[١٥] وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ خَمْسَة وَتسْعُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سِتَّة عشر حَدِيثا.
٦٨٩ - / ٨١٤ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي سفر فِي رَمَضَان، فَلَمَّا غَابَتْ الشَّمْس قَالَ: " يَا فلَان، انْزِلْ فاجدح لنا ". [١٥] الجدح: أَن يخاض السويق بِالْمَاءِ ويحرك بالمجدح. والمجدح خَشَبَة لَهَا ثَلَاث جَوَانِب. [١٥] وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على اسْتِحْبَاب تَعْجِيل الْفطر. [١٥] وَقَوله: " فقد أفطر الصَّائِم " قد سبق بَيَانه فِي مُسْند عمر. [١٥]
٦٩٠ - / ٨١٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: لما كَانَ يَوْم خَيْبَر وقعنا فِي الْحمر الْأَهْلِيَّة، فَنَادَى مُنَادِي رَسُول الله ﷺ: " أَن أكفئوا الْقُدُور، وَلَا تَأْكُلُوا من لُحُوم الْحمر شَيْئا ".
[ ٢ / ٢١٧ ]
فَقَالَ نَاس: إِنَّمَا نهى عَنْهَا لِأَنَّهَا لم تخمس، وَقَالَ آخَرُونَ: بل نهى عَنْهَا الْبَتَّةَ. [١٥] وَأما قَول الْقَائِلين: لِأَنَّهَا لم تخمس فَظن مِنْهُم لَيْسَ بِصَحِيح، وَلَوْلَا أَنه نهى عَنْهَا لذاتها مَا أَمر بإكفاء الْقُدُور. وَفِي مُسْند سَلمَة بن الْأَكْوَع أَنه أَمر بِكَسْر الْقُدُور، تَأْكِيدًا للتَّحْرِيم وتشديدا فِي النَّهْي. وَفِي بعض الْأَحَادِيث: " إِنَّهَا رِجْس ".
٦٩١ - / ٨١٧ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: بشر خَدِيجَة بِبَيْت فِي الْجنَّة من قصب، لَا صخب فِيهِ وَلَا نصب. [١٥] الْقصب: الدّرّ المجوف. والصخب: الْأَصْوَات المختلطة والجلبة. وَالنّصب: التَّعَب. وَفِي نفي الصخب وَالنّصب عَن هَذَا الْبَيْت وَجْهَان: أَحدهمَا أَن النصب لابد فِي كل بَيت من تَعب فِي إِصْلَاحه وصخب بَين سكانه، فَأخْبر أَن قُصُور الْجنَّة على خلاف ذَلِك. وَالثَّانِي: أَنَّهَا لما تعبت فِي تربية الْأَوْلَاد ناسب هَذَا ضَمَان الرَّاحَة.
٦٩٢ - / ٨١٨ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: " اللَّهُمَّ منزل الْكتاب، سريع الْحساب، اهزم الْأَحْزَاب ". [١٥] وَهَذَا الحَدِيث يدل على جَوَاز السجع فِي الْكَلَام. وَمثله: " أَبَا
[ ٢ / ٢١٨ ]
عُمَيْر، مَا فعل النغير ". [١٥] وَقَوله: " سريع الْحساب " فِي معنى سرعَة الْحساب خَمْسَة أَقْوَال: أَحدهَا: قلته، قَالَه ابْن عَبَّاس. وَالثَّانِي: قرب مجيئة، قَالَه مقَاتل. وَالثَّالِث: أَنه لما علم مَا للمحاسب وَمَا عَلَيْهِ قبل حسابه كَانَ سريع الْحساب لذَلِك. وَالرَّابِع: أَن الْحساب بِمَعْنى الْجَزَاء، فَهُوَ سريع المجازاة. ذكر الْقَوْلَيْنِ الزّجاج. وَالْخَامِس: أَنه لَا يحْتَاج إِلَى فكر وروية كالعاجزين، ذكره أَبُو سُلَيْمَان الدِّمَشْقِي. [١٥] والأحزاب: الْجَمَاعَات. وَقَوله: " اهزمهم " قَالَ الزّجاج: أصل الهزم فِي اللُّغَة كسر الشَّيْء وَثني بعضه على بعض، يُقَال: سقاء مُنْهَزِم: إِذا كَانَ بعضه قد ثني على بعض مَعَ جفاف، وقصب مُنْهَزِم: قد كسر وشقق. وَالْعرب تَقول: هزمت على زيد: أَي عطفت عَلَيْهِ، قَالَ الشَّاعِر:
(هزمت عَلَيْك الْيَوْم يَا ابْنة مَالك فجودي علينا بالنوال وأنعمي)
[١٥] وَيُقَال: سَمِعت هزمة الرَّعْد. قَالَ الْأَصْمَعِي: كَأَنَّهُ صَوت فِيهِ تشقق. [١٥] " وزلزلهم " خوفهم وحركهم بِمَا يُؤْذِي، وأصل الزلزلة فِي اللُّغَة
[ ٢ / ٢١٩ ]
من زل الشَّيْء عَن مَكَانَهُ، فَإِذا قلت زلزلته فتأويله: كررت زلزلته من مَكَانَهُ، وكل مَا كَانَ فِيهِ تَرْجِيع كررت فِيهِ فَاء الْفِعْل، تَقول: أقل فلَان الشَّيْء: إِذا رَفعه من مَكَانَهُ، فَإِذا كرر رَفعه ورده قيل: قلقلة. وَالْمعْنَى: كرر عَلَيْهِم التحريك بالخوف. [١٥] وَقَوله: " لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاء الْعَدو " وَهَذَا لِأَن متمني الْبلَاء لَا يدْرِي كَيفَ تكون حَاله. وَقد بَينا فِي مُسْند أبي مُوسَى معنى قَوْله: " الْجنَّة تَحت ظلال السيوف " وَأَنه إِذا تدانى الخصمان صَار كل مِنْهُمَا تَحت ظلّ سيف الآخر، فالجنة تنَال بِهَذَا
٦٩ - ٣ / ٨٢٠ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: " اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى ". [١٥] وَقد بَينا أَن الصَّلَاة من الله ﷿ الرَّحْمَة. وَفِي معنى هَذَا الْكَلَام قَولَانِ: أَحدهمَا أَن الْآل صلَة، كَقَوْلِه: ﴿وَبَقِيَّة مِمَّا ترك آل مُوسَى وَآل هَارُون﴾ [الْبَقَرَة: ٢٤٨] وَالْمعْنَى: صل على أبي أوفى. [١٥] وَالثَّانِي: أَنه قد علم دُخُول أبي أوفى فِي آله، فَحسن ذكرهم دونه، كَقَوْلِه: ﴿وأغرقنا آل فِرْعَوْن﴾ [الْبَقَرَة: ٥٠] .
٦٩٤ - / ٨٢٢ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: قيل لِابْنِ أبي أوفى: كَيفَ
[ ٢ / ٢٢٠ ]
كتب على النَّاس الْوَصِيَّة؟ . [١٥] الْإِشَارَة بِالْوَصِيَّةِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿كتب عَلَيْكُم إِذا حضر أحدكُم الْمَوْت إِن ترك خيرا الْوَصِيَّة﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٠] . وَهَذِه الْوَصِيَّة كَانَت فرضا بِدَلِيل قَوْله ﴿كتب عَلَيْكُم﴾ ثمَّ نسخت. قَالَ ابْن عَبَّاس: نسختها: ﴿للرِّجَال نصيب مِمَّا ترك الْوَالِدَان وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النِّسَاء: ٧] . [١٥] وَفِي هَذَا الحَدِيث: قَالَ بعض الروَاة: ود أَبُو بكر لَو وجد عهدا من رَسُول الله فخزم أَنفه بخزامة. والخزامة: حَلقَة من شعر تجْعَل فِي أحد جَانِبي المنخرين من الْبَعِير يراض بذلك. وَمعنى الحَدِيث: لَو وجد أَبُو بكر عهدا لانقاد لَهُ.
٦٩٥ - / ٨٢٣ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: غزونا مَعَ رَسُول الله ﷺ سبع غزوات نَأْكُل الْجَرَاد. [١٥] مَذْهَب جُمْهُور الْعلمَاء جَوَاز أكل الْجَرَاد، وَلَا يفرقون بَين مَا أَخذ حَيا أَو مَيتا. وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث: " أحلّت لنا ميتَتَانِ: السّمك وَالْجَرَاد " وَقَالَ مَالك: مَا أَخذ مِنْهُ حَيا فَغَفَلَ عَنهُ حَتَّى مَاتَ فَلَا يُؤْكَل. وَقَالَ اللَّيْث: أكره أكله مَيتا فَأَما مَا أَخذ وَهُوَ حَيّ فَلَا بَأْس بِهِ.
[ ٢ / ٢٢١ ]
٦٩٦ - / ٨٢٤ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ: نهى النَّبِي ﷺ عَن الْجَرّ الْأَخْضَر. قيل لَهُ: نشرب فِي الْأَبْيَض؟ قَالَ: " لَا "، [١٥] إِنَّمَا نهى عَن الْأَخْضَر لِأَنَّهُ يسْرع فِيهِ اشتداد النَّبِيذ وَإِن كَانَ يتباطأ فِي الْأَبْيَض، ثمَّ ثَبت تَحْرِيم السكر كَيفَ كَانَ، وَسقط حكم الأوعية.
٦٩٧ - / ٨٢٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: قيل لَهُ: أشهدت حنينا؟ قَالَ: قبل ذَلِك. [١٥] أَي شهِدت مَا قبل ذَلِك.
٦٩٨ - / ٨٢٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: مَاتَ إِبْرَاهِيم ابْن رَسُول الله ﷺ صَغِيرا. [١٥] كَانَ الْمُقَوْقس صَاحب الْإسْكَنْدَريَّة قد بعث مَارِيَة الْقبْطِيَّة إِلَى رَسُول الله ﷺ. فَولدت لَهُ إِبْرَاهِيم فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان من الْهِجْرَة، وَمَات وَهُوَ ابْن سِتَّة عشر شهرا، وَقيل: ثَمَانِيَة عشر شهرا. وَقَالَ النَّبِي ﷺ: " إِن لَهُ مُرْضعًا تتمّ رضاعه فِي الْجنَّة ".
٦٩٩ - / ٨٢٨ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: كُنَّا نُسلف على عهد رَسُول الله ﷺ.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
[١٥] المُرَاد بالسلف السّلم. وَعِنْدنَا أَنه يَصح السّلف فِي الْمَعْدُوم إِذا كَانَ يُوجد فِي مَحَله. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجوز.
٧٠٠ - / ٨٢٩ وَفِيمَا انْفَرد بِهِ مُسلم: " اللَّهُمَّ طهرني بالثلج وَالْبرد وَالْمَاء الْبَارِد ". [١٥] قَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا خص الثَّلج وَالْبرد لِأَنَّهُمَا ماءان مفطوران على الطَّهَارَة الأولى لم يمرسا بيد وَلم يخاضا بِرَجُل، وَذَلِكَ أوفى لصفة الطَّهَارَة، وَأبْعد لَهَا من مُخَالطَة شَيْء من أَنْوَاع النَّجَاسَة. وَقَالَ غَيره: هَذِه الْمَذْكُورَات صَافِيَة، فَهِيَ تَنْفِي الأوساخ أَكثر من المَاء الكدر. [١٥] وَبَاقِي الحَدِيث قد سبق شَرحه.
[ ٢ / ٢٢٣ ]