وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله مائَة حَدِيث وَسِتَّة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ خَمْسَة وَعِشْرُونَ.
٤٢٦ - / ٥١٩ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: " إِذا هلك كسْرَى فَلَا كسْرَى بعده، وَإِذا هلك قَيْصر فَلَا قَيْصر بعده ".
وَأما كسْرَى فقد ذَكرْنَاهُ فِي الْمسند الَّذِي قبل هَذَا. وَأما قَيْصر فَقَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: قَيْصر اسْم أعجمي، وَهُوَ اسْم لملك الرّوم، كَمَا أَن تبعا للْعَرَب، وكسرى للْفرس، وَالنَّجَاشِي للحبشة، وَقد تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب قَدِيما، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
(بَكَى صَاحِبي لما رأى الدَّرْب دونه وأيقن أَنا لاحقان بقيصرا)
وَقَالَ جرير:
[ ١ / ٤٤٨ ]
(إِذا افْتَخرُوا عدوا الصبهبذ مِنْهُم وكسرى وَآل الهرمزان وقيصرا)
وَهَذَا الحَدِيث يشكل على من سمع أَن كسْرَى لما قتل ملك وَلَده ثمَّ ملك بعده جمَاعَة، وَكَذَلِكَ قَيْصر، وَالَّذِي يزِيل الْإِشْكَال أَن كسْرَى وَقَيْصَر كَانَا فِي ملك ثَابت، فَلَمَّا زَالا تزلزل ملكهمَا وَمَا زَالَ إِلَى انمحاق وانقراض وَمَا خلفهمَا مثلهمَا، وَهَذَا كَمَا يُقَال للْمَرِيض: هَذَا ميت، وَالْمعْنَى أَنه قريب من الْمَوْت وَأَن أَحْوَاله تحمله إِلَيْهِ.
فَإِن قَالَ قَائِل: قدرُوا صِحَة هَذَا فِي كسْرَى، فَكيف بقيصر ومملكة الرّوم إِلَى الْيَوْم بَاقِيَة؟ فقد أجَاب عَن هَذَا أَبُو الْوَفَاء بن عقيل فَقَالَ: كَانَت الْعَرَب بَين هذَيْن الْملكَيْنِ كالكرة يلعبان بهم، ويحملون إِلَيْهِمَا الْهَدَايَا، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام صَارَت كلمة الْعَرَب الْعليا، فَلَا كسْرَى وَلَا قَيْصر من حَيْثُ الْمَعْنى، إِنَّمَا هُوَ اسْم فارغ من الْمَعْنى.
٤٢٧ - / ٥٢٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " يكون بعدِي اثْنَا عشر أَمِيرا كلهم من قُرَيْش " وَفِي رِوَايَة: " لَا يزَال أَمر النَّاس مَاضِيا مَا وليهم اثْنَا عشر رجلا كلهم من قُرَيْش ". وَفِي رِوَايَة: " لَا يزَال الدّين قَائِما حَتَّى تقوم السَّاعَة أَو يكون عَلَيْكُم اثْنَا عشر خَليفَة كلهم من قُرَيْش " وَفِي رِوَايَة: " لَا يزَال هَذَا الدّين عَزِيزًا منيعا إِلَى اثْنَي عشر خَليفَة كلهم من قُرَيْش ".
هَذَا الحَدِيث قد أطلت الْبَحْث عَنهُ، وطلبته مظانه، وَسَأَلت عَنهُ،
[ ١ / ٤٤٩ ]
فَمَا رَأَيْت أحدا وَقع على الْمَقْصُود بِهِ، وَأَلْفَاظه مُخْتَلفَة لَا أَشك أَن التَّخْلِيط فِيهَا من الروَاة، وَبقيت مُدَّة لَا يَقع لي فِيهِ شَيْء، ثمَّ وَقع لي فِيهِ شَيْء فسطرته، ثمَّ رَأَيْت أَبَا سُلَيْمَان الْخطابِيّ قد أَشَارَ إِلَى مَا وَقع لي، ثمَّ وَقع إِلَيّ كَلَام لأبي الْحُسَيْن بن الْمُنَادِي على هَذَا الحَدِيث على وَجه آخر، ثمَّ وَقع لي حَدِيث يدل على وَجه ثَالِث، وَهَاهُنَا أذكر الْوُجُوه الثَّلَاثَة:
أما الْوَجْه الأول الَّذِي وَقع لي ثمَّ رَأَيْت من كَلَام الْخطابِيّ مَا يُوَافقهُ: فَهُوَ أَن رَسُول الله ﷺ أَشَارَ بِهِ إِلَى مَا يكون بعده وَبعد أَصْحَابه، لِأَن حكم أَصْحَابه مُرْتَبِط بِحكمِهِ، فَأخْبر عَن الولايات الْوَاقِعَة بعد ذَلِك وَأَنَّهَا تتمّ لأربابها فِي هَذِه الْمدَّة ثمَّ تنْتَقل الْإِمَارَة، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى مُدَّة ولَايَة بني أُميَّة فَيكون مُرَاده بقوله: " لَا يزَال الدّين " يَعْنِي الْولَايَة وَالْملك إِلَى أَن يذهب اثْنَا عشر خَليفَة ثمَّ تنْتَقل الْإِمَارَة، وَهَذَا على شرح الْحَال فِي استقامة السلطنة لَا على طَرِيق الْمَدْح لولاية بني أُميَّة. فَأول الْقَوْم يزِيد بن مُعَاوِيَة، ثمَّ ابْنه مُعَاوِيَة بن يزِيد - وَلَا يذكر ابْن الزبير لكَونه معدودا فِي الصَّحَابَة، وَلَا مَرْوَان بن الحكم لكَونه بُويِعَ لَهُ بعد بيعَة ابْن الزبير، وَكَانَ ابْن الزبير أولى مِنْهُ فَكَانَ هُوَ فِي مقَام غَاصِب - ثمَّ عبد الْملك، ثمَّ الْوَلِيد، ثمَّ سُلَيْمَان، ثمَّ عمر بن عبد الْعَزِيز، ثمَّ يزِيد بن عبد الْملك، ثمَّ هِشَام بن عبد الْملك، ثمَّ الْوَلِيد ابْن يزِيد، ثمَّ يزِيد بن الْوَلِيد بن عبد الْملك، ثمَّ إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد، ثمَّ مَرْوَان بن مُحَمَّد، فَهَؤُلَاءِ اثْنَا عشر. ثمَّ خرجت الْخلَافَة مِنْهُم وانتقلت إِلَى بني الْعَبَّاس صلوَات الله عَلَيْهِ. وَمِمَّا يُقَوي هَذَا القَوْل مَا
[ ١ / ٤٥٠ ]
روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " تَدور رحى الْإِسْلَام لخمس وَثَلَاثِينَ، أَو سِتّ وَثَلَاثِينَ، أَو سبع وَثَلَاثِينَ، فَإِن يهْلكُوا فسبيل من هلك، وَإِن يقم لَهُم دينهم يقم لَهُم سبعين عَاما " وَرَوَاهُ الْخطابِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود أَيْضا، فَقَالَ فِيهِ: " يقم لَهُم سبعين عَاما " فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، سوى الثَّلَاث وَالثَّلَاثِينَ؟ قَالَ: " نعم ".
قلت: وَفِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ - وَقيل سِتّ وَثَلَاثِينَ - قتل عُثْمَان، فَيمكن أَن يُرِيد بدوران الرَّحَى استقامة الْأَمر، وَيُمكن أَن يُرِيد بذلك زَوَال الاسْتقَامَة بِدَلِيل أَنه فِي بعض أَلْفَاظ الحَدِيث: " إِن رحى الْإِسْلَام ستزول بعد خمس وَثَلَاثِينَ سنة، أَو سِتّ وَثَلَاثِينَ، أَو سبع وَثَلَاثِينَ " وَذكر الزَّوَال أبين، وَالْمعْنَى: تَزُول الرَّحَى عَن استقرارها. فَإِن كَانَت الرِّوَايَة سنة خمس فَفِيهَا قدم أهل مصر وحصروا عُثْمَان، وَإِن كَانَت سنة سِتّ فَفِيهَا خرج طَلْحَة وَالزُّبَيْر إِلَى الْجمل، وَإِن كَانَت سنة سبع فَفِيهَا كَانَت صفّين، فتغيرت الْأَحْوَال فِي هَذِه الْأَشْيَاء ثمَّ استقام الْملك إِلَى انْقِرَاض ملك بني أُميَّة وعادت الْفِتَن.
وَفِي بعض أَلْفَاظ الحَدِيث: " إِن رحى الْإِسْلَام ستزول بعد خمس وَثَلَاثِينَ سنة، فَإِن يصطلحوا فِيمَا بَينهم يَأْكُلُوا الدُّنْيَا سبعين عَاما رغدا، وَإِن يقتتلوا يركبُوا سنَن من كَانَ قبلهم " وَقَالَ الْخطابِيّ: قَوْله:
[ ١ / ٤٥١ ]
" تَدور رحى الْإِسْلَام " كِنَايَة عَن الْحَرْب، شبهها بالرحى الَّتِي تطحن الْحبّ لما يكون فِيهَا من تلف الْأَرْوَاح. قَالَ: وَقَوله: يقم لَهُم دينهم: أَرَادَ بِالدّينِ هَاهُنَا الْملك، قَالَ زُهَيْر:
(لَئِن حللت بجو فِي بني أَسد فِي دين عَمْرو وحالت بَيْننَا فدك)
يُرِيد فِي ملك عَمْرو وولايته. قَالَ الْخطابِيّ: وَيُشبه أَن يكون أَرَادَ بِهَذَا ملك بني أُميَّة وانتقاله عَنْهُم إِلَى بني الْعَبَّاس، فَكَانَ مَا بَين اسْتِقْرَار الْملك بيي أُميَّة وَظُهُور الوهن فِيهِ نَحوا من سبعين سنة.
قلت: وَيدل على هَذَا مَا أخبرنَا بِهِ أَبُو مَنْصُور عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو سعيد الْمَالِينِي قَالَ: أخبرنَا عبد الله بن عدي قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر المطيري قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن السكن قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن ذؤاد - بغدادي - قَالَ: حَدثنَا ذؤاد بن علبة عَن عبد الله بن عُثْمَان بن خثيم من أبي الطُّفَيْل عَامر بن وَاثِلَة عَن عبد الله ابْن عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: " إِذا ملك اثْنَا عشر من بني كَعْب ابْن لؤَي كَانَ النقف والنقاف إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " قَالَ ذؤاد: قَالَ لي عبد الله بن عُثْمَان وَأَنا أَطُوف مَعَه: وَرب هَذِه البنية، لقد حدثتك كَمَا حَدثنِي أَبُو الطُّفَيْل.
وَأخْبرنَا عبد الْحق بن عبد الْخَالِق قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن مَرْزُوق
[ ١ / ٤٥٢ ]
قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: أَخْبرنِي عَليّ بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن الرزاز قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن سُلَيْمَان النجاد قَالَ: قرئَ على الْحسن بن مكرم وَأَنا أسمع قَالَ: قَرَأنَا على قيس بن مُحَمَّد الْبَصْرِيّ عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن ربعي عَن الْبَراء بن نَاجِية عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: " تَدور رحى الْإِسْلَام فِي خمس وَثَلَاثِينَ أَو سِتّ وَثَلَاثِينَ أَو سبع وَثَلَاثِينَ، فَإِن يهْلكُوا فسبيل من يهْلك، وَإِن يقم لَهُم دينهم يقم لَهُم سبعين عَاما " قلت: يَا رَسُول الله، مِمَّا مضى أَو مِمَّا بَقِي؟ قَالَ: مِمَّا بَقِي. قَالَ الْخَطِيب: قَوْله: " تَدور رحى الْإِسْلَام " مثل يُرِيد بِهِ أَن هَذِه الْمدَّة إِذا انْتَهَت حدث فِي الْإِسْلَام أَمر عَظِيم يخَاف لذَلِك على أَهله الْهَلَاك، يُقَال لِلْأَمْرِ إِذا تغير واستحال: قد دارت رحاه، وَهَذَا - وَالله أعلم - إِشَارَة إِلَى انْقِضَاء مُدَّة الْخلَافَة. وَقَوله: " يقم لَهُم دينهم " أَي ملكهم وسلطانهم، وَالدّين: الْملك وَالسُّلْطَان، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ ليَأْخُذ أَخَاهُ فِي دين الْملك﴾ [يُوسُف: ٧٦] وَكَانَ بَين مبايعة الْحسن بن عَليّ مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان إِلَى انْقِضَاء ملك بني أُميَّة من الْمشرق نَحْو من سبعين سنة.
وَأما الْوَجْه الثَّانِي الَّذِي ذكره أَبُو الْحُسَيْن بن الْمُنَادِي فِي هَذَا الحَدِيث فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْله: " يكون بعدِي اثْنَا عشر خَليفَة " قَالَ: هَذَا إِنَّمَا يكون بعد موت الْمهْدي الَّذِي يخرج فِي أَوَاخِر الزَّمَان. قَالَ: وَقد وجدنَا فِي كتاب " دانيال ": إِذا مَاتَ الْمهْدي ملك خَمْسَة رجال وهم من ولد
[ ١ / ٤٥٣ ]
السبط الْأَكْبَر - يَعْنِي ابْن الْحسن بن عَليّ، ثمَّ يملك بعدهمْ خَمْسَة رجال من ولد السبط الْأَصْغَر، ثمَّ يُوصي آخِرهم بالخلافة لرجل من ولد السبط الْأَكْبَر فَيملك، ثمَّ يملك بعده وَلَده، فَيتم بذلك اثْنَا عشر ملكا كل وَاحِد مِنْهُم إِمَام مهْدي. قَالَ ابْن الْمُنَادِي: وَوجدنَا فِي رِوَايَة أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس أَنه ذكر الْمهْدي فَقَالَ: اسْمه مُحَمَّد بن عبد الله، وَهُوَ رجل ربعَة مشرب حمرَة، يفرج الله بِهِ عَن هَذِه الْأمة كل كرب، وَيصرف بعدله كل جور، ثمَّ يَلِي الْأَمر بعده اثْنَا عشر رجلا خمسين وَمِائَة، فستة من ولد الْحسن، وَوَاحِد من ولد عقيل بن أبي طَالب، وَخَمْسَة من ولد الْحُسَيْن، ثمَّ يَمُوت فَيفْسد الزَّمَان وَيعود الْمُنكر. قَالَ: وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار: يكون اثْنَا عشر مهديا، ثمَّ ينزل روح الله فَيقْتل الدَّجَّال. قَالَ: وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بقوله " لَا مهْدي إِلَّا عِيسَى " يَعْنِي لَا نَبِي يظْهر سواهُ.
وَالْوَجْه الثَّالِث: أَنه أَرَادَ وجود اثْنَي عشر خَليفَة فِي جَمِيع مُدَّة الْخلَافَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة يعلمُونَ بِالصَّوَابِ وَإِن لم تتوال أيامهم، فقد يكون الرجل عادلا، وَيَأْتِي بعده من يجور، ثمَّ يَأْتِي بعد مُدَّة من يعدل، فَيتم عدل الاثْنَي عشر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. وَيدل على هَذَا الْوَجْه مَا أخبرنَا بِهِ أَبُو مَنْصُور عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْقَزاز قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد ابْن عَليّ بن ثَابت قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن أَحْمد بن عمر الْمُقْرِئ قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الشَّافِعِي قَالَ: حَدثنَا معَاذ بن الْمثنى قَالَ:
[ ١ / ٤٥٤ ]
حَدثنَا مُسَدّد قَالَ: حَدثنَا يحيى بن أبي يُونُس قَالَ: حَدثنَا أَبُو بَحر أَن أَبَا المجلد حَدثهُ وَحلف عَلَيْهِ: أَنه لَا تهْلك هَذِه الْأمة حَتَّى يكون فِيهَا اثْنَا عشر خَليفَة كلهم يعْمل بِالْهدى وَدين الْحق، مِنْهُم رجلَانِ من أهل بَيت النَّبِي ﷺ، يعِيش أحدهم أَرْبَعِينَ سنة والأخر ثَلَاثِينَ سنة.
وَأما الْأَسْلَمِيّ فَهُوَ مَاعِز.
والعصبة والعصابة: الْجَمَاعَة.
وَالْبَيْت الْأَبْيَض قصر كسْرَى، وَكَانَ مَبْنِيا بالجص، وَكَانَت فِيهِ أَمْوَال عَظِيمَة، فروينا فِي الْفتُوح أَن سعد بن أبي وَقاص خَاضَ بِأَصْحَابِهِ دفتيه وَهِي تطفح - إِلَى ولد كسْرَى، فَمَا بلغ المَاء إِلَى حزَام الْفرس، وَمَا ذهب للْمُسلمين شَيْء، إِلَّا أَن قدحا وَقع وَأَخذه رجل برمحه من المَاء، فَعرفهُ صَاحبه فَأَخذه، ووجدوا قبابا مَمْلُوءَة سلالا فِيهَا آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة، ووجدوا كافورا فظنوه ملحا فعجنوا بِهِ فوجدوا مرارته فِي الْخبز، فَكَانَ فِي بيُوت أَمْوَال كسْرَى ثَلَاثَة آلَاف ألف ألف ثَلَاث مَرَّات.
٤٢٨ - / ٥٢١ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
" لينتهين أَقوام يرفعون أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء فِي الصَّلَاة أَو لَا يرجع إِلَيْهِم ".
لما كَانَ الْمَأْخُوذ على المتعبد فِي الصَّلَاة أَن يخشع، والخشوع: التذلل والتواضع، ناسب هَذَا الْوَعيد سوء الْأَدَب.
[ ١ / ٤٥٥ ]
٤٢٩ - / ٥٢٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " مَالِي أَرَاكُم رافعي أَيْدِيكُم كَأَنَّهَا أَذْنَاب خيل شمس، اسكنوا فِي الصَّلَاة " ثمَّ خرج علينا فرآنا حلقا فَقَالَ: " مَالِي أَرَاكُم عزين؟ ".
الشَّمْس جمع شموس: وَهُوَ من الدَّوَابّ الَّذِي لَا يكَاد يسْتَقرّ. وَقد احْتج بعض أَصْحَاب أبي حنيفَة بِهَذَا الحَدِيث فِي مَنعهم رفع الْيَدَيْنِ فِي الرُّكُوع وَعند الرّفْع مِنْهُ، وَلَيْسَ لَهُم فِيهِ حجَّة؛ لِأَنَّهُ قد رُوِيَ مُفَسرًا بعد حديثين، قَالَ جَابر: صلينَا مَعَ رَسُول الله ﷺ، فَكُنَّا إِذا سلمنَا قُلْنَا بِأَيْدِينَا: السَّلَام عَلَيْكُم، السَّلَام عَلَيْكُم، فَنظر إِلَيْنَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: " مَا شَأْنكُمْ تشيرون بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَاب خيل شمس؟ إِذا سلم أحدكُم فليلتفت إِلَى صَاحبه وَلَا يُومِئ بِيَدِهِ " فَبَان بِهَذَا أَنه لَيْسَ لرفع الْأَيْدِي للتكبير.
وَالْحلق جمع حَلقَة: وَهِي الْجَمَاعَة المستديرة.
قَالَ الْفراء: والعزون الْحلق، الْجَمَاعَات، وَاحِدهَا عزه، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: عزين جمع عزة، مثل ثبة وثبين، فَهِيَ جماعات فِي تَفْرِقَة. وَقيل: الأَصْل فِي الِاسْم أَن كل جمَاعَة كَانَ اعتزاؤها وَاحِدًا فَهِيَ عزة.
وَقَوله: " وتتراصون فِي الصَّفّ " أَي تتضامون فِيهِ.
[ ١ / ٤٥٦ ]
٤٣٠ - / ٥٢٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: أتوضأ من لُحُوم الْإِبِل؟ قَالَ: " نعم، فَتَوَضَّأ من لُحُوم الْإِبِل " قَالَ: أُصَلِّي فِي مرابض الْغنم؟ قَالَ: " نعم ". قَالَ: أُصَلِّي فِي مبارك الْإِبِل؟ قَالَ: " لَا ".
فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على وجوب الْوضُوء على من أكل لحم الْجَزُور، وَبِه قَالَ من الصَّحَابَة جَابر بن سَمُرَة رَاوِي هَذَا الحَدِيث، وَمن الْفُقَهَاء يحيى بن يحيى، وَابْن رَاهَوَيْه، وَدَاوُد، وَهُوَ أظهر الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل، خلافًا لأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ. فَأَما إِذا شرب من لَبنهَا أَو أكل من كَبِدهَا أَو طحالها فَهَل ينْتَقض وضوءه؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد.
ومرابض الْغنم: مَوَاضِع ربوضها. ومبارك الْإِبِل: مَوضِع بروكها، والبرك فِي اللُّغَة الصَّدْر، وَإِنَّمَا قيل: برك الْبَعِير لوُقُوعه على صَدره، وَالْمرَاد بمباركها أَمَاكِن إِقَامَتهَا. وَظَاهر هَذَا أَن الصَّلَاة فِيهَا لَا تصح، وَهِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد، وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة: تكره وَتَصِح، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ.
٤٣١ - / ٥٢٥ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: " ثمَّ يسلم على أَخِيه من على يَمِينه وشماله ".
عندنَا أَنه يَنْوِي بِالسَّلَامِ الْخُرُوج من الصَّلَاة، فَيحمل هَذَا الْكَلَام
[ ١ / ٤٥٧ ]
على معنى: ثمَّ يسلم كَمَا يسلم على أَخِيه: وَعند أَصْحَاب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: يَنْوِي السَّلَام على الْمَلَائِكَة والمأمومين. وَنحن نقُول: مَتى نوى هَذَا وَلم ينْو الْخُرُوج من الصَّلَاة كره لَهُ، إِلَّا أَن أَحْمد نَص على أَنَّهَا لَا تبطل. وَقَالَ ابْن حَامِد: تبطل، وَاخْتلف أَصْحَابنَا: هَل تجب نِيَّة الْخُرُوج من الصَّلَاة؟ على وَجْهَيْن.
٤٣٢ - / ٥٢٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: " إِن الله تَعَالَى سمى الْمَدِينَة طابة ".
قَالَ ابْن فَارس: طابة وطيبة من الطّيب، وَذَلِكَ أَنَّهَا طهرت من الشّرك، وكل طَاهِر طيب، وَلذَلِك يُسمى الِاسْتِنْجَاء استطابة، لِأَن الْإِنْسَان تطيب نَفسه من الْخبث.
٤٣٣ - / ٥٢٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: رَأَيْت ماعزا حِين جِيءَ بِهِ وَهُوَ أعضل.
الأعضل: الْكثير اللَّحْم، مَأْخُوذ من العضلة: وَهِي اللحمة الصلبة فِي العصب.
والأخر: على فعل الْمُدبر المتخلف، وَهَذَا يُقَال فِي السب والشتم: أبعد الله الْأُخَر.
فرجمه: أَي ضربه بِالرَّجمِ، وَالرَّجم: الْحِجَارَة، وَفِي الحَدِيث:
[ ١ / ٤٥٨ ]
" لَا ترجموا قَبْرِي " أَي لَا تدعوا عَلَيْهِ الْحِجَارَة، دَعوه مستويا.
وَقَوله: " خلف أحدهم " أَي بَقِي بَعدنَا.
وَقَوله: " لَهُ نبيب كنبيب التيس " نبيبه صَوته عِنْد السفاد.
وَقَوله: " يمنح أحدهم " أَي يُعْطي " الكثبة " وَهِي الْقَلِيل من اللَّبن.
وَقَوله: " لأنكلنه عَنْهُن " النكال: الْعقُوبَة، وَالْمعْنَى لأعاقبنه ليرْجع عَنْهُن.
وَقَوله فَرده مرَّتَيْنِ - وروى: أَرْبعا. من روى أَرْبعا فقد زَاد، وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مُقَدّمَة. وَعِنْدنَا أَنه لَا يجب حد الزِّنَا إِلَّا بِالْإِقْرَارِ أَربع مَرَّات. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: إِذا أقرّ مرّة وَاحِدَة حد. وَأَبُو حنيفَة يوافقنا فِي الْأَرْبَع إِلَّا أَنه يَقُول: يحْتَاج الْإِقْرَار أَن يكون فِي أَرْبَعَة مجَالِس مُتَفَرِّقَة، فَلَو أقرّ عَن يَمِين الْحَاكِم ويساره وأمامه ووراءه كَانَت أَرْبَعَة مجَالِس، وَعِنْدنَا أَنه يَصح الْإِقْرَار فِي مجْلِس وَاحِد. فَأَما إِذا ثَبت الزِّنَا بالشهود فعندنا أَن الْمجْلس الْوَاحِد شَرط فِي اجْتِمَاع الشُّهُود وَأَدَاء الشَّهَادَة، فَإِذا جمعهم مجْلِس وَاحِد سَمِعت شَهَادَتهم وَإِن جَاءُوا مُتَفَرّقين، ووافقنا أَبُو حنيفَة وَمَالك أَن الْمجْلس الْوَاحِد شَرط لكنهما قَالَا: هُوَ شَرط فِي مجيئهم مُجْتَمعين، فَإِن جَاءُوا مُتَفَرّقين فِي مجْلِس وَاحِد حدوا. وَقَالَ الشَّافِعِي: لَيْسَ الْمجْلس الْوَاحِد شرطا فِي اجْتِمَاعهم وَلَا فِي مجيئهم، وَمَتى شهدُوا بِالزِّنَا مُتَفَرّقين وَجب الْحَد على الزَّانِي، فَإِذا لم يكمل عدد الشُّهُود فَإِنَّهُم قذفة يحدون عندنَا وَعند أبي حنيفَة وَمَالك، خلافًا لأحد
[ ١ / ٤٥٩ ]
قولي الشَّافِعِي: إِنَّهُم لَا يحدون.
٤٣٤ - / ٥٢٩ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: كَانَ يخْطب قَائِما ثمَّ يجلس، ثمَّ يقوم فيخطب.
أما خطْبَة الْجُمُعَة فَإِنَّهَا شَرط فِي صِحَة الْجُمُعَة عِنْد أَكثر الْفُقَهَاء خلافًا لداود، وَأما الْقيام فِي الْخطْبَتَيْنِ وَالْجُلُوس بَينهمَا فَسنة عِنْد أبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد، وَعند الشَّافِعِي أَن ذَلِك شَرط فِي صِحَّتهَا فَلَا تجزي مَعَ الْقُدْرَة على الْقيام، وَإِن ترك الْقعُود بَينهمَا لم تجز الْخطْبَة، فَإِن كَانَ مَرِيضا خطب جَالِسا وَفصل بَين الْخطْبَتَيْنِ بسكته.
٤٣٥ - / ٥٣٠ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: كَانَت صلَاته قصدا وخطبته قصدا.
الْقَصْد: بَين الطول وَالْقصر.
٤٣٦ - / ٥٣٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: كَانَ بِلَال يُؤذن إِذا دحضت الشَّمْس.
يَعْنِي زَالَت.
٤٣٧ - / ٥٣٥ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: كَانَ إِذا صلى الْفجْر
[ ١ / ٤٦٠ ]
جلس فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تطلع الشَّمْس حسناء.
الَّذِي قرأناه على مَشَايِخنَا حسناء على وزن فعلاء، وَإِنَّمَا تظهر حَسَنَة إِذا أخذت فِي الِارْتفَاع، فَحِينَئِذٍ يتكامل ضوءها وَيحسن. ورأيته بِخَط أبي عبد الله الْحميدِي: حسنا منونا، يُرِيد: طلوعا حسنا. وَفِي فعله هَذَا فَائِدَتَانِ: إِحْدَاهمَا: الْجُلُوس للذّكر فَإِنَّهُ وَقت شرِيف، وَقد جَاءَت أَحَادِيث كَثِيرَة فِي الذّكر فِي ذَلِك الْوَقْت. وَالثَّانيَِة: أَنه لما تعبد الْإِنْسَان لله ﷿ قبل طُلُوع الشَّمْس لَازم مَكَان التَّعَبُّد إِلَى أَن تَنْتَهِي حركات الساجدين للشمس إِذا طلعت.
٤٣٨ - / ٥٣٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: صليت مَعَ رَسُول الله ﷺ الْعِيدَيْنِ بِغَيْر أَذَان وَلَا إِقَامَة.
إِنَّمَا كَانَ هَذَا لأحد أَمريْن: إِمَّا لتمييز مَا هُوَ فرض عَن غَيره، كَمَا أَن صَلَاة الْكُسُوف لما كَانَت سنة نُودي لَهَا: الصَّلَاة جَامِعَة، لتمييز الْفَرَائِض العينية. وَالثَّانِي: أَن الْأَذَان وَالْإِقَامَة للإعلام بِالصَّلَاةِ، والعيد إِنَّمَا يُقَام فِي الصَّحرَاء لَا عِنْد الْبيُوت، فَالَّذِينَ يقصدونها قد خَرجُوا والمتأخرون لَا يسمعُونَ الْأَذَان فِي أغلب الْمَوَاضِع، فَلم يكن فِيهِ فَائِدَة.
٤٣٩ - / ٥٣٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر: صلى رَسُول الله ﷺ على ابْن الدحداح.
اسْم هَذَا الرجل ثَابت بن الدحداح، وَيُقَال الدحداحة، ويكنى
[ ١ / ٤٦١ ]
أَبَا الدحداح، وَهُوَ من الْأَنْصَار، وَقد اخْتلف الروَاة فِي مَوته، فَقَالَ بَعضهم: قتل يَوْم أحد فِي المعركة. وَقَالَ آخَرُونَ: بل جرح وبرأ ثمَّ مَاتَ على فرَاشه مرجع رَسُول الله ﷺ من الْحُدَيْبِيَة، وَهَذَا أصح لهَذَا الحَدِيث.
وَقَوله: ثمَّ أُتِي بفرس عري - أَي عُرْيَان، وَكَذَلِكَ معرورى.
فعقله رجل: أَي أمْسكهُ لَهُ حَتَّى رَكبه، فَجعل يتوقص بِهِ. قَالَ أَبُو عبيد: التوقص أَن يقصر عَن الخبب ويمرح عَن الْعُنُق وينقل قوائمه نقل الخبب، غير أَنَّهَا أقرب قدرا فِي الأَرْض.
والعذق بِفَتْح الْعين: النَّخْلَة، وبكسرها: الكباسة، وَالْمرَاد هَاهُنَا الكباسة؛ لِأَنَّهُ قَالَ: " مُعَلّق أَو مدلى ".
والرداح: الثقيل بِحمْلِهِ، وَمِنْه امْرَأَة رداح: إِذا كَانَت ثَقيلَة الْأَوْرَاك.
وَكَانَ هَذَا الرجل لما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿من ذَا الَّذِي يقْرض الله قرضا حسنا﴾ [الْبَقَرَة: ٢٤٥] تصدق ببستان لَهُ فِيهِ سِتّمائَة نَخْلَة، وَكَانَ أَهله فِيهِ، فجَاء فَقَالَ: يَا أم الدحداح، اخْرُجِي فقد أَقْرَضته رَبِّي ﷿، فَقَالَ النَّبِي ﷺ: " كم من عذق رداح فِي الْجنَّة لأبي الدحداح " فَكَأَنَّهُ ﵇ أعَاد ذَلِك عِنْد موت هَذَا الرجل.
٤٤٠ - / ٥٣٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: أُتِي النَّبِي ﷺ بِرَجُل قتل نَفسه بمشاقص فَلم يصل عَلَيْهِ.
[ ١ / ٤٦٢ ]
المشاقص جمع مشقص، وَاخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ قوم: هُوَ سهم فِيهِ نصل عريض، وَقَالَ قوم: هُوَ اسْم لنصل السهْم إِذا كَانَ طَويلا، فَإِن كَانَ عريضا فَهُوَ المعبلة.
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن الإِمَام لَا يُصَلِّي على من قتل نَفسه، وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد بن حَنْبَل خلافًا للباقين.
٤٤١ - / ٥٤٠ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين: " أَلا إِنِّي فرط لكم على الْحَوْض، كَأَن الأباريق فِيهِ النُّجُوم ".
وَقد سبق بَيَان الفرط وَأَنه الْمُتَقَدّم إِلَى المَاء.
والأباريق جمع إبريق، وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: الإبريق فَارسي مُعرب، وترجمته من الفارسية أحد شَيْئَيْنِ: إِمَّا أَن يكون طَرِيق المَاء، أَو صب المَاء على هينة، وَقد تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب قَدِيما، قَالَ عدي بن زيد:
(ودعا بالصبوح يَوْمًا فَجَاءَت قينة فِي يَمِينهَا إبريق)
وَأما شبه الأباريق بالنجوم لكثرتها، وَإِنَّمَا كثرت فِيهِ لِئَلَّا يقف شَارِب لانتظار آخر
٤٤٢ - / ٥٤١ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين: كَأَنَّمَا أخرج يَده من
[ ١ / ٤٦٣ ]
جونة عطار.
الجونة: وعَاء يَجْعَل فِيهِ الطّيب وَغَيره وَجَمعهَا جون.
وَهَذَا الحَدِيث يتَضَمَّن كَثْرَة اسْتِعْمَال رَسُول الله ﷺ للطيب.
٤٤٣ - / ٥٤٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين: كَانَ رَسُول الله ﷺ ضليع الْفَم.
أَي وَاسع الْفَم، وَالْعرب تمدح بذلك لأجل التَّمَكُّن من الْكَلَام.
وَقَوله: أشكل الْعين، قد فسر فِي الحَدِيث أَنه طَوِيل شقّ الْعين. وَقد قيل: الشكلة فِي الْعين حمرَة فِي سوادها، وَقيل: حمرَة فِي بياضها.
وَقَوله: منهوس الْعقب، وَقد فسر فِي الحَدِيث أَنه قَلِيل لحم الْعقب، وَفِي الْعقب لُغَتَانِ: كسر الْقَاف وتسكينها. قَالَ الْأَصْمَعِي: الْعقب اسْم لما أصَاب الأَرْض من مُؤخر الرجل إِلَى مَوضِع الشرَاك.
٤٤٤ - / ٥٤٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين: كَانَ رَسُول الله ﷺ قد شمط مقدم رَأسه ولحيته، وَكَانَ إِذا ادهن لم يتَبَيَّن، وَإِذا شعث رَأسه تبين.
[ ١ / ٤٦٤ ]
قد سبق معنى الشمط، وَأَنه اخْتِلَاط الْبيَاض بِالسَّوَادِ.
والشعث: تلبد شعر الرَّأْس وتغيره إِذا بعد عَنهُ الدّهن والمشط.
قَوْله: وَرَأَيْت الْخَاتم، كَانَ الْخَاتم غُدَّة من اللَّحْم عَلَيْهَا شَعرَات. أخبرنَا عمر بن أبي الْحسن البسطامي قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن أبي مَنْصُور الخليلي قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن أَحْمد الْخُزَاعِيّ قَالَ: أخبرنَا الْهَيْثَم بن كُلَيْب الشَّاشِي قَالَ: حَدثنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة قَالَ: حَدثنَا حَاتِم بن إِسْمَاعِيل عَن الْجَعْد بن عبد الرَّحْمَن قَالَ: سَمِعت السَّائِب بن يزِيد يَقُول: ذهبت بِي خَالَتِي إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُول الله، إِن ابْن أُخْتِي وجع، فَمسح رَأْسِي، ودعا لي بِالْبركَةِ، وَقمت وَرَاء ظَهره فَنَظَرت إِلَى الْخَاتم بَين كَتفيهِ فَإِذا هُوَ مثل زر الحجلة.
قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَحدثنَا سعيد بن يَعْقُوب الطَّالقَانِي قَالَ: حَدثنَا أَيُّوب بن جَابر عَن سماك بن حَرْب عَن جَابر بن سَمُرَة قَالَ: رَأَيْت الْخَاتم بَين كَتِفي رَسُول الله ﷺ غُدَّة حَمْرَاء مثل بَيْضَة الْحَمَامَة.
قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَحدثنَا مُحَمَّد بن بشار قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَاصِم قَالَ: حَدثنَا عزْرَة بن ثَابت قَالَ: حَدثنِي علْبَاء بن أَحْمَر قَالَ: حَدثنِي أَبُو زيد بن أَخطب قَالَ: قَالَ لي رَسُول الله ﷺ: " يَا أَبَا زيد، ادن
[ ١ / ٤٦٥ ]
مني فامسح ظَهْري " فمسحت ظَهره فَوَقَعت أصابعي على الْخَاتم، ثمَّ قلت: وَمَا الْخَاتم؟ قَالَ شَعرَات مجتمعات.
وَقَالَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: كَانَ الْخَاتم بضعَة نَاشِزَة.
[ ١ / ٤٦٦ ]