أسلم قَدِيما، وَلم يفته مشْهد سوى بدر للْعُذْر الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي تَرْجَمَة طَلْحَة.
وروى عَن رَسُول الله ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَلَاثَة.
١٩٤ - / ٢٢١ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: " الكمأة من الْمَنّ ".
الكمأة نبت مَعْرُوف.
وَفِي قَوْله: " من الْمَنّ " ثَلَاثَة أَقْوَال:
أَحدهَا: من الَّذِي أنزل على بني إِسْرَائِيل. أخبرنَا عَليّ بن مُحَمَّد بن عمر قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن أَيُّوب قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَليّ بن شَاذان قَالَ: أخبرنَا أَبُو سهل أَحْمد بن مُحَمَّد بن زِيَاد قَالَ: حَدثنَا القَاضِي أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد البرتي قَالَ: حَدثنَا القواريري قَالَ حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن عَمْرو بن سعيد يَعْنِي ابْن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " الكمأة من الْمَنّ الَّذِي أنزل على بني إِسْرَائِيل ".
[ ١ / ٢٥٧ ]
أخبرنَا ابْن الْحصين قَالَ: أخبرنَا ابْن الْمَذْهَب قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن جَعْفَر قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا عبد الصَّمد قَالَ: حَدثنِي أبي عَن عَطاء بن السَّائِب عَن عَمْرو بن حُرَيْث قَالَ: حَدثنِي سعيد بن زيد عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " الكمأة من السلوى ".
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهَا مِمَّا من الله ﷿ بِهِ من غير بذر وَلَا تَعب، كَمَا من على بني إِسْرَائِيل بالمن. قَالَ أَبُو عبيد: إِنَّمَا شبهها بالمن الَّذِي سقط على بني إِسْرَائِيل؛ لِأَن ذَلِك كَانَ ينزل عَلَيْهِم عفوا بِلَا علاج، فيصبحون وَهُوَ بأفنيتهم، فَكَذَلِك الكمأة، لَيْسَ على أحد مِنْهَا مؤونة فِي بذر وَلَا سقِي.
وَالثَّالِث: أَنَّهَا من الْمَنّ الَّذِي يسْقط على الشّجر فِي بعض الْبِلَاد، يشبه طعمه طعم الْعَسَل فَيجمع، ذكره أَبُو عبد الله الْحميدِي.
وَقَوله: " وماؤها شِفَاء للعين " فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَنه مَاؤُهَا حَقِيقَة، إِلَّا أَن أَرْبَاب هَذَا القَوْل اتَّفقُوا على أَنه لَا يسْتَعْمل بحتا فِي الْعين. ثمَّ اخْتلفُوا كَيفَ يصنع بِهِ، على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه يخلط فِي الْأَدْوِيَة الَّتِي يكتحل بهَا. قَالَ أَبُو عبيد: يُقَال: إِنَّه لَيْسَ معنى الحَدِيث أَن يُؤْخَذ مَاؤُهَا بحتا فيقطر فِي الْعين، وَلكنه
[ ١ / ٢٥٨ ]
يخلط مَاؤُهَا فِي الْأَدْوِيَة الَّتِي تعالج بهَا الْعين. وَيصدق قَول أبي عبيد أَن الْأَطِبَّاء يَقُولُونَ: أكل الكمأة يجلو الْبَصَر. وَالثَّانِي: أَن تُؤْخَذ الكماة فتشق وتوضع على الْجَمْر حَتَّى يغلي مَاؤُهَا، ثمَّ يُؤْخَذ الْميل فَيصير فِي ذَلِك الشق وَهُوَ فاتر فيكتحل بِمَائِهَا، وَلَا يَجْعَل الْميل فِي مَائِهَا وَهِي بادرة يابسة، قَالَه إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ. قَالَ: وَقَالَ لي صَالح وَعبد الله ابْنا أَحْمد بن حَنْبَل: إنَّهُمَا اشتكت أعينهما فأخذا كماة فدقاها وعصراها فاكتحلا بِمَائِهَا، فهاجت أعينها ورمدت. وَإِنَّمَا الْوَجْه مَا ذكرنَا.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه إِنَّمَا أَرَادَ المَاء الَّذِي ينْبت بِهِ، وَهُوَ أول مطر ينزل إِلَى الأَرْض، فِيهِ تربى الأكحال، قَالَه لنا شَيخنَا أَبُو بكر بن عبد الله الْبَاقِي. وَقد عصر بعض النَّاس الكماة فداوى بِهِ عينه فَذَهَبت.
١٩٥ - / ٢٢٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أَن سعيد بن زيد خاصمته أروى إِلَى مَرْوَان، وَادعت أَنه أَخذ شَيْئا من أرْضهَا، فَقَالَ: أَنا كنت آخذ من أرْضهَا شبْرًا بعد الَّذِي سَمِعت من رَسُول الله، سمعته يَقُول: " من أَخذ شبْرًا من الأَرْض ظلما طوقه من سبع أَرضين " فَقَالَ مَرْوَان: لَا أَسأَلك بَيِّنَة بعْدهَا.
فِي معنى طوقه ثَلَاثَة أَقْوَال:
أَحدهَا: أَن يخسف بِهِ الأَرْض بعد مَوته أَو فِي حشره، فَتَصِير
[ ١ / ٢٥٩ ]
الْبقْعَة الْمَغْصُوبَة مِنْهَا فِي عُنُقه كالطوق، وَيُؤَيّد هَذَا حَدِيث ابْن عمر: " خسف بِهِ إِلَى سبع أَرضين ".
وَالثَّانِي: أَن يُكَلف حمل ذَلِك، فَيكون من تطويق التَّكْلِيف لَا من تطويق التَّقْلِيد، وَلَيْسَ ذَلِك بممتنع، فَإِن قد صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ: " لَا أَلفَيْنِ أحدكُم يَأْتِي وعَلى رقبته بعير ٠٠٠، وعَلى رقبته شَاة ".
وَالثَّالِث: أَن يُرِيد بِهِ تطويق الْإِثْم، وَإِنَّمَا قَالَ: " من سبع أَرضين " لِأَن حكم أَسْفَل الأَرْض تَابع لأعلاها.
وَأما قَول مَرْوَان: لَا أَسأَلك بَيِّنَة، أَي لَا أُرِيد أبين من هَذَا الحَدِيث فِي معنى غصب الأَرْض، وَإِلَّا فَلَيْسَتْ رِوَايَته للْحَدِيث بَيِّنَة لَهُ.
١٩٦ - / ٢٢٣ - وَفِيمَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ عَن سعيد بن زيد قَالَ:
لقد رَأَيْتنِي موثقي عمر على الْإِسْلَام أَنا وَأُخْته، وَمَا أسلم، وَلَو أَن أحدا انقض - وَقيل: ارْفض - للَّذي صَنَعْتُم بعثمان لَكَانَ محقوقا أَن ينْقض.
كَانَ سعيد بن زيد زوج أُخْت عمر بن الْخطاب، فجَاء عمر فَأَغْلَظ لَهما وأوثقهما ليصدهما عَن الْإِسْلَام قبل أَن يسلم.
أخبرنَا أَبُو بكر بن أبي طَاهِر قَالَ: أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ: أخبرنَا أَبُو عمر بن حيويه قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْحسن بن مَعْرُوف قَالَ:
[ ١ / ٢٦٠ ]
أخبرنَا الْحُسَيْن بن الْفَهم قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سعد قَالَ: أخبرنَا إِسْحَق بن يُوسُف الْأَزْرَق قَالَ: أخبرنَا الْقَاسِم بن عُثْمَان الْبَصْرِيّ عَن أنس بن مَالك قَالَ: خرج عمر مُتَقَلِّدًا السَّيْف، فَلَقِيَهُ رجل من بني زهرَة فَقَالَ: أَيْن تعمد؟ فَقَالَ: أُرِيد أَن أقتل مُحَمَّدًا. قَالَ: وَكَيف تأمن فِي بني هَاشم وَبني زهرَة وَقد قتلت مُحَمَّدًا؟ فَقَالَ لَهُ عمر: مَا أَرَاك إِلَّا قد صَبَأت وَتركت دينك الَّذِي أَنْت عَلَيْهِ. فَقَالَ: أَفلا أدلك على الْعجب يَا عمر، إِن أختك وختنك قد صبوا وتركا دينك، فَمشى عمر ذامرا حَتَّى أتاهما وَعِنْدَهُمَا خباب بن الْأَرَت، فَلَمَّا سمع خباب حس عمر توارى فِي الْبَيْت، فَدخل عَلَيْهِمَا فَقَالَ: مَا هَذِه الهينمة الَّتِي سَمعتهَا عنْدكُمْ؟ قَالَ: وَكَانُوا يقرءُون (طه) . فَقَالَا: مَا عدا حَدِيثا تحدثناه. قَالَ: فلعلكما قد صبوتما. فَقَالَ لَهُ ختنه: أَرَأَيْت يَا عمر إِن كَانَ الْحق فِي غير دينك. فَوَثَبَ عمر على ختنه فوطئه وطئا شَدِيدا، فَجَاءَت أُخْته فَدَفَعته عَن زَوجهَا، فنفحها نفحة بِيَدِهِ، فدمي وَجههَا، فَقَالَت وَهِي غَضبى: يَا عمر، إِن كَانَ الْحق فِي غير دينك اشْهَدْ أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، واشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله. فَلَمَّا يئس عمر قَالَ: أعطوني هَذَا الْكتاب الَّذِي عنْدكُمْ فأقرؤه، وَكَانَ عمر يقْرَأ الْكتب، فَقَالَت أُخْته: إِنَّك رِجْس، وَلَا يمسهُ إِلَّا الْمُطهرُونَ، فَقُمْ فاغتسل أَو تَوَضَّأ، فَقَامَ فَتَوَضَّأ، ثمَّ أَخذ الْكتاب فَقَرَأَ: ﴿طه﴾ حَتَّى انْتهى إِلَى قَوْله: ﴿إِنَّنِي أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني وأقم الصَّلَاة لذكري﴾ [طه: ١٤] فَقَالَ عمر: دلوني على مُحَمَّد، فَلَمَّا سمع خباب قَول عمر خرج من الْبَيْت فَقَالَ: أبشر يَا عمر، فَإِنِّي أَرْجُو أَن تكون دَعْوَة رَسُول الله لَك لَيْلَة الْخَمِيس: " اللَّهُمَّ أعز الْإِسْلَام بعمر بن
[ ١ / ٢٦١ ]
الْخطاب أَو بعمر بن هِشَام " فَانْطَلق عمر فَأسلم.
وَأما قَوْله: وَلَو أَن أحدا انقض، فَمَعْنَاه هوى وَسقط. وَارْفض: تفرق. وَكَانَت الْمُنَاسبَة بَين ذكر مَا صَنَعُوا بعثمان وَبَين مَا فعل عمر أَن عمر رأى الْخَطَأ صَوَابا قبل أَن يسلم فِي إيثاق ختنه وَأُخْته على الْإِسْلَام، فَكَذَلِك من رأى مَا فعل بعثمان صَوَابا.
[ ١ / ٢٦٢ ]