وَأمه صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب عمَّة رَسُول الله. أسلم قَدِيما وَهُوَ ابْن سِتّ عشرَة سنة، فَعَذَّبَهُ عَمه ليرْجع عَن دينه فَلم يفعل، وَهَاجَر الهجرتين وَلم يتَخَلَّف عَن مشْهد شهده رَسُول الله، وَهُوَ أول من سل سَيْفا فِي سَبِيل الله، وَكَانَ يَوْم بدر على الميمنة وَعَلِيهِ ريطه صفراء قد اعتجز بهَا، فَنزلت الْمَلَائِكَة على سيماه، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أول حربها، فَنزلت على سِيمَا أول محَارب.
روى عَن رَسُول الله ثَمَانِيَة وَثَلَاثِينَ حَدِيثا مثل طَلْحَة، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ تِسْعَة.
١٥٤ - / ١٧٤ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول:
أَن رجلا خَاصم الزبير عِنْد رَسُول الله فِي شراج الْحرَّة، فَقَالَ النَّبِي: " اسْقِ يَا زبير، ثمَّ أرسل المَاء إِلَى جَارك " فَغَضب الْأنْصَارِيّ ثمَّ قَالَ: يَا رَسُول الله، أَن كَانَ ابْن عَمَّتك. فَتَلَوَّنَ وَجه رَسُول الله، ثمَّ قَالَ للزبير: " اسْقِ يَا زبير، ثمَّ احْبِسْ المَاء حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر " وَفِي لفظ:
[ ١ / ٢٢٦ ]
فَلَمَّا أحفظ الْأنْصَارِيّ رَسُول الله استوعى للزبير حَقه فِي صَرِيح الحكم، فَلَا أَحسب هَذِه الْآيَة نزلت إِلَّا فِي هَذَا: ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم﴾ [النِّسَاء: ٦٥] .
قَالَ أَبُو عبيد: الشراج: مجاري المَاء من الْحرار إِلَى السهل، وَاحِدهَا شرج.
والحرة: الأَرْض الَّتِي قد ألبست حِجَارَة سَوْدَاء، وَكَانَ واديان من أَوديَة الْمَدِينَة يسيلان بالمطر فيتنافس أهل الحوائط فِي سيلهما، فَقضى بِهِ رَسُول الله للأعلى فالأعلى، وَالْأَقْرَب فَالْأَقْرَب.
وَقَوله: أَن كَانَ ابْن عَمَّتك، الْألف فِي أَن مَفْتُوحَة، وَالْمعْنَى: تقضي لَهُ لكَونه ابْن عَمَّتك، وَمثله قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَال وبنين﴾ [الْقَلَم: ١٤] الْمَعْنى: لِأَن كَانَ ذَا مَال تُطِيعهُ.
والجدر: الْجِدَار. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: وَقد رَوَاهُ بَعضهم الجذر بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، يُرِيد بِهِ مبلغ تَمام الشّرْب، من جذر الْحساب، وَالْأول أصح.
وأحفظ: أغضب. وصريح الحكم: ظَاهره. واستوعى: استوفى لَهُ الْحق، وَهُوَ مَأْخُوذ من الْوِعَاء، كَأَنَّهُ جمعه فِي وعائه.
وَشَجر مَا بَين الْقَوْم: اخْتلفُوا، واشتجروا: تنازعوا.
[ ١ / ٢٢٧ ]
١٥٥ - / ١٧٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: كنت يَوْم الْأَحْزَاب مَعَ النِّسَاء فِي أَطَم حسان.
الأطم بِضَم الْألف: بِنَاء من حِجَارَة مَرْفُوع كالقصر والحصن. وَقَالَ أَبُو عبيد: الأطم: الْحصن، وَجمعه آطام، وَمثله الأجم وَجمعه آجام، وَهِي لُغَة حجازية.
١٥٦ - / ١٧٦ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
أَن الزبير قتل وَترك أَرضين من الغابة، وَأَنه خلف خمسين ألف ألف ومائتي ألف.
الغابة: اسْم مَوضِع.
وَترك هَذِه الْأَمْوَال دَلِيل على أَنه لَا يكره جمع الْأَمْوَال من حَلَال، وَأَن يخلفها الْإِنْسَان لِعِيَالِهِ، خلافًا لجهلة المتزهدين.
١٥٧ - / ١٧٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار ".
أصل التبوء من مباءة الْإِبِل: وَهِي أعطانها، يُقَال: تبوأ لنَفسِهِ مَكَانا: إِذا اتَّخذهُ. وَظَاهر اللَّفْظ الْأَمر وَمَعْنَاهُ الْخَبَر، وَقد يكون ظَاهر اللَّفْظ الْخَبَر وَمَعْنَاهُ الْأَمر كَقَوْلِه: (والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ
[ ١ / ٢٢٨ ]
بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٢٨] ﴿والوالدات يرضعن﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٣] .
وَمَعْلُوم أَن الزبير مَا خَافَ تعمد الْكَذِب، إِنَّمَا خَافَ الزلل.
١٥٨ - / ١٧٩ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: لقِيت يَوْم بدر عُبَيْدَة - وَيُقَال عَبدة - بن سعيد بن الْعَاصِ وَهُوَ مدجج لَا ترى مِنْهُ إِلَّا عَيناهُ، وَكَانَ يكنى أَبَا ذَات الكرش، فَقَالَ: أَنا أَبُو ذَات الكرش، فَحملت عَلَيْهِ بالعنزة، فطعنته فِي عينه فَمَاتَ، وَلَقَد وضعت رجْلي عَلَيْهِ، ثمَّ تمطيت فَكَانَ الْجهد أَن نزعتها وَقد انثنى طرفها.
المدجج: المغطى بِالسِّلَاحِ.
والعنزة: الحربة.
وتمطيت: أَي تمددت، وَهُوَ مَأْخُوذ من المطا وَهُوَ الظّهْر، فالمتمطي يمد ظَهره. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: أصل يتمطى يتمطط، فقلبت الطَّاء فِيهِ يَاء، كَمَا قَالُوا يتظنى وَالْأَصْل يتظنن، وَمِنْه المشية الْمُطَيْطَاء، وأصل الطَّاء فِي هَذَا كُله دَال يُقَال: مططت ومددت بِمَعْنى.
قَوْله: وَكَانَ الْجهد أَن نزعتها - يَعْنِي الحربة. والجهد بِالْفَتْح: الْمَشَقَّة. والجهد بِالضَّمِّ: الطَّاقَة، وَبَعْضهمْ يَقُول لُغَتَانِ بِمَعْنى.
١٥٩ - / ١٨٠ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: قَالُوا للزبير يَوْم اليرموك: أَلا تشد فنشد مَعَك. قَالَ: إِنِّي إِن شددت كَذبْتُمْ.
اليرموك: وقْعَة كَانَت فِي خلَافَة عمر.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وَمعنى قَوْله: كَذبْتُمْ: أَي حملتم ثمَّ عدتم. يُقَال: كذب الرجل فِي الْقِتَال، وَهَلل وعرد: إِذا حمل ثمَّ رَجَعَ.
١٦٠ - / ١٨١ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: ضربت للمهاجرين يَوْم بدر بِمِائَة سهم.
أَي عَنْهُم.
١٦١ - / ١٨٢ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: كَانَ سيف الزبير محلى بِفِضَّة.
اعْلَم أَن الْيَسِير من الْفضة إِذا كَانَ قَائِما مقَام مَا لَا غناء لَهُ عَنهُ من الصفر والنحاس وَغَيره جَازَ، كقبيعة السَّيْف، وشعيرة السكين، وتشعيب قدح، وَإِن لم يكن إِلَى ذَلِك اليسيرحاجة كالحلقة فِي الْإِنَاء لم يجز، فَإِن كَانَ كثيرا حرم على كل حَال. وَقَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي: إِن كَانَ يَسِيرا يحْتَاج إِلَيْهِ كإصلاح مَوضِع كسر فَهُوَ مُبَاح، فَأَما إِذا لم يحْتَج إِلَيْهِ فَمنهمْ من أَبَاحَهُ وَمِنْهُم من كرهه. وَأما إِذا كَانَ كثيرا: فَإِن احْتِيجَ إِلَيْهِ فَهُوَ مَكْرُوه عِنْدهم، وَإِن لم يحْتَج إِلَيْهِ فَحَرَام. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَدَاوُد: لَا يكره ذَلِك، كثيرا كَانَ أَو يَسِيرا.
[ ١ / ٢٣٠ ]