١٥ -] وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ مائَة وَثَلَاثَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سَبْعَة.
٥٠٣ - / ٦٠٨ - فِي الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول قَوْله: لقد كنت على عهد رَسُول الله ﷺ غُلَاما، فَكنت أحفظ عَنهُ فَمَا يَمْنعنِي من القَوْل إِلَّا أَن هَاهُنَا رجَالًا هم أسن مني. [١٥] هَذَا الحَدِيث يُنَبه الْأَحْدَاث على التأدب للأشياخ. [١٥] وَقَوله: صلى على نفسَاء. قد بَينا معنى النّفاس فِي مُسْند عَليّ ﵇. [١٥] فَأَما قيام الرَّسُول ﵇ وسط الْمَرْأَة فَهُوَ مَذْهَب أَحْمد وَالشَّافِعِيّ. فَأَما إِذا كَانَ الْمَيِّت رجلا فعندنا يقف بحذاء صَدره. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يقف بحذاء صدر الْمَيِّت رجلا كَانَ أَو امْرَأَة. وَقَالَ مَالك: يقف عِنْد وسط الرجل، وَمن الْمَرْأَة عِنْد منكبيها. وَاخْتلف أَصْحَاب الشَّافِعِي فِي الْموقف من الرجل: فَمنهمْ من ذهب إِلَى مَذْهَبنَا، وَمِنْهُم
[ ٢ / ٣٣ ]
من قَالَ: بحذاء رَأسه. [١٥] فَإِن قيل: فالرسول ﵇ لَا يفعل شَيْئا إِلَّا لحكمة، فَمَا حِكْمَة الْفرق بَين الرجل وَالْمَرْأَة؟ [١٥] فَالْجَوَاب: أَنه لَا يفعل شَيْئا إِلَّا لحكمة، وَقد يخفى علينا وَجه الْحِكْمَة، وَقد لَا تبلغه أفهامنا، وَقد يكون المُرَاد نفس الِابْتِلَاء بِالتَّسْلِيمِ. على أَن الْحِكْمَة ظَاهِرَة هَاهُنَا: وَهُوَ أَنه إِذا كَانَ الْمَيِّت رجلا فللقيام عِنْد صَدره وَجْهَان: أَحدهمَا أَنه كالمواجهة لَهُ بِالدُّعَاءِ. وَالثَّانِي: أَن صَدره وعَاء لِلْقُرْآنِ وَالْعلم. فَأَما الْمَرْأَة فالحكمة فِي الْوُقُوف عِنْد وَسطهَا من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا أَن الْقرب من وَجههَا يُوجب فكر الْإِنْسَان فِي محَاسِن الْوَجْه، وَكَذَلِكَ فِيمَا سفل، فَكَانَ التَّوَسُّط أولى. وَالثَّانِي: أَن قيام الْإِنْسَان فِي وَسطهَا فِيهِ نوع ستر للْمَرْأَة عَن الْمَأْمُومين؛ لِأَن الْقيام عِنْد وَجههَا يرى مَعَه معظمها، وَكَذَلِكَ عِنْد مؤخرها، وَمَا كَانُوا يحملون إِلَّا على النعش. وَالثَّالِث: أَن الَّذِي تمت بِهِ الْمَرْأَة حملهَا للأولاد، فالوقوف فِي وَسطهَا إِشَارَة بِلِسَان الْحَال إِلَى السُّؤَال بِمحل حمل الْمُؤمنِينَ.
٥٠٤ - / ٦٠٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا صلى الصُّبْح أقبل عَلَيْهِم بِوَجْهِهِ فَقَالَ: " هَل رأى أحد مِنْكُم البارحة رُؤْيا؟ ". [١٥] ذكر " البارحة " تجوز من بعض الروَاة، لأَنهم كَانُوا يروون بِالْمَعْنَى،
[ ٢ / ٣٤ ]
وَهَذَا غلط مِمَّن ظن اسْتِوَاء اللَّفْظَيْنِ، وَالصَّحِيح أَنه قَالَ: اللَّيْلَة، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمد فِي " الْمسند ": " هَل رأى أحد مِنْكُم اللَّيْلَة رُؤْيا؟ " وَيدل على صِحَة مَا قُلْنَا قَوْله بعد ذَلِك: " أَتَانِي اللَّيْلَة آتيان " وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: من الْغَلَط أَن تَقول فِيمَا بَين صَلَاة الْفجْر إِلَى الظّهْر: فعلت البارحة كَذَا، وَالصَّوَاب أَن تَقول: فعلت اللَّيْلَة كَذَا إِلَى الظّهْر، وَتقول بعد ذَلِك: فعلت البارحة، إِلَى آخر الْيَوْم. [١٥] وَأما الرُّؤْيَا فَيُقَال لما كَانَ فِي النّوم، وَهِي فِي الْيَقَظَة رُؤْيَة. [١٥] وَقَوله: فيقص عَلَيْهِ: أَي يذكر مَا رأى، يَقُول: قصصت الحَدِيث أقصه قصا وقصصا: وَهُوَ الْكَلَام يتَّصل بعضه بِبَعْض، وَالْأَصْل فِيهِ الِاتِّبَاع، وَهُوَ أَن الْمُتَكَلّم يتبع مَا قد كَانَ بالْخبر عَنهُ. [١٥] وَقَوله: " ابتعثاني " أصل الْبَعْث إثارة الشَّيْء عَن مَكَانَهُ. [١٥] وَقَوله: " فيثلغ رَأسه ": أَي يشدخه. والشدخ: فضخ الشَّيْء الرطب بالشَّيْء الْيَابِس. [١٥] وَقَوله: " فيتدهدأ هَذَا الْحجر " قد روى " فيتدهده " قَالَ أَبُو عبيد: يُقَال: تدهدى الْحجر وَغَيره تدهديا، ودهديته أَنا، أدهديه دهداة ودهداء، وَيُقَال تدهدأ تدهدأ، ودهدأته أَنا أدهدئه دهدأة ودهداء: إِذا دحرجته.
[ ٢ / ٣٥ ]
[١٥] والكلوب بِفَتْح الْكَاف وَهُوَ الْكلاب، وَالْجمع فيهمَا كلاليب. [١٥] وَقَوله فيشر شَرّ شدقه، قَالَ أَبُو عبيد: أَي يقطعهُ ويشققه، قَالَ أَبُو زبيد الطَّائِي يصف الْأسد:
(يظل مغبا عِنْده من فرائس رفات عِظَام أَو غريض مشرشر)
[١٥] والشدق: جَانب الْفَم. [١٥] قَوْله: " على مثل التَّنور " التَّنور مَعْرُوف، قَالَ ابْن عَبَّاس: التَّنور بِكُل لِسَان عَرَبِيّ وأعجمي. وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ عَن ابْن دُرَيْد قَالَ: التَّنور فَارسي مُعرب، لَا تعرف لَهُ الْعَرَب اسْما غير هَذَا. [١٥] وَقَوله: " فَإِذا فِيهِ لغط " اللَّغط أصوات مختلطة لَا تفهم. [١٥] واللهب: مَا يرْتَفع من حر النَّار عِنْد اشتعالها. [١٥] وَقَوله: ضوضوا: أَي ضجوا وصاحوا بِمَا لَا يفهم مِنْهُ إِلَّا الاستغاثة مِمَّا هم فِيهِ. والضوضاة بِغَيْر همز: وَهِي أصوات النَّاس وضجيجهم. [١٥] وَقَوله: " على شط النَّهر " الشط جَانب الْوَادي، وَمثله الشاطىء. [١٥] وَقَوله: " فيفغر لَهُ فَاه " أَي يَفْتَحهُ، وَيُقَال: انفغر النُّور: إِذا تفتح. [١٥] " وألقمه حجرا " أَي جعله كاللقمة فِي فِيهِ.
[ ٢ / ٣٦ ]
[١٥] وَقَوله: " كريه الْمرْآة " المرآه والمرأي: المنظر. [١٥] ويحشها: يوقدها.: وَالرَّوْضَة: الْمَكَان المخضر من الأَرْض، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لَيْسَ شَيْء عِنْد الْعَرَب أحسن من الرياض المعشبة وَلَا أطيب مِنْهَا ريحًا، قَالَ الْأَعْشَى:
(مَا رَوْضَة من رياض الْحزن معشبة خضراء جاد عَلَيْهَا مُسبل هطل)
(يَوْمًا بأطيب مِنْهَا نشر رَائِحَة وَلَا بِأَحْسَن مِنْهَا إِذْ دنا الأَصْل)
[١٥] والمعتمة: الوافية النَّبَات، والعميم: الطَّوِيل من النَّبَات، قَالَ الْأَعْشَى:
(٠٠٠٠٠٠٠ مؤزر بعميم النبت مكتهل )
[١٥] وَنور الرّبيع: ألوان نَبَاته. [١٥] والدوحة: الشَّجَرَة الْعَظِيمَة من أَي شجر كَانَ، وَالْجمع دوح. [١٥] والمحض: اللَّبن الْخَالِص، سمي بِصفتِهِ، ثمَّ يستعار فِي مَوَاضِع فَيُقَال: هَذَا الْكَلَام صدق مَحْض، وَكذب مَحْض، وأمحضتك النَّصِيحَة: أَي لَا شوب فِي هَذِه الأِشياء من غير جِنْسهَا. [١٥] وَقَوله: " فسما بَصرِي صعدا " أَي ارْتَفع نَاحيَة الْعُلُوّ. [١٥] وَالْقصر: الْمنزل الْمَبْنِيّ. [١٥] وَأما الربابة فَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ السحابة قد ركب بَعْضهَا بَعْضًا،
[ ٢ / ٣٧ ]
وَجَمعهَا ربَاب. والربابة بِكَسْر الرَّاء شَبيهَة بالكنانة تكون فِيهَا السِّهَام. [١٥] وَقَوله: " يَأْخُذ الْقُرْآن فيرفضه " يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: يرفض تِلَاوَته حَتَّى ينساه. وَالثَّانِي: يرفض الْعَمَل لَهُ. [١٥] وَقَوله: " يبلغ الْآفَاق " الْآفَاق: النواحي. [١٥] وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: والفطرة: الْإِقْرَار بِاللَّه ﷿ والمعرفة بِهِ لَا الْإِسْلَام. وَمعنى الْفطْرَة ابْتِدَاء الْخلقَة، وَالْكل أقرُّوا حِين قَالَ: ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ [الْأَعْرَاف: ١٧٢] وَلست واجدا أحدا إِلَّا وَهُوَ مقرّ بِأَن لَهُ صانعا ومدبرا وَإِن سَمَّاهُ بِغَيْر اسْمه. وَيدل على قَوْله ابْن قُتَيْبَة قَوْله فِي هَذَا الحَدِيث: " وَأَوْلَاد الْمُشْركين ". [١٥] وَالْأَرْض المقدسة: المطهرة. [١٥] وَقَوله: " يحدث بالكذبة فَتحمل عَنهُ فيصنع بهَا " أَي يعْمل بهَا وَهَذَا تحذير من الْكَذِب إِلَّا أَنه هُنَا بِأُمُور الشَّرِيعَة أخص.
٥٠٥ - / ٦١١ وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم: " من روى عني حَدِيثا يرى أَنه كذب فَهُوَ أحد الْكَاذِبين ". [١٥] يرى بِمَعْنى يعلم، وَمن علم أَن الحَدِيث كذب لم يجز لَهُ أَن يحدث بِهِ إِلَّا على سَبِيل الْقدح فِي رَاوِيه وتبيين الْكَذِب.
[ ٢ / ٣٨ ]
٥٠٦ - / ٦١٢ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " لَا يَغُرنكُمْ من سحوركم أَذَان بِلَال ". [١٥] قد سبق شَرحه وتبيين الفجرين فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
٥٠٧ - / ٦١٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " لَا تسمين غلامك يسارا، وَلَا رباحا ". [١٥] وَقد بيّنت عِلّة هَذَا النَّهْي فِي الحَدِيث، وَكَأَنَّهُ اشتقاق من اسْتِعْمَال التطير.
٥٠٨ - / ٦١٤ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " مِنْهُم من تَأْخُذهُ النَّار إِلَى حجزته، وَمِنْهُم إِلَى ترقوته ". حجزة الْإِزَار: معقده عِنْد السره. والترقوة قد سبق بَيَانهَا فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
[ ٢ / ٣٩ ]