[١٥] وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ أَرْبَعَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَرْبَعَة.
٥٠٩ - / ٦١٥ فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: " مَا من عبد يستر عيه الله رعية يَمُوت وَهُوَ غاش لرعيته إِلَّا حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة ". [١٥] أَن لَا يمحض النَّصِيحَة. [١٥] وَقَوله: " حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة " مَحْمُول على أحد أَمريْن: إِمَّا على جنَّة مَخْصُوصَة من أشرف الْجنان، وَإِمَّا على الدُّخُول مَعَهم عِنْد ابْتِدَاء دُخُولهمْ، فَكَأَنَّهُ يُؤَخر لِلْحسابِ وَالْعَذَاب، وَقد سبق شرح هَذَا الْمَعْنى فِيمَا تقدم.
٥١٠ - / ٦١٦ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ: [١٥] عَن معقل: كَانَت لي أُخْت تخْطب. [١٥] اسْم هَذِه الْأُخْت جميل بِضَم الْجِيم وَفتح الْمِيم، ذكره عبد الْغَنِيّ
[ ٢ / ٤٠ ]
الْحَافِظ عَن الْكَلْبِيّ أَنه سمى هَذِه الْمَرْأَة فَقَالَ: جميل بنت يسَار. [١٥] وَقَوله: ﴿وَإِذا طلّقْتُم النِّسَاء﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٢] الطَّلَاق: التَّخْلِيَة، قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: هُوَ من قَول الْعَرَب: أطلقت النَّاقة فَطلقت: إِذا كَانَت مشدودة فأزلت الشد عَنْهَا وخليتها، فَشبه مَا يَقع بِالْمَرْأَةِ بذلك، لِأَنَّهَا كَانَت مُتَّصِلَة الْأَسْبَاب بِالرجلِ، وَكَانَت الْأَسْبَاب كالشد لَهَا، فَلَمَّا طَلقهَا قطع الْأَسْبَاب. وَيُقَال: طلقت الْمَرْأَة وَطلقت بِفَتْح اللَّام وَضمّهَا. وَقَالَ غَيره: هُوَ من أطلقت الشَّيْء، إِلَّا أَنهم لِكَثْرَة استعمالهم اللفظتين فرقوا بَينهمَا ليَكُون التَّطْلِيق مَقْصُورا على الزَّوْجَات. [١٥] وَقَوله: ﴿فبلغن أَجلهنَّ فَلَا تعضلوهن﴾ يُرِيد بِهِ انْقِضَاء الْعدة، بِخِلَاف قَوْله تَعَالَى فِي الْآيَة الَّتِي قبلهَا: ﴿فبلغن أَجلهنَّ فأمسكوهن﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣١] قَالَ الشَّافِعِي ﵁: دلّ اخْتِلَاف الْكَلَامَيْنِ على افْتِرَاق البلوغين. [١٥] وَقَوله: ﴿فَلَا تعضلوهن﴾ خطاب للأولياء، الْمَعْنى: فَلَا تحبسوهن، يُقَال: عضلت النَّاقة: إِذا احْتبسَ وَلَدهَا، وعضلت الدَّجَاجَة: إِذا احْتبسَ بيضها، وَيُقَال للشدائد معضلات وداء عضال: إِذا أعيا. [١٥] وَقَالَ الشَّافِعِي: وَهَذِه الْآيَة أبين آيَة فِي أَنه لَيْسَ للْمَرْأَة أَن تتَزَوَّج إِلَّا بولِي. وَقد اتّفق أَحْمد وَالشَّافِعِيّ على أَن النِّكَاح بِغَيْر ولي بَاطِل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا زوجت نَفسهَا بِشَاهِدين من كفؤ جَازَ. وَقَالَ أَبُو
[ ٢ / ٤١ ]
يُوسُف وَمُحَمّد: النِّكَاح مَوْقُوف حَتَّى يُجِيزهُ الْوَلِيّ أَو الْحَاكِم.
٥١١ - / ٦١٧ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم: " الْعِبَادَة فِي الْهَرج كهجرة إِلَيّ ". [١٥] الْهَرج: الْقِتَال والاختلاط. وَإِذا عَمت الْفِتَن اشتغلت الْقُلُوب، وَإِذا تعبد حِينَئِذٍ متعبد دلّ على قُوَّة اشْتِغَال قلبه بِاللَّه ﷿ فيكثر أجره.
٥١٢ - / ٦١٨ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: لقد رَأَيْتنِي يَوْم الشَّجَرَة وَالنَّبِيّ ﷺ يُبَايع النَّاس. [١٥] هَذِه الْبيعَة كَانَت فِي غزَاة الْحُدَيْبِيَة لسنة سِتّ من الْهِجْرَة، وسببها أَن النَّبِي ﷺ كَانَ قد خرج يقْصد الْعمرَة، فَلَمَّا بلغ الْمُشْركين خُرُوجه أجمع رَأْيهمْ على صده عَن الْمَسْجِد الْحَرَام وَخَرجُوا بعسكرهم، فَسَار رَسُول الله ﷺ حَتَّى دنا من الْحُدَيْبِيَة، وَهِي طرف الْحرم على تِسْعَة أَمْيَال من مَكَّة، فوقفت يدا رَاحِلَته، فَقَالَ الْمُسلمُونَ: حل حل، يزجرونها، فَأَبت، فَقَالُوا: خلأت الْقَصْوَاء، فَقَالَ: " مَا خلأت، وَلَكِن حَبسهَا حَابِس الْفِيل. أما وَالله لَا يَسْأَلُونِي الْيَوْم خطة فِيهَا تَعْظِيم حُرْمَة الله إِلَّا أَعطيتهم إِيَّاهَا " ثمَّ جرها فَقَامَتْ، فولى رَاجعا حَتَّى نزل بِالنَّاسِ على ثَمد من أثماد الْحُدَيْبِيَة قَلِيل المَاء، فَانْتزع سَهْما من كِنَانَته فغرزه فِيهَا، فَجَاشَتْ لَهُم بِالرَّوَاءِ، وجاءه بديل بن وَرْقَاء فِي ركب
[ ٢ / ٤٢ ]
فَقَالُوا: جئْنَاك من عِنْد قَوْمك يقسمون بِاللَّه لَا يخلون بَيْنك وَبَين الْبَيْت حَتَّى تبيد خضراؤهم، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: " إِنَّا لم نأت لقِتَال أحد، إِنَّمَا جِئْنَا لنطوف بِهَذَا الْبَيْت، فَمن صدنَا عَنهُ قَاتَلْنَاهُ " فَرجع بديل فَأخْبرهُم. وَأرْسل رَسُول الله ﷺ إِلَيْهِم عُثْمَان بن عَفَّان فَقَالَ لَهُ: " أخْبرهُم أَنا لم نأت لقِتَال أحد، وَإِنَّمَا جِئْنَا زوارا لهَذَا الْبَيْت معظمين لِحُرْمَتِهِ، مَعنا الْهَدْي ننحره وننصرف " فَأَتَاهُم فَأخْبرهُم، فَقَالُوا: لَا كَانَ هَذَا أبدا، وَلَا يدخلهَا الْعَام. وَبلغ رَسُول الله ﷺ أَن عُثْمَان قد قتل، فَحِينَئِذٍ دَعَا الْمُسلمين إِلَى الْبيعَة وَهِي بيعَة الرضْوَان فبايعهم تَحت الشَّجَرَة، قَالَ سَلمَة بن الْأَكْوَع: بَينا نَحن قَائِلُونَ زمن الْحُدَيْبِيَة نَادَى مُنَادِي رَسُول الله ﷺ: أَيهَا النَّاس، الْبيعَة، الْبيعَة، نزل روح الْقُدس. فثرنا إِلَى رَسُول الله ﷺ تَحت الشَّجَرَة فَبَايَعْنَاهُ. وَإِنَّمَا سميت بيعَة لأَنهم باعوا أنفسهم من الله ﷿ بِالْجنَّةِ، وَكَانَت الشَّجَرَة سَمُرَة، والسمرة وَاحِدَة السمر، وَهُوَ شجر الطلح. ثمَّ آل الْأَمر إِلَى أَن جرى بَين رَسُول الله ﷺ وَبَين قُرَيْش الصُّلْح، على أَن يرجع وَيعود فِي الْعَام الْمقبل. [١٥] وَفِي هَذَا الحَدِيث: وَنحن أَرْبَعَة عشرَة مائَة. وَمثله يَقُول جَابر، والبراء، وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع. وَفِي رِوَايَة عَن جَابر: كُنَّا ألفا وَخَمْسمِائة. وَعَن عبد الله بن أبي أوفى كُنَّا ألفا وثلاثمائة.
[ ٢ / ٤٣ ]