[١٥] شهد مَعَ رَسُول الله ﷺ جَمِيع الْمشَاهد، وَهُوَ أول من كتب الْوَحْي لرَسُول الله ﷺ، وَأحد الَّذين حفظوا الْقُرْآن على عهد رَسُول الله ﷺ، وَأمر النَّبِي ﷺ أَن يقْرَأ عَلَيْهِ، وَكَانَ عمر يَقُول لَهُ: هَذَا سيد الْمُسلمين. [١٥] وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ مائَة حَدِيث وَأَرْبَعَة وَسِتُّونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَرْبَعَة عشر.
٥٣٤ - / ٦٤٥ فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: قَالَ ابْن عَبَّاس: تماريت أَنا وصاحبي فِي صَاحب مُوسَى. [١٥] صَاحبه هُوَ الْحر بن قيس الْفَزارِيّ. والمراء: المجادلة على طَرِيق الشَّك. [١٥] وَالْمَلَأ: الْأَشْرَاف الَّذين هم الْوُجُوه، وَقيل لَهُم مَلأ لأَنهم مليئون بِمَا يُرَاد مِنْهُم، وَقيل: لأَنهم تملأ الصُّدُور هيبتهم. [١٥] فَأَما نوف الْبكالِي فَهُوَ من أهل الشَّام. وبكالة من حمير.
[ ٢ / ٥٩ ]
[١٥] قَالَ الْخطابِيّ: وَمعنى كذب: أَخطَأ، وَالْعرب تضع الْكَذِب مَوضِع الْخَطَأ فَتَقول: كذب سَمْعِي، وَكذب بَصرِي، قَالَ الأخطل:
(كذبتك عَيْنك أم رَأَيْت بواسط غلس الظلام من الربَاب خيالا)
[١٥] وَإِسْرَائِيل هُوَ يَعْقُوب، وَقد تقدم الْكَلَام فِي هَذَا الِاسْم. [١٥] و" الْخضر " لقب، وَفِي اسْمه ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهمَا: اليسع، قَالَه وهب وَمُقَاتِل. وَالثَّانِي: أرميا بن حلفيا، ذكره ابْن الْمُنَادِي. وَالثَّالِث: إيليا بن ملكان، حَكَاهُ عَليّ بن أَحْمد النَّيْسَابُورِي. [١٥] وَفِي سَبَب تَسْمِيَته بالخضر قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه جلس على فَرْوَة بَيْضَاء فاهتزت خضراء، وَسَيَأْتِي فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ. والفروة: الأَرْض الْيَابِسَة، وَقيل: الفروة: جلد وَجه الأَرْض. وَالثَّانِي: أَنه كَانَ إِذا جلس اخضر مَا حوله، قَالَه عِكْرِمَهْ. وَقَالَ مُجَاهِد: وَكَانَ إِذا صلى اخضر مَا حوله. [١٥] وَإِنَّمَا عوتب مُوسَى على قَوْله: أَنا أعلم، لِأَنَّهُ أطلق، فَلَو قَالَ: أَنا أعلم بِالتَّوْرَاةِ لم يلم. [١٥] وَمجمع الْبَحْرين: ملتقاهما، وهما بَحر فَارس وبحر الرّوم، فبحر فَارس نَحْو الْمشرق، وبحر الرّوم نَحْو الْمغرب. [١٥] وَفِي تَسْمِيَة الْبَلَد الَّذِي يجمعهما قَولَانِ: أَحدهمَا أفريقية، قَالَه
[ ٢ / ٦٠ ]
أبي بن كَعْب. وَالثَّانِي: طنجة، قَالَه مُحَمَّد بن كَعْب. وَسمي الْبَحْر بحرًا لسعته. والمكتل: الزبيل. وَقَوله: فَحَيْثُ تفتقد الْحُوت: أَي تفقده. والنول: الْعَطاء. [١٥] وَقَوله فِي الْغُلَام: فَأخذ الْخضر بِرَأْسِهِ فاقتلعه. وَقد روى أَنه أضجعه فذبحه، فَقَالَ مُوسَى (أقتلت نفسا زاكية) وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس (زكية)، قَالَ الْكسَائي: هما لُغَتَانِ كالقاسية والقسية. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الزاكية فِي الْبدن، والزكية فِي الدّين. [١٥] وَقَوله: " صَار المَاء مثل الكوة " يَعْنِي الفتحة. [١٥] وَالنّصب: التَّعَب. [١٥] والمسجى: المغطى بِثَوْب. [١٥] وَقَوله: على حلاوة الْقَفَا إِشَارَة إِلَى الاستلقاء على الظّهْر. [١٥] وَقَوله: أَخَذته من صَاحبه ذمَامَة أَي حَيَاء وإشفاق، من الذَّم. والتذمم للصاحب: حفظ ذمَامَة خوفًا من الذَّم إِن لم يفعل. [١٥] وَقَوله: كَانَ إِذا ذكر أحدا من الْأَنْبِيَاء بَدَأَ بِنَفسِهِ. وَذَاكَ لِأَن الْحق ﷿ قدمه عَلَيْهِم، فَقدم مَا قدم. [١٥] فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: " لَا تفضلُونِي على يُونُس "؟ [١٥] فَالْجَوَاب: أَنه إِذا قَالَ عَن وَحي أَو بِمُقْتَضى وَحي فضل نَفسه،
[ ٢ / ٦١ ]
وَإِذا تواضع حطها. [١٥] وَأما " عين الحيا " فَكَذَا رُوِيَ لنا بِغَيْر هَاء، وَالْحيَاء مَا يحيا النَّاس بِهِ. وَالْمَشْهُور فِي التعارف عين الْحَيَاة. [١٥] وَقَوله: كَانَ أَثَره فِي حجر: أَي ثقب. [١٥] والطنفسة بِكَسْر الطَّاء وَفتح الْفَاء وَهِي: بِسَاط صَغِير لَهُ خمل. وكبد الْبَحْر: متن المَاء. [١٥] وَقَوله: اسْم الْغُلَام حبشون. كَذَا فِي أصل الْحميدِي بِالْحَاء الْمُهْملَة وَبعدهَا بَاء وشين مُعْجمَة وَنون. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: جيشور. [١٥] فَإِن قيل: هلا صَبر الْخضر مَعَ مُوسَى وَلَو مُدَّة أُخْرَى. [١٥] فَالْجَوَاب من خَمْسَة أوجه: [١٥] أَحدهَا: أَنه لما شَرط مُوسَى قطع الصُّحْبَة بقوله: ﴿قَالَ إِن سَأَلتك عَن شَيْء بعْدهَا فَلَا تُصَاحِبنِي﴾ [الْكَهْف: ٧٦] عَامله الْخضر بِاخْتِيَارِهِ. [١٥] وَالثَّانِي: أَن طول الصُّحْبَة على ذَلِك الْوَجْه لَا يُفِيد؛ لِأَنَّهُ كلما رأى شَيْئا أنكرهُ وَلم يصبر. [١٥] وَالثَّالِث: أَن الْخضر علم أَن مُوسَى أَعلَى مِنْهُ منزلَة، وَإِنَّمَا بعث لَهُ لتأديبه، والتأديب يَكْفِي مِنْهُ الْيَسِير. [١٥] وَالرَّابِع: أَن الأولى كَانَت نِسْيَانا، وَالثَّانيَِة جبر عمدها بالمشارطة، وَأما الثَّالِثَة فَلم يكن لَهَا عذر. [١٥] وَالْخَامِس أَنه لما كَانَ إِنْكَار مُوسَى فِي السَّفِينَة والغلام لله تَعَالَى صَبر عَلَيْهِ الْخضر، فَلَمَّا صَار إِنْكَاره فِي الْجِدَار لحظ نَفسه وَمَكَان جوعه أوقع الْفرْقَة.
[ ٢ / ٦٢ ]
٥٣٥ - / ٦٤٦ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: عَن أبي أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله، إِذا جَامع الرجل الْمَرْأَة وَلم ينزل. قَالَ: يغسل مَا مس الْمَرْأَة مِنْهُ ثمَّ يتَوَضَّأ وَيُصلي. [١٥] هَذَا كَانَ فِي أول الْإِسْلَام ثمَّ نسخ على مَا بَينا فِي مُسْند عُثْمَان بن عَفَّان. ٥٣٦ / ٦٤٧ وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: ذكر اللّقطَة. [١٥] اعْلَم أَن اللّقطَة على ضَرْبَيْنِ: أَحدهمَا الْإِبِل وَالْبَقر وَالْبِغَال وَالْحمير والظباء، فَهَذِهِ عندنَا لَا يجوز التقاطها، بل يجب تَركهَا إِلَّا أَن يَأْخُذهَا الإِمَام لحفظها، وَهَذَا قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز التقاطها. فَأَما الشَّاة فَفِيهَا عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: لَا يجوز التقاطها أَيْضا، وَالثَّانِي: يجوز كَقَوْل بَاقِي الْفُقَهَاء. [١٥] وَأما غير هَذَا من اللّقطَة مثل الْأَثْمَان وَالْعرُوض، فَيَنْبَغِي لمن يلتقطها أَن ينظر فِي حَال نَفسه: فَإِن علم من نَفسه قلَّة الْأَمَانَة: لم يجز لَهُ أَخذهَا، وَإِن علم من نَفسه الْأَمَانَة وَالْقُوَّة على تَعْرِيفهَا فقد نَص أَحْمد على أَن الْأَفْضَل تَركهَا لَا أَخذهَا، وَفِي قَوْله زيد وسلمان لسويد: دع السَّوْط، دَلِيل على أَن ترك اللّقطَة أفضل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الْأَفْضَل أَخذهَا. وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ: أَحدهمَا: مثل هَذَا، وَالثَّانِي: يجب عَلَيْهِ أَخذهَا. وَسُئِلَ ابْن عقيل فَقيل لَهُ: أجد صرة من الذَّهَب
[ ٢ / ٦٣ ]
أَو دملجا أَو سوارا، فَهَل آخذه أم أتركه؟ فَقَالَ: إِن وجدت فِي نَفسك مَسَرَّة ببادرة الوجدان ففتش عَن سَبَب المسرة، فَإِن كَانَت مسرتك لحفظ ذَلِك على صَاحبه، وَكَيف وَقعت بِيَدِك دون غَيْرك فَخذهَا، فقد لَا يحظى صَاحبهَا بمثلك، وَإِن كَانَت مسرتك لوجدانك، وَكنت بإخفائها وَترك تَعْرِيفهَا أسر فَلَا تأخذها، كَمَا إِذا اتّفقت مَعَ امْرَأَة أَجْنَبِيَّة فِي رفْقَة، فَوجدت المسرة بخلو تِلْكَ الرّفْقَة فاهرب، فَمَا تِلْكَ المسرة إِلَّا لما بعْدهَا من الانبساط، هَذَا الله فقه النُّفُوس الَّذِي قَالَ فِيهِ الرَّسُول ﵇: " استفت نَفسك " قَالَ: وَكَذَلِكَ استفت نَفسك فِي مِقْدَار مَا تعرفه فَكلما علمت أَنَّك تتطلبه وتتوق إِلَيْهِ إِذا سقط مِنْك فَعرفهُ. [١٥] وَأما أمره فِي هَذَا الحَدِيث بالتعريف ثَلَاثَة أَحْوَال فَلَا نعلم خلافًا فِي أَنه لَا يجب التَّعْرِيف أَكثر من حول وَاحِد، فَلَا تَخْلُو هَذِه الرِّوَايَة من ثَلَاثَة أَشْيَاء. أما أَن تكون غَلطا من الرَّاوِي؛ فقد دلّ على هَذَا الْوَجْه مَا فِي تَمام الحَدِيث من قَول شُعْبَة: فَسمِعت سَلمَة بن كهيل بعد عشر سِنِين يَقُول: عرفهَا عَاما وَاحِدًا. وَالثَّانِي: أَن يكون علم ﵇ أَنه لم يَقع تَعْرِيفهَا كَمَا يَنْبَغِي فَلم يحْتَسب لَهُ بالتعريف الأول، كَمَا قَالَ للَّذي صلى وَلم يُحَقّق الصَّلَاة: " ارْجع فصل، فَإنَّك لم تصل " وَالثَّالِث: أَن يكون قد دله على الْوَرع، وَهُوَ اسْتِعْمَال مَا لَا يلْزم. [١٥] وَأما الْوِعَاء فالظرف الَّذِي هِيَ فِيهِ، والوكاء: الْخَيط الَّذِي يشد بِهِ رَأس الصرة أَو الْقرْبَة
[ ٢ / ٦٤ ]
[١٥] وَقَوله: " فَإِن جَاءَ صَاحبهَا وَإِلَّا فاستمتع بهَا " وَفِي رِوَايَة: " وَإِلَّا فَهِيَ كسبيل مَالك " وَفِي هَذَا دَلِيل على أَنه يملكهَا بعد التَّعْرِيف. وَعِنْدنَا أَن اللّقطَة إِذا كَانَت أثمانا وَعرفهَا حولا ملكهَا، فَأَما إِذا كَانَت عرُوضا أَو حليا أَو ضَالَّة فَإِنَّهُ لَا يملكهَا وَلَا ينْتَفع بهَا، سَوَاء كَانَ غَنِيا أَو فَقِيرا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يملك شَيْئا من اللقطات بِحَال وَلَا ينْتَفع بهَا إِذا كَانَ غَنِيا، فَإِن كَانَ فَقِيرا جَازَ لَهُ الِانْتِفَاع بهَا. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَدَاوُد: يملك جَمِيع اللقطات غَنِيا كَانَ أَو فَقِيرا، وَيتَخَرَّج لنا مثله. وَاخْتلف الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ يملكهَا: هَل تدخل فِي ملكه بِاخْتِيَارِهِ أَو بِغَيْر اخْتِيَاره، فعندنا أَنه إِذا عرف الْأَثْمَان حولا دخلت فِي ملكه بِغَيْر اخْتِيَاره. وَاخْتلف أَصْحَاب الشَّافِعِي: فَمنهمْ من قَالَ كَقَوْلِنَا، وَمِنْهُم من قَالَ: لَا يملكهَا إِلَّا بِاخْتِيَارِهِ، ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ، فَقَالَ قوم مِنْهُم: يفْتَقر إِلَى نِيَّته وَلَفظه واختياره وتصرفه. وَقَالَ آخَرُونَ: يفْتَقر إِلَى نِيَّته وتصرفه، وَقَالَ آخَرُونَ يفْتَقر إِلَى نِيَّته فَقَط. فَأَما إِذا جَاءَ صَاحبهَا بعد الْحول فَإِنَّهُ يغرمها لَهُ، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد ابْن حَنْبَل، وَقَالَ دَاوُد: لَا يغرم. [١٥] وَقَوله فِي الحَدِيث: " فَإِن جَاءَ أحد يخبر بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إِيَّاه " فَهَذَا دَلِيل على أَن من أخبر بِهَذِهِ الْأَشْيَاء من غير بَيِّنَة دفعت إِلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَأحمد وَدَاوُد، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: لَا تدفع إِلَّا بِبَيِّنَة.
[ ٢ / ٦٥ ]
٥٣٧ - / ٦٤٨ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ: [١٥] قَالَ عمر: اقرؤنا أبي، وأقضانا عَليّ، وَإِنَّا لندع من قَول أبي؟ وَذَلِكَ أَن أَبَيَا يَقُول: لَا أدع شَيْئا سمعته من رَسُول الله ﷺ وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننساها﴾ [الْبَقَرَة: ١٠٦] . [١٥] وَأما قَول: أقرؤنا أبي وأقضانا عَليّ، فَإِنَّهُ قد يغلب على الْإِنْسَان من فنون الْعلم فن يفوق بِهِ، وَقد يرْزق فِي ذَلِك الْفَنّ من التَّصَرُّف مَا لَا يرزقه غَيره وَإِن شَاركهُ فِي الْعلم. [١٥] وَقَوله: وَإِنَّا لندع من قَول أبي. يَعْنِي: من قِرَاءَته، وَقد بَين السَّبَب فِي ذَلِك وَهُوَ أَن الْعَمَل على الْعرض الْأَخير، وَقد كَانَ النَّبِي ﷺ يعرض الْقُرْآن على جِبْرِيل، وَعرضه عَلَيْهِ قبل مَوته مرَّتَيْنِ.
٥٣٨ - / ٦٤٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " لَو أَن لِابْنِ آدم وَاديا من ذهب لأحب أَن يكون لَهُ واديان، وَلنْ يمْلَأ فَاه إِلَّا التُّرَاب "، وَكُنَّا نرى هَذَا من الْقُرْآن حَتَّى نزل قَوْله ﴿أَلْهَاكُم التكاثر﴾ . [١٥] اعْلَم أَن آثر الْأَشْيَاء عِنْد الْإِنْسَان نَفسه، فَأحب الْأَشْيَاء إِلَيْهِ بَقَاؤُهَا، ولشدة حبه الْبَقَاء لَا يَنْقَطِع أمله من الْحَيَاة وَلَو عاين الْمَوْت، فَلَمَّا كَانَ المَال سَببا للحياة أحب سَبَب الْبَقَاء والاستكثار مِنْهُ لحبه الْبَقَاء. وَقَوله: " وَلنْ يمْلَأ فَاه إِلَّا التُّرَاب " الْإِشَارَة بِالْمَعْنَى إِلَى حرصه، وبالصورة إِلَى دَفنه فِي الْقَبْر.
[ ٢ / ٦٦ ]
[١٥] وَهَذَا الحَدِيث: مِمَّا كَانَ يُتْلَى فِي الْقُرْآن، ثمَّ نسخ لَفظه وَبَقِي حكمه، وَهَذَا معنى قَول أبي: كُنَّا نرى هَذَا من الْقُرْآن. وَقَوله حَتَّى نزلت: ﴿أَلْهَاكُم التكاثر﴾ أَي أَنَّهَا أَثْبَتَت هَذَا الْمَعْنى.
٥٣٩ - / ٦٥٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: سَأَلت أبي بن كَعْب عَن المعوذتين، قلت: إِن أَخَاك ابْن مَسْعُود يَقُول كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: سَأَلت رَسُول الله ﷺ، فَقَالَ: " قيل لي فَقلت " فَنحْن نقُول كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ. [١٥] الَّذِي كنى عَنهُ من قَول ابْن مَسْعُود كَأَنَّهُ الْإِشَارَة إِلَى أَنه كَانَ لَا يثبتها فِي مصحفه وَلَا يَرَاهَا من الْقُرْآن. وَقَوله: " قيل لي فَقلت " دَلِيل على أَنَّهَا من الْوَحْي، وَقد كَانَ الْأَمر فِي زمن ابْن مَسْعُود مُحْتملا للتأويلات، فَأَما الْآن فانعقد الْإِجْمَاع.
٥٤٠ - / ٦٥١ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع " إِن من الشّعْر حِكْمَة ". الْحِكْمَة: الْكَلَام الْمُحكم لَفظه، الْوَاقِع مَعْنَاهُ، وَكَانَ ﷺ يُعجبهُ ذَلِك الْفَنّ من الشّعْر.
أخبرنَا عمر بن أبي الْحسن البسطامي قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن أبي مَنْصُور قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن أبي أَحْمد الْخُزَاعِيّ قَالَ: أخبرنَا الْهَيْثَم بن كُلَيْب قَالَ: أخبرنَا التِّرْمِذِيّ قَالَ: حَدثنَا أَحْمد ابْن منيع قَالَ: حَدثنَا مَرْوَان بن مُعَاوِيَة عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الطَّائِفِي عَن عَمْرو بن الشريد عَن أَبِيه قَالَ: كنت ردف النَّبِي ﷺ فَأَنْشَدته مائَة قافية من قَول أُميَّة بن أبي الصَّلْت، كلما أنشدته بَيْتا قَالَ
[ ٢ / ٦٧ ]
لي النَّبِي ﷺ: " هيه " حَتَّى أنشدته مائَة - يَعْنِي مائَة بَيت، فَقَالَ النَّبِي ﷺ: " إِن كَاد ليسلم ".
٥٤١ - / ٦٥٢ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم: قيل لأبي: إِن ابْن مَسْعُود يَقُول: من قَامَ السّنة أصَاب لَيْلَة الْقدر. فَقَالَ أبي: وَالله إِنَّهَا لفي رَمَضَان، وَإِنَّهَا لَيْلَة سبع وَعشْرين. وَأما تَسْمِيَتهَا بليلة الْقدر فَفِيهَا خَمْسَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن الْقدر: العظمة، من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا قدرُوا الله حق قدره﴾ [الْأَنْعَام: ٩١] وَهَذَا قَول الزُّهْرِيّ. [١٥] وَالثَّانِي: أَن من التَّضْيِيق، من قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن قدر عَلَيْهِ رزقه﴾ [الطَّلَاق: ٧] فَهِيَ لَيْلَة تضيق فِيهَا الأَرْض عَن الْمَلَائِكَة، وَهَذَا قَول الْخَلِيل بن أَحْمد. وَالثَّالِث: أَن الْقدر: الحكم، كَأَن الْأَشْيَاء تقدر فِيهَا، قَالَه ابْن قُتَيْبَة. وَالرَّابِع: لِأَن من لم يكن لَهُ قدر صَار بمراعاتها ذَا قدر، قَالَه أَبُو بكر الْوراق. وَالْخَامِس: لِأَنَّهُ أنزل فِيهَا كتاب ذُو قدر، وتنزل فِيهَا رَحْمَة ذَات قدر، وملائكة ذَوُو قدر، ذكره شَيخنَا عَليّ بن عبيد الله.
[ ٢ / ٦٨ ]
وَاخْتلف النَّاس: هَل هِيَ بَاقِيَة أم كَانَت فِي زمن النَّبِي ﷺ خَاصَّة؟ وَالصَّحِيح بَقَاؤُهَا. [١٥] وَاخْتلفُوا فِي أخص اللَّيَالِي بهَا على سِتَّة أَقْوَال: [١٥] أَحدهَا: أول لَيْلَة من رَمَضَان، قَالَه أَبُو رزين الْعقيلِيّ. [١٥] وَالثَّانِي: لَيْلَة ثَمَانِي عشرَة، قَالَه الْحسن. [١٥] وَالثَّالِث: لَيْلَة إِحْدَى وَعشْرين، وَهُوَ اخْتِيَار الشَّافِعِي. [١٥] وَالرَّابِع: لَيْلَة ثَلَاث وَعشْرين، وَهُوَ مَذْهَب عبد الله بن أنيس. [١٥] وَالْخَامِس: لَيْلَة خمس وَعشْرين، وَهُوَ مَذْهَب أبي بكرَة. [١٥] وَالسَّادِس: لَيْلَة سبع وَعشْرين، وَهُوَ مَذْهَب عَليّ وَأبي بن كَعْب وَابْن عَبَّاس وَمُعَاوِيَة وَعَائِشَة وَأحمد بن حَنْبَل.
٥٤٢ - / ٦٥٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: كنت فِي الْمَسْجِد، فَدخل رجل يُصَلِّي، فَقَرَأَ قِرَاءَة أنكرتها، ثمَّ دخل آخر فَقَرَأَ قِرَاءَة سوى قِرَاءَة صَاحبه، فَلَمَّا قضينا الصَّلَاة. دَخَلنَا جَمِيعًا على رَسُول الله ﷺ، فَقَرَأَ فَحسن النَّبِي ﷺ شَأْنهمَا، فَسقط فِي نَفسِي من التَّكْذِيب وَلَا إِذْ كنت فِي الْجَاهِلِيَّة. [١٥] الْمَعْنى: وسوس لي الشَّيْطَان، وَلَو اعْتقد ذَلِك لخرج من الْإِسْلَام، وحوشي. [١٥] وَقَوله: فَضرب رَسُول الله ﷺ فِي صَدْرِي، وَذَلِكَ إزعاج لَهُ عَن
[ ٢ / ٦٩ ]
محادثة الوسوسة. [١٥] وَقَوله: " هون عَليّ أمتِي " أَي خفف. [١٥] وَلما جعلت للرسول ﵇ مسَائِل يُجَاب فِيهَا، جعلهَا كلهَا لأمته، وَهَذَا غَايَة الْكَرم، لِأَنَّهُ علم مَا تفعل بهم الْخَطَايَا. [١٥] وَقد سبق الْكَلَام فِي معنى سَبْعَة أحرف فِي مُسْند عمر. [١٥] وَقَوله: " يرغب إِلَيّ الْخلق كلهم حَتَّى إِبْرَاهِيم " وَهَذَا لِأَن النَّاس إِذا خَرجُوا من الْقُبُور أَقَامُوا مُدَّة لَا يفصل بَينهم، فيستشفعون بِآدَم، ثمَّ بِنوح، ثمَّ بإبراهيم، ثمَّ بمُوسَى، ثمَّ بِعِيسَى، ليراحوا بِالْفَصْلِ بَينهم، فَلَا يتَقَدَّم أحد فِي تِلْكَ الشَّفَاعَة على نَبينَا ﷺ، فَإِذا لم يَقع الْفَصْل إِلَّا بِشَفَاعَتِهِ فقد احْتَاجَ الْأَنْبِيَاء أَيْضا إِلَيْهِ. [١٥] وَفِي هَذَا الحَدِيث: كَانَ رَسُول الله ﷺ عِنْد أضاة بني غفار. قَالَ الْأَصْمَعِي. الأضاة: المَاء المستنقع من مسيل أَو غَيره، وَجمعه أضا مَقْصُورَة، مثل قطاة وقطا، فَإِن كسرت أَوله قلت إضاء فمددت، تَقْدِيره ثَمَرَة وثمار. وَقَالَ أَبُو عمر الزَّاهِد: يُقَال: أضاة وَجَمعهَا أضا، وَيجمع أضا إضاء، فَهُوَ جمع الْجمع. ٥٤٣ / ٦٥٥ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: لَو اشْتريت حمارا تركبه فِي الرمضاء. يَعْنِي الْحر.
[ ٢ / ٧٠ ]
٥٤٤ - / ٦٥٧ وَفِي الحَدِيث السَّادِس: " أعظم آيَة فِي الْقُرْآن: ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم﴾ " [الْبَقَرَة: ٢٥٥] . [١٥] فِي اسْم الله الَّذِي هُوَ (الله) عَن الْخَلِيل رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: أَنه اسْم علم لَيْسَ بمشتق، وَالْأُخْرَى: أَنه مُشْتَقّ. وَاخْتلف من قَالَ باشتقاقه: فَقَالَ قوم: إِنَّه مُشْتَقّ من الوله، لِأَن قُلُوب الْعباد توله نَحوه، وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال مولوه كَمَا يُقَال معبود، إِلَّا أَنهم خالفوا بِهِ الْبناء ليَكُون علما فَقَالُوا: إِلَه: كَمَا قَالُوا للمكتوب كتاب، وللمحسوب حِسَاب. وَقَالَ آخَرُونَ: أَصله من أَله الرجل يأله: إِذا تحير، لِأَن الْقُلُوب تتحير عِنْد التفكر فِي عَظمته، وَقد قيل إِنَّه الِاسْم الْأَعْظَم، وَكَذَلِكَ قيل فِي قَوْله: ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم﴾ . [١٥] قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: والقيوم: الَّذِي لَا يَزُول لَا ستقامة وَصفه بالوجود، إِذا لَا يجوز عَلَيْهِ التَّغَيُّر بِوَجْه من الْوُجُوه. قَالَ الزّجاج: القيوم: الْقَائِم بِأَمْر الْخلق. [١٥] وَفِي (القيوم) ثَلَاث لُغَات: (القيوم) وَهِي قِرَاءَة الْجُمْهُور. و(الْقيام) وَهِي قِرَاءَة عمر وَابْن مَسْعُود. و(الْقيم) وَهِي قِرَاءَة عَلْقَمَة. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وأصل القيوم: القيووم، فَلَمَّا اجْتمعت الْيَاء وَالْوَاو
[ ٢ / ٧١ ]
وَالسَّابِق سَاكن جعلتا يَاء مُشَدّدَة. وأصل الْقيام: القيوام. قَالَ الْفراء: وَأهل الْحجاز يصرفون الفعال إِلَى الفيعال، يَقُولُونَ للصواغ صياغ. [١٥] وَقَوله: " إِن لهَذِهِ الْآيَة لِسَانا " مجازه أَن الْحق ﷿ يقدس: أَي يعظم وينزه عَن السوء عِنْد الْعَرْش بِهَذِهِ الْآيَة، أَو لِأَنَّهُ مَوْصُوف بِمَا فِيهَا.
[ ٢ / ٧٢ ]