أسلم قَدِيما، وروى عَن رَسُول الله ﷺ مائَة وَثَمَانِينَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أحد وَعِشْرُونَ حَدِيثا.
٤٤٨ - / ٥٤٧ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: أسرينا مَعَ النَّبِي ﷺ.
وَقد بَينا فِي مُسْند أبي بكر أَن سرى وَأسرى لُغَتَانِ: وَهُوَ سير اللَّيْل.
وَقَوله: وقعنا وقْعَة لَا وقْعَة عِنْد الْمُسَافِر أحلى مِنْهَا. وَذَاكَ لِأَنَّهُ يكون قد أَخذ مِنْهُ السّير والسهر فيستلذ النّوم.
وَقَوله: وَكَانَ جليدا. يُقَال للرجل إِذا كَانَ قوي الْجِسْم أَو الْقلب: إِنَّه لجليد، وَجلد.
وَقَوله: " لَا ضير " أَي مَا جرى لَا يضر.
فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: " ارتحلوا " وَأخر الصَّلَاة، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ
[ ١ / ٤٧٠ ]
من حَدِيث أنس عَنهُ أَنه قَالَ: " من نسي صَلَاة أَو نَام عَنْهَا فكفارتها أَن يُصليهَا إِذا ذكرهَا، لَا كَفَّارَة لَهَا إِلَّا ذَلِك "؟
فَالْجَوَاب: أَن يعْمل على حَدِيث أنس، وَأَنه لَا يجوز تَأْخِير الصَّلَاة عِنْد الذّكر والانتباه، وَأما ارتحاله عَن الْمَكَان فقد جَاءَ فِي الحَدِيث أَنه قَالَ: " إِن هَذَا الْوَادي بِهِ شَيْطَان فارتحلوا مِنْهُ " وَهَذَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الْأَنْبِيَاء.
فَإِن قيل: فَكيف ذهب الْوَقْت وَلم يشْعر بِهِ رَسُول الله ﷺ وَقد قَالَ: " وَلَا ينَام قلبِي "؟
فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن ذَلِك خَاص فِي أَمر الْحَدث؛ لِأَن النَّائِم يكون مِنْهُ الْحَدث وَلَا يشْعر بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِك رَسُول الله ﷺ. وَالثَّانِي: أَنه أعطي ذَلِك لأجل الْوَحْي فِي الْمَنَام، فَأَما معرفَة الْوَقْت، ورؤية الشَّمْس، فَذَلِك يدْرك بالبصر لَا بِالْقَلْبِ.
وَقَوله: بَين مزادتين. قَالَ أَبُو عبيد: المزادة هِيَ الَّتِي يسميها النَّاس الراوية، وَإِنَّمَا الرِّوَايَة الْبَعِير الَّذِي يستقى عَلَيْهِ.
وَقَوله: ونفرنا خلوف. قد سبق أَن النَّفر مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة.
[ ١ / ٤٧١ ]
والخلوف: الْغَيْب. وَقيل: الخلوف: الَّذين خَرجُوا يستقون المَاء، يُقَال: أخلف الرجل واستخلف: إِذا استقى المَاء، وأرادت أَنه لم يبْق فِي الْحَيّ إِلَّا النِّسَاء.
وَقَوْلها: الصَّابِئ، تَعْنِي الْخَارِج من دين قومه إِلَى غَيره. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: كل من خرج من دين إِلَى دين غَيره سمي صابئا، مهموزا، يُقَال: صَبأ الرجل: إِذا فعل ذَلِك. فَأَما الصابي بِلَا همز فَهُوَ الَّذِي يمِيل إِلَى الْهوى. يُقَال: صبا يصبو فَهُوَ صاب.
وَقَوله: وأوكأ أفواههما: أَي ربط الْعليا. والوكاء: اسْم لما يشد بِهِ من خيط وَنَحْوه. والعزالى: أَفْوَاه المزاد السُّفْلى، وَاحِدهَا عزلاء.
وأقلع عَنْهَا: تنحى عَنْهَا.
والعجوة: جنس من التَّمْر يكون بِالْمَدِينَةِ.
وَقَوله: " تعلمين " أَي اعلمي " مَا رزأنا " أَي مَا نقصنا.
وَقَوله: " أسقانا " أَي جعل لنا سقيا. قَالَ الْفراء: الْعَرَب مجتمعون على أَن يَقُولُوا: سقيت الرجل فَأَنا أسقيه: إِذا سقيته لشفته، فَإِذا أجروا للرجل نَهرا قَالُوا: أسقيته. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كل مَا كَانَ من السَّمَاء فَفِيهِ لُغَتَانِ: أسقاه الله وسقاه، قَالَ لبيد:
(سقى قومِي بني مجد وأسقى نميرا والقبائل من هِلَال)
فجَاء باللغتين. وَتقول: سقيت الرجل مَاء وَشَرَابًا، وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا لُغَة وَاحِدَة: إِذا كَانَ فِي الشّفة، فَإِذا جعلت لَهُ شرابًا قلت: أسقيته،
[ ١ / ٤٧٢ ]
وأسقيت أرضه وَإِبِله، فَلَا يكون غير هَذَا، وَكَذَلِكَ إِذا اسْتَسْقَيْت لَهُ، كَقَوْل ذِي الرمة:
(وقفت على رسم لمية نَاقَتي فَمَا زلت أبْكِي عِنْده وأخاطبه)
(وأسقيه حَتَّى كَاد مِمَّا أبثه تكلمني أحجاره وملاعبه)
قَوْله: وَلَا يصيبون الصرم. قَالَ أَبُو عبيد: الصرم: الْفرْقَة من النَّاس لَيْسَ بالكثير، وَجمعه أصرام، قَالَ الطرماح:
(يَا دَار أقوت بعد أصرامها عَاما، وَمَا يبكيك من عامها)
وَقَوله: تكَاد تنضرج بِالْمَاءِ، يَعْنِي المزادتين، أَي تَنْشَق لِكَثْرَة امتلائها. والانضراج: الانشقاق، يُقَال: انضرج الْبَرْق وتضرج: أَي تشقق.
فَإِن قيل: كَيفَ استباحوا أَخذ المَاء الَّذِي مَعهَا؟
فَالْجَوَاب من أَرْبَعَة أوجه:
أَحدهَا: أَنَّهَا كَانَت كَافِرَة.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَو كَانَت مسلمة، ففداء نفس رَسُول الله ﷺ بأنفس أمته جَائِز.
وَالثَّالِث: أَن ضَرُورَة الْعَطش تبيح للْإنْسَان المَاء الْمَمْلُوك لغيره على عوض يُعْطِيهِ.
[ ١ / ٤٧٣ ]
وَالرَّابِع: أَنهم لما جَاءُوا بهَا إِلَى رَسُول الله ﷺ أظهر معجزته فِي سقِي أَصْحَابه من ذَلِك المَاء، ثمَّ رده وَلم ينقص شَيْئا.
٤٤٩ - / ٥٤٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أنزلت آيَة الْمُتْعَة فِي كتاب الله ففعلناها، قَالَ رجل بِرَأْيهِ مَا شَاءَ.
أما آيَة الْمُتْعَة فَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٦] وَقد سبق شرح معنى الْمُتْعَة فِي مُسْند عَليّ ﵇.
وَقَوله: قَالَ رجل بِرَأْيهِ مَا شَاءَ. قد ذكرنَا هُنَاكَ أَن عُثْمَان ﵇ كَانَ ينْهَى عَن الْمُتْعَة.
وَقَوله: " قد كَانَ يسلم عليّ " كَانَ عمرَان بن حُصَيْن قد سقِي بَطْنه فَبَقيَ ثَلَاثِينَ سنة على ذَلِك، وَكَانَ يعرض عَلَيْهِ أَن يكتوي فيأبى، فروى مطرف عَنهُ أَن الْمَلَائِكَة كَانَت تسلم عَلَيْهِ. وروى عَنهُ قَتَادَة أَن الْمَلَائِكَة كَانَت تصافحه، فَلَمَّا اكتوى انْقَطع ذَلِك عَنهُ. وروى عَنهُ الْحسن أَنه قَالَ: اكتوينا فَمَا أفلحنا وَلَا أنجحنا. وَكَانَ هِشَام يُنكر هَذَا اللَّفْظ وَيَقُول: إِنَّمَا هُوَ فَمَا أفلحن وَلَا أنجحن، يَعْنِي المكاوي. فَلَمَّا ترك الكي عَاد التَّسْلِيم إِلَيْهِ، ثمَّ مَاتَ قَرِيبا من ذَلِك.
٤٥٠ - / ٥٤٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: عَن مطرف: صليت أَنا وَعمْرَان خلف عَليّ بن أبي طَالب، فَكَانَ إِذا سجد كبر، وَإِذا رفع كبر، وَإِذا
[ ١ / ٤٧٤ ]
نَهَضَ من الرَّكْعَتَيْنِ كبر، فَقَالَ عمرَان: قد ذَكرنِي هَذَا صَلَاة مُحَمَّد ﷺ.
وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن التَّكْبِيرَات غير تَكْبِيرَة الْإِحْرَام وَاجِبَة، لِأَنَّهُ وصف صَلَاة النَّبِي ﷺ، وَهَذَا مَذْهَب أَحْمد وَدَاوُد، خلافًا للباقين فِي قَوْلهم إِنَّهَا سنة.
٤٥١ - / ٥٥٠ - الحَدِيث الرَّابِع: " أصمت من سرة هَذَا الشَّهْر شَيْئا؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَإِذا أفطرت فَصم يَوْمَيْنِ " وَفِي لفظ: " من سرر شعْبَان ".
سرر الشَّهْر وسراره وسراره: آخِره، وَسمي بذلك لِأَن الْهلَال يستسر، قَالَ الشَّاعِر:
(نَحن صبحنا عَامِرًا فِي دارها )
(جردا تعادى طرفِي نَهَارهَا )
(عَشِيَّة الْهلَال أَو سرارها )
وَأما سرته فظاهرها أَنَّهَا وسط الشَّهْر، فعلى هَذِه اللَّفْظَة تكون الْإِشَارَة إِلَى أَيَّام الْبيض، وعَلى بَاقِي الْأَلْفَاظ يشكل الْأَمر، لِأَنَّهُ قد نهى عَن اسْتِقْبَال رَمَضَان بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَن الْعلمَاء تأولوا ذَلِك فَقَالُوا: لَعَلَّه علم من ذَلِك الرجل أَن عَلَيْهِ نذرا نَذره فِي ذَلِك الْوَقْت،
[ ١ / ٤٧٥ ]
فَلَمَّا فَاتَ أمره بِقَضَائِهِ. قَالَ أَبُو عبيد: لَا أعرف للْحَدِيث وَجها غير هَذَا. قَالَ الْخطابِيّ: يجوز أَن يكون لهَذَا الرجل عَادَة فَأمره أَن يحافظ على عَادَته. وَأما قَول بعض الروَاة: أَظُنهُ يَعْنِي رَمَضَان فخطأ؛ لِأَن رَمَضَان يتَعَيَّن صَوْمه جَمِيعه.
٤٥٢ - / ٥٥١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: عَن أبي الْأسود: قَالَ لي عمرَان: أَرَأَيْت مَا يعْمل النَّاس، أَشَيْء قضي؟ قلت: نعم. قَالَ: أَفلا يكون ظلما؟ فَفَزِعت من ذَلِك، فَقَالَ: إِنِّي لم أرد بِمَا سَأَلتك إِلَّا لأحرز عقلك.
الكدح: السَّعْي وَالِاجْتِهَاد فِي الْعَمَل. وَقد نبه هَذَا الحَدِيث على سبر عقول الطالبين للْعلم لينْظر مبلغ فهمهم، وليحدثوا بِمَا تحتمله عُقُولهمْ.
والفجور: الْخُرُوج عَن الْحق والانبعاث فِي المناهي.
٤٥٣ - / ٥٥٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: خير أمتِي قَرْني.
قد سبق ذكر الْقرن فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
وَقَوله: " يشْهدُونَ وَلَا يستشهدون " إِن قَالَ قَائِل: كَيفَ الْجمع بَين هَذَا وَبَين حَدِيث زيد بن خَالِد الْجُهَنِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " أَلا
[ ١ / ٤٧٦ ]
أخْبركُم بِخَير الشُّهَدَاء؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قبل أَن يسْأَلهَا ".
فَالْجَوَاب أَن أَبَا عِيسَى التِّرْمِذِيّ ذكر عَن بعض أهل الْعلم أَن المُرَاد بِالَّذِي يشْهد وَلَا يستشهد شَاهد الزُّور، وَاسْتدلَّ بِحَدِيث عمر بن الْخطاب عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " يفشو الْكَذِب حَتَّى يشْهد الرجل وَلَا يستشهد " وَالْمرَاد بِحَدِيث زيد: الشَّاهِد على الشَّيْء، فَيُؤَدِّي شَهَادَته وَلَا يمْتَنع من إِقَامَتهَا.
وَقَوله: " وَيظْهر فِيهِ السّمن " وَذَلِكَ إِنَّمَا ينشأ من كَثْرَة الْمطعم وَقُوَّة الْغَفْلَة؛ لِأَن الْعَاقِل المتيقظ يمنعهُ خَوفه أَن يشْبع وَأَن يسمن.
وَقَوله: " ويحلفون وَلَا يستحلفون " هَذَا من قلَّة احترامهم لاسم الله ﷿، وَقد كَانَ النَّاس يتورعون عَن الْحلف فِي الصدْق.
٤٥٤ - / ٥٥٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: " الْحيَاء لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَير ".
وَهَذَا لِأَن المستحيي منقبض عَن كثير من القَوْل وَالْفِعْل، والوقاحة توجب الانبساط فَيَقَع الشَّرّ من ذَلِك.
٤٥٥ - / ٥٥٥ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
" اطَّلَعت فِي الْجنَّة فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا الْفُقَرَاء، واطلعت فِي النَّار فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا النِّسَاء ".
[ ١ / ٤٧٧ ]
لما كَانَ الْفَقِير فاقدا لِلْمَالِ الَّذِي يتسبب بِهِ إِلَى الْمعاصِي وَيحصل بِهِ البطر والشبع وَالْجهل وَاللَّهْو، بعد عَمَّا يقرب إِلَى النَّار. وَلما كَانَ الْأَغْلَب على النِّسَاء الشِّبَع والبطر وَالْجهل وَاللَّهْو لازمهن مَا يحمل إِلَى النَّار.
فَإِن قيل: إِذا كَانَ هَذَا فضل الْفقر، فَلم استعاذ مِنْهُ رَسُول الله ﷺ؟
فَالْجَوَاب: أَن قوما يَقُولُونَ: إِنَّمَا استعاذ من فقر النَّفس، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: الْفقر مُصِيبَة من مصائب الدُّنْيَا، والغنى نعْمَة من نعمها، فوزانهما الْمَرَض والعافية، فَيكون الْمَرَض فِيهِ ثَوَاب لَا يمْنَع سُؤال الله الْعَافِيَة.
٤٥٦ - / ٥٥٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " من صلى قَاعِدا فَلهُ نصف أجر الْقَائِم، وَمن صلى نَائِما فَلهُ نصف أجر الْقَاعِد ".
هَذَا مَحْمُول على أَن من أطَاق الْقيام فِي التَّنَفُّل فَاخْتَارَ الْقعُود، أَو أطَاق الْقعُود فَاخْتَارَ الِاضْطِجَاع. فَأَما الَّذِي يمنعهُ عَجزه فنيته تتمم.
وَأما صفة صَلَاة الْقَاعِد فَإِنَّهُ يُصَلِّي متربعا ويثني رجلَيْهِ فِي حَال سُجُوده، فَإِن عجز عَن الْقعُود صلى على جنبه الْأَيْمن مُسْتَقْبل الْقبْلَة بِوَجْهِهِ، وَإِن صلى مُسْتَلْقِيا على ظَهره وَرجلَاهُ إِلَى الْقبْلَة جَازَ وَإِن كَانَ تَارِكًا للاستحباب، وَعند أَصْحَاب الرَّأْي أَن هَذَا هُوَ الْمُسْتَحبّ. وَكَانَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ يَقُول: لَا أحفظ عَن أحد من أهل الْعلم أَنه رخص فِي صَلَاة التَّطَوُّع نَائِما كَمَا رخصوا فِيهَا قَاعِدا، فَإِن صحت هَذِه اللَّفْظَة عَن النَّبِي ﷺ وَلم تكن من كَلَام بعض الروَاة أدرجه فِي الحَدِيث
[ ١ / ٤٧٨ ]
وقاسه على صَلَاة الْقَاعِد، أَو اعْتَبرهُ بِصَلَاة الْمَرِيض نَائِما إِذا لم يقدر على الْقعُود، فَإِن التَّطَوُّع مُضْطَجعا للقادر على الْقعُود جَائِز كَمَا يجوز للْمُسَافِر أَن يتَطَوَّع على رَاحِلَته. فَأَما من جِهَة الْقيَاس فَلَا يجوز أَن يُصَلِّي مُضْطَجعا كَمَا يجوز أَن يُصَلِّي قَاعِدا؛ لِأَن الْقعُود شكل من أشكال الصَّلَاة وَلَيْسَ الِاضْطِجَاع فِي شَيْء من أشكال الصَّلَاة.
قَالَ الْخطابِيّ فِي كتاب " الْأَعْلَام ": قد كنت تأولت هَذَا الحَدِيث فِي كتاب " المعالم " على أَن المُرَاد بِهِ صَلَاة التَّطَوُّع، إِلَّا أَن قَوْله: " من صلى نَائِما " يفْسد هَذَا التَّأْوِيل؛ لِأَن المضطجع لَا يُصَلِّي التَّطَوُّع كَمَا يُصَلِّي الْقَاعِد، فَرَأَيْت الْآن أَن المُرَاد بِهِ الْمَرِيض المفترض الَّذِي يُمكنهُ أَن يتحامل فَيقوم مَعَ مشقة، فَجعل أجر الْقَاعِد على النّصْف من أجر الْقَائِم ترغيبا لَهُ فِي الْقيام مَعَ جَوَاز قعوده، وَكَذَلِكَ المضطجع الَّذِي لَو تحامل لأمكنه الْقعُود مَعَ شدَّة الْمَشَقَّة.
٤٥٧ - / ٥٥٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بني تَمِيم " فَقَالُوا: بشرتنا فَأَعْطِنَا، فَتغير وَجهه.
أما تغير وَجهه لقلَّة علم أُولَئِكَ، فَإِنَّهُم عَلقُوا آمالهم بعاجل الدُّنْيَا دون الْآخِرَة.
وَالذكر: اللَّوْح الْمَحْفُوظ.
وَأما السراب فَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: هُوَ مَا ترَاهُ نصف النَّهَار كَأَنَّهُ مَاء.
[ ١ / ٤٧٩ ]
٤٥٨ - / ٥٦٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي من أَفْرَاد مُسلم: " قد ظَنَنْت أَن بَعْضكُم خالجنيها ".
أَي نازعنيها، كَأَنَّهُ ينْزع ذَلِك من لِسَانه، ويخلط عَلَيْهِ لموْضِع جهره بهَا، وأصل الخلج الجذب والنزع.
٤٥٩ - / ٥٦١ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " يدْخل الْجنَّة سَبْعُونَ ألفا بِغَيْر حِسَاب " قَالُوا: وَمن هم يَا رَسُول الله؟ قَالَ: " هم الَّذين لَا يَكْتَوُونَ ولايسترقون ".
فَإِن قَالَ قَائِل: قد أكد هَذَا الحَدِيث مَا روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن أَن النَّبِي ﷺ نهى عَن الكي. فَكيف الْجمع بَين هَذَا وَبَين مَا سَيَأْتِي فِي مُسْند جَابر أَن النَّبِي ﷺ بعث إِلَى أبي بن كَعْب طَبِيبا يقطع لَهُ عرقا وكواه. وَلما رمي سعد بن معَاذ فِي أكحله حسمه النَّبِي ﷺ، ثمَّ ورمت فحسمت ثَانِيَة. وَفِي الصَّحِيح أَنه رخص فِي الرّقية من الْعين والحمة، وَقَالَ للَّذي رقى بِفَاتِحَة الْكتاب: " وَمَا يدْريك أَنَّهَا رقية؟ ".
[ ١ / ٤٨٠ ]
فَالْجَوَاب: أما الكي فعلى خَمْسَة أضْرب: أَحدهَا: كي الصَّحِيح لِئَلَّا يسقم، كَمَا يفعل كثير من الْعَجم. وَالثَّانِي: أَن كثيرا من الْعَرَب يعظمون أَمر الكي على الْإِطْلَاق وَيَقُولُونَ إِنَّه يحسم الدَّاء وَإِذا لم يفعل عطب صَاحبه، فَيكون النَّهْي عَن الكي على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ، وَتَكون الْإِبَاحَة لمن طلب الشِّفَاء وَرَجا الْبُرْء من فضل الله ﷿ عِنْد الكي، فَيكون الكي سَببا لَا عِلّة.
وَالْوَجْه الثَّالِث: أَن يكون نهى عَن الكي فِي عِلّة علم أَنه لَا ينجع فِيهَا، وَقد كَانَ عمرَان بِهِ عِلّة الناصور، فَيحْتَمل أَن يكون نَهَاهُ عَن الكي فِي مَوضِع من الْبدن لَا يُؤمن فِيهِ الْخطر.
وَالْوَجْه الرَّابِع: كي الْجرْح إِذا نغل والعضو إِذا قطع، فَهَذَا دَوَاء مَأْمُور بِهِ كَمَا يُؤمر باتقاء الْحر وَالْبرد.
وَالْوَجْه الْخَامِس: اسْتِعْمَال الكي على وَجه اسْتِعْمَال الدَّوَاء فِي أَمر يجوز أَن ينجح فِيهِ وَيجوز أَلا ينجح، كَمَا تسْتَعْمل أَكثر الْأَدْوِيَة، وَرُبمَا لم يفد، فَهَذَا يخرج المتَوَكل عَن التَّوَكُّل.
وَعِنْدنَا أَن ترك التَّدَاوِي بالكي فِي مثل هَذَا الْحَال أفضل.
وَأما الرّقية فعلى ضَرْبَيْنِ: رقية لَا تفهم، فَرُبمَا كَانَت كفرا فينهى عَنْهَا لذَلِك الْمَعْنى. وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " لَا بَأْس بالرقى مَا لم تكن شرك ". ورقية جَائِزَة فَهَذِهِ على ضَرْبَيْنِ: رقية يعْتَقد
[ ١ / ٤٨١ ]
فِيهَا أَنَّهَا تدفع مَا سيعرض، فَهَذِهِ مَنْهِيّ لهَذَا الْمَعْنى. ورقية لما قد حدث، فَهَذِهِ مرخص فِيهَا. وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: لَا بَأْس بالرقية من الْعين، وَسَأَلَهُ مهنا عَن الرجل تَأتيه الْمَرْأَة مسحورة فيطلق عَنْهَا السحر فَقَالَ: لَا بَأْس.
وَأما الِاسْتِشْفَاء بِالْقُرْآنِ وَالدُّعَاء فَهُوَ فِي معنى الرقيه فَلَا يكره بِحَال.
وَقَوله: " وَلَا يَتَطَيَّرُونَ " التطير: التشاؤم بالشَّيْء ترَاهُ أَو تسمعه وتتوهم وُقُوع الْمَكْرُوه بِهِ، واشتقاقه من الطير، كتطيرهم من الْغُرَاب رُؤْيَة وصوتا، ثمَّ اسْتمرّ ذَلِك فِي كل مَا يتطير بِرُؤْيَتِهِ وصوته. فالمؤمنون يضيفون الْكل إِلَى تَقْدِير الله ﷿ وَلَا يلتفتون إِلَى هَذِه الْأَشْيَاء، وَلِهَذَا وَصفهم فَقَالَ: " وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ " أَي يعتمدون عَلَيْهِ.
قَوْله: فَقَامَ عكاشة. عكاشة هُوَ ابْن مُحصن بن حرثان، وَيُقَال عكاشة بتَشْديد الْكَاف، شهد بَدْرًا.
وَقَوله: فَقَامَ رجل فَقَالَ: ادْع الله أَن يَجْعَلنِي مِنْهُم. اخْتلفُوا فِي هَذَا الرجل، فَقَالَ قوم: كَانَ منافقا؛ أخبرنَا مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور قَالَ: أخبرنَا أَبُو عبد الله أَحْمد بن أَحْمد الوَاسِطِيّ إِذْنا قَالَ: أخبرنَا أَبُو أَحْمد الفرضي قَالَ: أخبرنَا أَبُو عمر النَّحْوِيّ قَالَ: سَأَلت ثعلبا: لم قَالَ للْأولِ نعم وَللثَّانِي لَا؟ قَالَ: الأول مُؤمن وَالْآخر مُنَافِق، فَلم
[ ١ / ٤٨٢ ]
يقل لَهُ: أَنْت مُنَافِق، فَقَالَ لَهُ: " سَبَقَك بهَا عكاشة ". وَقد روى الدَّارَقُطْنِيّ عَن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى البرتي القَاضِي أَنه قَالَ: يُقَال إِن هَذَا الرجل كَانَ منافقا فَأَجَابَهُ النَّبِي ﷺ بمعاريض الْكَلَام. وَقد روى أَبُو بكر الْخَطِيب بِإِسْنَاد لَهُ عَن مُجَاهِد أَنه قَالَ: هَذَا الرجل هُوَ سعد بن عبَادَة. فَإِن صَحَّ هَذَا فسعد بَرِيء من النِّفَاق، وَإِنَّمَا يكون الْمَنْع لأحد ثَلَاثَة أَشْيَاء: إِمَّا لكَون سعد مَا بلغ تِلْكَ الْمنزلَة، فَإِنَّهُ لم يشْهد بَدْرًا، فَمَنعه الْمقَام الْأَعْلَى بالتعريض. وَإِمَّا لِأَن طلب هَذِه الْمنزلَة يحْتَاج إِلَى حرقة قلب من الطَّالِب، فَلَعَلَّهُ لم يملك حرقة قلب عكاشة وَإِنَّمَا سَمعه يطْلب فَطلب، وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَو أَجَابَهُ لقام آخر وَآخر، فَرُبمَا تعرض بِهَذِهِ الْفَضِيلَة من لَا يَسْتَحِقهَا، فاقتصر على الأول لِئَلَّا يَقع رد للْبَعْض.
٤٦٠ - / ٥٦٢ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: أَن رجلا أعتق سِتَّة مملوكين لَهُ عِنْد مَوته لم يكن لَهُ مَال غَيرهم، فَدَعَاهُمْ رَسُول الله ﷺ فجزأهم أَثلَاثًا ثمَّ أَقرع بَينهم، فَأعتق اثْنَيْنِ وأرق أَرْبَعَة وَقَالَ لَهُ قولا شَدِيدا.
فَدلَّ بِهَذَا الحَدِيث على أَن الْعَمَل بِالْقُرْعَةِ، والقرعة: أَن يكْتب اسْم كل وَاحِد مِنْهُم فِي رقْعَة، وتدرج كل رقْعَة فِي بندقة من طين أَو شمع وَتَكون البنادق مُتَسَاوِيَة فِي الْقدر وَالْوَزْن، ثمَّ تطرح فِي حجر رجل لم يحضر ذَلِك. وَقَالَ أَبُو حنيفَة فِي مثل هَذِه الْقَضِيَّة: يعْتق من كل وَاحِد ثلثه ويستسعى فِي الْبَاقِي، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ يَقُول إِذا أعتق ثَلَاثَة مماليك لَا يملك غَيرهم فِي مَرضه فَمَاتَ أحدهم قبل موت الْمُعْتق، فَإنَّا نقرع بَين الْمَيِّت والحيين، فَإِن خرجت على الْمَيِّت حكمنَا بِأَنَّهُ مَاتَ
[ ١ / ٤٨٣ ]
حرا، وَإِن خرجت على أحد الْأَحْيَاء حكمنَا بِأَنَّهُ مَاتَ رَقِيقا. وَقَالَ مَالك: الْمَيِّت رَقِيق بِكُل حَال، ويقرع بَين الْحَيَّيْنِ.
وَقَوله: وَقَالَ لَهُ قولا شَدِيدا. أَي أغْلظ لَهُ فِي إقدامه على إِخْرَاج مَال قد تعلّقت بِهِ حُقُوق الْوَرَثَة.
٤٦١ - / ٥٦٤ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: أسر أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ رجلا وَأَصَابُوا مَه العضباء.
العضباء اسْم لناقة رَسُول الله ﷺ، وَهِي الَّتِي تسمى بالجدعاء والقصواء. قَالَ ابْن الْمسيب: كَانَ فِي طرف أذنها جدع. وَقَالَ الْخطابِيّ: قطع من أذنها فسميت الْقَصْوَاء. وَهَذِه النَّاقة أَصَابَهَا رَسُول الله ﷺ من هَذَا الرجل المأسور، وَكَانَ من بني عقيل، وأسرت امْرَأَة من الْأَنْصَار، وَأُصِيبَتْ العضباء أَي أَخذهَا الْعَدو.
وَقَوله: يريحون نعمهم بَين يَدي بُيُوتهم: أَي يردونها إِلَى مَوضِع مبيتهم.
والمنوقة: المذللة، مثل قَوْله مدربة.
ونذروا بهَا: علمُوا.
وَقَوله: " بئس مَا جزتها " وَذَلِكَ لِأَن هَذِه الْمَرْأَة ركبت العضباء، فَلَمَّا سلمت عَلَيْهَا نذرت نحرها.
[ ١ / ٤٨٤ ]
وَقَوله: " لَا وَفَاء لنذر فِي مَعْصِيّة الله ". هَذَا دَلِيل على انْعِقَاده؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نفى الْوَفَاء لَا الِانْعِقَاد. وَعِنْدنَا إِن نذر الْمعْصِيَة ينْعَقد وَيكون مُوجبه كَفَّارَة يَمِين. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا ينْعَقد وَلَا يلْزم بِهِ كَفَّارَة.
وَقَوله: " فِيمَا لَا يملك العَبْد " وَهَذَا من جنس الأول، وَعِنْدنَا أَنه إِذا قَالَ: غُلَام فلَان حر لَأَفْعَلَنَّ كَذَا الْيَوْم، وَلم يفعل، فَعَلَيهِ كَفَّارَة فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي الْأُخْرَى: لَا شَيْء عَلَيْهِ.
٤٦٢ - / ٥٦٥ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: أَن رَسُول الله ﷺ صلى الْعَصْر فَسلم من ثَلَاث رَكْعَات، ثمَّ دخل منزله فَقَامَ إِلَيْهِ رجل يُقَال لَهُ الْخِرْبَاق فَذكر لَهُ صَنِيعه، فَخرج غَضْبَان حَتَّى أَتَى إِلَى النَّاس فَقَالَ: " أصدق هَذَا؟ " قَالُوا: نعم، فصلى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ، ثمَّ سلم.
ظَاهر هَذَا الحَدِيث أَنه سجد قبل السَّلَام، وَلَيْسَ كَذَلِك؛ فَإِنَّهُ سَيَأْتِي فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة مُبينًا، وَأَنه سلم ثمَّ سجد سَجْدَتَيْنِ، إِلَّا أَنه لَيْسَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة ذكر سَلام بعد السَّجْدَتَيْنِ، وَهُوَ مَذْكُور هَاهُنَا فِي مُسْند عمرَان.
وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَن كَلَام الْمُصَلِّي نَاسِيا لم يبطل الصَّلَاة،
[ ١ / ٤٨٥ ]
فَإِن النَّبِي ﷺ تكلم مُعْتَقدًا أَنَّهَا قد تمت وَأَنه لَيْسَ فِي الصَّلَاة، وَكَذَلِكَ الْخِرْبَاق تكلم مُعْتَقدًا أَنَّهَا تمت لِإِمْكَان وُقُوع النّسخ. فَأَما كَلَام بَقِيَّة النَّاس فقد رُوِيَ أَنهم أومأوا: أَي نعم، فَيكون قَول الرَّاوِي: قَالُوا: نعم، يجوز: رَوَاهُ بِالْمَعْنَى كَمَا تَقول: قلت بيَدي ورأسي، قَالَ الشَّاعِر:
(قَالَت لَهُ العينان سمعا وَطَاعَة . .)
فَإِن ثَبت هَذَا فَلَا كَلَام، وَإِن كَانُوا قَالُوا بألسنتهم فَلَا يضر لِأَنَّهُ لم ينْسَخ من الْكَلَام مَا كَانَ جَوَابا لرَسُول الله ﷺ، لقَوْله تَعَالَى: ﴿اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ﴾ [الْأَنْفَال: ٢٤] وَيدل عَلَيْهِ حَدِيث سعيد بن الْمُعَلَّى: كنت أُصَلِّي فدعاني رَسُول الله ﷺ فَلم أجبه، فَقلت: كنت أُصَلِّي، فَقَالَ: " ألم يقل الله: ﴿اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ﴾؟ " وَإِذا ثَبت أَن جَوَاب الرَّسُول وَاجِب فَلَيْسَ بمبطل.
وَقد اخْتلفت الرِّوَايَة عَن أَحْمد فِي كَلَام النَّاسِي فِي الصَّلَاة، فَروِيَ عَنهُ أَنه تبطل، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَاخْتَارَهُ أَكثر مَشَايِخنَا، وَرُوِيَ عَنهُ أَنه لَا تبطل، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَهُوَ الَّذِي أختاره. والحرف الَّذِي يتنازع فِيهِ: هَل الْكَلَام من المنافيات أَو من الْمَحْظُورَات؟ فعلى الرِّوَايَة الأولى أَنه منَاف كالحدث، وعَلى الْأُخْرَى أَنه مَحْظُور، وَلَا حظر مَعَ النسْيَان.
[ ١ / ٤٨٦ ]
٤٦٣ - / ٥٦٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: " إِن أَخا لكم قد مَاتَ فصلوا عَلَيْهِ ".
يَعْنِي النَّجَاشِيّ. قَالَ ابْن إِسْحَق: اسْم النَّجَاشِيّ أَصْحَمَة. وَهُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّة. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: إِنَّمَا النَّجَاشِيّ اسْم الْملك كَقَوْلِك هِرقل وَقَيْصَر، وَلست أَدْرِي أبالعربية هُوَ أم وفَاق وَقع بَين الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا. وَالنَّجَاشِي هُوَ الناجش، والنجش: استثارة الشَّيْء، وَمِنْه قيل للزائد فِي السّلْعَة ناجش ونجاش.
وَقد دلّ الحَدِيث على جَوَاز الصَّلَاة على الْمَيِّت الْغَائِب بِالنِّيَّةِ، وَهُوَ قَول أَحْمد وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجوز.
٤٦٤ - / ٥٦٧ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: أَن امْرَأَة لعنت ناقتها، فَقَالَ النَّبِي ﷺ: " خُذُوا مَا عَلَيْهَا ودعوها؛ فَإِنَّهَا ملعونة ".
إِن قيل: اللَّعْنَة الْبعد، وَإِنَّمَا يكون جَزَاء الذَّنب، والناقة غير مكلفة، فَكيف تقع عَلَيْهَا لعنة؟
فَالْجَوَاب من أَرْبَعَة أوجه:
أَحدهَا: أَن معنى وُقُوع اللَّعْنَة عَلَيْهَا خُرُوجهَا من الْبركَة واليمن، ودخولها فِي الشَّرّ والشؤم، وللعنة تَأْثِير فِي الأَرْض والمياه، وَسَيَأْتِي فِي مُسْند ابْن عمر أَن النَّاس نزلُوا مَعَ رَسُول الله ﷺ أَرض ثَمُود واستقوا من بئارها واعتجنوا بِهِ، فَأَمرهمْ رَسُول الله ﷺ أَن يهريقوا مَا
[ ١ / ٤٨٧ ]
استقوا من بئارها وَأَن يعلفوا الْإِبِل الْعَجِين، وَأمرهمْ أَن يسقوا من الْبِئْر الَّتِي كَانَت تردها النَّاقة. وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث أبي بَرزَة أَن امْرَأَة لعنت ناقتها، فَقَالَ النَّبِي ﷺ: " لَا تصاحبنا نَاقَة عَلَيْهَا لعنة ". وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث أبي الْيُسْر أَن رجلا لعن بعيره فَقَالَ النَّبِي ﷺ: " انْزِلْ عَنهُ، فَلَا تصحبنا بملعون. وَلَا تدعوا على أَنفسكُم، وَلَا تدعوا على أَوْلَادكُم، وَلَا تدعوا على أَمْوَالكُم، وَلَا توافقوا من الله سَاعَة يسْأَل فِيهَا عَطاء فيستجاب لكم ".
وَالثَّانِي: أَنه نهى عَن ركُوبهَا؛ لِأَن لَاعن النَّاقة ظلمها باللعن، فتخوف رُجُوع اللَّعْنَة عَلَيْهِ، قَالَ عَمْرو بن قيس: إِذا لعن الرجل الدَّابَّة قَالَت لَهُ: على أعصانا لله لعنته. ذكره ابْن الْأَنْبَارِي.
وَالثَّالِث: أَن دَعْوَة اللاعن للناقة كَانَت مجابة، وَلِهَذَا قَالَ: " إِنَّهَا ملعونة ".
وَالرَّابِع: أَنه إِنَّمَا فعل هَذَا عُقُوبَة لصَاحِبهَا لِئَلَّا يعود إِلَى مثل ذَلِك، حَكَاهُمَا الْخطابِيّ.
[ ١ / ٤٨٨ ]