فَجَائِز لِأَنَّهُ بقارعة الطَّرِيق، وَسُجُود هَذَا الرجل مَحْمُول على أَنه قد كَانَ يَأْمر ابْنه عِنْد الْقِرَاءَة بِالسُّجُود ثمَّ يتبعهُ، لإنه إِنَّمَا يسن سُجُود السَّامع إِذا سجد الْقَارئ.
وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى: بَيت الْمُقَدّس. وَإِنَّمَا قيل الْأَقْصَى لبعد الْمسَافَة بَينه وَبَين الْكَعْبَة. وَقيل: إِنَّه لم يكن وَرَاءه مَوضِع عبَادَة.
فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: " بَينهمَا أَرْبَعُونَ عَاما "، وَإِنَّمَا بنى الْكَعْبَة إِبْرَاهِيم، وَبنى بَيت الْمُقَدّس سُلَيْمَان وَبَينهمَا أَكثر من ألف سنة؟
فَالْجَوَاب: أَن الْإِشَارَة إِلَى أول الْبناء وَوضع أساس المسجدين، وَلَيْسَ أول من بنى الْكَعْبَة إِبْرَاهِيم، وَلَا أول من بني بَيت الْمُقَدّس سُلَيْمَان، وَفِي الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ والبانين كَثْرَة، فَالله أعلم بِمن ابْتَدَأَ. وَقد روينَا أَن أول من بنى الْكَعْبَة آدم، ثمَّ انْتَشَر وَلَده فِي الأَرْض، فَجَائِز أَن يكون بَعضهم قد وضع بَيت الْمُقَدّس.
٣٠١ - / ٣٦١ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: قَالَ أَبُو ذَر: بشر الكانزين
[ ١ / ٣٦٠ ]
برضف يحمى عَلَيْهِ فِي نَار جَهَنَّم فَيُوضَع على حلمة ثدي أحدهم حَتَّى يخرج من نغض كَتفيهِ.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: الرضف جمع رضفة: وَهِي حِجَارَة تحمى بالنَّار.
والناغض: قرع الْكَتف، قيل لَهُ ناغض، لِأَنَّهُ يَتَحَرَّك إِذا حرك الرجل يَده أَو عدا. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ نغض الْكَتف: الشاخص، وأصل النغض الْحَرَكَة، وَسمي ذَلِك الْموضع من الْكَتف نغضا لِأَنَّهُ يَتَحَرَّك من الْإِنْسَان فِي مَشْيه وتصرفه، ويتزلزل يَتَحَرَّك بانزعاج ومشقة.
ويعتريهم: يقصدهم ويغشاهم.
قَوْله: فَإِذا كَانَ الْعَطاء ثمنا لدينك فَدَعْهُ. الْمَعْنى: إِذا لم يعطوك إِلَّا أَن تسكت عَن إِنْكَار منكرهم كَانَ كالرشوة، فَدَعْهُ.
وَقَوله: " أرصده لدين " أَي أعده لَهُ. وَكَيف يظنّ برَسُول الله ﷺ أَنه كَانَ يدّخر المَال وَهُوَ يعلم كَثْرَة المحتاجين إِلَيْهِ، مَعَ أَن طبعه الْكَرم وسجيته الزّهْد.
٣٠٢ - / ٣٦٢ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: رَأَيْت أَبَا ذَر وَعَلِيهِ حلَّة وعَلى غُلَامه مثلهَا، فَسَأَلته عَن ذَلِك، فَذكر أَنه سَاب رجلا على عهد رَسُول الله فَعَيَّرَهُ بِأُمِّهِ.
[ ١ / ٣٦١ ]
قد بَينا فِيمَا تقدم أَن الْحلَّة لَا تكون إِلَّا ثَوْبَيْنِ.
وَقَوله: فَعَيَّرَهُ بِأُمِّهِ، قَالَ لنا ابْن الخشاب: الفصيح: عيرت فلَانا أمه، وَقد جَاءَ فِي شعر عدي بن زيد:
(أَيهَا الشامت الْمُعير بالدهر )
وَاعْتَذَرُوا عَنهُ فَقَالُوا: إِنَّه كَانَ عباديا وَلم يكن فصيحا.
وَقَوله: " إِنَّك امْرُؤ " أخبرنَا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور قَالَ: أخبرنَا أَبُو طَاهِر بن سوار قَالَ: أخبرنَا ابْن رزمة قَالَ: أخبرنَا أَبُو سعيد السيرافي قَالَ: أخبرنَا ابْن مُجَاهِد قَالَ: حَدثنَا عَليّ بن الجهم قَالَ: قَالَ الْفراء: أهل الْحجاز وَأسد وَأهل الْعَالِيَة من قيس يَقُولُونَ: الْمَرْء وَالْمَرْأَة فيسكنون الرَّاء ويهمزون، فَإِذا لم يكن فِيهِ ألف وَلَام قَالُوا: امْرُؤ وَامْرَأَة. وَبَعض قيس يَقُولُونَ: الامرؤ الصَّالح، والامرأة الصَّالِحَة، وَرُبمَا قَالُوا هَذَا مرء صَالح، ومرأة صَالِحَة، وَمن الْعَرَب من يَقُول: هَذَا مرؤ صَالح، فيرفع الْمِيم فِي مَوضِع الرّفْع، ويخفضها فِي مَوضِع الْخَفْض، وينصبها فِي مَوضِع النصب.
وَقَوله: " فِيك جَاهِلِيَّة " الْمَعْنى: قد بَقِي فِيك من أَخْلَاق الْقَوْم، لِأَن من أَخْلَاقهم عُقُوبَة من لم يجن، والشريعة لَا تَقْتَضِي ذمّ شخص
[ ١ / ٣٦٢ ]
بِفعل غَيره، وَإِنَّمَا ينشأ هَذَا من الْكبر، فتواضع أَبُو ذَر بعد ذَلِك حَتَّى سَاوَى غُلَامه.
والخول: الخدم والتبع.
وَقَوله: " فَإِن كلفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبهُمْ " أَي مَا يعجزون عَن الْقيام بِهِ.
٣٠٣ - / ٣٦٣ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: انْتَهَيْت إِلَى النَّبِي ﷺ فَجَلَست، فَلم أتقار أَن قُمْت.
قَوْله: فَلم أتقار: أَي لم أتمكن من الِاسْتِقْرَار.
والأظلاف جمع ظلف، والظلف للبقر كالظفر للْإنْسَان، والحافر للْفرس.
ونفدت: فرغت وانتهت. وَالْإِشَارَة إِلَى من لم يخرج زَكَاتهَا.
٣٠٤ - / ٣٦٤ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: " لَيْسَ من رجل ادّعى إِلَى غير أَبِيه وَهُوَ يُعلمهُ إِلَّا كفر ".
الادعاء إِلَيّ غير الْأَب مَعَ الْعلم حرَام، فَمن اعْتقد إِبَاحَة ذَلِك كفر، لمُخَالفَته الْإِجْمَاع، فَخرج عَن الْإِسْلَام، وَمن لم يفعل ذَلِك مُعْتَقدًا فَفِي معنى كفره وَجْهَان: أَحدهمَا: أَنه قد أشبه فعله فعل الْكفَّار. وَالثَّانِي: أَنه كَافِر للنعمة.
وَقَوله: " لَيْسَ منا " إِن اعْتقد جَوَاز ذَلِك خرج من الْإِسْلَام، وَإِن لم يعْتَقد فَالْمَعْنى: لم يتخلق بأخلاقنا.
وَقَوله: " فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار " لَفظه الْأَمر وَمَعْنَاهُ الْخَبَر،
[ ١ / ٣٦٣ ]
وَالْمَقْصُود: فقد اتخذ مقْعدا من النَّار.
وَمن دَعَا رجلا بالْكفْر وَلَيْسَ كَذَلِك كَانَ هُوَ الْكَافِر، لاعْتِقَاده فِي مُسلم أَنه كَافِر.
وحار بِمَعْنى انْقَلب. وَإِذا لم تنْقَلب هَذِه الْأَشْيَاء عَلَيْهِ انْقَلب إثمها.
٣٠٥ - / ٣٦٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: " أَي الرّقاب أفضل؟ " قَالَ: " أَنْفسهَا عِنْد أَهلهَا وأكثرها ثمنا ".
الْأَنْفس: الْأَفْضَل، وَلذَلِك يغلو ثمنه، فزيد الثَّوَاب لذَلِك.
وَقَوله: " تعين ضائعا " أَي ذَا ضيَاع من فقر أَو عِيَال أَو حَالَة قصر عَن الْقيام بهَا. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: هَذَا هُوَ الَّذِي فِي الحَدِيث، وَيحْتَمل: صانعا بالنُّون.
وَقَوله: " أَو تصنع لأخرق " وَهُوَ الَّذِي قد تحير ودهش، فِيمَا يرومه.
وَقَوله: " فَإِنَّهَا صَدَقَة مِنْك على نَفسك " وَذَاكَ أَنه إِذا كف عَن الشَّرّ. نجى النَّفس من الْإِثْم فَتصدق عَلَيْهَا بالسلامة.
٣٠٦ - / ٣٦٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا أَخذ مضجعه من اللَّيْل قَالَ: " بِاسْمِك اللَّهُمَّ أَمُوت وَأَحْيَا ".
[ ١ / ٣٦٤ ]
ذكر الِاسْم صلَة فِي الْكَلَام، فَهُوَ كَقَوْلِه: ﴿سبح اسْم رَبك﴾ [الْأَعْلَى: ١] وَالْمعْنَى: بل أَمُوت وَأَحْيَا بإرادتك وقدرتك.
وَقَوله: " أَحْيَانًا بَعْدَمَا أماتنا " يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون الْمشَار إِلَيْهِ بداية الْخلق وَهِي النُّطْفَة، فَإِنَّهَا كَانَت خَالِيَة عَن روح. وَالثَّانِي: أَن تكون الْإِشَارَة إِلَى النّوم، فَشبه بِالْمَوْتِ تجوزا لتعطيل أَفعَال الْحس.
والنشور: الْبَعْث.
٣٠٧ - / ٣٦٨ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
عَن أبي ذَر قَالَ: كَانَت الْمُتْعَة فِي الْحَج لأَصْحَاب مُحَمَّد خَاصَّة. وَفِي رِوَايَة: لَا تصلح المتعتان إِلَّا لنا خَاصَّة - يَعْنِي مُتْعَة النِّسَاء ومتعة الْحَج.
هَذَا ظن من أبي ذَر، وَلَيْسَ كَذَلِك. فَأَما مُتْعَة النِّسَاء فلولا أَنَّهَا نسخت لبقي حكمهَا، وَقد سبق ذكرهَا ونسخها. وَأما مُتْعَة الْحَج فَحكمهَا بَاقٍ، وَقد بَينا أَنه الْأَفْضَل عِنْد جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وفقهاء الْأَمْصَار.
٣٠٨ - / ٣٦٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله: المسبل، والمنان، والمنفق سلْعَته بِالْحلف الْكَاذِب ".
[ ١ / ٣٦٥ ]
المسبل: يُرِيد بِهِ إسبال الْإِزَار على وَجه الْخُيَلَاء. والمنان: يَعْنِي بِالصَّدَقَةِ وَفعل الْخَيْر. والمنفق سلْعَته بِالْحلف: وَهُوَ أَن يحلف: لقد أَعْطَيْت بهَا كَذَا، وَمَا أعطي، لتنفق.
٣٠٩ - / ٣٧١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " من تقرب مني شبْرًا تقربت مِنْهُ ذِرَاعا ".
الشبر: قدر فتح الْأَصَابِع الْخمس: والذراع: قدر طول الذِّرَاع إِلَى رُؤُوس الْأَصَابِع. والباع: قدر امتداد الْيَدَيْنِ. والهرولة: الْإِسْرَاع فِي الْمَشْي. وَهَذِه كلهَا أَمْثِلَة، وَالْمعْنَى: إِنِّي أربح معاملي، وأتفضل على مطيعي.
وقراب الأَرْض: مَا يُقَارب ملؤُهَا.
٣١٠ - / ٣٧٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: " يصبح على كل سلامى من أحدكُم صَدَقَة ".
السلامى: على وزن " فعالى " وَرُبمَا شدده أَحْدَاث طلبة الحَدِيث لقلَّة علمهمْ، وَجَمعهَا سلاميات بِفَتْح الْمِيم وَتَخْفِيف الْيَاء. قَالَ أَبُو عبيد: السلامى فِي الأَصْل عظم يكون فِي فرسن الْبَعِير، وَيُقَال إِن آخر مَا يبْقى فِيهِ المخ من الْبَعِير إِذا عجف فِي السلامى وَالْعين، فَإِذا ذهب
[ ١ / ٣٦٦ ]
مِنْهُمَا لم يكن لَهُ بَقِيَّة بعد، قَالَ الراجز:
(لَا يشتكين عملا مَا أنقين )
(مَا دَامَ مخ فِي سلامى أَو عين )
فَكَأَن معنى الحَدِيث: على كل عظم من عِظَام ابْن آدم صَدَقَة، لِأَنَّهُ إِذا أصبح الْعُضْو سليما فَيَنْبَغِي أَن يشْكر، وَيكون شكره بِالصَّدَقَةِ، فالتسبيح والتحميد وَمَا ذكره يجْرِي مجْرى الصَّدَقَة عَن الشاكر.
وَقَوله: " وَيُجزئ من ذَلِك رَكْعَتَانِ يركعهما من الضُّحَى " لِأَن الضُّحَى من الصَّباح، وَإِنَّمَا قَامَت الركعتان مقَام ذَلِك لِأَن جَمِيع الْأَعْضَاء تتحرك فِيهَا بِالْقيامِ وَالْقعُود فَيكون ذَلِك شكرها.
٣١١ - / ٣٧٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: " عرضت عَليّ أَعمال أمتِي، فَوجدت فِي محَاسِن أَعمالهَا الْأَذَى يماط عَن الطَّرِيق، وَوجدت فِي مساوئ أَعمالهَا النخاعة تكون فِي الْمَسْجِد لَا تدفن "
يماط بِمَعْنى ينحى.
والنخاعة والنخامة والبصاق بِمَعْنى، إِلَّا أَن البصاق من أدنى الْفَم، والنخاعة من أقْصَى الْفَم، وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذ من النخاع.
[ ١ / ٣٦٧ ]
٣١٢ - / ٣٧٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: " ذهب أهل الدُّثُور بِالْأُجُورِ ".
الدُّثُور جمع دثر: وَهُوَ المَال الْكثير.
وَهَذَا الحَدِيث يتَضَمَّن شكوى الْفُقَرَاء وغبطتهم للأغنياء، كَيفَ ينالون الْأجر بِالصَّدَقَةِ، وهم لَا يقدرُونَ، فَأخْبرهُم أَنهم يثابون على تسبيحهم وتحميدهم وأفعالهم الْخَيْر كَمَا يُثَاب أُولَئِكَ على الصَّدَقَة.
وَقَوله: " وَفِي بضع أحدكُم " الْبضْع: الْفرج، فَكَأَنَّهُ يَقُول: فِي وَطْء الرجل زَوجته صَدَقَة، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يعفها وَنَفسه.
٣١٣ - / ٣٧٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: " كَمَا ينقص الْمخيط إِذا دخل الْبَحْر ".
الْمخيط والخياط اسْم للإبرة.
٣١٤ - / ٣٧٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: " يقرءُون الْقُرْآن لَا يُجَاوز حلاقيمهم ".
الحلاقيم جمع حلقوم: وَهُوَ مجْرى النَّفس لَا غير، ومبدؤه من أقْصَى الْفَم، فَأَما الَّذِي يجْرِي فِيهِ الطَّعَام فَهُوَ مركب خلف الْحُلْقُوم يُقَال لَهُ المريء.
والرمية: اسْم للمرمي.
وَقد فسروا قَوْله: " هم شَرّ الْخلق " فَقَالُوا: الْخلق: النَّاس: " والخليقة ": الدَّوَابّ والبهائم.
[ ١ / ٣٦٨ ]
٣١٥ - / ٣٧٧ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: " إِذا قَامَ أحدكُم يُصَلِّي فَإِنَّهُ يستره مثل آخِرَة الرحل، فَإِذا لم يكن بَين يَدَيْهِ مثل آخِرَة الرحل فَإِنَّهُ يقطع صلَاته الْحمار وَالْمَرْأَة وَالْكَلب الْأسود " قيل لأبي ذَر: مَا بَال الْأسود من الْأَحْمَر والأصفر؟ فَقَالَ: سَأَلت رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: " الْكَلْب الْأسود شَيْطَان ".
آخِرَة الرحل: مؤخرة، فَإِن لم يكن بَين يَدي الْمصلى ستْرَة فَخط بَين يَدَيْهِ خطا قَامَ مقَام الستْرَة، فَإِن لم يفعل ذَلِك وَمر بَين يَدَيْهِ كلب أسود بهيم، وَهُوَ الَّذِي جَمِيعه أسود، فَإِنَّهُ يقطع صلَاته، وَهَذَا مَذْهَب الْحسن وَمُجاهد وَعَطَاء وَعِكْرِمَة وَطَاوُس وَمَكْحُول وَأحمد بن حَنْبَل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا يقطع. فَأَما الْحمار وَالْمَرْأَة ففيهما عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ، والْحَدِيث صَرِيح فِي الْقطع، وَسَيَأْتِي فِي أَفْرَاد مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مثل حَدِيث أبي ذَر.
٣١٦ - / ٣٧٨ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: " أَوْصَانِي خليلي أَن أسمع وَأطِيع وَإِن كَانَ عبدا مجدع الْأَطْرَاف ".
أَي مَقْطُوع الْأَطْرَاف: وَأكْثر مَا يسْتَعْمل الجدع فِي الْأنف وَالْأُذن، وهما من أَطْرَاف الْإِنْسَان.
[ ١ / ٣٦٩ ]
٣١٧ - / ٣٧٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: " آنِية الْحَوْض أَكثر من عدد نُجُوم السَّمَاء وكواكبها فِي اللَّيْلَة الظلماء المصحية ".
والمصحية: الَّتِي ذهب غيمها، وَإِنَّمَا قَالَ الْمظْلمَة لِأَن ظلمتها مَعَ الصحو أبين للنجوم.
وَقَوله: " لم يظمأ " الظمأ: الْعَطش، مَهْمُوز مَقْصُور، وَالْمعْنَى لم يعطش " آخر مَا عَلَيْهِ " يَعْنِي أبدا.
وَقَوله: " يشخب " الشخب: مَا امْتَدَّ من اللَّبن حِين يحلب، وشخبت أوداج الْقَتِيل دَمًا.
وَقَوله: " عرضه مَا بَين عمان " الَّذين سمعناه وحفظناه من الْمُحدثين " عمان " بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْمِيم، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: الْمِيم خَفِيفَة.
٣١٨ - / ٣٨٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: " إِن أحب الْكَلَام إِلَى الله سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ ".
قَالَ الزّجاج: لَا اخْتِلَاف بَين أهل اللُّغَة أَن التَّسْبِيح هُوَ التَّنْزِيه لله ﷿ عَن كل سوء. وَقَالَ ابْن الْقَاسِم: معنى سُبْحَانَ الله: تَنْزِيه لَهُ من الْأَوْلَاد والصاحبة والشركاء.
وَقَوله: " وَبِحَمْدِهِ " أَي وَبِحَمْدِهِ نبتدئ ونفتتح، فَحذف الْفِعْل
[ ١ / ٣٧٠ ]
لدلَالَة الْمَعْنى عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ ﷿: ﴿فَأَجْمعُوا أَمركُم وشركاءكم﴾ [يُونُس: ٧١] مَعْنَاهُ: وَادعوا شركاءكم. وَقَالَ الزّجاج: الْمَعْنى: وَبِحَمْدِهِ سبحته.
٣١٩ - / ٣٨١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: أَرَأَيْت الرجل يعْمل الْخَيْر وَيَحْمَدهُ النَّاس؟ قَالَ: " تِلْكَ عَاجل بشرى الْمُؤمن ".
وَالْمعْنَى أَن الله تَعَالَى إِذا تقبل الْعَمَل أوقع فِي الْقُلُوب قبُول الْعَامِل ومدحه، فَيكون مَا أوقع فِي الْقُلُوب مبشرا بِالْقبُولِ، كَمَا أَنه إِذا أحب عبدا حببه إِلَى خلقه، وهم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض.
٣٢٠ - / ٣٨٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: " لَا تحقرن من الْمَعْرُوف شَيْئا وَلَو أَن تلقى أَخَاك بِوَجْه طليق ".
أَي منطلق، وَهُوَ ضد العبوس، قَالَ جرير: مَا رَآنِي رَسُول الله ﷺ إِلَّا تَبَسم وَهَذَا من الْمَعْرُوف، لِأَن الْإِنْسَان ينْتَفع بذلك كَمَا ينْتَفع بِسَائِر الْمَعْرُوف.
٣٢١ - / ٣٨٤ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر: سَأَلت رَسُول الله ﷺ: هَل رَأَيْت رَبك؟ فَقَالَ: " نور، أَنى اراه ".
ذكر أَبُو بكر الْخلال فِي كتاب " الْعِلَل " عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه
[ ١ / ٣٧١ ]
سُئِلَ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: مَا زلت مُنْكرا لهَذَا الحَدِيث وَمَا أَدْرِي مَا وَجهه. وَذكر أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَق بن خُزَيْمَة فِي هَذَا الحَدِيث تضعيفا فَقَالَ: فِي الْقلب من صِحَة سَنَد هَذَا الْخَبَر شَيْء، لم أر أحدا من عُلَمَاء الْأَثر فطن لعِلَّة فِي إِسْنَاده، فَإِن عبد الله بن شَقِيق كَأَنَّهُ لم يكن يثبت أَبَا ذَر وَلَا يعرفهُ بِعَيْنِه واسْمه وَنسبه، لِأَن أَبَا مُوسَى مُحَمَّد ابْن الْمثنى حَدثنَا قَالَ: حَدثنَا معَاذ بن هِشَام قَالَ: حَدثنِي أبي عَن قَتَادَة عَن عبد الله بن شَقِيق قَالَ: أتيت الْمَدِينَة، فَإِذا رجل قَائِم على غَرَائِر سود يَقُول: أَلا ليبشر أَصْحَاب الْكُنُوز بكي فِي الجباه والجنوب فَقَالُوا: هَذَا أَبُو ذَر، فَكَأَنَّهُ لَا يُثبتهُ وَلَا يعلم أَنه أَبُو ذَر. وَقَالَ ابْن عقيل: قد أجمعنا على أَنه لَيْسَ بِنور، وخطأنا الْمَجُوس فِي قَوْلهم: هُوَ نور. فإثباته نورا مَجُوسِيَّة مَحْضَة، والأنوار أجسام. والبارئ ﷾ لَيْسَ بجسم، وَالْمرَاد بِهَذَا الحَدِيث: " حجابه النُّور " وَكَذَلِكَ رُوِيَ فِي حَدِيث أبي مُوسَى، فَالْمَعْنى: كَيفَ أرَاهُ وحجابه النُّور، فَأَقَامَ الْمُضَاف مقَام الْمُضَاف إِلَيْهِ.
قلت: من ثَبت رُؤْيَة رَسُول الله ﷺ ربه ﷿ فَإِنَّمَا ثَبت كَونهَا لَيْلَة الْمِعْرَاج، وَأَبُو ذَر أسلم بِمَكَّة قَدِيما قبل الْمِعْرَاج بِسنتَيْنِ ثمَّ رَجَعَ
[ ١ / ٣٧٢ ]
إِلَى بِلَاد قومه فَأَقَامَ بهَا حَتَّى مَضَت بدر وَأحد وَالْخَنْدَق، ثمَّ قدم الْمَدِينَة، فَيحْتَمل أَنه سَأَلَ رَسُول الله ﷺ حِين إِسْلَامه: هَل رَأَيْت رَبك، وَمَا كَانَ قد عرج بِهِ بعد، فَقَالَ: " نور، أَنى أرَاهُ؟ " أَي أَن النُّور يمْنَع من رُؤْيَته، وَقد قَالَ بعد الْمِعْرَاج فِيمَا رَوَاهُ عَنهُ ابْن عَبَّاس: " رَأَيْت رَبِّي ".
٣٢٢ - / ٣٨٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: " إِنَّهَا أَمَانَة ".
يَعْنِي الْإِمَارَة وَالْولَايَة، وَلما رَآهُ ضَعِيفا حسن تحذيره، لِأَن الضعْف يعجز عَمَّا يجب عَلَيْهِ من الِاحْتِيَاط.
وَقَوله: " لَا تولين مَال يَتِيم " الْيَتِيم: من مَاتَ أَبوهُ وَهُوَ صَغِير. قَالَ الْأَصْمَعِي: الْيُتْم فِي النَّاس من قبل الْأَب، وَفِي غير النَّاس من قبل الْأُم. وَقَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي: قَالَ ثَعْلَب: الْيُتْم مَعْنَاهُ فِي كَلَام الْعَرَب الِانْفِرَاد، فَمَعْنَى يَتِيم مُنْفَرد عَن أَبِيه. وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: إِذا بلغ الصَّبِي ذهب عَنهُ اسْم الْيَتِيم، وكل مُنْفَرد عِنْد الْعَرَب تييم. قَالَ: وَقيل: أصل الْيُتْم الْغَفْلَة، وَبِه سمي الْيَتِيم لِأَن يتغافل عَن بره. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: الْيُتْم: الإبطاء، وَمِنْه أَخذ الْيُتْم لِأَن الْبر يبطأ عَنهُ.
٣٢٣ - / ٣٨٦ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر: " ستفتحون مصر، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خيرا؛ فَإِن لَهُم ذمَّة ورحما ".
[ ١ / ٣٧٣ ]
أخبرنَا إِسْمَاعِيل بن أَحْمد السَّمرقَنْدِي قَالَ: أخبرنَا عمر بن عبيد الله الْبَقَّال قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن بن بَشرَان قَالَ: حَدثنَا عُثْمَان بن أَحْمد الدقاق قَالَ: حَدثنَا حَنْبَل قَالَ: حَدثنِي أَبُو عبد الله - يَعْنِي أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان - وَسُئِلَ عَن قَوْله: " فَإِن لَهُم ذمَّة ورحما " قَالَ: من النَّاس من يَقُول: هَاجر كَانَت قبطية وَهِي أم إِسْمَاعِيل، وَمن النَّاس من يَقُول: كَانَت مَارِيَة أم إِبْرَاهِيم قبطية.
قَوْله: " فَإِذا رَأَيْت رجلَيْنِ يختصمان فِي مَوضِع لبنة فَاخْرُج " الْإِشَارَة إِلَى كَثْرَة النَّاس فِيهَا وازدحامهم.
[ ١ / ٣٧٤ ]