[١٥] وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ مائَة وَأَرْبَعَة عشر حَدِيثا. أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عشرَة.
٦٨٠ - / ٨٠٤ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: أَن أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: إِنِّي نحلت ابْني هَذَا غُلَاما لي. [١٥] " النحلة ": الْعَطِيَّة على وَجه الْهِبَة، وَقَالَ: نحل ووهب بِمَعْنى. [١٥] وَقَوله: " فأرجعه " وَقَوله: " لَا أشهد على جور " دَلِيل على أَنه إِذا فضل بعض وَلَده على بعض مَعَ تساويهم فِي الذكورية أَو الأنوثية فقد أَسَاءَ، وَيُؤمر بارتجاع ذَلِك وبالتسوية بَينهم، وَهَذَا مَذْهَب أَحْمد وَدَاوُد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا يسترجع ذَلِك. [١٥] وَأما السّنة فِي الْعَطِيَّة فللذكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَهَذَا قَول شُرَيْح وَمُحَمّد بن الْحسن وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَق. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ: السّنة التَّسْوِيَة.
٦٨١ - / ٨٠٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: الْحَلَال بَين وَالْحرَام بَين،
[ ٢ / ٢١١ ]
وَبَينهمَا مُشْتَبهَات. [١٥] قَوْله: " الْحَلَال بَين " لِأَن الشَّرْع قد أوضح أمره. [١٥] والمشتبهات: الَّتِي لَا يُقَال فِيهَا حَلَال وَلَا حرَام، فَهِيَ تشتبه بالشيئين " فَمن اتَّقى الشُّبُهَات اسْتَبْرَأَ لدينِهِ " أَي احتاط لَهُ. [١٥] وَقَوله: " يرتع " أَي يرتع إبِله وغنمه وَقَوله: " أَلا " قَالَ الزّجاج: هِيَ كلمة يبتدأ بهَا يُنَبه بهَا الْمُخَاطب تدل على صِحَة مَا بعْدهَا. [١٥] والحمى: الْمَمْنُوع. " وَحمى الله مَحَارمه " أَي الَّتِي منع مِنْهَا وحرمها. [١٥] وَقَوله: " وَإِن فِي الْجَسَد مُضْغَة " المضغة: قدر مَا يمضغ. [١٥] وَسمي الْقلب قلبا لتقلبه فِي الْأُمُور. وَقيل: بل لِأَنَّهُ خَالص مَا فِي الْبدن، وخالص كل شَيْء قلبه. وَالْقلب أَمِير الْبدن، وَمَتى صلح الْأَمِير صلحت الرّعية.
٦٨٢ - / ٨٠٦ وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " مثل الْمُؤمنِينَ فِي توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الْجَسَد ". [١٥] إِنَّمَا جعل الْمُؤمنِينَ كجسد وَاحِد لِأَن الْإِيمَان يجمعهُمْ كَمَا يجمع الْجَسَد الْأَعْضَاء، فلموضع اجْتِمَاع الْأَعْضَاء يتَأَذَّى الْكل بتأذى الْبَعْض وَكَذَلِكَ أهل الْإِيمَان، يتَأَذَّى بَعضهم بتأذي الْبَعْض.
[ ٢ / ٢١٢ ]
٦٨٣ - / ٨٠٧ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " إِن أَهْون أهل النَّار عذَابا لرجل يوضع فِي أَخْمص قَدَمَيْهِ جمرتان يغلي مِنْهُمَا دماغه " وَفِي رِوَايَة: " كَمَا يغلي الْمرجل ". [١٥] أَخْمص الْقدَم: بَاطِنهَا. [١٥] والمرجل: الْقدر الْكَبِيرَة من نُحَاس، وَجَمعهَا مراجل. وَقد جَاءَت هَذِه الصّفة فِي حق أبي طَالب عَم النَّبِي ﷺ فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس. [١٥] وَقَوله: " لَا يرى أَن أحدا أَشد عذَابا مِنْهُ " وَذَلِكَ أَنه يرى هَذِه الشدَّة الْعَظِيمَة فيظن أَنَّهَا النِّهَايَة، وظنه أَنه قد خص بأعظم الْعَذَاب عَذَاب فَوق عَذَابه.
٦٨٤ - / ٨٠٨ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: " لتسون صفوفكم أَو ليخالفن الله بَين وُجُوهكُم ". [١٥] الظَّاهِر من قَوْله: " أَو ليخالفن الله بَين وُجُوهكُم " أَنه الْوَعيد الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن نطمس وُجُوهًا فنردها على أدبارها﴾ [النِّسَاء: ٤٧] . [١٥] والقداح: السِّهَام. فَأَرَادَ أَنه كَانَ يقوم الصُّفُوف كَمَا تقوم السِّهَام.
[ ٢ / ٢١٣ ]
٦٨٥ - / ٨٠٩ - وَفِيمَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ: " مثل الْقَائِم فِي حُدُود الله وَالْوَاقِع فِيهَا ". الْقَائِم: الْمُسْتَقيم. [١٥] وَالْحُدُود: مَا منع الله ﷿ من مجاوزتها. قَالَ الزّجاج: وأصل الْحَد فِي اللُّغَة الْمَنْع، وَمِنْه حد الدَّار: وَهُوَ مَا يمْنَع غَيرهَا من الدُّخُول فِيهَا. والحداد: الْحَاجِب والبواب، وكل من منع شَيْئا فَهُوَ حداد، قَالَ الْأَعْشَى:
(فقمنا وَلما يَصح ديكنا إِلَى جونة عِنْد حدادها)
[١٥] أَي عِنْد رَبهَا الَّذِي يمْنَعهَا إِلَّا لمن يُريدهُ. وأحدت الْمَرْأَة على زَوجهَا وحدت فَهِيَ حاد ومحداد: إِذا قطعت الزِّينَة وامتنعت مِنْهَا. وأحددت النّظر إِلَى فلَان: إِذا منعت نظرك من غَيره، وَسمي الْحَدِيد لِأَنَّهُ يمْتَنع بِهِ من الْأَعْدَاء. وَالْمرَاد من الحَدِيث أَنه إِذا سكت الْإِنْسَان عَن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر عُوقِبَ من عصى، لِأَن سُكُوته مَعَ الْقُدْرَة على الْإِنْكَار عصيان، وَإِن أَخذ على يَد العَاصِي بالزجر سلما جَمِيعًا.
[ ٢ / ٢١٤ ]
٦٨٦ - / ٨١٠ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم: " لله أَشد فَرحا بتوبة عَبده من رجل حمل زَاده ومزاده ". [١٥] المزاد: مَا يكون فِيهِ المَاء من جُلُود. [١٥] والشرف: الْمَكَان العالي. وَالْمعْنَى: صعد إِلَى مَكَان عَال يشرف مِنْهُ على مَا وَرَاءه، هَل يرى مَا يَطْلُبهُ، ومشارف الأَرْض: أعاليها. [١٥] وَقَالَ: من القيلولة. [١٥] والخطام: زِمَام الْبَعِير، سمي خطاما لِأَنَّهُ على الخطم وَهُوَ الْأنف، وَقد شرحنا معنى هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
٦٨٧ - / ٨١١ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: كَانَ رَسُول الله ﷺ يقْرَأ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الْجُمُعَة ب ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ و﴿هَل أَتَاك حَدِيث الغاشية﴾ . [١٥] هَذَا هُوَ الْمسنون فِي الْعِيدَيْنِ فِي الْمَنْصُور عندنَا. وَعَن أَحْمد رِوَايَة: لَيْسَ فِيهِ معِين، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة. وَقَالَ مَالك: يقْرَأ ب ﴿سبح﴾ (وَالشَّمْس وَضُحَاهَا﴾ وَقَالَ الشَّافِعِي: يقْرَأ فِي الأولى ب ﴿ق﴾ وَفِي الثَّانِيَة ﴿اقْتَرَبت﴾ وَهَذَا سَيَأْتِي فِي مُسْند أبي وَاقد اللَّيْثِيّ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يقرأهما فِي الْأَضْحَى وَالْفطر.
[ ٢ / ٢١٥ ]
[١٥] وَأما الْجُمُعَة فالمسنون عندنَا أَن يقْرَأ فيهمَا بِسُورَة الْجُمُعَة وَالْمُنَافِقِينَ، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي أَيْضا. وَيحمل هَذَا الحَدِيث على أَنه قد كَانَ يقْرَأ فِي بعض الْأَوْقَات بِهَذَا. وَأخذ مَالك بِهَذَا الحَدِيث وَقَالَ: السّنة أَن يقْرَأ ب ﴿سبح﴾ والغاشية. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَيْسَ فيهمَا معِين.
٦٨٨ - / ٨١٣ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: لقد رَأَيْت نَبِيكُم وَمَا يجد من الدقل مَا يمْلَأ بِهِ بَطْنه. الدقل: ردئ التَّمْر. وَهَذِه صفة لما كَانُوا فِيهِ من ضيق الْعَيْش.
[ ٢ / ٢١٦ ]