أسلم قَدِيما، وَهَاجَر الهجرتين، وَلم يفته مَعَ رَسُول الله مشْهد، وَثَبت مَعَ رَسُول الله يَوْم أحد، وَصلى رَسُول الله خَلفه، كَانَ قد ذهب فِي غَزْوَة تَبُوك للطَّهَارَة، فجَاء وَعبد الرَّحْمَن قد صلى بهم رَكْعَة، فصلى مَعَه وَأتم الَّذِي فَاتَهُ، وَقَالَ: " مَا قبض نَبِي حَتَّى يُصَلِّي خلف رجل صَالح من أمته ".
وروى عَن رَسُول الله خَمْسَة وَسِتِّينَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سَبْعَة أَحَادِيث.
١٤٤ - / ١٦٠ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: أَن عمر خرج إِلَى الشَّام، حَتَّى إِذا كَانَ بسرغ لقِيه أُمَرَاء الأجناد فأخبروه أَن الوباء قد وَقع بِالشَّام.
سرغ: مَوضِع.
[ ١ / ٢١٦ ]
وَأما أُمَرَاء الأجناد فَقَالَ أَبُو الْحسن الْهنائِي اللّغَوِيّ: الشَّام خَمْسَة أجناد؛ الْأُرْدُن، وحمص، ودمشق، وفلسطين، وقنسرين.
وَأما مُشَاورَة عمر فَإِنَّهُ لما رأى أَن الله تَعَالَى قد أَمر نبيه بالمشاورة اقْتدى بذلك، ثمَّ عمل بقول من وَافق رَأْيه. والفرار من الْمخوف مَشْرُوع، وَكَذَلِكَ الِاحْتِرَاز مِنْهُ، قَالَ ﷿: ﴿خُذُوا حذركُمْ﴾ [النِّسَاء: ٧١] . وَقد مر النَّبِي ﷺ بحائط مائل فأسرع، وَاسْتعْمل الدَّوَاء، وَلبس الدرْع. فَهَذِهِ الْأَشْيَاء مَوْضُوعَة على قانون الْحِكْمَة، فَلَيْسَ لقَائِل أَن يعْتَمد على الْقدر ويعرض عَن الْأَسْبَاب، فَإِن الرزق مُقَدّر، وَالْكَسْب مَشْرُوع، والوباء عِنْد المتطببين أَنه يعرض للهواء فيفسده.
وَفِي قَوْله: لَو غَيْرك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَة، قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن الْمَعْنى لعاقبته. وَالثَّانِي: أَن يكون الْمَعْنى: هلا تركت هَذِه الْكَلِمَة لمن قل فقهه.
وعدوة الْوَادي: جَانِبه، وفيهَا لُغَتَانِ: ضم الْعين وَكسرهَا، وَالْجمع عدى وعدى. والجدب ضد الخصب.
وَقَوله: " إِذا سَمِعْتُمْ بِهِ " يَعْنِي الطَّاعُون.
وَفِي قَوْله: " لَا تقدمُوا عَلَيْهِ " إِثْبَات الحذر، والنهى عَن التَّعَرُّض للتلف، فَهُوَ تَأْدِيب وَتَعْلِيم.
وَفِي قَوْله: " فَلَا تخْرجُوا " إِثْبَات التَّوَكُّل وَالتَّسْلِيم لأمر الله تَعَالَى وقضائه.
[ ١ / ٢١٧ ]
فَإِن قيل: فهذان ضدان، كَيفَ يَأْمر بالحذر ثمَّ ينْهَى عَنهُ؟
فَالْجَوَاب: أَنه لما لم يُؤمن على القادم على الطَّاعُون أَن يظنّ إِذا أَصَابَهُ أَن ذَلِك على سَبِيل الْعَدْوى الَّتِي لَا صنع للقدر فِيهَا نهى عَن ذَلِك، وَلما ظن الْخَارِج عَنهُ أَن خُرُوجه يدْفع الْقدر نهى عَن ذَلِك، فكلا الْأَمريْنِ يُرَاد لإِثْبَات الْقدر، وَترك التَّعَرُّض بِمَا يزلزل الْبَاطِن. وَقَالَ بعض الْعلمَاء: إِنَّمَا نهى إِذا وَقع الطَّاعُون فِي بلد أَن يخرج مِنْهُ لِأَنَّهُ إِذا خرج الأصحاء هلك المرضى، لِأَنَّهُ لَا يبْقى من يقوم بأمرهم، فخروجهم لَا يقطع بنجاتهم، وَهُوَ قَاطع بِهَلَاك البَاقِينَ، والمسلمون كالبنيان يشد بعضه بَعْضًا.
١٤٥ - / ١٦١ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: إِنَّنِي لواقف فِي الصَّفّ يَوْم بدر، فَنَظَرت فَإِذا أَنا بغلامين حَدِيثَة أسنانهما، فتمنيت أَن أكون بَين أضلع مِنْهُمَا.
أضلع مِنْهَا: أَي أقوى، والضلاعة: الْقُوَّة.
والسواد: الشَّخْص.
والغلامان معَاذ بن عَمْرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء، وهما من بني الْخَزْرَج، وَقد شَهدا الْعقبَة، وهما ضربا أَبَا جهل.
وَقَول رَسُول الله: " كلاكما قَتله " ثمَّ قضى بسلبه لِمعَاذ، وَكَأَنَّهُ ﵇ رأى على سيف معَاذ مَا يدل على أَن إِضَافَة الْقَتْل إِلَيْهِ أولى.
وَابْن عفراء مَنْسُوب إِلَى أمه، وَاسم أَبِيه الْحَارِث بن رِفَاعَة. وَهَذِه الْمَرْأَة الَّتِي اسْمهَا عفراء من بني النجار أسلمت وبايعت، وَلَيْسَ فِي
[ ١ / ٢١٨ ]
الصحابيات من شهد لَهَا سَبْعَة بَنِينَ بَدْرًا إِلَّا هِيَ، فَإِنَّهَا كَانَت عِنْد الْحَارِث بن رِفَاعَة، فَولدت لَهُ معَاذًا ومعوذا، ثمَّ طَلقهَا فَتَزَوجهَا بكير ابْن عبد ياليل، فَولدت لَهُ خَالِدا وإياسا وعاقلا وعامرا، ثمَّ رَاجعهَا الْحَارِث فَولدت لَهُ عوفا، فَشَهِدُوا كلهم بَدْرًا، وَاسْتشْهدَ معَاذ ومعوذ وعاقل ببدر، وخَالِد يَوْم الرجيع، وعامر يَوْم بِئْر مَعُونَة، وَإيَاس يَوْم الْيَمَامَة. والبقية مِنْهُم لعوف.
١٤٦ - / ١٦٢ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
كاتبت أُميَّة بن خلف أَن يحفظني فِي صاغيتي بِمَكَّة وأحفظه فِي صاغيته بِالْمَدِينَةِ.
صاغية الرجل: أَهله وحاشيته وكل من يصغى إِلَيْهِ: أَي يمِيل، وَمِنْه قَوْلهم: أصغيت إِلَى فلَان: أَي ملت بسمعي، وَيُقَال: صغوك مَعَ فلَان: أَي ميلك مَعَه.
خرجت لأحرزه: أَي لأحوطه وأحفظه من الْقَتْل، وَسمي الْحِرْز حرْزا لحفظه.
١٤٧ - / ١٦٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: لما قدمنَا الْمَدِينَة آخى رَسُول الله بيني وَبَين سعد بن الرّبيع.
سعد بن الرّبيع من نقباء الْأَنْصَار، شهد بَدْرًا وأحدا، وَقَالَ النَّبِي
[ ١ / ٢١٩ ]
ﷺ يَوْم أحد: " من يأتيني بِخَبَر سعد بن الرّبيع؟ " فَقَالَ رجل: أَنا فَذهب يطوف بَين الْقَتْلَى، فَقَالَ لَهُ سعد بن الرّبيع: مَا شَأْنك؟ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ لآتيه بخبرك. قَالَ: فَاذْهَبْ وَأقرهُ مني السَّلَام، وَأخْبرهُ أَنِّي قد طعنت اثْنَتَيْ عشرَة طعنة، وَأَنه قد أنفذت مقاتلي، وَأخْبر قَوْمك أَنهم لَا عذر لَهُم عِنْد الله إِن قتل رَسُول الله وَوَاحِد مِنْهُم حَيّ، وَمَات من جراحته تِلْكَ.
وَهَذِه المؤاخاة كَانَت فِي أول سنة من سني الْهِجْرَة، وعامتها بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، وَلها سببان:
أَحدهمَا: أَنه أجراهم على مَا كَانُوا ألفوا فِي الْجَاهِلِيَّة من الْحلف، فَإِنَّهُم كَانُوا يتوارثون بِالْحلف، فنفاه وَأثبت من جنسه المؤاخاة، لِأَن الْإِنْسَان إِذا فطم عَمَّا يألفه علل بِجِنْسِهِ.
وَالثَّانِي: أَن الْمُهَاجِرين قدمُوا مُحْتَاجين إِلَى المَال والمنازل، فنزلوا على الْأَنْصَار، فأكد هَذِه المخالطة بالمؤاخاة، وَلم يكن بعد غزَاة بدر مؤاخاة، لِأَن الْغَنَائِم وَقعت بِالْقِتَالِ، فاستغنى الْمُهَاجِرُونَ بِمَا كسبوا.
وَقد أحصيت عدد الَّذين آخى بَينهم فِي كتابي الْمُسَمّى بالتلقيح، فَكَانُوا مائَة وَسِتَّة وَثَمَانِينَ رجلا.
وَقَوله: " فكم سقت؟ " أَي كم أَعْطَيْت؟ وَكَانَ عَادَتهم سوق الْإِبِل إِلَى الْمَرْأَة فِي الْمهْر.
والنواة فِي الموزونات خَمْسَة دَرَاهِم، هَكَذَا ذكر أَبُو عبيد. وَقَالَ
[ ١ / ٢٢٠ ]
أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: ذَهَبا كَانَ أَو فضَّة.
وَقد دلّ هَذَا على جَوَاز النِّكَاح بِدُونِ عشرَة دَرَاهِم، لِأَن النَّبِي ﷺ لم يُنكر عَلَيْهِ مَا صنع. وَعِنْدنَا أَنه لَيْسَ لأَقل الصَدَاق حد، وكل مَا جَازَ أَن يكون ثمنا جَازَ أَن يكون صَدَاقا، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَدَاوُد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: يقدر بِمَا يقطع بِهِ السَّارِق، فَعِنْدَ أبي حنيفَة يقطع فِي عشرَة دَرَاهِم، وَعند مَالك فِي ثَلَاثَة دَرَاهِم أَو ربع دِينَار.
والوليمة: الطَّعَام عِنْد الْعرس، وَهِي عندنَا مُسْتَحبَّة، وَعَن الشَّافِعِي أَنَّهَا وَاجِبَة.
١٤٨ - / ١٦٦ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: جَاءَ كتاب عمر: اقْتُلُوا كل سَاحر وساحرة، وَفرقُوا بَين كل ذِي محرم من الْمَجُوس، وانههم عَن الزمزمة.
عندنَا أَن السَّاحر كَافِر، وَأَنه يقتل وَلَا تقبل تَوْبَته. وَعَن أَحْمد تقبل تَوْبَته كالمرتد. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يكفر بذلك، فَإِن قتل بِالسحرِ قتل قصاصا. فَأَما الْمَرْأَة فَحكمهَا عندنَا حكم الرجل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يحبس وَلَا يقتل. فَأَما إِذا كَانَ الرجل ذِمِّيا فعندنا أَنه لَا يقتل، لأَنا نقْتل الْمُسلم لقَوْله واعتقاده فِي السحر مَا يخرج بِهِ عَن الْإِسْلَام، وَالذِّمِّيّ مقرّ على مثل ذَلِك. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يقتل.
[ ١ / ٢٢١ ]
وَقَوله: فرقوا بَين كل ذِي محرم من الْمَجُوس. فِي هَذَا وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن يكون هَذَا قبل أَخذه مِنْهُم الْجِزْيَة، لِأَنَّهُ لم يَأْخُذهَا مِنْهُم حَتَّى شهد عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَن رَسُول الله أَخذهَا من مجوس هجر. وَالثَّانِي: أَن يكون المُرَاد مَنعهم من إِظْهَار هَذَا ليستتروا بِهِ كَمَا تستتر النَّصَارَى بصلبانهم.
والزمزمة: الصَّوْت، وَكَانُوا يزمزمون عِنْد الْأكل، وَإِنَّمَا نهوا عَنْهَا لِأَنَّهَا رُبمَا تَضَمَّنت الْكفْر أَو عيب ديننَا.
وَفِي هَذَا الحَدِيث: وألقوا وقر بغل أَو بغلين: أَي مِمَّا اختانوه.
[ ١ / ٢٢٢ ]