واسْمه عَامر بن عبد الله، شهد الْمشَاهد كلهَا، وَثَبت مَعَ رَسُول الله ﷺ يَوْم أحد، وَنزع يَوْمئِذٍ بِفِيهِ الحلقتين اللَّتَيْنِ دخلتا فِي وجنتي رَسُول الله ﷺ من حلق المغفر، فَوَقَعت ثنيتاه، فَكَانَ من أحسن النَّاس هتما.
وروى عَن رَسُول الله خَمْسَة عشر حَدِيثا، وَلم يخرج لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ سوى كلمة وَهِي:
١٩٧ - / ٢٢٤ - نَحن رسل رَسُول الله، فَهِيَ مندرجة فِي حَدِيث يرويهِ جَابر، وَفِيه: بعثنَا رَسُول الله وَأمر علينا أَبَا عُبَيْدَة نأتي عيرًا لقريش، وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غَيره، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة يُعْطِينَا تَمْرَة تَمْرَة، فَكُنَّا نمصها كَمَا يمص الصَّبِي ثمَّ نشرب عَلَيْهَا من المَاء، فتكفينا يَوْمنَا إِلَى اللَّيْل، وَكُنَّا نضرب بعصينا الْخبط ثمَّ نبله بِالْمَاءِ فنأكله، وَرفع لنا على سَاحل الْبَحْر كَهَيئَةِ الْكَثِيب الضخم، فأتيناه فَإِذا هِيَ دَابَّة تدعى العنبر، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: ميتَة، ثمَّ قَالَ: لَا، بل نَحن رسل رَسُول الله، وَفِي سَبِيل الله، وَقد اضطررتم فَكُلُوا، قَالَ: فَأَقَمْنَا عَلَيْهَا شهرا وَنحن ثَلَاثمِائَة حَتَّى سمنا، وَلَقَد رَأَيْتنَا نغترف من وَقب عينه
[ ١ / ٢٦٣ ]
بالقلال الدّهن، ونقطع مِنْهُ الفدر كالثور، وَلَقَد أَخذ منا أَبُو عُبَيْدَة ثَلَاثَة عشر رجلا فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقب عينه، وَأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها، ثمَّ رَحل أعظم بعير مَعنا، فَمر من تحتهَا، وتزودنا من لَحْمه وشائق، فَلَمَّا قدمنَا ذكرنَا ذَلِك لرَسُول الله، فَقَالَ: " هُوَ رزق أخرجه الله لكم، فَهَل مَعكُمْ من لَحْمه شَيْء فتطعمونا؟ " فَأَرْسَلنَا إِلَى رَسُول الله مِنْهُ فَأَكله.
العير: الْإِبِل الَّتِي تحمل الْميرَة.
والخبط قد فسرناه فِيمَا مضى.
وَفِيمَا صَبر هَؤُلَاءِ الْقَوْم عَلَيْهِ دَلِيل على قُوَّة إِيمَانهم، إِذْ لَو ضعف إِيمَانهم لما صَبَرُوا على هَذِه المشاق.
وَقَول أبي عُبَيْدَة: ميتَة، دَلِيل على أَنه كَانَ لَا يرى جَوَاز أكل السّمك الطافي، وَإِنَّمَا استجازه على وَجه الِاضْطِرَار كَمَا يستجيز أكل الْميتَة، وَهَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة، وَقد رد ذَلِك الرَّأْي قَول الرَّسُول: " هَل مَعكُمْ مِنْهُ شَيْء " فَأَعْطوهُ، فَأكل وَلَيْسَ بمضطر، فَدلَّ على جَوَاز أكل الطافي، وَهَذَا مَذْهَب أَحْمد، ثمَّ قد ثَبت جَوَاز أكل السّمك إِذا مَاتَ فِي الْبر، فَكَذَلِك إِذا مَاتَ فِي الْبَحْر. وَيُمكن أَن يَقُول من منع مِنْهُ: إِن الْبَحْر مَحل حَيَاة السّمك، فَإِذا مَاتَ فِي مَحل حَيَاته دلّ على مرض أوجب ذَلِك، فنزه عَن أكله.
ووقب الْعين: مَا تقعر مِنْهَا. والوقب كالنقرة فِي الشَّيْء.
[ ١ / ٢٦٤ ]
القلال مثل الجرار.
والفدر جمع فدرة: وَهِي الْقطعَة من اللَّحْم. وَمعنى رَحل أعظم بعير: جعل عَلَيْهِ رَحْله.
والوشائق: مَا قطع من اللَّحْم ليقدد، والواحدة وشيقة.
[ ١ / ٢٦٥ ]