[١٥] شهد الْمشَاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ، وَكَانَ يعلم أهل الصّفة الْقُرْآن، وَهُوَ أحد النُّقَبَاء الاثْنَي عشر. وروى عَن رَسُول الله ﷺ مائَة وأحدًا وَثَمَانِينَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عشرَة. [١٥]
٥٤٩ - / ٦٦٣ - فَفِي الحَدِيث الأول: " من أحب لِقَاء الله أحب الله لقاءه " وَقد سبق بَيَانه فِي مُسْند أبي مُوسَى ".
٥٥٠ - / ٦٦٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " رُؤْيا الْمُؤمن جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة ". [١٥] وَلِهَذَا الحَدِيث وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن النُّبُوَّة لما كَانَت تَتَضَمَّن اطلاعا على أُمُور يظْهر تحقيقها فِيمَا بعد، وَقع التَّشْبِيه لرؤيا الْمُؤمن بهَا. وَالثَّانِي: أَنه لما كَانَ جمَاعَة من الْأَنْبِيَاء ثبتَتْ نبوتهم بِمُجَرَّد الْوَحْي فِي النّوم، وَجَمَاعَة أُخْرَى ابتدءوا بِالْوَحْي فِي الْمَنَام ثمَّ رقوا
[ ٢ / ٧٦ ]
إِلَى الْوَحْي واليقظة، حسن التَّشْبِيه. [١٥] فَإِن قيل: فَمَا وَجه حصرها بِسِتَّة وَأَرْبَعين؟ فقد قَالَ بعض الْعلمَاء: إِن رَسُول الله ﷺ بَقِي فِي النُّبُوَّة ثَلَاثًا وَعشْرين سنة، أَقَامَ مِنْهَا بِمَكَّة ثَلَاث عشرَة سنة، وَكَانَ يُوحى إِلَيْهِ فِي مَنَامه فِي أول الْأَمر سِتَّة أشهر وَهِي نصف سنة، فَصَارَت هَذِه الْمدَّة جُزْءا من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من أَيَّام نبوته. [١٥] وَقد تواطأ على رِوَايَة هَذَا اللَّفْظ جمَاعَة من الصَّحَابَة، وَأخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عبَادَة، وَأبي سعيد، وَأبي هُرَيْرَة، غير أَنه قد روى مُسلم من حَدِيث ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْء من سبعين جُزْءا من النُّبُوَّة " فعلى هَذَا تكون رُؤْيا الْمُؤمن مُخْتَلفَة، فأدناها من سبعين جُزْءا، وأعلاها من سِتَّة وَأَرْبَعين. وَقَالَ ابْن جرير: فَأَما قَوْله: " من سبعين " فعام فِي كل رُؤْيا صَالِحَة لكل مُسلم، بِأَيّ أَحْوَاله كَانَ وعَلى أَي حَال رَآهَا، وَأما جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين فحالة من يكون من أهل إسباغ الْوضُوء فِي السبرات، وَالصَّبْر على المكروهات، وانتظار الصَّلَاة بعد الصَّلَاة. قَالَ: وَقد رُوِيَ: " جُزْء من خَمْسَة وَأَرْبَعين جُزْءا " وَذَلِكَ لما بَين ذَلِك من الْأَحْوَال.
٥٥١ - / ٦٦٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِفَاتِحَة الْكتاب ".
[ ٢ / ٧٧ ]
وَهَذَا دَلِيل على تعْيين الْفَاتِحَة، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد ابْن حَنْبَل فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ، وَفِي الْأُخْرَى: يَجْزِي غَيرهَا كمذهب أبي حنيفَة. ٣٥٥٢ / ٦٦٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: بَايعنَا رَسُول الله ﷺ على السّمع وَالطَّاعَة فِي الْعسر واليسر. [١٥] الْعسر: الشدَّة، واليسر: السهولة. [١٥] والمنشط: النشاط، وَالْمكْره: مَا يكره، والأثرة: انْفِرَاد الْأَمِير عَن الرعايا بِمَا لَهُم فِيهِ حق. [١٥] ومنازعة الْأَمر يَعْنِي بهَا الْإِمَارَة. [١٥] وَقَوله: إِلَّا أَن تروا كفرا بواحا. الْبَاء مَفْتُوحَة، وَالْمعْنَى: جهارا. [١٥] قَوْله: عنْدكُمْ فِيهِ من الله برهَان، أَي أَنه كفر، فَحِينَئِذٍ تجوز الْمُنَازعَة. [١٥] وَقَوله: لَا نَخَاف فِي الله لومة لائم. إِن قيل: الْخَوْف انزعاج النَّفس، وَذَلِكَ لَا يملك، فَكيف تقع الْمُبَايعَة على نفي مَالا يملك؟ فَالْجَوَاب: أَن هَذَا من التَّوَسُّع فِي الْعبارَة، وَالْمعْنَى: لَا يتْرك القَوْل بِالْحَقِّ خوفًا من اللوم.
٥٥٣ - / ٦٦٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: " تُبَايِعُونِي على أَن أَلا تُشْرِكُوا
[ ٢ / ٧٨ ]
بِاللَّه شَيْئا، وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم ". [١٥] قتل الْأَوْلَاد المُرَاد بِهِ الموءودة الَّتِي كَانُوا يفعلونها فِي الْجَاهِلِيَّة، وَكَانَت الْمَرْأَة إِذا تمخضت بحملها حفرت لَهَا بِئْر، فَإِن ولدت ذكرا حبسوه، وَإِن ولدت أُنْثَى رَمَوْهَا فِي الْبِئْر. [١٥] وَفِي المُرَاد بالبهتان هَاهُنَا أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه الزِّنَا، وافتراء الْمَرْأَة بَين يَديهَا ورجليها، وَهُوَ ولد الزِّنَا، لِأَنَّهُ يَقع عِنْد الْوَضع بَين يَديهَا ورجليها، فَإِذا ألحقته بزوجها فَذَلِك الْبُهْتَان المفترى. وَقَوله للرِّجَال: " وَلَا يأْتونَ بِبُهْتَان يفترونه " يحْتَمل شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: أَن يكون بَايع الرِّجَال وَالنِّسَاء، فَاجْتمع الْكل فِي النَّهْي عَن الزِّنَا، وَانْفَرَدَ النِّسَاء بِصِيغَة الافتراء بَين أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ. وَالثَّانِي: أَن يكون قَرَأَ عَلَيْهِم الْآيَة وَلم يسْقط مَا يتَعَلَّق بِالنسَاء مِنْهَا. [١٥] وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المُرَاد بالبهتان هَاهُنَا قذف الْمُحْصنَات والمحصنين، وَيدخل فِي ذَلِك الْكَذِب على النَّاس والاغتياب لَهُم، وَإِنَّمَا ذكرت الْأَيْدِي والأرجل لِأَن مُعظم أَفعَال النَّاس إِنَّمَا تُضَاف مِنْهُم إِلَى الْأَيْدِي والأرجل، إِذْ كَانَت هِيَ العوامل والحوامل، يَقُولُونَ: لفُلَان عِنْدِي يَد، وَالْكِنَايَة بِالْيَدِ عَن الذَّات، قَالَه أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ. [١٥] وَالْقَوْل الثَّالِث: الْبُهْتَان هَاهُنَا الْمَشْي بالنميمة وَالسَّعْي بِالْفَسَادِ. [١٥] وَالرَّابِع: أَنَّهُمَا السحر، ذكرهمَا الْمَاوَرْدِيّ.
[ ٢ / ٧٩ ]
[١٥] وَقَوله: " وَمن أصَاب شَيْئا من ذَلِك فَعُوقِبَ بِهِ. فَهُوَ كَفَّارَة لَهُ ". قَالَ الشَّافِعِي: لم أسمع فِي أَن الْحَد يكون كَفَّارَة لأَهله أحسن من هَذَا الحَدِيث. [١٥] وَقَوله: " وَلَا يعضه بَعْضنَا بَعْضًا " أَي لَا يرميه بالعضيهة: وَهِي الْكَذِب والبهتان، وَالْفِعْل مِنْهَا عضهت.
٥٥٤ - / ٦٦٩ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ: " إِنِّي خرجت لأخبركم بليلة الْقدر، فتلاحى فلَان وَفُلَان فَرفعت، وَعَسَى أَن يكون خيرا لكم ". [١٥] والملاحاة: الْخُصُومَة. وَقَوله: " فَرفعت " قَالَ ابْن عقيل: رفع علمهَا. قَالَ: فَإِن قيل: فَكيف أَمر بِطَلَب مَا قد رفع؟ فَالْجَوَاب: أَنه إِنَّمَا أَمر بالتعبد لتقع المصادفة بِالْعَمَلِ لَا الْعلم بِالْعينِ، لِأَنَّهُ مَتى تصور علمهَا زَالَ معنى الرّفْع. [١٥] وَقَوله: " عَسى أَن يكون خيرا لكم " وَذَلِكَ لِأَن كتمها أحرص لَهُم على طلبَهَا، وَلَو عينت لاقتنعوا بِتِلْكَ اللَّيْلَة فَقل عَمَلهم. [١٥] وَقَوله: " فالتمسوها فِي التَّاسِعَة وَالسَّابِعَة وَالْخَامِسَة " دَلِيل على أَنَّهَا فِي الْأَفْرَاد من اللَّيَالِي. وَقد سبق الْكَلَام فِي هَذَا فِي مُسْند أبي بن كَعْب.
[ ٢ / ٨٠ ]
٥٥٥ - / ٦٧٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " من تعار من اللَّيْل ". يَعْنِي اسْتَيْقَظَ.
٥٥٦ - / ٦٧١ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم: " خُذُوا عني، قد جعل الله لَهُنَّ سَبِيلا، الْبكر بالبكر جلد مائَة وَنفي سنة، وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جلد مائَة وَالرَّجم ". [١٥] الْإِشَارَة إِلَى قَوْله ﷿: ﴿أَو يَجْعَل الله لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النِّسَاء: ١٥] . [١٥] والسبيل مَا ذكره من قَوْله: " الْبكر بالبكر، وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ " وَكَانَ حد الزَّانِيَيْنِ بِمُقْتَضى هَذِه الْآيَة الْأَذَى لَهما وَالْحَبْس للْمَرْأَة خَاصَّة، فنسخ الحكمان. وَاخْتلف الْعلمَاء بِمَاذَا وَقع نسخهما؟ وَالصَّحِيح أَنه نسخ بِوَحْي لم تَسْتَقِر تِلَاوَته، بِدَلِيل قَوْله ﵇: " قد جعل الله لَهُنَّ سَبِيلا " وَقَوله: " الْبكر بالبكر " وَهُوَ الرجل لم يتَزَوَّج وَالْمَرْأَة لم تتَزَوَّج، وَالثَّيِّب بِخِلَاف ذَلِك. [١٥] وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَنه يجْتَمع الْجلد وَالرَّجم فِي حق الزَّانِي الْمُحصن، وَقد ذكرنَا الْخلاف فِي مُسْند عَليّ ﵇. [١٥] وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على وجوب التَّغْرِيب، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجب، وَقَالَ مَالك: لَا يجب على الْمَرْأَة خَاصَّة.
[ ٢ / ٨١ ]
٥٥٧ - / ٦٧٢ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " الذَّهَب بِالذَّهَب، وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ، وَالْبر بِالْبرِّ، وَالشعِير بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْر بِالتَّمْرِ، وَالْملح بالملح، مثلا بِمثل، سَوَاء بِسَوَاء، يدا بيد، فَإِذا اخْتلفت هَذِه الْأَصْنَاف فبيعوا كَيفَ شِئْتُم إِذا كَانَ يدا بيد ". [١٥] اتّفق الْعلمَاء على أَن التَّفَاضُل فِي بيع هَذِه الْأَعْيَان السِّتَّة الَّتِي نَص عَلَيْهَا رَبًّا، وَاخْتلفُوا: هَل جرى فِيهَا الرِّبَا لأعيانها أَو لعلل تعلّقت بهَا؟ فَقَالَ دَاوُد: لأعيانها، وَقَالَ عَامَّة الْفُقَهَاء: لعلل تعلّقت بهَا. فَأَما الذَّهَب وَالْفِضَّة فالعلة عندنَا فِي تَحْرِيم الرِّبَا فيهمَا الْوَزْن، وَبِهَذَا تعدت الْعلَّة إِلَى كل مَوْزُون. وَأما الْأَعْيَان الْأَرْبَعَة فالعلة فِي تَحْرِيم الرِّبَا فِي الْجِنْس مِنْهَا الْكَيْل، وَبِذَلِك يتَعَدَّى الحكم إِلَى غَيرهمَا، نَص عَلَيْهِ أَحْمد، وَهُوَ الْمَنْصُور عندنَا، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة. فعلى هَذَا تكون الْعلَّة مركبة من وصفين: الْكَيْل، وَالْجِنْس. وَعَن الشَّافِعِي قَولَانِ: أَحدهمَا أَن الْعلَّة فيهمَا الطّعْم، وَهُوَ الْجَدِيد من قَوْله الْمَنْصُور عِنْد أَصْحَابه، وَهُوَ الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن أَحْمد، فعلى هَذَا تكون الْعلَّة الطّعْم، وَالْجِنْس مَحل وَشرط وَلَيْسَ بعلة، وَالْقَوْل الثَّانِي للشَّافِعِيّ أَن الْعلَّة الْكَيْل والطعم إِذا اجْتمعَا، وَهَذَا قَوْله الْقَدِيم وَهُوَ الرِّوَايَة الثَّالِثَة عَن أَحْمد. وَقَالَ مَالك: الْعلَّة كَونه قوتا أَو مصلحا للقوت. [١٥] وَقَوله: " إِذا اخْتلفت هَذِه الْأَصْنَاف فبيعوا كَيفَ شِئْتُم " دَلِيل على أَنه يجوز بيع الذَّهَب بِالْفِضَّةِ، وَالْبر بِالشَّعِيرِ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ. وَقَالَ مَالك: الْبر وَالشعِير جنس وَاحِد، وَعلل بِأَن الْبر لَا يَخْلُو من الشّعير، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ، وَمَا يتضمنه الْبر من الشّعير لَا يعْتَبر بِهِ، وَلَو
[ ٢ / ٨٢ ]
اعْتبر بِهِ لم يجز بيع أَحدهمَا بِالْآخرِ. [١٥] وَقَوله: " إِذا كَانَ يدا بيد " منع لربا النسئية فِي الْجِنْس بِالْجِنْسِ، وَقد شرحنا فِي مُسْند عمر. [١٥] وَفِي الحَدِيث أَن مُعَاوِيَة أَمر أَن تبَاع أواني من فضَّة إِلَى زمَان خُرُوج الْعَطاء، فَأنْكر ذَلِك عبَادَة وَأورد هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ مُعَاوِيَة: مَا بَال أَقوام يتحدثون عَن رَسُول الله ﷺ أَحَادِيث قد كُنَّا نصحبه فَلم نسمعها مِنْهُ. وَالْعجب من إِنْكَار مُعَاوِيَة حَدِيث عبَادَة، وَأَيْنَ صُحْبَة عبَادَة من صُحْبَة مُعَاوِيَة! فَإِن عبَادَة شهد الْعقبَة وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد، وَإِن كَانَ قد اخْتلف فِي حُضُوره بَدْرًا، وَمُعَاوِيَة إِنَّمَا أسلم يَوْم الْفَتْح فصحبه سنتَيْن، فَمَا قدر تِلْكَ الصُّحْبَة بِالْإِضَافَة إِلَى تِلْكَ. ثمَّ قد كَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ صحب رَسُول الله ﷺ سبع عشرَة سنة وخفيت عَلَيْهِ أَشْيَاء من أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ. [١٥] وَمعنى قَوْله: وَإِن رغم: أَي الْتَصق بالرغام، وَهُوَ التُّرَاب.
[ ٢ / ٨٣ ]