أسلم قَدِيما، وَهَاجَر إِلَى الْحَبَشَة مرَّتَيْنِ، ثمَّ إِلَى الْمَدِينَة، وَلم يفته مَعَ رَسُول الله مشْهد، وَكَانَ صَاحب سر رَسُول الله ووساده وسواكه ونعليه وَطهُوره فِي السّفر، وَكَانَ يشبه برَسُول الله فِي هَدْيه وسمته.
وروى عَن رَسُول الله ثَمَانمِائَة حَدِيث وَثَمَانِية وَأَرْبَعين، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مائَة وَعِشْرُونَ.
١٩٨ - / ٢٢٥ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول قَالَ:
لما نزلت: ﴿وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم﴾ [الْأَنْعَام: ٨٢] شقّ ذَلِك على أَصْحَاب رَسُول الله وَقَالُوا: أَيّنَا لم يظلم نَفسه؟ فَقَالَ: " إِنَّمَا هُوَ الشّرك ".
يلبسوا بِمَعْنى يخلطوا، يُقَال: لبست بِفَتْح الْبَاء، ألبس بِكَسْرِهَا: إِذا خلطت، ولبست بِكَسْر الْبَاء ألبس بِفَتْحِهَا من لبس الثَّوْب.
[ ١ / ٢٦٦ ]
وَالظُّلم يَقع على الشّرك وعَلى الْمعاصِي دونه، وَقد فسره الرَّسُول الله ﵇ هَاهُنَا بالشرك.
١٩٩ - / ٢٢٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: بَينا أَنا مَعَ رَسُول الله وَهُوَ يتَوَكَّأ على عسيب.
العسيب من النّخل كالقضيب من سَائِر الشّجر.
وَقَوله: ﴿قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ [الْإِسْرَاء: ٨٥] أَي مِمَّا انْفَرد بِعِلْمِهِ فَلم يُعلمهُ غَيره. وَمَا أَكثر كَلَام النَّاس فِي الرّوح وماهيتها، مَعَ أَن الْقُرْآن لم يفصح بذلك وَالرَّسُول الْمَسْئُول عَنْهَا لم يبينها، وَلست أعجب من الفلاسفة الَّذين لَا يتدينون بديننا إِذا تكلمُوا فِيهَا، إِنَّمَا الْعجب من عُلَمَاء الْإِسْلَام كَيفَ يرَوْنَ الرَّسُول الْمَسْئُول لم يجب، وَالْقُرْآن لم يفصح بِشَيْء، ثمَّ يَقُول بَعضهم: هِيَ جسم، وَيَقُول بَعضهم: هِيَ شَيْء وَالنَّفس شَيْء، وَإِنَّمَا أَخَذُوهُ من كَلَام الفلاسفة والأطباء، وَإِنَّمَا الرّوح أَمر من أَمر الله ﷿ لَا يعرف إِلَّا بتصرفاته، كَمَا لَا يسْتَدلّ على وجود الْحق سُبْحَانَهُ إِلَّا بأفعاله، وَالشَّيْء إِذا لم يكْشف للأبصار منعت البصائر فِي وَصفه بالجمل، أَلا ترى إِلَى قَول الْخَلِيل ﵇: ﴿أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى﴾ [الْبَقَرَة: ٢٦٠] فَلَمَّا لم يدْخل إِدْرَاك الْأَحْيَاء فِي قدرَة الْخَلِيل، أرَاهُ الْحق سُبْحَانَهُ الْمَوْتَى قد عاشوا.
٢٠٠ - / ٢٢٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: كُنَّا نسلم على النَّبِي ﷺ وَهُوَ فِي الصَّلَاة فَيرد علينا، فَلَمَّا رَجعْنَا من عِنْد النَّجَاشِيّ سلمنَا عَلَيْهِ فَلم يرد علينا وَقَالَ: " إِن فِي الصَّلَاة شغلا " هَذَا لفظ
[ ١ / ٢٦٧ ]
الصَّحِيح، وَقد رَوَاهُ أَحْمد فِي " مُسْنده " فَقَالَ فِيهِ: " إِن الله يحدث فِي أمره مَا يَشَاء، وَإنَّهُ قد أحدث أَن لَا تتكلموا فِي الصَّلَاة ".
كَانَ الْكَلَام فِي الصَّلَاة مُبَاحا ثمَّ حرم، وَاخْتلفُوا مَتى حرم؟ فَقَالَ قوم: حرم وَرَسُول الله بِمَكَّة، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الحَدِيث. قَالُوا: وَإِنَّمَا رَجَعَ ابْن مَسْعُود من عِنْد النَّجَاشِيّ إِلَى مَكَّة. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا حرم بِالْمَدِينَةِ بِدَلِيل مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث زيد بن أَرقم قَالَ: كُنَّا نتكلم فِي الصَّلَاة، يكلم الرجل صَاحبه وَهُوَ إِلَى جَانِبه فِي الصَّلَاة حَتَّى نزلت: ﴿وَقومُوا لله قَانِتِينَ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٨] فَأمرنَا بِالسُّكُوتِ. قَالُوا وَزيد من الْأَنْصَار، وَإِنَّمَا أسلم بِالْمَدِينَةِ. وَابْن مَسْعُود لما عَاد إِلَى مَكَّة من الْحَبَشَة رَجَعَ فِي الْهِجْرَة الثَّانِيَة إِلَى النَّجَاشِيّ، ثمَّ قدم على رَسُول الله بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يتجهز لبدر. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا نسخ الْكَلَام بعد الْهِجْرَة بِمدَّة يسيرَة، فَأجَاب الْأَولونَ بِأَن الظَّاهِر تجدّد هَذِه الْحَال فِي غيبَة ابْن مَسْعُود الأولى لِأَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا رَجعْنَا من عِنْد النَّجَاشِيّ، وَلم يقل فِي الْمرة الثَّانِيَة، وحملوا حَدِيث زيد على أَنه إِخْبَار عَن الصَّحَابَة الْمُتَقَدِّمين، كَمَا يَقُول الْقَائِل: قتلناكم وهزمناكم، يعنون الْآبَاء والأجداد. وَقَول الْخطابِيّ يحْتَاج إِلَى تَارِيخ، والتاريخ بعيد.
وَرَأَيْت أَبَا حَاتِم بن حبَان الْحَافِظ قد ذكر فِي هَذَا شَيْئا حسنا، فَإِنَّهُ قَالَ: لقد توهم من لم يحكم صناعَة الْعلم أَن نسخ الْكَلَام فِي الصَّلَاة كَانَ بِالْمَدِينَةِ لحَدِيث زيد بن أَرقم، وَلَيْسَ كَذَلِك؛ لِأَن الْكَلَام فِي
[ ١ / ٢٦٨ ]
الصَّلَاة كَانَ مُبَاحا فِي أول الْإِسْلَام إِلَى أَن رَجَعَ ابْن مَسْعُود وَأَصْحَابه من عِنْد النَّجَاشِيّ، فوجدوا إِبَاحَة الْكَلَام قد نسخت، وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ مُصعب بن عُمَيْر يقرئ الْمُسلمين ويفقههم فِي الدّين، وَكَانَ الْكَلَام بِالْمَدِينَةِ مُبَاحا كَمَا كَانَ بِمَكَّة، فَلَمَّا نسخ ذَلِك بِمَكَّة تَركه النَّاس بِالْمَدِينَةِ، فَحكى زيد ذَلِك الْفِعْل، لَا أَن نسخ الْكَلَام كَانَ بِالْمَدِينَةِ.
٢٠١ - / ٢٢٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " من اسْتَطَاعَ مِنْكُم الْبَاءَة فليتزوج ".
الْبَاءَة كلمة ممدودة، أَنبأَنَا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَليّ ابْن الْمهْدي قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن بن رزمة إِذْنا قَالَ: أخبرنَا عمر بن مُحَمَّد بن سيف قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن الْعَبَّاس اليزيدي قَالَ: أخبرنَا عبد الرَّحْمَن بن أخي الْأَصْمَعِي قَالَ: قَرَأت على عمي الْأَصْمَعِي قَالَ: يُقَال: بَاء وباءة: وَهُوَ الغشيان، وَإِن شِئْت جمعت بِالتَّاءِ فَقلت باءات، قَالَ الراجز:
(إِن كنت تبغي صَالح الباءات )
(فاعمد إِلَى هاتيكم الأبيات )
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: الْبَاءَة كِنَايَة عَن النِّكَاح، وأصل الْبَاءَة الْموضع الَّذِي يأوي إِلَيْهِ الْإِنْسَان، وَمِنْه اشتق مباءة الْغنم: وَهُوَ المراح الَّذِي تأوي إِلَيْهِ بِاللَّيْلِ. والوجاء: رض الْأُنْثَيَيْنِ، والخصاء نزعهما.
[ ١ / ٢٦٩ ]
وَقَالَ أَبُو عبيد: يُقَال للفحل إِذا رضت أنثياه: قد وجئ وَجَاء فَهُوَ موجوء، فَإِن نزعت نزعا فقد خصي، فَإِن شدت الأنثيان شدا قيل: عصبته عصبا فَهُوَ معصوب. قَالَ: وَقَالَ بعض أهل الْعلم: " فَهُوَ لَهُ وجأ " بِفَتْح الْوَاو مَقْصُورَة، يُرِيد الحفا، وَالْوَجْه الأول.
وَفِي الحَدِيث دَلِيل على جَوَاز التعالج لقطع الْبَاءَة بالأدوية، لقَوْله: " فليصم ".
وَمعنى: " أحصن لِلْفَرجِ " أعف.
٢٠٢ - / ٢٢٩ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: جَاءَ حبر إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، إِن الله يضع السَّمَاء على إِصْبَع، وَالْأَرضين على إِصْبَع، وَالْجِبَال على إِصْبَع، وَالشَّجر والأنهار على إِصْبَع، وَسَائِر الْخلق على إِصْبَع، ثمَّ يَقُول: أَنا الْملك. فَضَحِك رَسُول الله وَقَالَ: ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره﴾ [الزمر: ٦٧] وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: ثمَّ يَهُزهُنَّ. وفيهَا: أَن رَسُول الله ضحك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه، تَعَجبا وَتَصْدِيقًا لَهُ.
الحبر: الْعَالم.
وَمذهب عُلَمَاء السّلف السُّكُوت عَن مثل هَذَا الحَدِيث، وَأَن يمر على مَا جَاءَ من غير تَشْبِيه وَلَا تَأْوِيل.
أخبرنَا الكروخي قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَامر الْأَزْدِيّ وَأَبُو بكر الغورجي
[ ١ / ٢٧٠ ]
قَالَا: أخبرنَا الجراحي قَالَ: حَدثنَا المحبوبي قَالَ: حَدثنَا التِّرْمِذِيّ قَالَ: رُوِيَ عَن مَالك بن أنس وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَعبد الله بن الْمُبَارك أَنهم قَالُوا: أمروا هَذِه الْأَحَادِيث بِلَا كَيفَ. قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَهَذَا قَول أهل الْعلم من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة.
قلت: وَقد كَانَ بعض السّلف إِذا تحدث بِهَذَا الحَدِيث يُحَرك أَصَابِعه على التَّقْرِيب إِلَى الْفَهم لَا على التَّشْبِيه، فَأخْبرنَا أَبُو الْقَاسِم هبة الله ابْن الْحُسَيْن بن الحاسب قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَليّ بن الْبناء قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْفَتْح بن أبي الفوارس قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر أَحْمد بن جَعْفَر بن سلم قَالَ: حَدثنَا أَبُو حَفْص عمر بن مُحَمَّد بن عِيسَى الْجَوْهَرِي قَالَ: حَدثنَا صَالح بن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ: سَمِعت أبي يَقُول: حَدثنِي يحيى بِحَدِيث الْأَعْمَش، حَدِيث عبد الله: " إِن الله يضع السَّمَوَات على أصْبع " فَجعل يَقُول بأصابعه هَكَذَا، حَتَّى أَتَى على آخرهَا.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: يحْتَمل أَن يكون ضحك رَسُول الله إنكارا، قَالَ: وَقَول من قَالَ: تَصْدِيقًا، ظن مِنْهُ، وَالظَّاهِر أَن ذَلِك من تَخْلِيط الْيَهُود وتخريفهم، وَأَن ضحك رَسُول الله إِنَّمَا كَانَ تَعَجبا وَإِنْكَارا. قَالَ: ثمَّ لَو صحت الرِّوَايَة بِإِثْبَات ذَلِك كَانَ الْمَعْنى أَن سهولة الْأَمر عَلَيْهِ كمن جمع شَيْئا فِي كَفه فاستخف حمله، فَلم يشْتَمل بِجَمِيعِ كَفه عَلَيْهِ، لكنه أَقَله بِبَعْض أَصَابِعه. يُقَال: إِن فلَانا ليفعل كَذَا بِخِنْصرِهِ.
[ ١ / ٢٧١ ]
وَقَوله: ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره﴾ أَي مَا عظموه حق عَظمته.
وَقد ذكرنَا النواجذ فِي مُسْند سعد.
٢٠٣ - / ٢٣٠ وَفِي الحَدِيث السَّادِس: أَن ابْن مَسْعُود وجد من رجل ريح الْخمر، فَضَربهُ الْحَد.
قد تكلمنا على هَذَا الحَدِيث فِي الحَدِيث الْخَامِس عشر من مُسْند عَليّ ﵇.
٢٠٤ - / ٢٣١ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: أَن النَّبِي ﷺ صلى فَزَاد أَو نقص. وَفِي لفظ: صلى خمْسا، فَلَمَّا سلم أخبر، فَسجدَ سَجْدَتَيْنِ. وَفِي لفظ: " إِذا شكّ أحدكُم فِي صلَاته فليتحر الصَّوَاب فليبن عَلَيْهِ، ثمَّ ليسجد سَجْدَتَيْنِ " وَفِي لفظ: أَنه سجد بعد السَّلَام وَالْكَلَام.
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على وجوب سُجُود السَّهْو لِأَنَّهُ أَمر بِهِ، وَهَذَا مَذْهَب أَحْمد. وَقَالَ مَالك: إِذا كَانَ عَن نُقْصَان وَجب، وَأما عَن زِيَادَة فَلَا يجب. وَقَالَ الشَّافِعِي: سُجُود السَّهْو مسنون.
وَأما من نسي سُجُود السَّهْو فلنا فِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: أَنه يسْجد مَا لم يَتَطَاوَل الزَّمَان أَو يخرج من الْمَسْجِد - وَإِن تكلم. وَالثَّانيَِة: يسْجد وَإِن خرج وتباعد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يسْجد بعد الْكَلَام وَالْخُرُوج. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن ذكر قَرِيبا سجد، وَإِن تبَاعد فعلى قَوْلَيْنِ.
[ ١ / ٢٧٢ ]
وَقَوله: فليتحر الصَّوَاب: أَي ليجتهد فِي الْإِصَابَة.
٢٠٥ - / ٢٣٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: أَن ابْن مَسْعُود قَالَ: لعن الله الْوَاشِمَات وَالْمُسْتَوْشِمَات، وَالْمُتَنَمِّصَات، وَالْمُتَفَلِّجَات لِلْحسنِ الْمُغيرَات خلق الله.
أما الوشم فَهُوَ غرز الْكَفّ أَو الذِّرَاع بالإبرة، ثمَّ يحشى بكحل أَو نَحوه فَمَا يخضره، فالفاعلة واشمة، وَالَّتِي تطلب أَن يفعل بهَا ذَلِك مستوشمة.
والنامصة: الَّتِي تنتف الشّعْر من الْوَجْه. والمتنمصة: هِيَ الَّتِي تطلب أَن يفعل بهَا ذَلِك، وَهُوَ مَأْخُوذ من المنماص، وَهُوَ المنقاش، وَبَعض قرأة الحَدِيث تَقول: المنتمصة بِتَقْدِيم النُّون. وَالَّذِي ضبطناه عَن أشياخنا فِي كتاب أبي عبيد بِتَقْدِيم التَّاء مَعَ التَّشْدِيد.
وَالْمُتَفَلِّجَات: هن اللواتي يتكلفن تفريج مَا بَين الثنايا والرباعيات بصناعة. والفلج فِي الْأَسْنَان: تبَاعد مَا بَين ذَلِك. يُقَال: رجل أفلج الْأَسْنَان، وَامْرَأَة فلجاء الْأَسْنَان، وَلَا بُد من ذكر الْأَسْنَان.
وَقد جَاءَ فِي حَدِيث آخر: أَنه لعن الواشرة والمؤتشرة. قَالَ أَبُو عبيد: الواشرة الَّتِي تشر أسنانها: أَي تفلجها وتحددها حَتَّى يكون لَهَا أشر: وَهِي رقة وتحدد فِي أَطْرَاف أَسْنَان الْأَحْدَاث، فَهَذِهِ تتشبه بأولئك. وَمِنْه ثغر مؤشر.
[ ١ / ٢٧٣ ]
وَظَاهر هَذَا الحَدِيث أَن الْكَلَام مُطلق فِي حق كل من فعل هَذَا. وَقَول ابْن مَسْعُود يدل على ذَلِك. وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ المتصنعات من النِّسَاء للفجور، لِأَن مثل هَذَا التحسن دأبهن. وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهن المموهات على الرِّجَال بِمثل هَذِه الْأَفْعَال لتغر المتزوج.
٢٠٦ - / ٢٣٥ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: أَن النَّبِي ﷺ قَرَأَ (النَّجْم) فَسجدَ، وَسجد من كَانَ مَعَه، غير أَن شَيخا من قُرَيْش أَخذ كفا من تُرَاب فرفعه إِلَى جَبهته، فَلَقَد رَأَيْته قتل كَافِرًا.
إِنَّمَا سجد رَسُول الله فِي سُورَة " النَّجْم " عِنْد السَّجْدَة الَّتِي فِي آخرهَا، وَهَذَا دَلِيل على مَالك، لِأَنَّهُ يَقُول: لَيْسَ فِي الْمفصل سَجْدَة. وَلما سجد رَسُول الله سجد الْمُشْركُونَ مَعَه، وَإِنَّمَا سجدوا لأَنهم سمعُوا (تِلْكَ الغرانيق العلى. وَإِن شفاعتهن لترتجى) فَفَرِحُوا ووافقوه فِي السُّجُود. وَقد بيّنت فِي " التَّفْسِير " أَن شَيْطَانا تكلم بذلك فسمعوه، إِمَّا من شياطين الْجِنّ أَو من شياطين الْإِنْس، لأَنهم كَانُوا إِذا قَرَأَ الرَّسُول لَغوا كَمَا وَصفهم الله ﷿ بقوله: ﴿لَا تسمعوا لهَذَا الْقُرْآن والغوا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] فَلَمَّا سمعُوا هَذِه السُّورَة قَالَ بعض الشَّيَاطِين هَذِه الْكَلِمَات على وَزنهَا، فظنوا أَن رَسُول الله قد قَالَهَا، وَإِنَّمَا قيلت فِي ضمن تِلَاوَته. فَأَما أَن يكون جرى على لِسَان الرَّسُول الْمَعْصُوم مثل هَذَا فمحال، فَلَا تغترر بِمَا تسمعه فِي التفاسير من أَنه
[ ١ / ٢٧٤ ]
جرى على لِسَانه، فَإِنَّهُ لَو صَحَّ هَذَا لاختلط الْحق بِالْبَاطِلِ، وَجَاز أَن يشك فِي الصَّحِيح، فَيُقَال: لَعَلَّ هَذَا مِمَّا أَلْقَاهُ الشَّيْطَان أَيْضا، وَقد عصم الله نبيه من مثل هَذَا، وَبَين كَيْفيَّة حفظ الْوَحْي من الشَّيَاطِين، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُ يسْلك من بَين يَدَيْهِ وَمن خَلفه رصدا﴾ [الْجِنّ: ٢٧] وَالْمعْنَى أَن يحرس الْوَحْي عِنْد تِلَاوَة الْملك لَهُ على الرَّسُول من استراق الشَّيَاطِين لِئَلَّا يسبقونه إِلَى الكاهن فيتكلم بِهِ قبل الرَّسُول، وَهَذِه الْعِصْمَة تنَافِي صِحَة مَا ادعِي مِمَّا أنكرناه. وَقد ذهب إِلَى مَا قلته كبار الْعلمَاء، مِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن بن الْمُنَادِي، وَأَبُو جَعْفَر النّحاس، وَأَبُو الْوَفَاء بن عقيل، فِي خلق كثير من الْمُحَقِّقين. وَقد بالغت فِي شرح هَذَا الْمَعْنى فِي تفسيري الْكَبِير الْمُسَمّى ب " الْمُغنِي " وأشرت إِلَيْهِ فِي التَّفْسِير الْمُتَوَسّط الْمُسَمّى ب " زَاد الْمسير "، فَأخذت فِي تَجْوِيز مَنْقُول لَا يثبت يَقع بِهِ هدم أصل عَظِيم.
وَأما الشَّيْخ الْقرشِي فَإِنَّهُ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة.
٢٠٧ - / ٢٣٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: لَا يجعلن أحدكُم للشَّيْطَان شَيْئا من صلَاته، يرى أَن حَقًا عَلَيْهِ أَلا ينْصَرف إِلَّا عَن يَمِينه، قد رَأَيْت رَسُول الله كثيرا ينْصَرف عَن يسَاره.
أكد الْوَصِيَّة فِي هَذَا الحَدِيث ابْن مَسْعُود بنُون التوكيد حِين قَالَ: لَا يجعلن، وَالْمعْنَى: لَا يرين أحدكُم هَذَا حَقًا وَاجِبا أَو مسنونا فَاضلا.
٢٠٨ - / ٢٣٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد
[ ١ / ٢٧٥ ]
قَالَ: صلى بِنَا عُثْمَان بن عَفَّان بمنى أَربع رَكْعَات، فَقيل لِابْنِ مَسْعُود، فَقَالَ: صليت مَعَ رَسُول الله بمنى رَكْعَتَيْنِ.
فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَنه يجوز للْمُسَافِر إتْمَام الصَّلَاة، وَلَوْلَا ذَلِك مَا أقرُّوا عُثْمَان عَلَيْهِ. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: إِنَّمَا أتم عُثْمَان لِأَنَّهُ اتخذ الْأَمْوَال بِالطَّائِف وَأَرَادَ أَن يُقيم بهَا.
٢٠٩ - / ٢٣٩ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: مَا رَأَيْت رَسُول الله صلى صَلَاة لغير ميقاتها إِلَّا صَلَاتَيْنِ. جمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء بِجمع، وَصلى الْفجْر يَوْمئِذٍ قبل ميقاتها.
أما جمع فَهُوَ اسْم لموْضِع الْمزْدَلِفَة. وحد الْمزْدَلِفَة مَا بَين المأزمين ووادي محسر، وَهُوَ اسْم مَأْخُوذ من الازدلاف وَهُوَ الْقرب، سميت بذلك لاقتراب النَّاس إِلَى منى بعد الْإِفَاضَة من عَرَفَات. وَمن دفع من عَرَفَة قبل غرُوب الشَّمْس فَعَلَيهِ دم خلافًا لأحد قولي الشَّافِعِي، فَإِذا وصل إِلَى الْمزْدَلِفَة جمع بَين الْمغرب وَالْعشَاء قبل حط الرّحال، فَإِن صلى الْمغرب قبل الْوُصُول إِلَى مُزْدَلِفَة صحت الصَّلَاة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا تصح.
وَقَوله: صلى الْفجْر قبل ميقاتها: أَي قبل الْوَقْت الْمُعْتَاد، لَا أَنه صلى قبل طُلُوع الْفجْر، وَقد بَين هَذَا فِي تَمام الحَدِيث.
وَقَوله: حِين يبرغ الْفجْر: أَي يطلع.
[ ١ / ٢٧٦ ]
وَقَوله: حَتَّى يعتموا. يُقَال: عتم اللَّيْل: إِذا مضى مِنْهُ صدر. وَقَالَ الْخَلِيل: الْعَتَمَة من اللَّيْل بعد غيبوبة الشَّفق. وعتم الْمُسَافِر وأعتم: إِذا سَار فِي ذَلِك الْوَقْت أَو وصل إِلَى الْمنزل.
وأسفر الصُّبْح: أَضَاء وَتبين.
٢١٠ - / ٢٤٠ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: أَن عبد الله رمى بجمرة الْعقبَة من بطن الْوَادي، فَقيل لَهُ: إِن نَاسا يَرْمُونَهَا من فَوْقهَا، فَقَالَ: هَذَا وَالَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ مقَام الَّذِي أنزلت عَلَيْهِ سُورَة الْبَقَرَة.
وَفِي تَخْصِيصه سُورَة الْبَقَرَة دون غَيرهَا وَجْهَان: أَحدهمَا: لِأَن مُعظم الْمَنَاسِك وَمَا يتَعَلَّق بِالْحَجِّ فِيهَا. وَالثَّانِي: لطولها وَعظم قدرهَا وَكَثْرَة مَا تحوي من الْأَحْكَام. وَقد خصها رَسُول الله بعجز الفجرة عَن حفظهَا، فَقَالَ: " وَلَا تستطيعها البطلة " وَأمر الْعَبَّاس يَوْم حنين لما فر النَّاس فَقَالَ: " نَاد بأصحاب السمرَة: يَا أَصْحَاب سُورَة الْبَقَرَة " وَيُمكن أَن يكون خص الْبَقَرَة بِالذكر حِين فرارهم لِأَن فِيهَا: ﴿كم من فِئَة قَليلَة غلبت فِئَة كَثِيرَة﴾ [٢٤٩] وفيهَا: ﴿فهزموهم بِإِذن الله﴾ [٢٥١]، أَو لِأَن فِيهَا: ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ [٤٠] وفيهَا: ﴿وَمن النَّاس من يشري نَفسه﴾ [٢٠٧] .
وَفِي هَذَا الحَدِيث رد على أَقوام قَالُوا: لَا يُقَال سُورَة الْبَقَرَة، وَإِنَّمَا
[ ١ / ٢٧٧ ]
يُقَال: السُّورَة الَّتِي تذكر فِيهَا الْبَقَرَة، لِأَنَّهُ قَالَ: الَّذِي أنزلت عَلَيْهِ سُورَة الْبَقَرَة.
٢١١ - / ٢٤١ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر: جَاءَ رجل فَقَالَ لِابْنِ مَسْعُود: إِن قَاصا عِنْد أَبْوَاب كِنْدَة يقص وَيَزْعُم أَن آيَة الدُّخان تَجِيء فتأخذ بِأَنْفَاسِ الْكفَّار، وَيَأْخُذ الْمُؤمن مِنْهُ كَهَيئَةِ الزُّكَام. فَقَالَ عبد الله وَجلسَ وَهُوَ غَضْبَان: يَا أَيهَا النَّاس، اتَّقوا، من علم شَيْئا فَلْيقل بِمَا يعلم، وَمن لَا يعلم فَلْيقل الله أعلم. إِن رَسُول الله لما رأى من النَّاس إدبارا قَالَ: " اللَّهُمَّ سبع كسبع يُوسُف "، فَأَخَذتهم سنة حصت كل شَيْء حَتَّى أكلُوا الْجُلُود وَالْميتَة من الْجُوع، وَينظر إِلَى السَّمَاء أحدهم فَيرى كَهَيئَةِ الدُّخان، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين﴾ [الدُّخان: ١٠] .
قَوْله: " سبع كسبع يُوسُف ". يَعْنِي سبع سِنِين، يُشِير إِلَى قَوْله: ﴿قَالَ تزرعون سبع سِنِين دأبا﴾ [يُوسُف: ٤٧] .
وحصت: أذهبت النَّبَات فَانْكَشَفَتْ الأَرْض، وَأَصله الظُّهُور والتبين. والأحص: الْقَلِيل الشّعْر.
وَقَوله: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ أَي فانتظر.
وَقد فسر ابْن مَسْعُود فِي هَذَا الحَدِيث الدُّخان بِأَنَّهُ كَانَ من شدَّة جوع أهل مَكَّة، كَانَ أحدهم يرى مَا بَينه وَبَين السَّمَاء كَهَيئَةِ الدُّخان، وَأنكر أَن يكون دُخان يَجِيء قبل الْقِيَامَة، وَقَالَ: أفنكشف عَذَاب الْآخِرَة. يُشِير
[ ١ / ٢٧٨ ]
إِلَى قَوْله: ﴿إِنَّا كاشفوا الْعَذَاب﴾ [الدُّخان: ١٥] وَقد ذهب إِلَى مَا أنكرهُ ابْن مَسْعُود جمَاعَة وَقَالُوا: إِنَّه دُخان يَأْتِي قبل قيام السَّاعَة، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن عَليّ وَابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَالْحسن. وَقَالَ ابْن أبي مليكَة: غَدَوْت على ابْن عَبَّاس ذَات يَوْم فَقَالَ: مَا نمت اللَّيْلَة. قلت: وَلم؟ قَالَ: طلع الْكَوْكَب ذُو الذَّنب فَخَشِيت أَن يطْرق الدُّخان. وعَلى قَول هَؤُلَاءِ يكْشف هَذَا الْعَذَاب فِي الْقِيَامَة قَلِيلا ثمَّ يعودون إِلَى عَذَاب شَدِيد. وعَلى هَذَا تكون البطشة الْكُبْرَى فِي الْقِيَامَة. وعَلى قَول ابْن مَسْعُود كَانَت يَوْم بدر.
وَقَوله: ﴿فَسَوف يكون لزاما﴾ [الْفرْقَان: ٧٧] أَي يكون تكذيبكم عذَابا لَازِما لكم.
٢١٢ - / ٢٤٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: " لَيْسَ منا من ضرب الخدود، وشق الْجُيُوب، ودعا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة ".
قَوْله: " لَيْسَ منا " أَي لَيْسَ على طريقتنا وسنتنا، وَإِنَّمَا نهى عَمَّا يدْخل تَحت الْكسْب من ضرب الخد وشق الجيب، وَلم ينْه عَن الْبكاء والحزن.
وَأما دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة فَمَا كَانُوا يذكرُونَهُ عِنْد موت الْمَيِّت، تَارَة من تَعْظِيمه ومدحه، وَتارَة من النّدب عَلَيْهِ مثل قَوْلهم: واجبلاه.
٢١٣ - / ٢٤٤ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين: " لَيْسَ من نفس تقتل ظلما إِلَّا كَانَ على ابْن آدم الأول كفل من دَمهَا، لِأَنَّهُ سنّ الْقَتْل أَولا ".
[ ١ / ٢٧٩ ]
ابْن آدم: هُوَ قابيل، وَهُوَ أول من قتل. وللمتقدم فِي الْخَيْر وَالشَّر أثر يزِيد بِهِ على غَيره، كَمَا قَالَ ﵇: " من سنّ فِي الْإِسْلَام سنة حَسَنَة كَانَ لَهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا بعده من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء، وَمن سنّ فِي الْإِسْلَام سنة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر من عمل بهَا بعده من غير أَن ينقص من أوزارهم شَيْء ".
٢١٤ - / ٢٤٥ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين: " إِن أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة المصورون " وَرَوَاهُ البرقاني فَقَالَ فِيهِ: " إِن أَشد النَّاس عذَابا رجل قَتله نَبِي، أَو مُصَور ".
أما المصورون فَإِنَّمَا اشْتَدَّ عَذَابهمْ لأَنهم ضاهوا فعل الله ﷿، فَفَعَلُوا كَمَا فعل من تَصْوِير الصُّور، وَسَيَأْتِي شرح هَذَا بَالغا إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَأما من قَتله نَبِي فالغالب أَنه لَا يقْتله النَّبِي حَتَّى يروم قتل النَّبِي، فَإِذا قَتله النَّبِي الَّذِي جَاءَ بالتلطف دلّ على أَنه قد بارز بعناد لَا يتلافى، فضوعف عَذَابه.
٢١٥ - / ٢٤٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين: ذكر سلى الْجَزُور الَّذِي ألقِي على ظهر رَسُول الله.
السلى: هُوَ الْوِعَاء الَّذِي يكون فِيهِ الْوَلَد إِذا وضع الْجَزُور من الْإِبِل، سمي بذلك للجزر، وَهُوَ الْقطع.
[ ١ / ٢٨٠ ]
وَقَوله: فانبعث أشقي الْقَوْم وَهُوَ عقبَة بن أبي معيط.
والمنعة: الْعِزّ والامتناع من الْعَدو.
وَفِي هَذَا الحَدِيث ذكر الْوَلِيد بن عتبَة فِي الْجَمَاعَة الَّذين حَضَرُوا ذَلِك، وَهَذَا غلط فقد روى هَذَا الحَدِيث البرقاني فَقَالَ: السَّابِع عمَارَة ابْن الْوَلِيد، وَهُوَ الصَّحِيح. وَقد رَوَاهُ أَحْمد فِي " مُسْنده " فَقَالَ فِيهِ: ثمَّ سحبوا إِلَى القليب غير أبي بن خلف أَو أُميَّة، هَكَذَا على الشَّك، وَهُوَ من الرَّاوِي، وَإِنَّمَا هُوَ أُميَّة بِلَا شكّ، فَإِن أبي بن خلف لم يقتل يَوْم بدر، وَإِنَّمَا أسر ففدى نَفسه وَعَاد إِلَى مَكَّة، ثمَّ جَاءَ يَوْم أحد فَقتله رَسُول الله بِيَدِهِ يَوْمئِذٍ.
والقليب: الْبِئْر الَّتِي لم تطو، فَإِذا طويت فَهِيَ الطوي.
وانزعاج الْقَوْم من دُعَائِهِ عَلَيْهِم دَلِيل على علمهمْ بصدقه، وَإِنَّمَا غلبهم الْهوى والحسد.
٢١٦ - / ٢٤٩ - الحَدِيث الْخَامِس وَالْعشْرُونَ: دخل النَّبِي يَوْم الْفَتْح وحول الْكَعْبَة ثَلَاثمِائَة وَسِتُّونَ نصبا، فَجعل يطعنها بِعُود كَانَ فِي يَده وَيَقُول: " جَاءَ الْحق وزهق الْبَاطِل ".
فِي تَسْمِيَة الْكَعْبَة كعبة قَولَانِ:
أَحدهمَا: لِأَنَّهَا مربعة، يُقَال: برد مكعب: إِذا طوي مربعًا،
[ ١ / ٢٨١ ]
وَهَذَا مَذْهَب عِكْرِمَة وَمُجاهد.
وَالثَّانِي: لعلوها ونتوءها. يُقَال: كعبت الْمَرْأَة كعابة فَهِيَ كاعب: إِذا نتأ ثديها.
وَأما النصب فَهُوَ وَاحِد الأنصاب: وَهِي الْأَصْنَام الَّتِي كَانُوا ينصبونها ويعبدونها.
وَقَوله: " جَاءَ الْحق " يَعْنِي الْإِسْلَام والتوحيد. " وزهق " أَي بَطل واضمحل " الْبَاطِل " وَهُوَ الشّرك.
فَإِن قيل: الشّرك فِي اعْتِقَاد أَهله صَحِيح مَعْمُول عَلَيْهِ عِنْدهم، فَكيف يُقَال: بَطل؟ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَنه لما أزيلت الْأَصْنَام وَمنع من عبادتها بِمَكَّة بطلت.
وَالثَّانِي: أَنه لما وضح عيب الشّرك بِالدَّلِيلِ بَطل حكمه عِنْد المتدبر النَّاظر.
وَقَوله: ﴿وَمَا يبدئ الْبَاطِل﴾ [سبأ: ٤٩] قَالَ قَتَادَة: الْبَاطِل: الشَّيْطَان، لَا يخلق خلقا وَلَا يَبْعَثهُ. وَقَالَ الضَّحَّاك: هِيَ الْأَصْنَام، لَا تبدئ خلقا وَلَا تحييه. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدِّمَشْقِي: لَا يَبْتَدِئ الصَّنَم كلَاما وَلَا يرد.
٢١٧ - / ٢٥٠ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين: قَوْله: ﴿أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة﴾ [الْإِسْرَاء: ٥٧] قَالَ: كَانَ نفر من الْإِنْس يعْبدُونَ نَفرا من الْجِنّ، فَأسلم النَّفر من الْجِنّ، فَاسْتَمْسك
[ ١ / ٢٨٢ ]
الْآخرُونَ بعبادتهم، فَنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذين يدعونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبهم الْوَسِيلَة﴾ .
الْوَسِيلَة: الْقرْبَة، يُقَال: توسلت إِلَى فلَان: أَي تقربت، وأنشدوا:
(إِذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وَعَاد التصافي بَيْننَا والوسائل)
و(يدعونَ) بِمَعْنى يعْبدُونَ، وَالْمعْنَى: أَن الَّذين يعبدهم هَؤُلَاءِ يطْلبُونَ التَّقَرُّب إِلَى الله ﷿.
٢١٨ - / ٢٥١ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْعِشْرين: عَلمنِي رَسُول الله التَّشَهُّد: التَّحِيَّات لله، والصلوات والطيبات.
فِي التَّحِيَّات ثَلَاثَة أَقْوَال ذكرهَا ابْن الْقَاسِم:
أَحدهَا: أَنه السَّلَام، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا حييتُمْ بِتَحِيَّة﴾ [النِّسَاء: ٨٦] أَي: إِذا سلم عَلَيْكُم.
وَالثَّانِي: أَنه الْملك، وَذَلِكَ أَن الْملك كَانَ يحيا فَيُقَال لَهُ: أنعم صباحا أَيهَا الْملك، أَبيت اللَّعْن، قَالَ عَمْرو بن معد يكرب:
(أَسِيرهَا إِلَى النُّعْمَان حَتَّى أُنِيخ على تحيته بجند)
[ ١ / ٢٨٣ ]
أَي على ملكه. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: إِنَّمَا كَانَت التَّحِيَّة الْملك لِأَن الْملك كَانَ يحيا فَيُقَال لَهُ: أنعم صباحا، لَا يُقَال ذَلِك لغيره، ثمَّ سمي الْملك تَحِيَّة إِذْ كَانَت التَّحِيَّة لَا تكون إِلَّا للْملك.
وَالثَّالِث: أَن التَّحِيَّات الْبَقَاء، قَالَ زُهَيْر بن جناب:
(أبني إِن أهلك فإنني قد بنيت لكم بنيه)
(وتركتكم أَو لَا سَادَات زنادكم وريه)
(من كل مَا نَالَ الْفَتى قد نلته إِلَّا التحيه)
أَي: إِلَّا الْبَقَاء، فَإِنَّهُ لَا ينَال. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: إِنَّمَا أَرَادَ بِالْبَيْتِ الْملك، فَكَأَنَّهُ قَالَ: قد نلْت كل شَيْء إِلَّا أَنِّي لم أصر ملكا.
أما الصَّلَوَات فَهِيَ الرَّحْمَة.
والطيبات أَي: والطيبات من الْكَلَام لله، أَي ذَلِك يَلِيق بمجده.
وَقَوله: " السَّلَام عَلَيْك " فِي السَّلَام قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَنه اسْم لله ﷿. وَمَعْنَاهُ ذُو السَّلامَة: أَي صَاحبهَا، وَالْمعْنَى: عَلَيْك، أَي على حفظك.
وَالثَّانِي: أَنه جمع سَلامَة.
وَتشهد ابْن مَسْعُود هَذَا هُوَ اخْتِيَار أَحْمد بن حَنْبَل وَأبي حنيفَة
[ ١ / ٢٨٤ ]
وَأَصْحَابه، وَأما مَالك فيختار تشهد عمر بن الْخطاب، وَفِيه: التَّحِيَّات لله، الزاكيات لله، الصَّلَوَات لله. وَأما الشَّافِعِي فيختار تشهد ابْن عَبَّاس: " التَّحِيَّات المباركات الصَّلَوَات لله " وَسَيَأْتِي فِي أَفْرَاد مُسلم من مُسْند ابْن عَبَّاس. ثمَّ يَقع الِاتِّفَاق فِيمَا بعد هَذِه الْأَلْفَاظ.
وَقَوله: ثمَّ يتَخَيَّر من الْمَسْأَلَة مَا شَاءَ. مَحْمُول عندنَا على التخير من الْأَدْعِيَة الْمَذْكُورَة فِي الْقُرْآن وَفِي الحَدِيث، وَمَتى دَعَا بِكَلَام من عِنْده مثل أَن يَقُول: اللَّهُمَّ ارزقني جَارِيَة، أَو طَعَاما، فَسدتْ صلَاته، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة، وَعند مَالك وَالشَّافِعِيّ يجوز أَن يَدْعُو بِمَا شَاءَ.
وَقد اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث من لَا يرى وجوب الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فِي التَّشَهُّد، فَقَالَ: لما ذكر التَّشَهُّد قَالَ: " ثمَّ يتَخَيَّر من الْمَسْأَلَة " فَدلَّ على أَنه لَا يجب سوى مَا ذكر.
وَالْجَوَاب أَن الْعلمَاء اخْتلفُوا فِي ذَلِك: فَقَالَ الشَّافِعِي: الصَّلَاة عَلَيْهِ بعد التَّشَهُّد وَاجِبَة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: سنة. وَعَن أَحْمد كالمذهبين وَوجه الْإِيجَاب أَن الله تَعَالَى أَمر بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَقَالَ: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾ [الْأَحْزَاب: ٥٦] وَلَا خلاف أَن الصَّلَاة عَلَيْهِ لَا تجب فِي غير الصَّلَاة، وَقد وَقع الِاتِّفَاق على وجوب التَّسْلِيم عَلَيْهِ فِي الصَّلَاة، فَكَانَت الصَّلَاة وَاجِبَة عَلَيْهِ.
[ ١ / ٢٨٥ ]
٢١٩ - / ٢٥٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين: بَيْنَمَا نَحن مَعَ رَسُول الله بمنى انْفَلق الْقَمَر فلقَتَيْنِ.
الفلقة: الْقطعَة من الشَّيْء المنشق. قَالَ ابْن عَبَّاس: اجْتمع الْمُشْركُونَ إِلَى رَسُول الله فَقَالُوا: إِن كنت صَادِقا فشق لنا الْقَمَر فلقَتَيْنِ. فَقَالَ: " إِن فعلت ذَلِك تؤمنون؟ " قَالُوا: نعم، فَسَأَلَ ربه، فانشق الْقَمَر فرْقَتَيْن، وَرَسُول الله يُنَادي: " يَا فلَان، يَا فلَان، اشْهَدْ " وَقَالَ مُجَاهِد: ثبتَتْ فرقة وَذَهَبت فرقة من وَرَاء الْجَبَل. وَقَالَ ابْن زيد: كَانَ يرى نصفه على قعيقعان وَالنّصف الآخر على أبي قبيس. قَالَ ابْن مَسْعُود: فَقَالَ قُرَيْش: سحركم ابْن أبي كَبْشَة. فاسألوا السفار فَسَأَلُوهُمْ، فَقَالُوا: نعم، قد رَأَيْنَاهُ، فَنزلت قَوْله: ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر﴾ [فَاتِحَة الْقَمَر] .
وَاعْلَم أَن انْشِقَاق الْقَمَر من الْآيَات الَّتِي فاق بهَا على الْأَنْبِيَاء، فَلَيْسَ لَهُم مثلهَا؛ لِأَنَّهُ أَمر خَارج عَن الْأُمُور الأرضية. وَقد اعْترض قوم فَقَالُوا: كَيفَ نقل هَذَا نقل آحَاد والخلق قد رَأَوْهُ؟
فَالْجَوَاب: إِن هَذَا أَمر طلبه قوم من أهل مَكَّة فَأَرَاهُم تِلْكَ الْآيَة لَيْلًا، وَأكْثر النَّاس نيام وَفِي أسمارهم وأشغالهم، وَإِنَّمَا رَآهُ الْقَلِيل مِمَّن لم يطْلب، وَلَو ظهر لجَمِيع الْخلق ثمَّ لم يُؤمنُوا لبغتوا بِالْعَذَابِ كَمَا جرى للأمم المكذبة بِالْآيَاتِ الحسية، قَالَ ﷿: ﴿وَمَا منعنَا أَن نرسل بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كذب بهَا الْأَولونَ﴾ [الْإِسْرَاء: ٥٩] الْمَعْنى: كذبُوا فأهلكوا، وَلَو أرسلناها فَكَذَّبْتُمْ لأهلكتكم.
[ ١ / ٢٨٦ ]
والإشارات إِلَى الْآيَات الحسية، كناقة صَالح.
وَقد روى حَدِيث انْشِقَاق الْقَمَر جمَاعَة من الصَّحَابَة، إِلَّا أَنه فِي الصِّحَاح من حَدِيث ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَأنس بن مَالك.
٢٢٠ - / ٢٥٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّلَاثِينَ: إِنَّك لتوعك وعكا شَدِيدا. وَقد فسرناه فِي حَدِيث السَّقِيفَة.
وَقد دلّ الحَدِيث على أَن الْقوي يحمل، والضعيف يرفق بِهِ، إِلَّا أَنه كلما قويت الْمعرفَة بالمبتلي هان الْبلَاء الشَّديد، وَمن أهل الْبلَاء من يرى الْأجر فيهون الْبلَاء عَلَيْهِ، وَأَعْلَى مِنْهُ من يرى تصرف المبتلي فِي ملكه، وَأَرْفَع مِنْهُ من تشغله محبَّة الْحق عَن وَقع الْبلَاء، وَنِهَايَة الْمَرَاتِب التَّلَذُّذ بِضَرْب الحبيب، لِأَنَّهُ عَن اخْتِيَاره نَشأ.
٢٢١ - / ٢٥٥ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ: قَالَ ابْن مَسْعُود: إِن الْمُؤمن يرى ذنُوبه كَأَنَّهُ قَاعد تَحت جبل يخَاف أَن يَقع عَلَيْهِ.
إِنَّمَا كَانَت هَذِه صفة الْمُؤمن لشدَّة خَوفه من الْعقُوبَة، لِأَنَّهُ على يَقِين من الذَّنب، وَلَيْسَ على يَقِين من الْمَغْفِرَة، والفاجر قَلِيل الْمعرفَة بِاللَّه، فَلذَلِك قل خَوفه فاستهان بِالْمَعَاصِي.
وَالْأَرْض الدوية منسوبة إِلَى الدو: وَهِي الْمَفَازَة القفر الَّتِي تبعد
[ ١ / ٢٨٧ ]
عَن الْعمرَان، فيخاف على سالكها الْهَلَاك.
وَمَا ضرب من الْمثل فِي هَذَا الحَدِيث لفرح الله ﷿ بِالتَّوْبَةِ يبين أثر الْقبُول، وَلَا يجوز أَن يعْتَقد فِي الله تَعَالَى مَا يعْتَقد فِي المخلوقين من التأثر، فَإِن الله ﷿ يُؤثر وَلَا يتأثر، وَصِفَاته قديمَة فَلَا تحدث لَهُ صفة.
٢٢٢ - / ٢٥٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ: " لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رجل آتَاهُ الله مَالا فَسَلَّطَهُ على هَلَكته فِي الْحق، وَرجل آتَاهُ الله حِكْمَة فَهُوَ يقْضِي بهَا وَيعلمهَا ".
الْحَسَد: هُوَ تمني زَوَال النِّعْمَة عَن الْمَحْسُود وَإِن لم تصر للحاسد، وَسَببه أَنه قد وضع فِي الطباع كَرَاهَة الْمُمَاثلَة وَحب الرّفْعَة على الْجِنْس، فَإِذا رأى الْإِنْسَان من قد نَالَ مَا لم ينل أحب بالطبع أَن يَزُول ذَلِك ليَقَع التَّسَاوِي، أَو ليحصل لَهُ الِارْتفَاع على ذَلِك الشَّخْص. وَهَذَا أَمر مركوز فِي الطباع، وَلَا يسلم مِنْهُ أحد، وَإِنَّمَا المذموم الْعَمَل بِمُقْتَضى ذَلِك من سبّ الْمُنعم عَلَيْهِ، أَو السَّعْي فِي إِزَالَة نعْمَته. ثمَّ يَنْبَغِي للْإنْسَان إِذا وجد الْحَسَد من نَفسه أَن يكره كَون ذَلِك فِيهِ كَمَا يكره مَا وضع فِي طبعه من حب المنهيات، وَقد ذمّ الْحَسَد على الْإِطْلَاق لما ينتجه ويوجبه.
فَأَما الحَدِيث فَلهُ ثَلَاثَة أوجه:
أَحدهَا: أَن المُرَاد بِالْحَسَدِ الْغِبْطَة، وَالْغِبْطَة: تمني مثل نعْمَة الْمَحْسُود من غير حب زَوَالهَا عَن المغبوط، وَهَذَا ممدوح. وَلما كَانَ كثير من النَّاس لَا يفرقون بَين الْحَسَد وَالْغِبْطَة سمي هَذَا باسم هَذَا تجوزا.
[ ١ / ٢٨٨ ]
وَالثَّانِي: أَن المُرَاد بِالْحَسَدِ فِي هَذَا الحَدِيث شدَّة الْحِرْص وَالرَّغْبَة، فكنى بِالْحَسَدِ عَنْهُمَا لِأَنَّهُمَا سَبَب الْحَسَد والداعي إِلَيْهِ، هَذَا مَذْهَب أبي سُلَيْمَان الْخطابِيّ.
وَالثَّالِث: أَن المُرَاد بِالْحَدِيثِ نفي الْحَسَد فَحسب، فَقَوله: " لَا حسد " كَلَام تَامّ، وَهُوَ نفي فِي معنى النَّهْي. وَقَوله: " إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ " اسْتثِْنَاء لَيْسَ من الْجِنْس، وَمثله: ﴿وَمَا لأحد عِنْده من نعْمَة تجزى إِلَّا ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى﴾ [اللَّيْل: ١٩، ٢٠] .
وَأما الْحِكْمَة فَإِنَّهَا علم مُحكم، وَسميت حِكْمَة من الحكم: وَهُوَ الْمَنْع، فالحكمة تمنع الْحَكِيم من الْجَهْل. وَسميت حِكْمَة الدَّابَّة لِأَنَّهَا تمنعها الْخلاف.
وَمعنى: " يقْضِي بهَا " يعْمل وَيَقُول.
٢٢٣ - / ٢٥٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ: رخص لنا أَن ننكح الْمَرْأَة بِالثَّوْبِ إِلَى أجل.
هَذِه هِيَ الْمُتْعَة، وَقد ذَكرنَاهَا فِي مُسْند عمر، وَبينا أَنَّهَا نسخت.
٢٢٤ - / ٢٥٩ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ: " إِنَّهَا سَتَكُون بعدِي أَثَرَة ".
[ ١ / ٢٨٩ ]
الأثرة: الاستئثار، وَهُوَ انْفِرَاد المستأثر بِمَا يستأثر بِهِ عَمَّن لَهُ فِيهِ حق.
وَقَوله: " تؤدون الْحق الَّذِي عَلَيْكُم " أَي من طَاعَة الْأُمَرَاء، وَترك الْخُرُوج عَلَيْهِم.
٢٢٥ - / ٢٦٠ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ: " إِن خلق أحدكُم يجمع فِي بطن أمه أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثمَّ يكون علقَة مثل ذَلِك، ثمَّ يكون مُضْغَة مثل ذَلِك، ثمَّ يبْعَث الله ملكا بِأَرْبَع كَلِمَات: يكْتب رزقه، وأجله، وَعَمله، وشقي أَو سعيد، ثمَّ ينْفخ فِيهِ الرّوح. فو الَّذِي لَا إِلَه غَيره، إِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل الْجنَّة حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إِلَّا ذِرَاع، فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل النَّار فيدخلها، وَإِن أحدكُم ليعْمَل بِعَمَل أهل النَّار حَتَّى مَا يكون بَينه وَبَينهَا إِلَّا ذِرَاع، فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب فَيعْمل بِعَمَل أهل الْجنَّة فيدخلها ".
هَكَذَا أخرج الحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَظَاهر سِيَاقه يدل على أَنه كُله من كَلَام النَّبِي ﷺ، وَقد أَنبأَنَا عبد الْوَهَّاب الْحَافِظ قَالَ: أخبرنَا جَعْفَر بن أَحْمد قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: من أول الحَدِيث إِلَى قَوْله: " وشقي أَو سعيد " من كَلَام النَّبِي ﷺ وَمَا بعده إِلَى آخر الحَدِيث من كَلَام ابْن مَسْعُود. وَقد رَوَاهُ بِطُولِهِ سَلمَة بن كهيل عَن زيد بن وهب ففصل كَلَام ابْن مَسْعُود من كَلَام النَّبِي ﷺ.
[ ١ / ٢٩٠ ]
فَأَما تَفْسِيره: فالعلقة: دم عبيط جامد، وَسميت علقَة لرطوبتها وتعلقها بِمَا تمر بِهِ، والمضغة: لحْمَة صَغِيرَة، قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَسميت بذلك لِأَنَّهَا بِقدر مَا يمضغ، كَمَا يُقَال غرفَة لقدر مَا يغْرف. والْحَدِيث يدل على أَن الْأُمُور مقدرَة. وَقَوله: فَيَسْبق عَلَيْهِ الْكتاب: يَعْنِي مَا قضي لَهُ.
٢٢٦ - / ٢٦١ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: " خير النَّاس قَرْني، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ يَجِيء قوم تسبق شَهَادَة أحدهم يَمِينه، وَيَمِينه شَهَادَته ".
الْقرن: مِقْدَار التَّوَسُّط فِي أَعمار أهل الزَّمَان، فَهُوَ فِي كل قوم على قدر أعمارهم. واشتقاقه من الاقتران، فَهُوَ الْمِقْدَار الَّذِي يقْتَرن فِيهِ بَقَاء أهل ذَلِك الزَّمَان فِي الْأَغْلَب. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَالْمعْنَى: خير النَّاس أهل قَرْني، فَحذف الْمُضَاف. وَقَالَ غَيره: قد يُسمى أهل الْعَصْر قرنا لاقترانهم فِي الْوُجُود.
وَقَوله: " يسْبق شَهَادَة أحدهم يَمِينه " يَعْنِي أَنهم لَا يتورعون فِي أَقْوَالهم، ويستهينون بِالشَّهَادَةِ وَالْيَمِين.
٢٢٧ - / ٢٦٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ: قَالَ لي النَّبِي ﷺ: " اقْرَأ عَليّ ".
هَذَا الحَدِيث يحث على اسْتِمَاع الْقَارئ الْقُرْآن من غَيره، والمذكر
[ ١ / ٢٩١ ]
التَّذْكِير من سواهُ، لِأَنَّهُ حَالَة تِلَاوَته وتذكيره يشْتَغل بإصلاح النُّطْق، فَإِذا سمع من غَيره جمع همه فِي الْإِنْصَات.
وَقَوله: فَإِذا عَيناهُ تَذْرِفَانِ. يُقَال: ذرفت الْعين دمعها: إِذا أطلقته، وذرف الدمع يذرف ذروفا، والمذارف: المدامع. وَإِنَّمَا بَكَى ﵇ عِنْد هَذِه الْآيَة: ﴿فَكيف إِذا جِئْنَا من كل أمة بِشَهِيد وَجِئْنَا بك على هَؤُلَاءِ شَهِيدا﴾ [النِّسَاء: ٤١] لِأَنَّهُ لَا بُد لَهُ من الشَّهَادَة، وَالْحكم على الْمَشْهُود عَلَيْهِ إِنَّمَا يكون بقول الشَّاهِد، فَلَمَّا كَانَ هُوَ الشَّاهِد، وَهُوَ الشافع بَكَى على المفرطين مِنْهُم.
٢٢٨ - / ٢٦٤ - وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين: سَأَلت رَسُول الله: أَي الذَّنب أعظم؟ فَقَالَ: " أَن تجْعَل لله ندا وَهُوَ خلقك ".
الند: الْمثل، يُقَال هَذَا ند هَذَا ونديده.
وَقَوله: ثمَّ أَي؟ مشدد منون، كَذَلِك سمعته من أبي مُحَمَّد الخشاب، وَقَالَ: لَا يجوز إِلَّا تنوينه، لِأَنَّهُ اسْم مُعرب غير مُضَاف، وَقَالَ: وَمعنى غير مُضَاف: أَن يُقَال: أَي الرجلَيْن؟
وَقَوله: " أَن تقتل ولدك " إِشَارَة إِلَى الموءودة.
وَقَوله: " أَن تُزَانِي حَلِيلَة جَارك " تُزَانِي: تفَاعل، من الزِّنَا. والحليلة وَاحِدَة الحلائل: وَهن الْأزْوَاج. وَقَالَ الزّجاج: حَلِيلَة يَعْنِي محلّة، وَهِي مُشْتَقَّة من الْحَلَال. وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: الحليل: الزَّوْج، والحليلة: الْمَرْأَة، وسميا ذَلِك إِمَّا لِأَنَّهُمَا يحلان فِي مَوضِع وَاحِد، أَو لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يُحَال صَاحبه:
[ ١ / ٢٩٢ ]
أَي ينازله، أَو لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مَحل إِزَار صَاحبه.
قلت: فَلَمَّا كَانَ الشّرك أعظم الذُّنُوب بَدَأَ بِهِ لِأَنَّهُ جحد للتوحيد، ثمَّ ثناه بِالْقَتْلِ لِأَنَّهُ محو للموجد، وَلم يكف كَونه قتلا، حَتَّى جمع بَين وصف الْولادَة وظلم من لَا يعقل وَعلة الْبُخْل، فَلذَلِك خصّه بِالذكر من بَين أَنْوَاع الْقَتْل، ثمَّ ثلث بِالزِّنَا لِأَنَّهُ سَبَب لاختلاط الْفرش والأنساب، وَخص حَلِيلَة الْجَار لِأَن ذَنْب الزِّنَا بهَا يَتَفَاقَم بهتك حُرْمَة الْجَار، وَقد كَانَ الْعَرَب يتشددون فِي حفظ ذمَّة الْجَار، ويتمادحون بِحِفْظ امْرَأَة الْجَار، قَالَ عنترة:
(يَا شَاة مَا قنص لمن حلت لَهُ حرمت عَليّ وليتها لم تحرم)
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: عرض بجارته، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَي صيد أَنْت لمن حل لَهُ أَن يصيدك، أما أَنا فَإِن حُرْمَة الْجوَار قد حرمتك عَليّ.
وَقَالَ مِسْكين الدَّارمِيّ:
(مَا ضرّ لي جَار أجاوره أَلا يكون لبابه ستر)
(أعمى إِذا مَا جارتي خرجت حَتَّى يواري جارتي الْجدر)
(وتصم عَمَّا بَينهم أُذُنِي حَتَّى يكون كَأَنَّهُ وقر)
وَقد اخْتلفت أَحَادِيث الصَّحِيح فِي عدد الْكَبَائِر، فَهِيَ هَاهُنَا ثَلَاث، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث أبي بكرَة ثَلَاث أَيْضا إِلَّا أَنَّهَا تخْتَلف، وَتَأْتِي فِي حَدِيث أنس أَربع، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو إِلَّا أَنَّهَا
[ ١ / ٢٩٣ ]
تخْتَلف، وَيَأْتِي فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة سبع، وَوجه هَذَا الِاخْتِلَاف أَن يكون ذكر لكل قوم مَا يقرب من أفعالهم من الذُّنُوب، أَو أَن يكون ذكر الْأُصُول فِي مَوضِع وَزَاد تَفْرِيعا فِي مَوضِع.
٢٢٩ - / ٢٦٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ: قَالَ رجل: يَا رَسُول الله، إِنِّي عَالَجت امْرَأَة.
يُشِير بذلك إِلَى اللَّمْس والتقبيل وَنَحْو ذَلِك. وَقَوله: مَا دون أَن أَمسهَا، يَعْنِي بالمس الْوَطْء، فَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٧] .
وَاخْتلفُوا فِي اسْم هَذَا الرجل على ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: عَمْرو بن غزيَّة بن عَمْرو، أَبُو حَيَّة الْأنْصَارِيّ التمار، رَوَاهُ أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: وَكَانَ يَبِيع التَّمْر، فَأَتَتْهُ امْرَأَة تبْتَاع مِنْهُ فَأَعْجَبتهُ، فَقَالَ لَهَا: إِن فِي الْبَيْت تَمرا أَجود من هَذَا فانطلقي معي حَتَّى أُعْطِيك مِنْهُ، فَنزلت فِيهِ هَذِه الْآيَة. وَالثَّانِي: أَنه أَبُو مقبل عَامر بن قيس الْأنْصَارِيّ، قَالَه مقَاتل. وَالثَّالِث: أَنه أَبُو التيسر كَعْب بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ، ذكره أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت.
وَهَذَا الرجل لما غَلبه هَوَاهُ انتقم مِنْهُ بِتَسْلِيم نَفسه إِلَى الْعقُوبَة، فَقَالَ: أَنا هَذَا، فَاقْض فِي مَا شِئْت.
وَقَول عمر: لقد سترك الله لَو سترت نَفسك، كَلَام عَالم حَازِم،
[ ١ / ٢٩٤ ]
وَذَلِكَ أَن من أَتَى ذَنبا واستتر بِهِ وَتَابَ، كَانَ ذَلِك أولى من إِظْهَاره لإِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يفضح نَفسه بِالْإِقْرَارِ. وَقد نَص على هَذَا أَحْمد ابْن حَنْبَل وَالشَّافِعِيّ، وَيدل على هَذَا تَنْبِيه الرَّسُول ماعزا على الرُّجُوع بقوله: " ارْجع " وَقَوله: " لَعَلَّك قبلت أَو غمزت " وَلَو كَانَ الْإِقْرَار مُسْتَحبا لما لقنه الرُّجُوع عَن الْمُسْتَحبّ. وأوضح من هَذَا فِي الدَّلِيل قَوْله ﵇: " من أَتَى شَيْئا من هَذِه القاذورات فليستتر بستر الله ". فَأَما إِذا كَانَت الجريمة قد شاعت فَفِيهِ وَجْهَان عَن أَصْحَابنَا: أَحدهمَا: أَنه يسْتَحبّ لَهُ أَن يَأْتِي الْحَاكِم ويقر لَهُ ليقيم عَلَيْهِ الْحَد، قَالَه القَاضِي أَبُو يعلى. وَالثَّانِي: أَنه لَا يسْتَحبّ، لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُسْتَحبا لما لقن النَّبِي ﷺ ماعزا أَن يرجع، قَالَه ابْن عقيل، وَهُوَ الصَّحِيح.
وَقَوله: ﴿وأقم الصَّلَاة﴾ [هود: ١١٤] مَعْنَاهُ: أتم ركوعها وسجودها.
والطرف: الْجَانِب. قَالَ ثَعْلَب: وَأول النَّهَار عِنْد الْعَرَب طُلُوع الشَّمْس. وَقَالَ ابْن فَارس: النَّهَار ضِيَاء مَا بَين طُلُوع الْفجْر إِلَى غرُوب الشَّمْس. وللمفسرين فِي المُرَاد بِصَلَاة الطّرف الأول قَولَانِ: أَحدهمَا: الْفجْر، قَالَه الْأَكْثَرُونَ. وَالثَّانِي: الظّهْر، حَكَاهُ ابْن جرير.
[ ١ / ٢٩٥ ]
وَلَهُم فِي الطّرف الثَّانِي ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا صَلَاة الْمغرب، قَالَه ابْن عَبَّاس. وَالثَّانِي: الْعَصْر: قَالَه قَتَادَة. وَالثَّالِث: الظّهْر وَالْعصر، قَالَه مُجَاهِد.
قَوْله: ﴿وَزلفًا من اللَّيْل﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الزلف السَّاعَات، وَاحِدهَا زلفة: أَي سَاعَة ومنزلة وقربة، وَمِنْه سميت الْمزْدَلِفَة، قَالَ العجاج.
(نَاجٍ طواه الأين مِمَّا أوجفا )
(طي اللَّيَالِي زلفا فزلفا )
(سماوة الْهلَال حَتَّى احقوقفا )
وللمفسرين فِي صَلَاة الزلف قَولَانِ: أَحدهمَا الْعشَاء، وَالثَّانِي الْمغرب وَالْعشَاء، وَالْقَوْلَان عَن ابْن عَبَّاس.
وَقَوله: ﴿إِن الْحَسَنَات﴾ يَعْنِي الصَّلَوَات الْخمس ﴿يذْهبن السَّيِّئَات﴾ يَعْنِي صغائر الذُّنُوب، ﴿ذَلِك﴾ يَعْنِي إقَام الصَّلَاة. ﴿ذكرى﴾ أَي تَوْبَة لِلذَّاكِرِينَ.
قَوْله: فَقَالَ رجل من الْقَوْم: هَذَا لَهُ خَاصَّة؟ اخْتلفُوا فِي هَذَا الرجل السَّائِل على ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه عمر بن الْخطاب.
[ ١ / ٢٩٦ ]
وَالثَّانِي: أَبُو الْيُسْر. وَالثَّالِث: معَاذ بن جبل، ذكر هَذِه الْأَقْوَال أَحْمد ابْن عَليّ بن ثَابت.
٢٣٠ - / ٢٦٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ: " لَا يمنعن أحدكُم أَذَان بِلَال من سحوره، فَإِنَّهُ يُؤذن - أَو قَالَ: يُنَادي - بلَيْل، ليرْجع قائمكم، ويوقظ نائمكم ".
هَذَا الحَدِيث يدل على جَوَاز الْأَذَان للفجر قبل طلوعه، لِأَن الرَّسُول ﵇ لم يُنكر على بِلَال فعل ذَلِك، وَهَذَا قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَدَاوُد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجوز.
وَقَوله: " ليرْجع قائمكم " أَي ليعلمه بِقرب الْفجْر فيجلس للاستغفار، " ويوقظ نائمكم " ليتأهب للصَّلَاة.
وَقَوله: " لَيْسَ الْفجْر أَن تَقول هَكَذَا " كَأَنَّهُ وصف الْفجْر الأول فِي قَوْله: " وَلَيْسَ الْفجْر " وَوصف الثَّانِي فِي الْوَصْف الآخر. وَالْفَجْر: انفجار الظلمَة عَن الضَّوْء. والمستطيل: هُوَ الْفجْر الأول يصعد طولا، ثمَّ تَأتي بعده الظلمَة، ثمَّ يظْهر الْفجْر الثَّانِي مُعْتَرضًا فِي ذيل السَّمَاء، فَهُوَ المستطير، والمستطير: الْمُنْتَشِر بِسُرْعَة، يُقَال: استطار الْفجْر: إِذا انْتَشَر وَاعْترض فِي الْأُفق، وَذَلِكَ الَّذِي يمْنَع السّحُور.
[ ١ / ٢٩٧ ]
٢٣١ - / ٢٦٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: قَالَ عبد الله: من اشْترى محفلة فَردهَا فليرد مَعهَا صَاعا.
المحفلة: الْمُصراة، وَهِي الشَّاة وَالْبَقَرَة أَو النَّاقة يتْرك حلبها أَيَّامًا حَتَّى يجْتَمع اللَّبن فِي ضرْعهَا، فيغتر المُشْتَرِي بِمَا يرَاهُ ويظنه فِي كل يَوْم، فَإِذا اشْتَرَاهَا وحلبها بَان لَهُ التَّدْلِيس، وَسميت محفلة لِأَن اللَّبن حفل فِي ضرْعهَا وَاجْتمعَ، وكل شَيْء كثرته فقد حفلته. واحتفل الْقَوْم: اجْتَمعُوا، ومحفلهم: مجمعهم.
وَذكر الصَّاع هَاهُنَا مُجمل. وَفِي رِوَايَة: " من تمر " وسنكشف هَذَا ونشبع الْكَلَام فِيهِ فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى، لِأَنَّهُ هَاهُنَا من قَول ابْن مَسْعُود، وَهُوَ هُنَاكَ مَرْفُوع.
وَفِي هَذَا الحَدِيث: نهى رَسُول الله عَن تلقي الْبيُوع. وَهُوَ تلقي الركْبَان، فيشتري مِنْهُم وَلَا يعْرفُونَ سعر الْبَلَد، فيبيعون مغترين، وسنشرح هَذَا فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٢٣٢ - / ٢٦٩ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ: " إِذا كُنْتُم ثَلَاثَة فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَان دون الآخر، فَإِن ذَلِك يحزنهُ ".
التناجي: كَلَام فِي سر يكون بَين اثْنَيْنِ وَأكْثر، وَهُوَ من النجوة: وَهِي الْمَكَان الْمُرْتَفع، كَأَن المتناجيين بانفرادهما عَن الْجَمَاعَة البَاقِينَ
[ ١ / ٢٩٨ ]
ارتفعا عَنْهُمَا، وَإِنَّمَا يحزنهُ هَذَا لأحد ثَلَاثَة أَشْيَاء: إِمَّا لِأَنَّهُ يرى إكرام المناجى دونه، أَو يخَاف أَن يعاب بِبَعْض فعله، أَو يحذر دسيس غائلة فِي حَقه، وَقد كَانَ بعض عُلَمَاء السّلف يَقُول: هَذَا مَخْصُوص بِالسَّفرِ، والمواضع الَّتِي لَا يَأْمَن فِيهَا الْإِنْسَان على نَفسه، وَهَذَا التَّخْصِيص لَا وَجه لَهُ لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن الْكَلَام مُطلق. وَالثَّانِي: أَنه لَو كَانَ كَمَا قَالَ لقَالَ: فَإِن ذَلِك يخوفه. فَلَمَّا قَالَ: " يحزنهُ " كَانَ مَا ذكرنَا أليق.
وَقَوله: " وَلَا تباشر الْمَرْأَة الْمَرْأَة " كَأَن الْمُبَاشرَة هَاهُنَا مستعارة من التقاء البشرتين للنَّظَر إِلَى الْبشرَة، فتقديره: تنظر إِلَى بَشرَتهَا، وَإِنَّمَا نهى عَن وصفهَا للزَّوْج لِأَن المحاسن إِذا ذكرت أمالت الْقلب إِلَى الْمَوْصُوف، وَكم مِمَّن قد عشق بِالْوَصْفِ.
٢٣٣ - / ٢٧٠ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ: " سباب الْمُسلم فسوق، وقتاله كفر " السباب: السب والشتم، والفسوق: الْخُرُوج عَن طَاعَة الله ﷿.
وَهَذَا مَحْمُول على من سبّ مُسلما أَو قَاتله من غير تَأْوِيل، فقد قَالَ عمر فِي حَاطِب: دَعْنِي أضْرب عنق هَذَا الْمُنَافِق، فَلم يُنكر عَلَيْهِ الرَّسُول لتأويله. وَإِذا قَاتل الْمُسلم الْمُسلم من غير تَأْوِيل كَانَ ظَاهر أمره أَنه رَآهُ كَافِرًا، أَو رأى دين الْإِسْلَام بَاطِلا، أَو لَا يرى أَن
[ ١ / ٢٩٩ ]
الْإِسْلَام قد عصم دَمه، فيكفر باعتقاد ذَلِك.
وَيحْتَمل هَذَا الحَدِيث وَمَا فِي مَعْنَاهُ مثل قَوْله: " فقد بَاء بهَا أَحدهمَا "، وَقَوله: " لَا ترجعوا بعدِي كفَّارًا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض " وَقَوله: " كفر بِاللَّه " انْتِفَاء من نسب، وَإِن دق أَن يكون إِنَّمَا نسب هَذِه الْأَشْيَاء إِلَى الْكفْر لِأَنَّهَا أَفعَال الْكفَّار، وَيكون ذكر ذَلِك على جِهَة التغليط، لَا أَن ذَلِك يخرج عَن الْملَّة.
٢٣٤ - / ٢٧١ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: " لَا أحد أغير من الله وَلذَلِك حرم الْفَوَاحِش ".
قَالَ الْعلمَاء: كل من غَار من شَيْء اشتدت كراهيته لَهُ، فَلَمَّا حرم الله ﷿ الْفَوَاحِش وتواعد عَلَيْهَا وَصفه رَسُوله ﵇ بالغيرة. وَأما الْفَوَاحِش فَجمع فَاحِشَة: وَهِي مَا تفاقم قبحه. فَأَما مَا ظهر مِنْهَا: فَمَا أعلن بِهِ، وَمَا بطن: مَا استتر بِهِ.
وَقَوله: " وَلَا أحد أحب إِلَيْهِ الْمَدْح من الله " قَالَ ابْن عقيل: قَالَ بعض الْعَامَّة: إِذا كَانَ الله ﷿ يحب الْمَدْح فَكيف لَا نحبه نَحن؟ وَهَذَا غلط: لن حب الله للمدحة لَيْسَ من جنس مَا يعْمل من حبنا للمدح، وَإِنَّمَا الله سُبْحَانَهُ أحب الطَّاعَات، وَمن جُمْلَتهَا مدحه ليثيب على ذَلِك فينتفع الْمُكَلف، وَلَا ينْتَفع هُوَ بالمدح، وَنحن نحب الْمَدْح لننتفع بِهِ ويرتفع قَدرنَا فِي قَومنَا: قَالَ: " وَلَا أحد أحب إِلَيْهِ الْعذر من الله " تَفْسِيره على نَحْو حبه للمدح، لِأَنَّهُ يثب الْمُكَلف بِهِ إِذا اعتذر من الله وَقَامَ بِشَرْط الْعُبُودِيَّة فِي خضوعه.
[ ١ / ٣٠٠ ]
٢٣٥ - / ٢٧٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ: قَالَ رجل لِابْنِ مَسْعُود: كَيفَ تقْرَأ: ﴿من مَاء غير آسن﴾ [مُحَمَّد: ١٥] .
الآسن: الْمُتَغَيّر الرّيح والطعم.
قَالَ الرجل: إِنِّي لأقرأ الْمفصل فِي رَكْعَة. اسْم هَذَا الرجل نهيك ابْن سِنَان. والمفصل: قصار السُّور. وَقد قَالُوا إِنَّه من أول الحجرات، غير أَن هَذَا لَا يَقع على مصحف ابْن مَسْعُود؛ فَإِنَّهُ قد ذكر " الدُّخان " فِي الْمفصل. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: سميت مفصلا لقصرها وَكَثْرَة الْفُصُول فِيهَا بسطر (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) .
وَقَوله: هَذَا كهذ الشّعْر؟ الهذ: سرعَة الْقطع. يُقَال: سكين هذوذ: قطاع، شبه سرعَة التِّلَاوَة بِسُرْعَة الْقطع.
وَقَوله: لَا يُجَاوز تراقيهم. الترقوة: الْعظم المشرف فِي أَعلَى الصَّدْر. وهما ترقوتان، وَالْجمع تراق. وَالْمرَاد: أَن تلاوتهم بِاللِّسَانِ دون اسْتِقْرَار الْإِيمَان والفهم فِي الْقلب.
وَقَوله: إِن أفضل الصَّلَاة الرُّكُوع وَالسُّجُود. هَذَا مِمَّا اخْتلف فِيهِ، فَرَأى بعض الْعلمَاء هَذَا، وَرَأى بَعضهم طول الْقيام أفضل من كَثْرَة الرُّكُوع، وَالسُّجُود، لقَوْل النَّبِي ﷺ وَقد سُئِلَ: أَي الصَّلَاة أفضل؟ فَقَالَ: " أطولها قنوتا ". وَقَالَ بعض الْعلمَاء: طول الْقيام بِاللَّيْلِ أفضل؛ لِأَن الْقلب يَخْلُو للتلاوة، وَكَثْرَة الرُّكُوع وَالسُّجُود بِالنَّهَارِ أفضل، وَلم ينْقل عَن رَسُول الله فِي
[ ١ / ٣٠١ ]
اللَّيْل إِلَّا طول الْقيام.
وَقَوله: إِنِّي لأعْلم النَّظَائِر الَّتِي كَانَ رَسُول الله يقرن بَينهُنَّ. النَّظَائِر: المتماثلة فِي الْعدَد، وَأَرَادَ هَاهُنَا المتقاربة، لِأَن (حم الدُّخان) سِتُّونَ إِلَّا آيَة، و(عَم يتساءلون) أَرْبَعُونَ. والسور الَّتِي لَهَا نَظَائِر فِي الْعدَد كَثِيرَة، إِلَّا أَن فِي الْمفصل " الحجرات " ثَمَانِي عشرَة آيَة، وَمثلهَا " التغابن " " الْحَدِيد " تسع وَعِشْرُونَ، وَمثلهَا " التكوير ". " المجادلة " اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ، وَمثلهَا " البروج ". " الْجُمُعَة " إِحْدَى عشرَة آيَة، وَمثلهَا " المُنَافِقُونَ "، " وَالضُّحَى ". " وَالْعَادِيات "، و" القارعة " و" الطَّلَاق " اثْنَتَا عشرَة آيَة، وَمثلهَا التَّحْرِيم. " الْملك " ثَلَاثُونَ آيَة، وَمثلهَا " الْفجْر ". " ن " خَمْسُونَ آيَة وآيتان، وَمثلهَا " الحاقة ". " نوح " عشرُون وثمان آيَات، وَمثلهَا " الْجِنّ ". " المزمل " عشرُون، وَمثلهَا " الْبَلَد ". " الْقِيَامَة " أَرْبَعُونَ، وَمثلهَا " التساؤل ". " الانفطار " تسع عشرَة، وَمثلهَا " الْأَعْلَى " و" العلق ". " الإنشراح " ثَمَانِي آيَات، وَمثلهَا " التِّين " و" لم يكن " و" الزلزلة " و" التكاثر ". " الْقدر " خمس آيَات، وَمثلهَا " الْفِيل " و" تبت " و" الفلق ". " الْعَصْر " ثَلَاث آيَات، وَمثلهَا " الْكَوْثَر " و" النَّصْر ". " قُرَيْش " أَربع آيَات، وَمثلهَا " الْإِخْلَاص ". " الْكَافِرُونَ " سِتّ آيَات، وَمثلهَا " النَّاس ".
٢٣٦ - / ٢٧٣ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ: لَو أعلم أَن أحدا أعلم مني لرحلت إِلَيْهِ.
[ ١ / ٣٠٢ ]
قد ذكرنَا فِي مُسْند سعد أَن الْإِنْسَان إِذا اضْطر إِظْهَار فَضله جَازَ لَهُ ذَلِك، وَلَوْلَا أَن ابْن مَسْعُود ألجئ إِلَى هَذَا بتركهم قِرَاءَته لما قَالَ ذَلِك.
٢٣٧ - / ٢٧٤ - وَفِي الحَدِيث الْخمسين: " بئْسَمَا لأَحَدهم أَن يَقُول: نسيت آيَة كَيْت وَكَيْت، بل هُوَ نسي ".
قَوْله: " بئْسَمَا لأَحَدهم أَن يَقُول نسيت " فِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا أَن يكون هَذَا خَاصّا فِي زمن النَّبِي ﷺ، فَتكون الْإِشَارَة إِلَى مَا رفع لَفظه فينساه الْإِنْسَان، أَي يرفع من صَدره، فنهاهم عَن ذَلِك القَوْل لِئَلَّا يتوهمون فِي مُحكم الْقُرْآن أَنه قد ضَاعَ، وَأخْبرهمْ أَن مَا يكون من رَفعه لحكمة يعلمهَا الله تَعَالَى. وَالثَّانِي: أَن يكون عَاما، وَيكون الْمَعْنى: إِنَّمَا نسي لذنب ارْتَكَبهُ، وَرُبمَا كَانَ ذَلِك الذَّنب ترك تعهده لِلْقُرْآنِ.
وَقَوله: " كَيْت وَكَيْت " هِيَ كلمة يعبر بهَا عَن الْجمل الْكَثِيرَة والْحَدِيث الطَّوِيل، وَمثلهَا ذيت وذيت. وَقَالَ ثَعْلَب: كَانَ من الْأَمر كَيْت وَكَيْت، وَكَانَ من فلَان ذيت وذيت، فكيت كِنَايَة عَن الْأَفْعَال، وذيت إِخْبَار عَن الْأَسْمَاء وكناية عَنْهَا.
وَقَوله: استذكروا الْقُرْآن تحريض على تِلَاوَته لِئَلَّا ينسى.
والتفصي: الِانْفِصَال: يُقَال: تفصي فلَان من كَذَا: إِذا انْفَصل عَنهُ.
وَالنعَم: الْإِبِل. وَقَوله: " من عقله " هَكَذَا ضَبطه لنا أشياخنا فِي كتاب أبي عبيد بِضَم الْقَاف. وَالْعقل جمع عقال.
[ ١ / ٣٠٣ ]
٢٣٨ - / ٢٧٥ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْخمسين: ذكر عِنْد رَسُول الله رجل نَام لَيْلَة حَتَّى أصبح، فَقَالَ: " ذَلِك رجل بَال الشَّيْطَان فِي أُذُنَيْهِ - أَو قَالَ: فِي أُذُنه ".
فِي تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث وَجْهَان:
أَحدهمَا: أَن يحمل على ظَاهره، وَقد جَاءَ فِي الْقُرْآن أَن الشَّيْطَان ينْكح، قَالَ تَعَالَى: ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم وَلَا جَان﴾ [الرَّحْمَن: ٥٦] وَقَالَ: ﴿أفتتخذونه وَذريته﴾ [الْكَهْف: ٥٠] وَجَاء فِي الحَدِيث أَنه يَأْكُل وَيشْرب، فَلَا يمْتَنع أَن يكون لَهُ بَوْل وَإِن لم يكن على مَا يظْهر للحس.
وَالثَّانِي: أَنه مثل مَضْرُوب، شبه هَذَا الغافل عَن الصَّلَاة لتثاقله فِي نَومه بِمن وَقع الْبَوْل فِي أُذُنه فثقل سَمعه وَفَسَد حسه، وَالْعرب تضرب الْمثل بِمثل هَذَا، قَالَ الراجز:
(بَال سُهَيْل فِي الفضيخ ففسد )
(وطاب ألبان اللقَاح وَبرد )
وَأَرَادَ: طلع سُهَيْل، فَجعل طلوعه فِي إِفْسَاد الفضيخ بِمَنْزِلَة الْبَوْل فِيهِ.
٢٣٩ - / ٢٧٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْخمسين -: " أَنا فَرَطكُمْ على الْحَوْض ".
الفرط والفارط: الْمُتَقَدّم فِي طلب المَاء، يُقَال: فرطت الْقَوْم
[ ١ / ٣٠٤ ]
أفرطهم: إِذا تقدمتهم لترتاد المَاء. قَالَ الشَّاعِر:
(فأثار فارطهم غطاطا جثما أصواته كتراطن الْفرس)
وَالْمعْنَى إِنَّه لم يجد فِي الرَّكية مَاء. وَقَالَ الْقطَامِي:
(فاستعجلونا وَكَانُوا من صحابتنا كَمَا تعجل فراط لوراد)
وَقَوله: " اختلجوا دوني " أَي اجتذبوا واقتطعوا، يُقَال: خلجت الشَّيْء: إِذا نَزَعته. وَالظَّاهِر أَنه حدث بهؤلاء النِّفَاق فِي زَمَانه وَالْكفْر بعده. وَقَالَ أَبُو بكر بن مقسم. هَؤُلَاءِ - وَالله أعلم - الَّذِي وفدوا عَلَيْهِ من بني حنيفَة، ورآهم وعرفهم، ثمَّ ارْتَدُّوا مَعَ مُسَيْلمَة وماتوا كفَّارًا، فَأَما أَصْحَاب رَسُول الله فَإِنَّهُ لم يمت أحد مِنْهُم كَافِرًا.
فَإِن قيل: السِّرّ فِي وجود الْحَوْض؟
فَالْجَوَاب: شدَّة الْعَطش والعرق يَوْمئِذٍ، لِأَن الشَّمْس تدنى من رُؤُوس الْخَلَائق، فيشتد الْعَطش والعرق، فَجعل لَهُ الْحَوْض على عَادَة الْعَرَب فِي جعل الأحواض للواردين عَلَيْهَا كالضيافة.
٢٤٠ - / ٢٧٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْخمسين: أنؤاخذ بِمَا عَملنَا فِي الْجَاهِلِيَّة؟ فَقَالَ: " من أحسن فِي الْإِسْلَام لم يُؤَاخذ بِمَا عمل فِي الْجَاهِلِيَّة، وَمن أَسَاءَ فِي الْإِسْلَام أَخذ بِالْأولِ وَالْآخر ".
[ ١ / ٣٠٥ ]
هَذَا الحَدِيث مَحْمُول على أحد وَجْهَيْن: إِمَّا أَن تحمل هَذِه الْأَشْيَاء على الشّرك فَإِنَّهُ إِذا أشرك بعد إِسْلَامه عَاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قبل الْإِسْلَام، فانخرط الحكم فِي سلك وَاحِد. وَالثَّانِي: أَنه إِذا جنى فِي الْإِسْلَام كَمَا كَانَ يجني فِي الْكفْر وبخ فِي الْإِسْلَام وعير بذلك، وَقيل لَهُ: هَذَا الَّذِي كنت تَفْعَلهُ فِي كفرك، فَهَلا مَنعك مِنْهُ الْإِسْلَام؟ فَيكون معنى الْمُؤَاخَذَة بِمَا سبق بالتعيير.
٢٤١ - / ٢٧٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْخمسين: كَانَ رَسُول الله يَتَخَوَّلنَا بِالْمَوْعِظَةِ.
قَالَ أَبُو عبيد: يَتَخَوَّلنَا: يتعهدنا، والخائل: المتعهد للشَّيْء والمصلح لَهُ والقائم بِهِ، والتخون مثل التخول. وَكَانَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء يَقُول: إِنَّمَا هُوَ يتحولهم بِالْحَاء: أَي ينظر حالاتهم الَّتِي ينشطون فِيهَا للموعظة وَالذكر فيعظم فِيهَا، وَلَا يكثر عَلَيْهِم فيملوا.
٢٤٢ - / ٢٧٩ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْخمسين: أَنه لما كَانَ يَوْم حنين آثر النَّبِي ﷺ نَاسا فِي الْقِسْمَة، فَقَالَ رجل: وَالله إِن هَذِه لقسمة مَا عدل فِيهَا.
كَانَ رَسُول الله ﷺ قد آثر جمَاعَة من الْمُؤَلّفَة يَوْم حنين، وَمَا عرفنَا أَن أحدا قَالَ عَن رَسُول الله إِنَّه مَا عدل سوى ذِي الْخوَيْصِرَة التَّمِيمِي.
[ ١ / ٣٠٦ ]
وَقَوله: فَتغير وَجهه حَتَّى كَانَ كالصرف. الصّرْف: صبغ يصْبغ بِهِ الْأَدِيم.
فَأَما قَوْله لَا جرم، فَقَالَ الْفراء: هِيَ كلمة كَانَت فِي الأَصْل بِمَنْزِلَة لابد، وَلَا محَالة، فَكثر استعمالهم لَهَا حَتَّى صَارَت بِمَنْزِلَة حَقًا، وَأَصله من: جرمت: أَي كسبت. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَمن الْعَرَب من يُغير لفظ جرم مَعَ لَا خَاصَّة، فَيَقُول بَعضهم: لَا جرم، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الرَّاء، وَيَقُول آخَرُونَ: لَا جر بِحَذْف الْمِيم، وَيُقَال: لاذا جرم ولاذا جر بِغَيْر مِيم، وَلَا أَن ذَا جرم، وَلَا عَن ذَا جرم، وَمعنى اللُّغَات كلهَا: حَقًا.
٢٤٣ - / ٢٨٣ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْخمسين: " الْمَرْء مَعَ من أحب ".
هَذَا الحَدِيث قد رَوَاهُ أَبُو وَائِل عَن ابْن مَسْعُود وَعَن أبي مُوسَى، وَيَقُول فِي الرِّوَايَتَيْنِ: حَدثنَا عبد الله، وَلَا يدْرِي من مِنْهُمَا. وَقد رُوِيَ مشروحا من حَدِيث صَفْوَان بن عَسَّال قَالَ: بَيْنَمَا نَحن فِي مسير، إِذْ نَادَى أَعْرَابِي رَسُول الله بِصَوْت لَهُ جَهورِي: يَا مُحَمَّد، فَأَجَابَهُ نَحْو ذَلِك: " هاؤم " قُلْنَا: وَيحك، أَو وَيلك، اغضض من صَوْتك؛ فَإنَّك قد نهيت عَن ذَلِك، فَقَالَ: وَالله لَا أغضض من صوتي، قَالَ: أَرَأَيْت رجلا أحب قوما وَلما يلْحق بهم. قَالَ: " الْمَرْء
[ ١ / ٣٠٧ ]
مَعَ من أحب ".
قَالَ الْخطابِيّ: يشبه أَن يكون رفع النَّبِي ﷺ صَوته فِي جَوَاب الْأَعرَابِي، وَقَوله: " هاؤم " يمد بهَا صَوته من نَاحيَة الشَّفَقَة عَلَيْهِ لِئَلَّا يحبط عمله، لما جَاءَ من الْوَعيد فِي قَوْله: ﴿لَا تَرفعُوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي﴾ [الحجرات: ٢] فعذره رَسُول الله لجهله، وَرفع صَوته حَتَّى كَانَ فَوق صَوته أَو مثله لشفقته على أمته.
وَفِي هَذَا دلَالَة على احْتِمَال دَالَّة التلامذة، وَالصَّبْر على أذاهم، لما يُرْجَى من عاقبه النَّفْع لَهُم.
فَإِن قَالَ قَائِل: فالرافضة يحبونَ عليا ﵇، فَهَل هم مَعَه؟
فَالْجَوَاب: لَا، لِأَن محبَّة الصَّحَابَة شَرْعِيَّة، فَيَنْبَغِي أَن تكون على وَجه يَأْذَن الشَّرْع فِيهِ، وَمن ضروراتها اتِّبَاع المحبوب، وَعلي ﵇ لَا يرضى بِالْبَرَاءَةِ من أبي بكر وَعمر ﵉.
وَالْمعْنَى: هاؤم، خُذُوا جوابي.
٢٤٤ - / ٢٨٥ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتِّينَ: " لكل غادر لِوَاء يَوْم الْقِيَامَة ".
الْغدر: نقض الْعَهْد. وَالْمرَاد من الحَدِيث: أَنه يشهر أَمر الغادر لِلْخلقِ، وينادى عَلَيْهِ بغدره، فينصب لَهُ لِوَاء للتعريف.
٢٤٥ - / ٢٨٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسِّتِّينَ: " إِن الصدْق يهدي إِلَى الْبر ".
[ ١ / ٣٠٨ ]
الْبر: الطَّاعَة، والفجور: الْمعْصِيَة.
وَالصديق: الْكثير الصدْق، وَهُوَ " فعيل " من أبنية الْمُبَالغَة، كَمَا يُقَال سكيت وسكير وشريب وخمير وضليل وظليم وفسيق وعشيق: إِذا كثر ذَلِك مِنْهُ، وَفِي هَذَا الحَدِيث: " أَلا أنبئكم مَا العضه " والعضه: النميمة.
٢٤٦ - / ٢٨٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسِّتِّينَ: " من حلف على مَال امْرِئ مُسلم بِغَيْر حَقه لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان " فَقَالَ الْأَشْعَث بَين قيس: كَانَ بيني وَبَين رجل خُصُومَة، فَقَالَ رَسُول الله: " من حلف على يَمِين صَبر يقتطع بهَا مَال امْرِئ مُسلم، هُوَ فِيهَا فَاجر، لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان ".
هَذَا الحَدِيث ذكره الْأَشْعَث تَصْدِيقًا لحَدِيث ابْن مَسْعُود، وَلَيْسَ للأشعث فِي الصَّحِيحَيْنِ سواهُ.
وَاسم الرجل الَّذِي خَاصم الْأَشْعَث الجفشيش، يُقَال بِالْجِيم وَبِالْحَاءِ وبالخاء.
وَقَوله: " على يَمِين صَبر " فِي مَعْنَاهَا قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن يصبر نَفسه: أَي يحبسها على الْيَمين الكاذبة غير مبال بهَا. وَالثَّانِي: أَن يكون معنى الصَّبْر الجرأة، من قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا أصبرهم على النَّار﴾ [الْبَقَرَة: ١٧٥] أَي يجترئ بِتِلْكَ الْيَمين على هتك دينه.
[ ١ / ٣٠٩ ]
٢٤٧ - / ٢٨٩ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
سَمِعت رجلا يقْرَأ آيَة سَمِعت النَّبِي ﷺ يقْرَأ خلَافهَا، فَأخذت بِيَدِهِ فَانْطَلَقت بِهِ إِلَى النَّبِي ﷺ فَذكرت ذَلِك لَهُ، فَقَالَ: " كلاكما محسن، لَا تختلفوا، فَإِن من كَانَ قبلكُمْ اخْتلفُوا فهلكوا ".
قد ذكرنَا فِي مُسْند عمر نَحْو هَذَا الحَدِيث وبيناه، وَوجه الْهَلَاك فِي الِاخْتِلَاف. أَن هَذَا يكفر بِمَا يقْرَأ هَذَا وَيَزْعُم أَنه لَيْسَ من كَلَام الله. فَأَما الِاخْتِلَاف فِي حركات الْحُرُوف المنقولة عَن الْقُرَّاء فَإِنَّهُ لَا يضرّهُ.
٢٤٨ - / ٢٩١ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: قَالَ عبد الله: وَأحسن الْهَدْي هدي مُحَمَّد.
الْهَدْي: الطَّرِيقَة.
والمحدث والمبتدع فِي الشَّرْع إِنَّمَا يَقع ذمهما إِذا صادما مَشْرُوعا يردهُ.
وَقَوله: " وَمَا أَنْتُم بمعجزين ": أَي إِنَّكُم لَا تفوقونا إِذا أردنَا تعذيبكم.
٢٤٩ - / ٢٩٢ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: عَن عبد الله: ﴿لقد رأى من آيَات ربه الْكُبْرَى﴾ [النَّجْم: ١٨] قَالَ: رأى رفرفا أَخْضَر سد أفق السَّمَاء.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: الرفرف: بِسَاط، وَيُقَال: فرَاش، وَبَعْضهمْ يَجعله جمعا، واحدته رفرفة، ويحتج بقوله: تَعَالَى: ﴿متكئين على رَفْرَف خضر﴾ [الرَّحْمَن: ٧٦] . وَيُقَال: الرفرف: ضرب من الثِّيَاب، قَالَ ابْن
[ ١ / ٣١٠ ]
مَسْعُود: رأى رَسُول الله جِبْرِيل فِي حلتي رَفْرَف.
٢٥٠ - / ٢٩٤ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: " حَيّ على الطّهُور " أَي أَقبلُوا إِلَيْهِ.
٢٥١ - / ٢٩٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: أَتَى النَّبِي ﷺ الْغَائِط.
الْغَائِط فِي اللُّغَة: الْمَكَان المطمئن من الأَرْض، فكنى عَن الْحَدث بمكانه، كَمَا سموا الْحَدث عذرة، وَإِنَّمَا الْعذرَة فنَاء الْبَيْت، فسموا مَا كَانُوا يلقونه بأفنية الْبيُوت باسم الْمَكَان، وَقَالُوا للمزادة راوية، وَإِنَّمَا الراوية الْبَعِير الَّذِي يَسْتَقِي عَلَيْهِ. وَقَالُوا للنِّسَاء ظعائن، وَإِنَّمَا الظعائن الهوادج وَكن يكن فِيهَا.
وَقَوله فِي الروثة: " هَذِه ركس ": مَا كَانَ منقلبا على الْجِهَة المحمودة. والارتكاس: الانقلاب عَن الصَّوَاب، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله أركسهم بِمَا كسبوا﴾ [النِّسَاء: ٨٨] قَالَ ابْن قُتَيْبَة: يُقَال: ركست الشَّيْء وأركسته، لُغَتَانِ، وَالْمعْنَى نكسهم وردهم فِي كفرهم، وَكَأن الْمَعْنى: هَذِه رَاجِعَة عَن الْحَالة الأولى.
٢٥٢ - / ٢٩٧ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: قَالَ ابْن مَسْعُود فِي " بني إِسْرَائِيل " و" الْكَهْف " و" مَرْيَم " و" طه "، و" الْأَنْبِيَاء ": إنَّهُنَّ من الْعتاق الأول، وَهن من تلادي.
[ ١ / ٣١١ ]
قَوْله من الْعتاق: يَعْنِي أَن نزولهن مُتَقَدم.
وَهن من تلادي: أَي مِمَّا حفظته قَدِيما. والتليد والتالد ضد الطريف، فالتليد: الْقَدِيم، والطريف: المستحدث.
٢٥٣ - / ٣٠٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: قَالَ أَبُو جهل: هَل أعمد من رجل قَتَلْتُمُوهُ.
قَالَ أَبُو عبيد: الْمَعْنى: هَل زَاد على سيد قَتله قومه، هَل كَانَ إِلَّا هَذَا؟ وَأَرَادَ أَن هَذَا لَيْسَ بِعَارٍ. فَكَأَنَّهُ يهون على نَفسه مَا جرى عَلَيْهِ. قَالَ الْخطابِيّ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد: هَل أبعد، وَهُوَ غلط، وَالصَّوَاب أعمد.
٢٥٤ - / ٣٠١ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: " الْجنَّة أقرب إِلَى أحدكُم من شِرَاك نَعله، وَالنَّار مثل ذَلِك ".
يَعْنِي أَن نيل الْجنَّة سهل، وَذَلِكَ بتصحيح العقد، وَتمكن الطَّاعَة، وَالنَّار قريبَة بموافقة الْهوى وعصيان الْخَالِق.
٢٥٥ - / ٣٠٢ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: " لَا يَقُولَن أحدكُم إِنِّي خير من يُونُس بن مَتى ".
يُونُس: اسْم أعجمي، وَفِيه سِتّ لُغَات: يُونُس من غير همز مَعَ
[ ١ / ٣١٢ ]
كسر النُّون وَفتحهَا وَضمّهَا، ومهموز مَعَ الْكسر وَالْفَتْح وَالضَّم.
وَقَوله: " لَا يَقُولَن أحدكُم إِنِّي خير " يَعْنِي نَفسه، وَتَقْدِيره: لَا تَقولُوا عني إِنِّي خير من يُونُس.
وَقَوله: " مَا يَنْبَغِي لأحد أَن يكون خيرا " أَي مَا يَنْبَغِي لي أَن أَقُول إِنِّي خير، والخيرية هَاهُنَا الْقُوَّة فِي الصَّبْر على تَبْلِيغ الرسَالَة كَقَوْلِه: ﴿أهم خير أم قوم تبع﴾ [الدُّخان: ٣٧] أَي: أقوى، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لي أَن أَقُول إِنِّي أقوى من يُونُس فِي التَّبْلِيغ، فَرُبمَا يكون قد عانى من الشدائد مَا لم أَعَانَهُ، وفضيلتي الَّتِي نلتها كَرَامَة من الله لَا من قبل نَفسِي، وَلَا بلغتهَا بقوتي، فَلَيْسَ لي أَن أفتخر بهَا، وَإِنَّمَا يجب عَليّ أَن أشكر رَبِّي عَلَيْهَا. وَإِنَّمَا خص يُونُس لما ذكر عَنهُ من قلَّة الصَّبْر. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: إِنَّمَا قَالَ هَذَا تواضعا، كَقَوْل أبي بكر: وليتكُمْ وَلست بِخَيْرِكُمْ. قَالَ: وَالْمعْنَى لَعَلَّ يُونُس كَانَ أَكثر عملا فِي الْبلوى وَالصَّبْر مني. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: يجوز أَن يُرِيد بِهِ من سواهُ من النَّاس دون نَفسه. قلت: وَهَذَا غلط، لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُرَاد بِهِ إِلَّا الْأَنْبِيَاء، لِأَنَّهُ لَيْسَ لغير الْأَنْبِيَاء أَن يَظُنُّوا قربهم من دَرَجَات الْأَنْبِيَاء، وعَلى هَذَا يحمل لفظ حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " قَالَ - يَعْنِي الله ﷿: لَا يَنْبَغِي لعبد لي أَن يَقُول: أَنا خير من يُونُس بن مَتى ".
٢٥٦ - / ٣٠٣ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: أَنه قَرَأَ (هئت لَك)
[ ١ / ٣١٣ ]
[يُوسُف: ٢٧] بِكَسْر الْهَاء، وَقَرَأَ (بل عجبت) بِفَتْح التَّاء [الصافات: ١٢] .
أما هيت فَفِيهَا قراءات (هئت) بِكَسْر الْهَاء وَفتح التَّاء كَمَا ذكرنَا عَن ابْن مَسْعُود، وَهِي قِرَاءَة نَافِع، وَابْن عَامر و(هيت) بِفَتْح الْهَاء وتسكين الْيَاء وَضم التَّاء وَهِي قِرَاءَة ابْن كثير. (وهئت) بِكَسْر الْهَاء وَضم التَّاء من الْهَيْئَة، كَأَنَّهَا قَالَت: تهيأت لَك. و(هيت) بِفَتْح الْهَاء وَكسر التَّاء قَرَأَهَا ابْن مُحَيْصِن. و(هئت) بِكَسْر الْهَاء وَالتَّاء مَعَ الْهمزَة قَرَأَهَا أَبُو الْعَالِيَة، و(هيئت) قِرَاءَة أبي السميفع. و(هَا أَنا لَك) قَرَأَهَا أبي بن كَعْب، و(هيت) بِفَتْح الْهَاء وَالتَّاء من غير همز وَهِي قِرَاءَة الْجُمْهُور، وَهِي أَجود اللُّغَات، وَمَعْنَاهَا: هَلُمَّ لَك، أَي أقبل على مَا أَدْعُوك إِلَيْهِ. قَالَ الشَّاعِر:
(أبلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ أَخا الْعرَاق إِذا أتيتا)
(إِن الْعرَاق وَأَهله عنق إِلَيْك فهيت هيتا)
أَي أقبل وتعال.
فَأَما قَوْله: (بل عجبت) فَقَرَأَ الْأَكْثَرُونَ كَمَا قَرَأَ ابْن مَسْعُود - بِفَتْح التَّاء، وَالْمعْنَى: بل عجبت يَا مُحَمَّد مِنْهُم إِذْ كفرُوا ويسخرون هم مِنْك.
[ ١ / ٣١٤ ]
وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِضَم التَّاء. وأنكرها شُرَيْح القَاضِي وَقَالَ: إِن الله لَا يعجب، إِنَّمَا يعجب من لَا يعلم. قَالَ الزّجاج: إنكارها خطأ، لِأَن الْعجب من الله تَعَالَى خلاف الْعجب من الْآدَمِيّين، إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ويمكر الله﴾ [الْأَنْفَال: ٣٠] ﴿سخر الله مِنْهُم﴾ [التَّوْبَة: ٧٩] . وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: مَعْنَاهَا: جازيتهم على عجبهم من الْحق، فَسمى الْجَزَاء على الشَّيْء باسم الشَّيْء، وَالْعرب تسمى الْفِعْل باسم الْفِعْل إِذا داناه من بعض وجوهه. قَالَ عدي:
(ثمَّ أضحوا لعب الدَّهْر بهم ٠٠٠٠٠٠٠٠٠)
فَجعل إهلاك الدَّهْر لَهُم لعبا.
٢٥٧ - / ٣٠٤ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: لقد أَتَانِي الْيَوْم رجل فَقَالَ: أَرَأَيْت رجلا مُؤديا.
يُقَال فِي الرجل إِذا كَانَ كَامِل الأداة: هَذَا مؤد بِالْهَمْز، وَلَا بُد من الْهَمْز، إِذْ لولاه لَكَانَ من أودى: إِذا هلك.
وَقَوله: لَا نحصيها: أَي لَا نطيقها، من قَوْله تَعَالَى: ﴿علم أَن لن تحصوه﴾ [المزمل: ٢٠] أَي لن تُطِيقُوا قيام اللَّيْل.
وغبر يصلح للماضي وَالْبَاقِي، وَهُوَ بالماضي هَاهُنَا أشبه،
[ ١ / ٣١٥ ]
لقَوْله: مَا أذكر.
والثغب: المَاء المستنقع فِي الْموضع المطمئن، وَالْجمع ثغاب.
٢٥٨ - / ٣٠٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: خطّ رَسُول الله خطا مربعًا، وَخط خطا فِي الْوسط خَارِجا مِنْهُ، وَخط خططا صغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوسط من جَانِبه الَّذِي فِي الْوسط، فَقَالَ: " هَذَا الْإِنْسَان، وَهَذَا أَجله محيطا بِهِ - أَو قد أحَاط بِهِ، وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارج أمله، وَهَذِه الخطط الصغار الْأَعْرَاض، فَإِن أخطأه هَذَا نهشه هَذَا، وَإِن أخطأه هَذَا نهشه هَذَا "
هَذَا تَمْثِيل مَا فِي الحَدِيث على هَذِه الْهَيْئَة:
والأمثال حِكْمَة الْعَرَب، بهَا ينْكَشف الشَّيْء الْخَفي، فَأخْبر ﷺ أَن أمل الْآدَمِيّ بَين يَدَيْهِ، وعينه إِلَى الأمل، وَالْأَجَل مُحِيط بِهِ، وَقد ألهاه أمله عَن أَجله.
٢٥٩ - / ٣٠٧ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر: أَن أَبَا مُوسَى قَالَ: لَا تَسْأَلُونِي عَن شَيْء مَا دَامَ هَذَا الحبر فِيكُم، يَعْنِي ابْن مَسْعُود.
الحبر وَاحِد الْأَحْبَار، وهم الْعلمَاء، وَفِيه لُغَتَانِ: حبر وَحبر،
[ ١ / ٣١٦ ]
وَقَالَ الْفراء: أَكثر مَا سَمِعت الْعَرَب تَقوله بِالْكَسْرِ.
وَفِي اشتقاق هَذَا الِاسْم ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه من الحبار وَهُوَ الْأَثر الْحسن، قَالَه الْخَلِيل. وَالثَّانِي: من الحبر الَّذِي يكْتب بِهِ، قَالَه الْكسَائي. وَالثَّالِث: من الحبر الَّذِي هُوَ الْجمال والبهاء، كَقَوْلِه ﵇: " يخرج من النَّار رجل قد ذهب حبره وسبره ". أَي جماله وبهاؤه، فالعالم بهي: بِجَمَال الْعلم، وَهَذَا قَول قطرب.
٢٦٠ - / ٣٠٨ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين: إِن أهل الْإِسْلَام لَا يسيبون.
هَذَا مَا ذكره البُخَارِيّ من هَذَا الحَدِيث، والْحَدِيث: أَن رجلا جَاءَ إِلَى ابْن مَسْعُود فَقَالَ: إِنِّي أعتقت عبدا لي وَجَعَلته سائبه، فَمَاتَ وَترك مَالا وَلم يتْرك وَارِثا. قَالَ عبد الله: إِن أهل الْإِسْلَام لَا يسيبون، وَأَنت ولي نعْمَته فلك مِيرَاثه، فَإِن تَأَثَّمت وتحرجت فَنحْن نقبله ونجعله فِي بَيت المَال.
اعْلَم أَن الْعَرَب كَانَت تنذر فِي مرض أَو سفر: إِن شفيت، إِن قدمت فناقتي سائبة، فتسيب وَلَا تمنع من مرعى وَلَا تطرد عَن مَاء وَلَا ينْتَفع بهَا، وَكَذَلِكَ عتق العَبْد سائبة: أَي لَا ملك لي عَلَيْهِ وَلَا وَلَاء. وَأَصله من يسييب الدَّوَابّ: وَهُوَ إرسالها. وَكَانَ أول من سنّ لَهُم
[ ١ / ٣١٧ ]
هَذَا فِي الْجَاهِلِيَّة ابْن لحي، حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام فَأبْطل ذَلِك. فَبَان من هَذَا أَن السائبة العَبْد يعْتق وَلَا يكون وَلَاؤُه لمعتقه، وَيَضَع العَبْد مَاله حَيْثُ شَاءَ. وَمِمَّنْ أعتق سائبة أَبُو الْعَالِيَة الريَاحي، وَأوصى بِمَالِه كُله، فَقيل لَهُ: فَأَيْنَ مواليك؟ فَقَالَ: كنت مَمْلُوكا لأعرابية، فَدخلت الْمَسْجِد مَعهَا، فَوَافَقنَا الإِمَام على الْمِنْبَر فقبضت على يَدي فَقَالَت: اللَّهُمَّ اذخره عنْدك ذخيرة، اشْهَدُوا يَا أهل الْمَسْجِد أَنه سائبة لله، ثمَّ ذهبت فَمَا تراءينا بعد. وَولي النِّعْمَة الْمُعْتق.
وَقَوله: فَإِن تَأَثَّمت أَو تحرجت: أَي خفت الْإِثْم والحرج.
وَمَا ذهب إِلَيْهِ ابْن مَسْعُود من إبِْطَال حكم السائبة الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أهل الْجَاهِلِيَّة وَأَن الْوَلَاء لمن أعتق وَأَن الْمُعْتق سائبة يَرث مُعْتقه مَذْهَب الْأَكْثَرين، مِنْهُم، أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَيتَخَرَّج فِي مَذْهَبنَا رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: أَنه يَرِثهُ كَقَوْل الْجَمَاعَة، وَالثَّانيَِة: يصرف وَلَاؤُه فِي رِقَاب يشْتَرونَ فيعتقون.
٢٦١ - / ٣٠٩ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين: اخْتلفُوا فِي شَأْن سبيعة بنت الْحَارِث.
كَانَت سبيعة قد مَاتَ زَوجهَا وَهِي حَامِل، فَلَمَّا وضعت أَرَادَت أَن تتَزَوَّج، فَقَالَ لَهَا بعض الصَّحَابَة: امكثي أَرْبَعَة أشهر وَعشرا، أخذا بقوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٤] فَأَتَت رَسُول الله، فَأجَاز لَهَا النِّكَاح لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ [الطَّلَاق: ٤] فَهَذِهِ الْآيَة
[ ١ / ٣١٨ ]
خصت الْحَامِل من بَقِيَّة الْمُتَوفَّى عَنْهُن أَزوَاجهنَّ.
٢٦٢ - / ٣١٠ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
" آخر من يدْخل الْجنَّة رجل، فَهُوَ يمشي مرّة ويكبو مرّة ".
يكبو بِمَعْنى يعثر.
وتسفعه: تصيبه بلفحها حَتَّى تبقي فِيهِ أثرا.
وتبارك: تَعَالَى وارتفع.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ هَذَا الرجل: لقد أَعْطَانِي الله شَيْئا مَا أعطَاهُ الْأَوَّلين والآخرين وَقد رأى نَفسه فِي النَّار، وَقد علم أَن خلقا لم يدخلُوا إِلَيْهَا، وَأَن خلقا فِي الْجنَّة وَهُوَ إِنَّمَا نجا من النَّار فَقَط؟
فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن هَذَا الرجل تفكر فِي ذنُوبه فَرَأى أَنه يسْتَحق الخلود وَطول الْمكْث، فَشكر مُجَرّد الْكَرم لَا فِي مُقَابلَة عمل، وَرَأى أَن كل من جوزي فعلى قدر عمله. وَالثَّانِي: أَن يكون قَوْله عَائِدًا إِلَى من فِي النَّار من الْمُعَذَّبين.
وَقَوله: " مَا يصيرني مِنْك؟ " أصل التصرية الْقطع، وَمِنْه سميت الْمُصراة، لِأَنَّهُ قد قطع حلب لَبنهَا وَجمع، وكل شَيْء قطعته ومنعته فقد صريته، وأنشدوا:
(٠٠٠٠٠ هواهن إِن لم يصره الله قَاتله)
[ ١ / ٣١٩ ]
وَالْمعْنَى: مَا الَّذِي يقطع مسألتك ويرضيك.
وَقَوله: " اتستهزئ مني؟ " الهزء: السخرية، فَأَما الضحك الْمُضَاف إِلَى الله سُبْحَانَهُ فَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: الضحك الَّذِي يعتري الْبشر غير جَائِز على الله سُبْحَانَهُ، وَإِنَّمَا هَذَا مثل مَضْرُوب مَعْنَاهُ الْإِخْبَار عَن الرِّضَا وَحسن المجازاة.
٢٦٣ - / ٣١١ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " مَا من نَبِي بَعثه الله ﷿ إِلَّا كَانَ لَهُ من أمته حواريون ".
الحواريون: الْخَواص الأصفياء، فكأنهم خلصوا ونقوا من كل عيب، وَسمي الدَّقِيق الحوارى لتخليصه من لباب الْبر، وَيُقَال: عين حوراء: إِذا اشْتَدَّ بياضها وخلص وَاشْتَدَّ سوادها وَقيل: الحواريون: هم الناصرون. وَقَالَ أَبُو عبيد: أصل هَذَا من الحواريين أَصْحَاب عِيسَى ﵇، فَقيل لكل نَاصِر حوارِي تَشْبِيها بذلك.
والخلوف: الخالفون بعد السالفين.
والمجاهدة بِالْقَلْبِ: إِنْكَار الْمعْصِيَة وبغضها والنفور من فاعلها، وَمَتى لم يكن الْقلب على هَذِه الصّفة فالإيمان بعيد مِنْهُ.
[ ١ / ٣٢٠ ]
٢٦٤ - / ٣١٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " هلك المتنطعون ".
التنطع: التعمق والغلو الوتكلف لما لم يُؤمر بِهِ.
٢٦٥ - / ٣١٣ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " لَا يدْخل الْجنَّة من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر ".
المثقال " مفعال " من الثّقل، ومثقال الشَّيْء: زنة الشَّيْء، يُقَال: هَذَا على مِثْقَال هَذَا: أَي على وَزنه، وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ: فَقَالَ: يظنّ النَّاس أَن المثقال وزن دِينَار لَا غير، وَلَيْسَ كَمَا يظنون، مِثْقَال كل شَيْء وَزنه، وَإِن كَانَ وزن ألف. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: سَأَلت الْأَصْمَعِي عَن صنجة الْمِيزَان فَقَالَ: فَارسي مُعرب، وَلَا أَدْرِي كَيفَ أَقُول، ولكنني أَقُول: مِثْقَال.
وَاخْتلف الْعلمَاء فِي المُرَاد بالذرة على خَمْسَة أَقْوَال:
أَحدهَا: أَنَّهَا رَأس نملة حَمْرَاء، رَوَاهُ عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس.
وَالثَّانِي: ذرة يسيرَة من التُّرَاب، رَوَاهُ يزِيد بن الْأَصَم عَن ابْن عَبَّاس.
وَالثَّالِث: أَصْغَر النَّمْل، قَالَه ابْن قُتَيْبَة.
وَالرَّابِع: الخردلة.
[ ١ / ٣٢١ ]
وَالْخَامِس: الْوَاحِدَة من الهباء الظَّاهِر فِي ضوء الشَّمْس إِذا طلعت من ثقب، ذكرهمَا أَبُو إِسْحَق الثَّعْلَبِيّ.
فَأَما الْكبر فَهُوَ العظمة، يُقَال: تكبر فلَان عَن كَذَا: إِذا تعظم عَنهُ، قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة: من رأى أَنه خير من غَيره فقد استكبر.
فَإِن قيل: فالكبر لَا يُوجب الْكفْر، فَكيف يمْنَع دُخُول الْجنَّة؟
فَالْجَوَاب من سِتَّة أوجه:
أَحدهمَا: أَن يُرَاد بِالْجنَّةِ بعض الْجنان، لِأَنَّهَا جنان فِي جنَّة، فَيكون الْمَعْنى: لَا يدْخل الْجنَّة الَّتِي هِيَ أشرف الْجنان وأنبلها، وَيشْهد لهَذَا مَا رُوِيَ عَن عبد الله بن عَمْرو أَنه قَالَ: لَا يدْخل حَظِيرَة الْقُدس سكير وَلَا عَاق وَلَا منان.
وَالثَّانِي: أَن تكون مَشِيئَة الله تَعَالَى مضمرة فِي هَذَا الْوَعيد، فَيكون الْمَعْنى: إِلَّا أَن يَشَاء الله، ذكر الْقَوْلَيْنِ ابْن خُزَيْمَة.
وَالثَّالِث: أَن يكون المُرَاد كبر الْكفْر، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُم كَانُوا إِذا قيل لَهُم لَا إِلَه إِلَّا الله يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] أَي يتعظمون عَن قَوْلهَا، فعلى هَذَا كبر الْكَافِر مَنعه من الْإِيمَان، فَلَا يدْخل الْجنَّة، يدل على صِحَة هَذَا الْوَجْه أَنه قَابل الْكبر بِالْإِيمَان، فَقَالَ: " وَلَا يدْخل النَّار أحد فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان ".
وَالرَّابِع: أَن يكون الْمَعْنى: حكم هَذَا أَلا يدْخل الْجنَّة، وَحكم هَذَا أَلا يدْخل النَّار، كَقَوْلِه تَعَالَى فِي قَاتل الْمُؤمن ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا﴾ [النِّسَاء: ٩٣] أَي: إِن جازاه فَهَذَا قدر اسْتِحْقَاقه. وَمثل هَذَا فِي الْكَلَام أَن
[ ١ / ٣٢٢ ]
ترى دَارا صَغِيرَة فَتَقول: هَذِه الدَّار لَا ينزلها أَمِير، أَي حكمهَا هَذَا وَقد ينزلها.
وَالْخَامِس: أَن النَّاس إِذا وقفُوا فِي الْعرض ميز من يدْخل الْجنَّة مِمَّن يدْخل النَّار، فالعصاة يدْخلُونَ النَّار لَا الْجنَّة، فَأَما خُرُوجهمْ بعد احتراقهم فَذَاك حكم آخر، فَكَأَن المُرَاد: لَا يدْخل الْجنَّة ابْتِدَاء وَإِنَّمَا يدْخل النَّار، وعَلى هَذَا تَفْسِير قَوْله: " لَا يدْخل الْجنَّة قَتَّات "، وَيبقى على هَذَا الْوَجْه قَوْله: " وَلَا يدْخل النَّار من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان " فَيكون الْمَعْنى: لَا يدخلهَا دُخُول تخليد.
وَالسَّادِس: أَنه إِذا أذن لأهل الْجنَّة فِي الدُّخُول نزع كبر المتكبر وغل الحقود، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غل﴾ [الْأَعْرَاف: ٤٣] وَهَذَا اخْتِيَار أبي بكر الْأَثْرَم، قَالَ ابْن عَبَّاس: أول مَا يدْخل أهل الْجنَّة الْجنَّة تعرض لَهُم عينان، فيشربون من إِحْدَى الْعَينَيْنِ فَيذْهب الله مَا فِي قُلُوبهم من غل وَغَيره مِمَّا كَانَ فِي الدُّنْيَا، ثمَّ يدْخلُونَ إِلَى الْعين الْأُخْرَى فيغتسلون فِيهَا فتشرق ألوانهم، وتصفو وُجُوههم، وتجري عَلَيْهِم نَضرة النَّعيم.
وَقَوله: " الْكبر بطر الْحق " التكبر عَن الْإِقْرَار بِهِ، والطغيان فِي دَفعه.
قَالَ أَبُو عبيد: وغمط النَّاس: الاحتقار لَهُم والإزراء بهم، وَمثله غمص النَّاس بالصَّاد.
[ ١ / ٣٢٣ ]
٢٦٦ - / ٣١٤ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: جَاءَ رجل من الْأَنْصَار فَقَالَ: لَو أَن رجلا وجد مَعَ امْرَأَته رجلا فَتكلم جلدتموه، أَو قتل قَتَلْتُمُوهُ، أَو سكت سكت على غيظ، وَالله لأسألن عَنهُ رَسُول الله، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ افْتَحْ " فَنزلت آيَة اللّعان.
وَهَذَا الحَدِيث سَيَأْتِي فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث سهل بن سعد: أَن رجلا من الْأَنْصَار جَاءَ فَقَالَ: فَتَلَاعَنا، وَقد سمي هَذَا الرجل فِي الحَدِيث عُوَيْمِر بن الْحَارِث الْعجْلَاني. وَيَأْتِي فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ: أَتَى رَسُول الله رجل يَرْمِي امْرَأَته، فَنزلت آيَة التلاعن. وَهَذَا الرجل الْمَذْكُور فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس اسْمه هِلَال بن أُميَّة ابْن عَامر الوَاقِفِي. وَقد ذكر فِي أَفْرَاد البُخَارِيّ من مُسْند ابْن عَبَّاس باسمه هِلَال بن أُميَّة، وَأَنه قذف امْرَأَته بِشريك بن سَحْمَاء. وَلَا يمْتَنع اتِّفَاق هَاتين الْقصَّتَيْنِ فِي زمانين متقاربين، وَأَن الْآيَة نزلت فيهمَا. وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود هَذَا فَالظَّاهِر أَن الْإِشَارَة فِيهِ إِلَى عُوَيْمِر، لِأَن فِيهِ: " لَعَلَّهَا أَن تَجِيء بِهِ أسود جَعدًا " كَمَا رُوِيَ فِي حَدِيث عُوَيْمِر، وَفِي ذَلِك اتهام للمقذوف، لَا أَنه يعْمل بِهِ.
وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِي ﷺ للْمَرْأَة حِين أَرَادَت أَن تلتعن: " مَه " وَلم يقل للرجل لِأَن الظَّاهِر صدق الرجل، إِذْ الْإِنْسَان لَا يُؤثر أَن يهتك زَوجته بالمحال، وَلِهَذَا جعلت اللَّعْنَة للرجل، وَالْغَضَب على الْمَرْأَة، وَالْغَضَب أَشد؛ لِأَن اللَّعْنَة بِمَعْنى الإبعاد، وَقد يبعد من لَا يغْضب عَلَيْهِ.
[ ١ / ٣٢٤ ]
وَمعنى قَوْله: " افْتَحْ " اقْضِ، وَمِنْه سمي القَاضِي لِأَنَّهُ يفتح بَابا مغلقا.
وَالْقَذْف الْمُطلق عندنَا يُوجب اللّعان بَين الزَّوْجَيْنِ خلافًا لإحدى الرِّوَايَتَيْنِ عَن مَالك أَنه لَا يجب حَتَّى يضيف الْقَذْف إِلَى الْمُشَاهدَة. فَإِن نكل الزَّوْج عَن اللّعان حد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يحبس حَتَّى يُلَاعن أَو يقر، فَإِن نكلت الزَّوْجَة عَن اللّعان لم تحد، وَفِي حَبسهَا رِوَايَتَانِ. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: تحد. وَلَا يَصح اللّعان عندنَا لنفي الْحمل قبل وَضعه، وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: يَصح.
٢٦٧ - / ٣١٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: لم أكن لَيْلَة الْجِنّ مَعَ رَسُول الله. هَذَا الحَدِيث يرد مَا يحْتَج بِهِ الحنفيون من حَدِيث ابْن مَسْعُود: كنت مَعَه لَيْلَة الْجِنّ، فَخط لي خطا، وَهُوَ حَدِيث النَّبِيذ؛ لِأَن هَذَا حَدِيث صَحِيح، وَذَاكَ مَجْهُول الرِّوَايَة.
وَقَوله: التمسناه فِي الأودية: وَهِي جمع وَاد، وَهُوَ كل منفرج بَين
[ ١ / ٣٢٥ ]
جبلين. والشعاب جمع شعب، وَقد سبق بَيَانه. واستطير: استطيل بالأذى عَلَيْهِ، وانتشر الْأَعْدَاء فِي طلبه. والاغتيال: الْوُثُوب بالمكروه على عقله.
وَقَوله: من قبل حراء: أَي من ناحيته. وحراء جبل مَعْرُوف أخبرنَا ابْن نَاصِر قَالَ: أَنبأَنَا الْحسن بن أَحْمد السَّمرقَنْدِي قَالَ: أخبرنَا عبد الغافر بن مُحَمَّد الْفَارِسِي قَالَ: حَدثنَا أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ قَالَ: سَمِعت أَبَا عمر الزَّاهِد يَقُول: حراء اسْم على ثَلَاثَة أحرف، وَأَصْحَاب الحَدِيث يغلطون مِنْهُ فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع: يفتحون الْحَاء وَهِي مَكْسُورَة، ويكسرون الرَّاء وَهِي مَفْتُوحَة، ويقصرون الْألف وَهِي ممدودة، وَإِنَّمَا هُوَ حراء. قَالَ الشَّاعِر:
(وراق لبر من حراء ونازل )
وَقَوله: " ذكر اسْم الله عَلَيْهِ " أَي: على ذبح الشَّاة.
فَإِن قيل: إِذا كَانَ قد جعل الْعِظَام قوتا لَهُم، فَمَا لنا نرَاهَا فِي الْمَزَابِل والتلال؟
فَالْجَوَاب: أَنه قَالَ: " يَقع فِي أَيْدِيكُم أَو فِيمَا يكون لَحْمًا "، فكأنهم إِذا تناولوا الْعظم صَار عَلَيْهِ لحم فيتزودون مِنْهُ ويلقونه. قَالَ ابْن عقيل: وَيجوز أَن يكون زادهم أَنهم يشمونها أَو يلحسون زهائمها ودسمها وَتبقى أجسامها.
٢٦٨ - / ٣١٨ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: سُئِلَ عَن الوسوسة فَقَالَ: " تِلْكَ مَحْض الْإِيمَان ".
[ ١ / ٣٢٦ ]
الوسوسة حَدِيث الشَّيْطَان فِي بواطن الْقُلُوب، والمحض: الْخَالِص. وأصل هَذَا أَن اللَّبن إِذا لم يخلط بِالْمَاءِ قيل لَهُ مَحْض: أَي خَالص.
وَقد روى هَذَا الحَدِيث أَبُو هُرَيْرَة مكشوفا فَقَالَ: جَاءَ نَاس من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نجد فِي أَنْفُسنَا مَا يتعاظم أَحَدنَا أَن يتَكَلَّم بِهِ. قَالَ: " وَقد وجدتموه؟ " قَالُوا: نعم، قَالَ: " ذَاك صَرِيح الْإِيمَان " وَالْمعْنَى: عَن الَّذِي يمنعكم من قبُول مَا يلقيه الشَّيْطَان إِلَيْكُم حَتَّى يصير ذَلِك وَسْوَسَة لَا يتَمَكَّن من الْقُلُوب وَلَا تطمئِن إِلَيْهَا النُّفُوس صَرِيح الْإِيمَان، لَا أَن الوسوسة نَفسهَا صَرِيح الْإِيمَان، لِأَنَّهَا من فعل الشَّيْطَان فَكيف تكون إِيمَانًا؟
٢٦٩ - / ٣١٩ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: " ليلني مِنْكُم أولو الأحلام والنهى، ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ - ثَلَاثًا - وَإِيَّاكُم وهيشات الْأَسْوَاق "
كثير من المبتدئين فِي قِرَاءَة الحَدِيث يقرءُون: ليليني بِإِثْبَات الْيَاء، وَهُوَ غلط، إِنَّمَا هُوَ مجزوم بِالْأَمر: " ليلني ". والأحلام: الْعُقُول. والنهى: اسْم لِلْعَقْلِ أَيْضا، لِأَنَّهُ ينْهَى عَن الْقَبِيح. وَإِنَّمَا أَمر بِهَذَا لثَلَاثَة معَان: أَحدهَا: تَفْضِيلهمْ بالتقدم. الثَّانِي: ليعقلوا عَنهُ مَا ينْقل من فعله. وَالثَّالِث: لِأَنَّهُ رُبمَا احْتَاجَ إِلَيْهِم إِمَّا بتذكيره مَا أخل بِهِ أَو فِي استنابتهم إِن نابه أَمر. وَفِي تقديمهم تَعْلِيم للناقصين التأدب بالتأخر وَقَوله: " ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ " أَي فِي الْمنزلَة وَالْقدر.
وهيشات الْأَسْوَاق: اختلاطها وَمَا يكون فِيهَا من الجلبة وارتفاع
[ ١ / ٣٢٧ ]
الْأَصْوَات والفتن، وَهُوَ مَأْخُوذ من هوشت الشَّيْء: إِذا خلطته، والعامة تَقول: شوشت، قَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: يُقَال: هوشت الشَّيْء: إِذا خلطته، وَمِنْه أَخذ اسْم أبي المهوش الشَّاعِر، وَلَا تقل شوشته. وَقد أجمع أهل اللُّغَة أَن التشويش لَا أصل لَهُ فِي الْعَرَبيَّة، وَأَنه من كَلَام المولدين وخطئوا اللَّيْث فِيهِ.
وَالْمرَاد من الحَدِيث التحذير من التَّعَرُّض بالفتن، وَقد رووا فِي هَذَا الحَدِيث: " وَلَا تختلفوا " يُشِير إِلَى اخْتِلَاف الصُّفُوف.
٢٧٠ - / ٣٢٠ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: أَتَيْنَا ابْن مَسْعُود فِي دَاره فَقَالَ: أصلى هَؤُلَاءِ؟ يُشِير إِلَى الْأُمَرَاء، وَكَأَنَّهُ اقتنع بِأَذَان الْمَسْجِد وإقامته.
وَقَوله: جعل أَحَدنَا عَن يَمِينه وَالْآخر عَن شِمَاله، هَذَا رَأْي رَآهُ كَانَ مُسْتَنده أَن الِاثْنَيْنِ لَيْسُوا عِنْده جمَاعَة، وَلِهَذَا قَالَ: " وَإِذا كُنْتُم ثَلَاثَة فصلوا جَمِيعًا، وَإِذا كُنْتُم أَكثر من ذَلِك فليؤمكم أحدكُم "، وَرَأى أَن الْيَسَار موقف أَيْضا.
وَمَا أَمرهم بِهِ من التطبيق أَمر نسخ وَلم يثبت عِنْده ناسخه، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند سعد.
[ ١ / ٣٢٨ ]
وَأما شَرق الْمَوْتَى فَذكر أَبُو عبيد فِيهِ قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه حِين تذْهب الشَّمْس عَن الْحِيطَان وَتبقى بَين الْقُبُور، فشروقها حِينَئِذٍ للموتى لَا للأحياء. وَالثَّانِي: أَن المُرَاد يؤخرونها إِلَى أَن يبْقى من الْوَقْت بِقدر مَا يبْقى من نفس الَّذِي يشرق بريقه عِنْد الْمَوْت.
والسبحة: النَّافِلَة.
٢٧١ - / ٣٢٣ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: قَالَ لي رَسُول الله ﷺ: " إذنك عَليّ أَن يرفع الْحجاب، وَأَن تستمع سوَادِي حَتَّى أَنهَاك ".
الْإِذْن فِي اللُّغَة: الْإِطْلَاق من غير حجز. والسواد بِكَسْر السِّين: السرَار. قَالَ أَبُو عبيد: وَيجوز ضمهَا، فَتكون مثل الحوار والحوار، قَالَ الْأَحْمَر: هُوَ من إدناء سوادك من سوَاده: أَي شخصه. والسرار لَا يكون إِلَّا بإدناء السوَاد من السوَاد، وَأنْشد:
(من يكن فِي السوَاد والدد والإعرام زيرا فإنني غير زير)
وسئلت ابْنة الخس: لم زَنَيْت بعبدك؟ فَقَالَت: قرب الوساد، وَطول السوَاد.
والدد: اللَّهْو، قَالَ الْأَعْشَى:
[ ١ / ٣٢٩ ]
(أترحل عَن ليلى وَلما تزَود وَكنت كمن قضى اللبانة من دَد)
وَقَوله: " حَتَّى أَنهَاك " أَي: حَتَّى أَقُول لَك ارْجع.
وَمعنى الحَدِيث: إِذا رفع الْحجاب وَسمعت كَلَامي الْخَفي فَادْخُلْ إِلَّا أَن تسمع الْمَنْع.
٢٧٢ - / ٣٢٤ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: سَمِعت الَّذِي أنزلت عَلَيْهِ سُورَة الْبَقَرَة يَقُول فِي هَذَا الْمقَام: " لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك ".
قد ذكرنَا فِي أَوَائِل هَذَا الْمسند وَجه تَخْصِيصه سُورَة الْبَقَرَة بِالذكر، وفسرنا فِي مُسْند عَليّ ﵇ معنى " لبيْك ".
٢٧٣ - / ٣٢٦ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر: سَأَلنَا عبد الله عَن هَذِه الْآيَة: ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله أَمْوَاتًا﴾ [آل عمرَان: ١٦٩] .
إِن قيل: كَيفَ لَا يحْسب الْقَتْلَى أَمْوَاتًا، وَحَقِيقَة الْمَوْت عِنْدهم مَوْجُودَة؟
فَالْجَوَاب: أَنه لما ثَبت فِي النُّفُوس أَن تَعْطِيل الذوات بِالْمَوْتِ مخرج عَن التَّنْعِيم أعلمهم أَن الشُّهَدَاء فِي وُصُول النَّعيم إِلَيْهِم كالأحياء على مَا فِي الحَدِيث من " أَن أَرْوَاحهم فِي حواصل طير خضر ".
فَإِن قيل: فَجَمِيع الْمُؤمنِينَ ينعمون بعد الْمَوْت، وَفِي حَدِيث كَعْب ابْن مَالك عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق من شجر
[ ١ / ٣٣٠ ]
الْجنَّة " أَي يَأْكُل.
فَالْجَوَاب: أَن الشُّهَدَاء ميزوا على غَيرهم من الْمُؤمنِينَ بِزِيَادَة نعيم وعلو قدر ورفعة ذكر، فهم أَحيَاء يصل إِلَيْهِم نعيم الْجنَّة، ويأوون إِلَى أشرف منزل، وهم بِالذكر الْجَمِيل فِي الدُّنْيَا كالأحياء، قَالَ ابْن جرير الطَّبَرِيّ: الشُّهَدَاء مخصوصون، يرْزقُونَ من الْجنَّة قبل بَعثهمْ دون سَائِر الْمُؤمنِينَ.
وَقَوله فِي الحَدِيث " هَل تشتهون شَيْئا؟ قَالُوا: أَن ترد أَرْوَاحنَا حَتَّى نقْتل فِي سَبِيلك ".
وَإِن قيل: مَا الْفَائِدَة من عرض التَّمَنِّي عَلَيْهِم، فَلَمَّا تمنوا شَيْئا لم يعطوه، وَالْحق ﷿ قد علم قبل سُؤَالهمْ مَا يتمنون، وَعلم أَنه لَا يعطيهم ذَلِك، فَمَا الْفَائِدَة فِي استعراض حَاجَة لَا تقضى؟
فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن الْقَوْم خَرجُوا من دَار التَّكْلِيف إِلَى دَار الْجَزَاء، وأحبوا الْعود لَا لِمَعْنى يرجع إِلَى أغراضهم، بل قَضَاء لشكر نعْمَة الْحق عَلَيْهِم، فَترك إجابتهم إِلَى مَا يوقعهم فِي النصب إِجَابَة، فَكَأَنَّهُ يَقُول: مرادكم من الْعود شكر النِّعْمَة أَو توفير الْأجر، وَقد رضيت شكركم، وسأنيلكم مَا تُرِيدُونَ من غير تَعب. وَمِثَال هَذَا أَن ينعم السُّلْطَان على شخص عَن خدمَة نصب فِيهَا ثمَّ يَقُول لَهُ: تمن، فَيَقُول: لَو أَن تعيدني إِلَى الْخدمَة، وَمرَاده أَن يزْدَاد عَنهُ رضى، فيمنعه النصب، ويخبره بِتمَام الرضى.
وَالثَّانِي: أَنهم لما سلمُوا إِلَى الشَّهَادَة نفوسا لَا تَخْلُو من تلويث
[ ١ / ٣٣١ ]
تَقْصِير، فَرَأَوْا ذَلِك الْجَزَاء الباهر أَحبُّوا أَن يعادوا فيسلموا نفوسا مطهرة بِالشَّهَادَةِ من كل دنس، ليتضاعف الْجَزَاء، فمنعوا ذَلِك؛ لِأَن التَّسْلِيم الأول كَانَ على وَجه الْإِيمَان بِالْغَيْبِ، وَالثَّانِي لَو كَانَ عَن عيان، وَالْعِبَادَة بِالْغَيْبِ هِيَ الْمَطْلُوبَة لامع العيان، فَكَانَت الْفَائِدَة لَهُم فِي جَرَيَان هَذِه الْحَال أَن يسْأَلُوا غير هَذَا الْفَنّ، وَكَانَت الْفَائِدَة لمن بلغته الْحَال أَن يجد ويجتهد فِي تَزْكِيَة نَفسه ليسلم نفسا زاكية إِذْ لَا سَبِيل إِلَى الْعود.
٢٧٤ - / ٣٢٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: أَن أَمِيرا كَانَ بِمَكَّة يسلم تسليمتين، فَقَالَ عبد الله: أَنى علقها؟ إِن رَسُول الله كَانَ يَفْعَله.
أَنى تكون بِمَعْنى من أَيْن، والمعنيان يتقاربان، يجوز أَن يتَأَوَّل فِي كل وَاحِد مِنْهَا الآخر، وَقد جمع الْكُمَيْت بَين اللفظتين فَقَالَ:
(أَنى وَمن أَيْن آبك الطَّرب من حَيْثُ لَا صبوة وَلَا ريب)
وَمعنى علقها: علق بهَا.
وَقد دلّ ظَاهر هَذَا الحَدِيث على وجوب التسليمتين، وَقد ذكرنَا الْخلاف فِيهِ من مُسْند سعد.
٢٧٥ - / ٣٢٨ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر: " وَمَا تَعدونَ الرقوب فِيكُم؟ " قُلْنَا: الَّذِي لَا يُولد لَهُ. قَالَ: " لَيْسَ ذَاك بالرقوب، وَلكنه الرجل الَّذِي لم يقدم من وَلَده شَيْئا ". قَالَ: " فَمَا تَعدونَ الصرعة فِيكُم؟ " قُلْنَا: الَّذِي لَا تصرعه الرِّجَال. قَالَ: " لَيْسَ بذلك، وَلكنه
[ ١ / ٣٣٢ ]
الَّذِي يملك نَفسه عِنْد الْغَضَب ".
دلهم بِهَذَا الحَدِيث على النّظر إِلَى الْمعَانِي دون الصُّور، لأَنهم ألفوا فِي كَلَامهم أَن الرقوب الَّذِي يفقد أَوْلَاده، فَأخْبرهُم أَنه الَّذِي يفقد ثَوَاب أَوْلَاده فِي الْآخِرَة. وَلما عرفُوا أَن الصرعة الَّذِي لَا يصرعه الرِّجَال أخْبرهُم أَن الشدَّة فِي ملكة النَّفس، كَمَا قَالَ فِي الحَدِيث الآخر: " من الْمُفلس؟ " فَقَالُوا: من لَا دِينَار لَهُ وَلَا دِرْهَم. فَبين لَهُم أَن الْمُفلس من تفرق حَسَنَاته على أهل الْمَظَالِم، وكما قَالَ جُنْدُب ابْن عبد الله: المحروب من حَرْب دينه.
٢٧٦ - / ٣٣٠ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين: غشي السِّدْرَة فرَاش من ذهب، وَغفر لمن لَا يُشْرك من أمته الْمُقْحمَات.
السِّدْرَة: شَجَرَة النبق. والفراش: ذُبَاب يقتحم ضوء السراج وَيَقَع فِي ناره، والمقحمات: الْكَبَائِر الَّتِي تقحم صَاحبهَا فِي النَّار: أَي تلقيه فِيهَا.
٢٧٧ - / ٣٣١ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين: " يُؤْتى بجهنم ".
قَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ عَن أبي بكر الْأَنْبَارِي قَالَ: فِي جَهَنَّم قَولَانِ: قَالَ يُونُس بن حبيب وَأكْثر النَّحْوِيين: جَهَنَّم اسْم للنار الَّتِي يعذب بهَا فِي الْآخِرَة، وَهِي أَعْجَمِيَّة لَا تجْرِي للتعريف
[ ١ / ٣٣٣ ]
والعجمة، وَقيل: إِنَّه عَرَبِيّ، وَلم تجر للتأنيث والتعريف، وَحكي عَن رؤبة أَنه قَالَ: ركية جهنام بعيدَة القعر.
وَقَالَ الْأَعْشَى:
(دَعَوْت خليلي مسحلا ودعوا لَهُ جهنام جدعا للهجين المذمم)
فَترك صرفه يدل على أَنه أعجمي مُعرب.
٢٧٨ - / ٣٣٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين: كُنَّا مَعَ رَسُول الله فمررنا بصبيان فيهم ابْن صياد.
أما ابْن صياد فاسمه عبد الله، وَيُقَال فِيهِ ابْن صياد وَابْن صائد وَابْن الصَّائِد، وَكَانَ أَبوهُ من الْيَهُود، ولد فِي زمن النَّبِي ﷺ، وَهُوَ أَعور مختون مسرور، وَأَتَاهُ رَسُول الله وَهُوَ صبي فَسَأَلَهُ عَمَّا خبأ لَهُ، فَأَجَابَهُ، فَقَالُوا: هُوَ الدَّجَّال، وَكَانَ ابْن عمر وَجَابِر يحلفان بِاللَّه من غير شكّ أَنه الدَّجَّال، وَكَانَ يَقُول: أَنا مُؤمن والدجال كَافِر، وَقد ولد لي والوجال لَا يُولد لَهُ، وَكَانَ لَهُ ولد اسْمه عمَارَة من خِيَار الْمُسلمين، روى عَنهُ مَالك بن أنس. وَاخْتلف النَّاس فِي آخر أمره، فَروِيَ عَن جَابر أَنه قَالَ: فقدناه يَوْم الْحرَّة. وَرُوِيَ أَنه تَابَ عَمَّا كَانَ يَدعِيهِ،
[ ١ / ٣٣٤ ]
وَمَات بِالْمَدِينَةِ، وَأَنَّهُمْ لما أَرَادوا الصَّلَاة عَلَيْهِ كشفوا عَن وَجهه حَتَّى رَآهُ النَّاس، وَقيل لَهُم: اشْهَدُوا.
وَقَوله: تربت يداك: أَي افْتَقَرت.
وَقَوله لعمر: " إِن يكن الَّذِي ترى - أَي تظن - فَلَنْ تَسْتَطِيع قَتله " لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الدَّجَّال فَلَا بُد من ظُهُوره، فَكيف يقتل وَلم يظْهر؟
قَوْله: إِنِّي خبأت لَك خبيئا فَقَالَ: دخ. يُرِيد الدُّخان.
وَفِي بعض أَلْفَاظ حَدِيث ابْن عمر الَّذِي ذكر فِي الصِّحَاح أَن رَسُول الله خبأ لَهُ يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين.
فَقَالَ: " اخْسَأْ "، أَي أبعد " فَلَنْ تعدو "، أَي لن تتجاوز " قدرك ". وَفِي مَعْنَاهُ وَجْهَان: أَحدهمَا: أَنه لَا يبلغ قدرك أَن تطالع الْغَيْب من قبل الْوَحْي الَّذِي يخْتَص الْأَنْبِيَاء، وَلَا من قبل الإلهام الَّذِي يُدْرِكهُ الْأَوْلِيَاء، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي قَالَه شَيْء أَلْقَاهُ إِلَيْهِ الشَّيْطَان، إِمَّا لكَون النَّبِي ﷺ تكلم بذلك بَينه وَبَين نَفسه فَسَمعهُ الشَّيْطَان، وَإِمَّا أَن يكون الشَّيْطَان سمع مَا سيجري بَينهمَا من السَّمَاء، لِأَنَّهُ إِذا قضى الْقَضَاء فِي السَّمَاء تَكَلَّمت بِهِ الْمَلَائِكَة فاسترق الشَّيْطَان السّمع فَأَلْقَاهُ إِلَى أذن الكاهن، وَسَيَأْتِي هَذَا مشروحا فِي مُسْند عَائِشَة. وَإِمَّا أَن يكون رَسُول الله حدث بعض أَصْحَابه بِمَا أضمر فاختلس الشَّيْطَان ذَلِك، وَيدل على هَذَا قَول ابْن عمر: وخبأ لَهُ رَسُول الله يَوْم تَأتي السَّمَاء بِدُخَان مُبين. فَالظَّاهِر أَنه اعْلَم الصَّحَابَة مَا يخبأ لَهُ.
[ ١ / ٣٣٥ ]
وَالثَّانِي: أَن الْمَعْنى: لن تعدو قدر الله فِيك.
فَإِن قيل: فَمَا السِّرّ فِي أَنه أضمر لَهُ الدُّخان؟
فَجَوَابه من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون أضمر مَا خطر لَهُ كَمَا اتّفق. وَالثَّانِي: أَن يكون اعْتمد ذَلِك، لِأَن الدُّخان يستر عَن النَّاظر عين الشَّمْس، وَكَذَلِكَ بَاطِل الدَّجَّال ثمَّ هُوَ ضَرَر لَا نفع فِيهِ.
فَإِن قيل: كَيفَ ترك الرَّسُول رجلا يَدعِي النُّبُوَّة كَاذِبًا؟
فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن هَذِه الْقِصَّة جرت لَهُ مَعَه أَيَّام مهادنة الْيَهُود وحلفائهم، وَذَلِكَ أَنه لما قدم الْمَدِينَة كتب بَينه وَبَين الْيَهُود كتابا صَالحهمْ فِيهِ، على أَن لَا يهاجوا، وَكَانَ ابْن صياد فِي جملَة الْقَوْم، فَلَمَّا بلغ رَسُول الله مَا يَدعِيهِ من علم الْغَيْب امتحنه فَرَآهُ مُبْطلًا، وَعلم أَنه لَا يعدو الكهانة وَالسحر. وَالثَّانِي: أَنه حِين جرت لَهُ مَعَه هَذِه الْقِصَّة كَانَ صَبيا غير بَالغ، وَلَا حكم لقَوْل الصَّبِي.
٢٧٩ - / ٣٣٣ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين: " وَلَكِن الله أعانني عَلَيْهِ فَأسلم ".
جُمْهُور الروَاة يَقُولُونَ: فَأسلم بِفَتْح الْمِيم، يُرِيدُونَ: الشَّيْطَان أسلم، وَكَانَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة يَقُول: فَأسلم بضَمهَا، وَالْمعْنَى: فَأسلم من شَره. وَكَانَ يَقُول: الشَّيْطَان لَا يسلم. وَقَول ابْن عُيَيْنَة حسن يظْهر أثر المجاهدة بمخالفة الشَّيْطَان، غير أَن قَوْله: " فَلَا يَأْمُرنِي إِلَّا بِخَير " دَلِيل على إِسْلَام الشَّيْطَان، لِأَن الَّذِي نفر مِنْهُ ابْن عُيَيْنَة وَقَالَ:
[ ١ / ٣٣٦ ]
لَا يسلم، يَنْبَغِي أَن يَقع النفار مِنْهُ فِي قَوْله: " فَلَا يَأْمُرنِي إِلَّا بِخَير " وَقد رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده بِلَفْظ آخر: " فَلَا يَأْمُرنِي إِلَّا بِحَق ".
٣٨٠ - / ٣٣٤ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين: قَالَت أم حَبِيبَة: اللَّهُمَّ أمتعني بزوجي رَسُول الله، وبأبي أبي سُفْيَان، وبأخي مُعَاوِيَة، فَقَالَ النَّبِي ﷺ: " لقد سَأَلت الله لآجال مَضْرُوبَة، وَأَيَّام مَعْدُودَة، وأرزاق مقسومة، لن يعجل شَيْئا قبل حلّه، أَو يُؤَخر شَيْئا عَن حلّه، وَلَو كنت سَأَلت الله أَن يعيذك من عَذَاب النَّار أَو عَذَاب فِي الْقَبْر كَانَ خيرا ".
أم حَبِيبَة هِيَ زوج رَسُول الله ﷺ، وَاسْمهَا رَملَة بنت أبي سُفْيَان.
فَإِن قيل: كَيفَ ردهَا عَن سُؤال، وَعلل بِالْقدرِ، وأمرها بسؤال وَهُوَ دَاخل فِي بَاب الْقدر أَيْضا؟
فَالْجَوَاب: أَن سُؤال مَا يجلب نفعا فِي الْآخِرَة وَيظْهر عبودية من السَّائِل، أولى مِمَّا يجتلب بِهِ مُجَرّد النَّفْع فِي الدُّنْيَا، فَأَرَادَ مِنْهَا التشاغل بِأُمُور الْآخِرَة.
وَفِي هَذَا الحَدِيث: " إِن الله لم يَجْعَل لمسخ نَسْلًا وَلَا عقبا " وَفِي ذَلِك دَلِيل على أَن الَّذين مسخوا لم يبقوا وَلم ينسلوا، وَقد كَانَ ابْن قُتَيْبَة يَقُول: أَنا أَظن أَن هَذِه القردة والخنازير هِيَ المسوخ بِأَعْيَانِهَا توالدت. ثمَّ قَالَ: إِلَّا أَن يَصح حَدِيث أم حَبِيبَة. وَقد صَحَّ حَدِيثهَا،
[ ١ / ٣٣٧ ]
فَلَا يلْتَفت إِلَى ظن ابْن قُتَيْبَة.
٢٨١ - / ٣٣٥ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لقوم يتخلفون عَن الْجُمُعَة: " لقد هَمَمْت أَن آمُر رجلا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثمَّ أحرق على رجال يتخلفون عَن الْجُمُعَة بُيُوتهم ".
إِن قَالَ قَائِل: لَو فعل هَذَا لفاتته الْجُمُعَة، فَمَا وَجه هَذَا القَوْل؟
فَالْجَوَاب من ثَلَاثَة أوجه:
أَحدهَا: أَن أَبَا هُرَيْرَة قد روى هَذَا الحَدِيث فِي الْجَمَاعَات لَا فِي الْجُمُعَة، فَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيثه، وَحَدِيث ابْن مَسْعُود من أَفْرَاد مُسلم، فَذَاك مقدم، وَيحْتَمل أَن يكون الرَّاوِي قد سَهَا من ذكر الْجَمَاعَة إِلَى الْجُمُعَة.
وَالثَّانِي: أَنه قَالَه على وَجه الْمُبَالغَة وَلم يَفْعَله، كَمَا قَالَ: " من قتل عَبده قَتَلْنَاهُ ".
وَالثَّالِث: أَنه يُمكن أَن يمْضِي فيأمر بتحريق بيُوت أَقوام سمعُوا التأذين، ثمَّ يعود فيدرك الصَّلَاة.
٢٨٢ - / ٣٣٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين: وَلَقَد كَانَ الرجل يهادى بَين الرجلَيْن.
أَي يحمل بِرِفْق وَهُوَ يعْتَمد عَلَيْهِمَا من ضعفه وَقلة تماسكه، يُقَال:
[ ١ / ٣٣٨ ]
تهادت الْمَرْأَة فِي مشيتهَا: أَي تمايلت.
٢٨٣ - / ٣٣٨ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْعِشْرين: " لَو كنت متخذا خَلِيلًا لاتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا ".
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: الْخَلِيل " فعيل " من الْخلَّة، والخلة: الْمَوَدَّة. قَالَ: وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة: والخليل الْمُحب، والمحب الَّذِي لَيْسَ فِي محبته نقص وَلَا خلل، فإبراهيم ﵇ كَانَ يحب الله وَيُحِبهُ الله محبَّة لَا نقص فِيهَا وَلَا خلل. قَالَ: وَيُقَال: الْخَلِيل: الْفَقِير، من الْخلَّة، والخلة: الْفقر، قَالَ زُهَيْر:
(فَإِن أَتَاهُ خَلِيل يَوْم مسغبة يَقُول لَا غَائِب مَالِي وَلَا حرم)
أَرَادَ: وَإِن أَتَاهُ فَقير. قَالَ: وَيُقَال: الْخَلِيل: الْفَقِير إِلَيْهِ، ينزل فقره وفاقته بِهِ وَلَا ينزل ذَلِك بِغَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: الْخَلِيل من: تخَلّل الْمَوَدَّة الْقلب وتمكنها مِنْهُ، قَالَ: وَقيل: إِنَّهَا من خلة الرَّعْي: وَهُوَ نَبَات تستحيله الْمَاشِيَة فتكثر مِنْهُ. وَالْمَقْصُود من الحَدِيث: أَن الْخلَّة تلْزم فضل مُرَاعَاة للخليل وَقيام بِحقِّهِ، واشتغال الْقلب بأَمْره، فَأخْبر ﷺ أَنه لَيْسَ عِنْدِي فضل - مَعَ خلة الْحق - لِلْخلقِ، لاشتغال قلبِي بمحبته سُبْحَانَهُ فَلَا يحْتَمل ميلًا إِلَى غَيره.
٢٨٤ - / ٣٤٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ: " بِحَسب الْمَرْء من
[ ١ / ٣٣٩ ]
الْكَذِب أَن يحدث بِكُل مَا سمع ".
فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحدهَا: أَن يروي مَا يُعلمهُ كذبا وَلَا يُبينهُ فَهُوَ أحد الْكَاذِبين. وَالثَّانِي: أَن يكون الْمَعْنى: بِحَسب الْمَرْء أَن يكذب، لِأَنَّهُ لَيْسَ كل مسموع يصدق بِهِ، فَيَنْبَغِي تحديث النَّاس بِمَا تحتمله عُقُولهمْ.
٢٨٥ - / ٣٤٣ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: هَاجَتْ ريح حَمْرَاء بِالْكُوفَةِ، فجَاء رجل لَيْسَ لَهُ هجيري إِلَّا: يَا عبد الله بن مَسْعُود، جَاءَت السَّاعَة.
قَوْله: لَيْسَ لَهُ هجيري: أَي مَاله شَأْن وَلَا شغل إِلَّا هَذَا. قَالَ أَبُو عبيد: مثل الهجيري فِي الْوَزْن الخليفي: وَهِي الْخلَافَة، وَقَول عمر بن عبد الْعَزِيز لَا رديدي فِي الصَّدَقَة: أَي لَا ترد. وَيُقَال: كَانَت بَين الْقَوْم رميا، ثمَّ حجزت بَينهم حجيزي: أَي صَارُوا إِلَى المحاجزة بعد الرَّمْي، وَكَذَلِكَ الهزيمي من الْهَزِيمَة، والمنيني من الْمِنَّة، والدليلي من الدّلَالَة. وَأكْثر كَلَامهم فِي الدّلَالَة بِالْفَتْح. والخطيبي من الْخطْبَة.
وَقَوله: فَيشْتَرط الْمُسلم شَرطه. الشرطه: قوم يقدمُونَ إِلَى الْقِتَال يشترطون الثَّبَات ويتعاقدون على الْجد وَإِن آل بهم إِلَى الْمَوْت.
[ ١ / ٣٤٠ ]