[١٥] أسلم بِمَكَّة مَعَ أَبِيه، وَلم يكن بَالغا حِينَئِذٍ، وَهَاجَر مَعَ أَبِيه إِلَى الْمَدِينَة، وَأول غَزْوَة شَهِدَهَا الخَنْدَق. وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ ألفا حَدِيث وسِتمِائَة وَثَلَاثُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِائَتَا حَدِيث وَثَمَانُونَ.
١٠٢٩ - / ١٢٤١ فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: " لَا عدوى وَلَا طيرة ". كَانَت الْعَرَب تتوهم الْفِعْل فِي الْأَسْبَاب، كَمَا كَانَت تتوهم نزُول الْمَطَر بِفعل الأنواء، فَأبْطل النَّبِي ﷺ ذَلِك بقوله: " لَا عدوى " وَإِنَّمَا أَرَادَ إِضَافَة الْأَشْيَاء إِلَى الْقدر، وَلِهَذَا قَالَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: " فَمن أعدى الأول؟ " وَنهى عَن الْوُرُود إِلَى بلد فِيهِ الطَّاعُون لِئَلَّا يقف الْإِنْسَان مَعَ السَّبَب وينسى الْمُسَبّب. وَسَيَأْتِي فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة: " لَا يُورد
[ ٢ / ٤٧١ ]
ممرض على مصح، وفر من المجذوم فرارك من الْأسد "، ثمَّ قد يسقم الْإِنْسَان لمصاحبة السقيم من جِهَة أَن الرَّائِحَة كَانَت سَببا فِي الْمَرَض، وَالله تَعَالَى قد يعْمل الْأَسْبَاب وَقد يُبْطِلهَا، وَكَذَلِكَ قَوْله: " وَلَا طيرة " والطيرة من التطير: وَهُوَ التشاؤم بالشَّيْء ترَاهُ أَو تسمعه وتتوهم وُقُوع الْمَكْرُوه بِهِ. وَقد بَينا ذَلِك فِي مُسْند عمرَان بن حُصَيْن، فَأَرَادَ النَّبِي ﷺ إِضَافَة الْوَاقِعَات من الضَّرَر والنفع إِلَى الله ﷿. [١٥] وَأما قَوْله: " الشؤم فِي ثَلَاث " فقد تكلمنا عَلَيْهِ فِي مُسْند سهل بن سعد. [١٥] الْإِبِل الهيم: الَّتِي يُصِيبهَا دَاء يُقَال لَهُ الهيام، يكسبها الْعَطش فَلَا تروى من المَاء، وَرُبمَا أَدَّاهَا ذَلِك إِلَى الْمَوْت، وَالْوَاحد أهيم وهيمان، وناقة هيماء، وَرُبمَا أصَاب غَيرهَا من الْإِبِل الَّتِي مَعهَا مثل ذَلِك فيظن أَنه أعدى، وَلذَلِك قَالَ: " لَا عدوى ".
١٠٣٠ - / ١٢٤٢ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " من جَاءَ مِنْكُم الْجُمُعَة فليغتسل ". [١٥] هَذَا مِمَّا كَانَ وَاجِبا فنسخ الْوُجُوب وَبَقِي مُسْتَحبا. وناسخه حَدِيث أنس وَأبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " من تَوَضَّأ فبها ونعمت، وَمن
[ ٢ / ٤٧٢ ]
اغْتسل فالغسل أفضل " وَمذهب دَاوُد أَنه بَاقٍ على الْوُجُوب، وَقد حُكيَ عَن مَالك أَيْضا.
١٠٣١ - / ١٢٤٣ وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: صلى لنا رَسُول الله ﷺ الْعشَاء فِي آخر حَيَاته، فَلَمَّا سلم قَامَ فَقَالَ: " أَرَأَيْتُم ليلتكم هَذِه، فَإِن رَأس مائَة سنة مِنْهَا لَا يبْقى مِمَّن هُوَ على ظهر الأَرْض أحد ". [١٥] هَذَا علم غيب أطلعه الله ﷿ عَلَيْهِ، وَكَانَ كَمَا قَالَ ﷺ، فَإِنَّهُ قد كَانَ خلق يعمرون فِي ذَلِك الزَّمَان، كسلمان فَإِنَّهُ عَاشَ مِائَتَيْنِ وَخمسين سنة، إِلَّا أَنه لم يبْق أحد بعد مائَة سنة من ذَلِك الْيَوْم تَصْدِيقًا لرَسُول الله ﷺ، وَفِي هَذَا رد لقَوْل من يزْعم بَقَاء الْخضر، لِأَنَّهُ من بني آدم، وَهُوَ على ظهر الأَرْض.
١٠٣٢ - / ١٢٤٤ وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: " صَلَاة اللَّيْل مثنى مثنى، فَإِذا خفت الصُّبْح فأوتر بِوَاحِدَة ". [١٥] أَكثر أَصْحَاب ابْن عمر رووا عَنهُ: " صَلَاة اللَّيْل مثنى مثنى " وَهُوَ الْمَذْكُور فِي الصَّحِيح، وَقد روى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه من حَدِيث عَليّ بن عبد الله الْبَارِقي عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " صَلَاة اللَّيْل
[ ٢ / ٤٧٣ ]
وَالنَّهَار مثنى مثنى " وَهَذِه زِيَادَة من ثِقَة، وَهِي مَقْبُولَة، وَعِنْدنَا أَن الْأَفْضَل من النَّوَافِل أَن يسلم فِي كل رَكْعَتَيْنِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار، وَهَذَا قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الْأَفْضَل أَن يسلم من أَربع. وَحكى القَاضِي أَبُو يعلى عَن مَذْهَب أبي حنيفَة قَالَ: أما صَلَاة النَّهَار فَإِن شَاءَ أَرْبعا وَإِن شَاءَ رَكْعَتَيْنِ بِسَلام، وَلَا يزِيد على الْأَرْبَع بِسَلام وَاحِد. وَأما صَلَاة اللَّيْل فَإِن شَاءَ رَكْعَتَيْنِ، وَإِن شَاءَ أَرْبعا، وَإِن شَاءَ سِتا، وَإِن شَاءَ ثمانيا، لَا يزِيد على ذَلِك بِتَسْلِيمَة وَاحِدَة. [١٥] وَقَوله: " وأوتر بِوَاحِدَة " نَص على جَوَاز الْوتر بِوَاحِدَة، وَهُوَ قَول أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: أقل الْوتر ثَلَاث، إِلَّا أَن أَبَا حنيفَة يَقُول: بِسَلام وَاحِد، وَمَالك يَقُول: بِسَلام عقيب الثَّانِيَة. [١٥] وَقَوله: كَأَن الْأَذَان بأذنيه قَالَ حَمَّاد بن زيد: يَعْنِي يُصَلِّيهمَا مسرعا، فعلى هَذَا يكون المُرَاد بِالْأَذَانِ هَاهُنَا الْإِقَامَة، وَالْمعْنَى أَنه يخففهما كَأَنَّهُ قد سمع الْإِقَامَة، وَتسَمى الْإِقَامَة أذانا، لِأَن الْأَذَان إِعْلَام، وَيحْتَمل أَنه كَانَ يُصَلِّيهمَا عقيب الْأَذَان.
١٠٣٣ - / ١٢٤٥ وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: " إِن بِلَالًا يُؤذن بلَيْل، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تسمعوا أَذَان ابْن أم مَكْتُوم ". [١٥] كَانَ مؤذنو رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة: بِلَال: وَهُوَ أول من أذن لَهُ.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
وَابْن أم مَكْتُوم الْأَعْمَى، وَقد سبق الْخلاف فِي اسْمه فِي مُسْند زيد بن ثَابت. وَأَبُو مَحْذُورَة الجُمَحِي. [١٥] وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على جَوَاز الْأَذَان للفجر قبل طُلُوع الْفجْر، وَقد ذكرنَا الْخلاف فِي ذَلِك فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
١٠٣٤ - / ١٢٤٦ وَفِي الحَدِيث السَّادِس: رفع الْيَدَيْنِ عِنْد الرُّكُوع وَعند الرّفْع مِنْهُ. [١٥] وَقد سبق الْكَلَام فِيهِ فِي مُسْند مَالك بن الْحُوَيْرِث.
١٠٣٥ - / ١٢٤٧ وَفِي الحَدِيث السَّابِع: " كلكُمْ رَاع، وكلكم مسئول عَن رَعيته ". [١٥] الرَّاعِي هَاهُنَا الْحَافِظ المؤتمن. وَهَذَا لِأَن الْولَايَة على الْمولى عَلَيْهِ أَمَانَة، لِأَنَّهُ مَأْمُور بِحِفْظ مَا استرعى، فالسؤال عَن حفظ الْأَمَانَة يَقع.
١٠٣٦ - / ١٢٤٨ وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يهل ملبدا: " لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك ". [١٥] قد بَينا معنى الإهلال والتلبيد فِي مُسْند ابْن عَبَّاس. وَبينا معنى: " اللَّهُمَّ " فِي مُسْند أبي بكر الصّديق ﵇، وفسرنا " لبيْك
[ ٢ / ٤٧٥ ]
وَسَعْديك " فِي مُسْند عَليّ ﵇. [١٥] وَقَوله: " إِن الْحَمد " كسر الْألف أَجود من فتحهَا. قَالَ ثَعْلَب: من كسر فقد عَم، وَمن فتح فقد خص. [١٥] وَلَا تسْتَحب عندنَا الزِّيَادَة على تَلْبِيَة رَسُول الله ﷺ، لِأَنَّهُ قد قَالَ: " خُذُوا عني مَنَاسِككُم " وَهَذَا قَول الشَّافِعِي أَيْضا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يسْتَحبّ. والتلبية عندنَا وَعند الشَّافِعِي لَا تجب، إِنَّمَا تدخل فِي الْإِحْرَام بِمُجَرَّد النِّيَّة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة تجب فِي ابْتِدَاء الْإِحْرَام. فَإِن لم يلب وقلد الْهَدْي وَسَاقه وَنوى الْإِحْرَام صَار محرما. وَقَالَ مَالك: يجب بترك التَّلْبِيَة دم. وَإِظْهَار التَّلْبِيَة عندنَا مسنون فِي الصَّحَارِي دون الْأَمْصَار. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: يسْتَحبّ إظهارها فِي الْأَمْصَار وَغَيرهَا. وَقَالَ مَالك: يكره إظهارها فِي الْمَسَاجِد. [١٥] وَأما الرغباء فَالَّذِي سمعناه من أشياخنا فتح الرَّاء مَعَ الْمَدّ. وَمن النَّاس من يخْتَار الْقصر مَعَ فتح الرَّاء كسكرى وشكوى. وَمِنْهُم من يقصر مَعَ ضم الرَّاء. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: فِيهَا لُغَتَانِ: الرغباء بِفَتْح الرَّاء مَمْدُود، والرغبى بِضَم الرَّاء مَقْصُورَة. وَتَفْسِير الرغباء الْمَسْأَلَة، وَالْمعْنَى: وَالرَّغْبَة إِلَيْك وَالْعَمَل لَك.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
١٠٣٧ - / ١٢٤٩ وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ حِين يقدم من مَكَّة اسْتَلم الرُّكْن الْأسود أول مَا يطوف يخب ثَلَاثَة أطواف من السَّبع. [١٥] الخبب: ضرب من الْعَدو فَوق الْمَشْي وَدون الجري، وَهُوَ الرمل. وَقد ذَكرْنَاهُ فِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ من مُسْند ابْن عَبَّاس، وَبينا سَببه. وَالسَّعْي: إسراع الْمَشْي حَتَّى يُقَارب الْعَدو. والأشواط جمع شوط، وَالْمرَاد بِهِ مِقْدَار الطّواف حول الْبَيْت مرّة. [١٥] وبطن المسيل يُرَاد بِهِ الْوَادي، وَهُوَ مَا بَين الصَّفَا والمروة. [١٥] والركعتان بعد الطّواف سنة عندنَا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: وَاجِبَة، وَعَن الشَّافِعِي كالمذهبين.
١٠٣٨ - / ١٢٥٠ وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: لم أر رَسُول الله ﷺ يسْتَلم إِلَّا الرُّكْنَيْنِ اليمانيين. [١٥] الإستلام: اللَّمْس بِالْيَدِ. وَقد شرحنا هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١٠٣٩ - / ١٢٥١ وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: كَانَ ابْن عمر يقدم ضعفة أَهله فيقفون عِنْد الْمشعر الْحَرَام.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
[١٥] وَقد شرحنا هَذَا الحَدِيث فِي الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ من مُسْند ابْن عَبَّاس. والمشعر: الْمعلم لمتعبد من المتعبدات.
١٠٤٠ - / ١٢٥٢ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر " يهل أهل الْمَدِينَة من ذِي الحليفة " وَفِي لفظ: " مهل أهل الْمَدِينَة من ذِي الحليفة ". [١٥] الْمِيم فِي الْمهل مَضْمُومَة، وَإِنَّمَا يفتحها من لَا يعرف. والإهلال: رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ. [١٥] وَقد سبق ذكر الْمَوَاقِيت فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١٠٤١ - / ١٢٥٣ وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: " لَا يلبس الْمحرم الْقَمِيص وَلَا الْعِمَامَة وَلَا الْبُرْنُس وَلَا السَّرَاوِيل ". [١٥] اعْلَم أَن الْمحرم مَمْنُوع من لبس الْمخيط وتغطية الرَّأْس. وَفِي تَغْطِيَة وَجهه رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد. [١٥] والورس: نبت يصْبغ بِهِ كالعصفر. [١٥] وَلَا يجوز لَهُ لبس السَّرَاوِيل إِلَّا أَن يعْدم الْإِزَار. وَلَا الْخُفَّيْنِ إِلَّا عِنْد عدم النَّعْلَيْنِ، فَيجوز لَهُ لبس السَّرَاوِيل من أَن يفتفه، وَلبس الْخُفَّيْنِ من غير أَن يقطعهما، عملا بِحَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي تقدم فِي مُسْنده. وَقد ذكرنَا هُنَاكَ عَن أَصْحَاب أبي حنيفَة أَنه لَا يجوز لَهُ لبس السَّرَاوِيل حَتَّى يفتقه، أَو يلْبسهُ ويفتدي. فَأَما الخفان فَقَالَ أَبُو حنيفَة:
[ ٢ / ٤٧٨ ]
لَا يجوز لَهُ لبسهما إِلَّا أَن يقطعهما أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ عملا بِهَذَا الحَدِيث. ولأصحابه أَن يَقُولُوا: إِن كَانَ حَدِيث ابْن عَبَّاس مُطلقًا فِي اللّبْس، فَحَدِيث ابْن عمر مُقَيّد الْجَوَاز بِشَرْط الْقطع. فقد أجَاب أَصْحَابنَا فَقَالُوا: قد روى حَدِيث ابْن مَالك وَعبيد الله بن عمر وَأَيوب فِي آخَرين، فوقفوه على ابْن عمر، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس أَكثر رُوَاة، وَلم يقفه أحد. وَقد أخرج مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث جَابر عَن النَّبِي ﷺ مثل حَدِيث ابْن عَبَّاس من غير اشْتِرَاط قطع. ثمَّ قد أَخذ بحديثنا عمر وَعلي وَسعد وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة، ثمَّ إِنَّا نحمل قَوْله: " وليقطعهما " على الْجَوَاز من غير كَرَاهَة لأجل الْإِحْرَام، وَينْهى عَن ذَلِك فِي غير الْإِحْرَام لما فِيهِ من الْفساد. فَأَما إِذا لبس الْخُف الْمَقْطُوع من أَسْفَل الكعب مَعَ وجود النَّعْل فعندنا أَنه لَا يجوز وَيجب عَلَيْهِ الْفِدَاء خلافًا لأبي حنيفَة وَأحد قولي الشَّافِعِي. [١٥] فَأَما النقاب فَهُوَ مَا كَانَ على الْأنف يستر مَا تَحْتَهُ. [١٥] وَأما القفازان فَقَالَ أَبُو عبيد: هما شَيْء يعْمل لِلْيَدَيْنِ ويحشى بِقطن وَيكون لَهُ أزرار يزر على الساعدين من الْبرد، يلْبسهُ النِّسَاء. قلت: وَقد اخْتلف الْفُقَهَاء فِي لبس القفازين: فَقَالَ أَحْمد: لَا يجوز للمحرمة لبسهما. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز، وَعَن الشَّافِعِي كالمذهبين وَقَالَ أَبُو عبيد: النَّاس على الرُّخْصَة فِي هَذَا؛ لِأَن الْإِحْرَام إِنَّمَا هُوَ فِي الرَّأْس وَالْوَجْه.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
١٠٤٢ - / ١٢٥٤ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: ذكر التَّمَتُّع. وَقد سبق الْكَلَام فِيهِ فِي مُسْند عَليّ ﵇.
١٠٤٣ - / ١٢٥٥ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: ذكر صَلَاة الْخَوْف، ذَكرنَاهَا فِي مُسْند سهل بن أبي حثْمَة.
١٠٤٤ - / ١٢٥٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: كَانَ رَسُول الله ﷺ يسبح على ظهر رَاحِلَته حَيْثُ كَانَ وَجهه، يومىء بِرَأْسِهِ. [١٥] المُرَاد بالتسبيح هَاهُنَا صَلَاة النَّافِلَة. وَلَا يشْتَرط فِي ذَلِك مُوَاجهَة الْقبْلَة إِلَّا أَن يُمكنهُ افْتِتَاح الصَّلَاة إِلَى الْقبْلَة فَيلْزمهُ ذَلِك وَيتم الصَّلَاة على حسب حَاله، وَسَوَاء كَانَ ذَلِك فِي سفر طَوِيل أَو قصير. وَقَالَ مَالك: لَا يجوز إِلَّا فِي السّفر الطَّوِيل. وَعَن أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا كَقَوْلِنَا، وَالثَّانيَِة: يجوز أَيْضا خَارج الْمصر وَإِن لم ينْو سفرا. وَعِنْدنَا أَنه يجوز التَّنَفُّل فِي السّفر للماشي أَيْضا خلافًا لأبي حنيفَة. [١٥] وَقَوله: يُوتر عَلَيْهَا، دَلِيل على أَن الْوتر لَيْسَ بِوَاجِب، وَإِنَّمَا يجْرِي مجْرى السّنَن، إِذْ الْوَاجِب لَا يجوز فعله على الْبَعِير، وَهَذَا مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَعَن أَحْمد مَا يدل على وجوب الْوتر كَأبي حنيفَة، وَالْأول أصح.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
[١٥] وَقد قَالَ ابْن عقيل من أَصْحَابنَا: الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الحَدِيث مَدْخُول؛ لِأَنَّهُ قد صَحَّ أَن الْوتر كَانَ وَاجِبا على رَسُول الله ﷺ، فَلَا بُد أَن يُقَال: كَانَ ذَلِك لعذر عرض لَهُ. قلت: وَقَول ابْن عقيل هُوَ الْمَدْخُول من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهمَا: أَن ابْن عمر يَقُول: كَانَ رَسُول الله ﷺ يُوتر على الْبَعِير، و" كَانَ " إِخْبَار عَن دوَام الْفِعْل. وَالثَّانِي: أَن ابْن عمر أفتى بِهِ فَتْوَى عَامَّة، وَفِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث ابْن عمر: أَن سعيد ابْن يسَار قَالَ: كنت أَسِير مَعَ ابْن عمر، فَنزلت فأوترت، فَقَالَ: أَلَيْسَ لَك فِي رَسُول الله ﷺ أُسْوَة حَسَنَة؟ قلت: بلَى. قَالَ: إِنَّه كَانَ يُوتر على الْبَعِير. وَالثَّالِث: أَنا لَا نعلم حَدِيثا صَحِيحا فِي تَخْصِيص رَسُول الله بِوُجُوب الْوتر، إِنَّمَا ثمَّ حَدِيث يرويهِ أَبُو جناب الْكَلْبِيّ، وَقد ضعفه يحيى وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَحمل عَلَيْهِ أَحْمد بن حَنْبَل حملا شَدِيدا، وَقَالَ الفلاس: هُوَ مَتْرُوك الحَدِيث.
١٠٤٥ - / ١٢٥٧ وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يُصَلِّي يَوْم الْجُمُعَة رَكْعَتَيْنِ. [١٥] وَهَذَا أقل مَا رُوِيَ فِي سنة الْجُمُعَة، وَبِه يَقُول أَحْمد وَالشَّافِعِيّ. وَسَيَأْتِي فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة: أَربع رَكْعَات. وَقَالَ إِسْحَق بن رَاهَوَيْه: إِن صلى فِي الْمَسْجِد صلى رَابِعا، وَإِن صلى فِي بَيته صلى رَكْعَتَيْنِ،
[ ٢ / ٤٨١ ]
وَاحْتج بِأَن النَّبِي ﷺ كَانَ يُصَلِّي بعد الْجُمُعَة رَكْعَتَيْنِ فِي بَيته. وَبقول: " من كَانَ مِنْكُم مُصَليا بعد الْجُمُعَة فَليصل أَرْبعا ". وَكَانَ ابْن مَسْعُود يُصَلِّي قبل الْجُمُعَة أَرْبعا وَبعدهَا أَرْبعا، وَإِلَى هَذَا ذهب الثَّوْريّ وَابْن الْمُبَارك. وَقَالَ أَبُو بكر الْأَثْرَم: وكل هَذَا جَائِز.
١٠٤٦ - / ١٢٥٨ وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: " إِذا اسْتَأْذَنت أحدكُم امْرَأَته إِلَى الْمَسْجِد فَلَا يمْنَعهَا ". [١٥] اعْلَم أَن نسَاء الصَّحَابَة كن على طَريقَة الْأزْوَاج فِي التدين والتعبد، وانضم إِلَى هَذَا مَا فِي طباع الْعَرَب من تقبيح الْفَوَاحِش خُصُوصا الْحَرَائِر، كَمَا قَالَت هِنْد: وَهل تَزني الْحرَّة؟ فَاجْتمع مَا فِي الطباع من الأنفة والعفاف إِلَى مَا وهب الله لَهُنَّ من الدّين، فَأذن لَهُنَّ رَسُول الله ﷺ فِي الْخُرُوج إِلَى الْمَسَاجِد، وَقد كن يحضرن موعظته، ويصلين خَلفه، ويسافرن فِي الْغَزَوَات مَعَه. فَمن علم من امْرَأَته حسن الْمَقْصد فِي خُرُوجهَا إِلَى الصَّلَاة فَلَا يمْنَعهَا، ولحسن الْمَقْصد عَلَامَات: مِنْهَا ترك الزِّينَة وَالطّيب، وَالْمُبَالغَة فِي الاستتار. وَمن لم يجد ذَلِك مِنْهُنَّ جَازَ لَهُ الْمَنْع، فقد قَالَت عَائِشَة ﵂: لَو علم رَسُول الله ﷺ مَا أحدث النِّسَاء بعده لمنعهن الْمَسْجِد. وَقد
[ ٢ / ٤٨٢ ]
تكون الْمَرْأَة حَسَنَة الْمَقْصد غير أَنَّهَا تكون ذَات هيكل فتؤذي من يَرَاهَا، فالاستتار لتِلْك أولى، وَقد كَانَ عمر بن الْخطاب يكره خُرُوج امْرَأَته ويغار من ذَلِك، وَلَا يَنْهَاهَا لأجل هَذَا الحَدِيث. وَكَانَ عمر يحرص على نزُول الْحجاب حَتَّى قَالَ يَوْمًا لسودة: قد عرفناك، لِئَلَّا تخرج. [١٥] والدغل الْفساد، وأصل الدغل الشّجر الملتف الَّذِي يسْتَتر بِهِ أهل الْفساد.
١٠٤٧ - / ١٢٥٩ وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر: لما مر رَسُول الله ﷺ بِالْحجرِ قَالَ: " لَا تدْخلُوا مسَاكِن الَّذين ظلمُوا أنفسهم ". [١٥] الْإِشَارَة إِلَى قوم ثَمُود. قَالَ قَتَادَة: الْحجر اسْم الْوَادي الَّذِي كَانُوا بِهِ. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: اسْم مدينتهم. [١٥] وَقَوله: " إِلَّا أَن تَكُونُوا بَاكِينَ " إِنَّمَا ينشأ الْبكاء عَن التفكر، فَكَأَنَّهُ أَمرهم فِي التفكر فِي أَحْوَال توجب الْبكاء. والتفكر الَّذِي ينشأ عَنهُ الْبكاء فِي مثل ذَلِك الْمقَام يَنْقَسِم ثَلَاثَة أَقسَام: أَحدهَا تفكر يتَعَلَّق بِأَمْر الله ﷿. [١٥] وَالثَّانِي: يتَعَلَّق بأولئك الْقَوْم. وَالثَّالِث: يتَعَلَّق بالمار عَلَيْهِم. وَفِي كل قسم من هَذِه فنون نشِير إِلَى يسير مِنْهَا يُنَبه على الْكثير. فَأَما الْمُتَعَلّق بِاللَّه ﷿: فَمِنْهُ قَضَاؤُهُ على أُولَئِكَ بالْكفْر، وَلِهَذَا الْمَار عَلَيْهِم بِالْإِيمَان قبل وجود الْفَرِيقَيْنِ. وَمِنْه خوف تقليبه الْقُلُوب، فَرُبمَا جعل مآل الْمُؤمن إِلَى الْكفْر. وَمِنْه إمهال الْكفَّار على كفرهم مُدَّة
[ ٢ / ٤٨٣ ]
طَوِيلَة. وَمِنْه شدَّة نقمته وَقُوَّة عَذَابه. وَأما الْمُتَعَلّق بالقوم فإهمالهم إِعْمَال الْعُقُول فِي طَاعَة الْخلق، ومبارزتهم بالعناد والمخالفة، وفوات أَمرهم حَتَّى لَا وَجه للاستدراك، حَتَّى إِن لعنتهم وعقوبتهم أثرت فِي الْمَكَان وَالْمَاء، فَقَالَ: " لَا تدْخلُوا مسَاكِن الَّذين ظلمُوا أنفسهم " وَلما استقوا من آبارهم وعجنوا بِهِ أَمرهم رَسُول الله ﷺ أَن يهريقوا مَا استقوا ويعلفوا الْإِبِل الْعَجِين وَأَن يَسْتَقُوا من الْبِئْر الَّتِي كَانَت تردها النَّاقة. فَأَما الْمُتَعَلّق بالمار عَلَيْهِم فتوفيقه للْإيمَان، واعتباره بِالْجِنْسِ، وتمكينه من الِاسْتِدْرَاك، وإمهاله مَعَ الْعِصْيَان، ومسامحته مَعَ الزلل، إِلَى غير ذَلِك من الْأَسْبَاب الَّتِي كلهَا توجب الْبكاء. فَمن مر على مثل أُولَئِكَ وَلم يتفكر فِيمَا يُوجب الْبكاء شابههم فِي إهمالهم التفكر، فَلم يُؤمن عَلَيْهِ نزُول الْعقَاب. [١٥] وَقَوله: " أَن يُصِيبكُم " فِيهِ إِضْمَار تَقْدِيره: حذار أَن يُصِيبكُم، وَهَذَا تحذير من الْغَفْلَة عَن تدبر الْآيَات، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذا رَأَيْتُمْ مَا حل بهم وَلم تنتبهوا من رقدات الْغَفْلَة فاحذروا من الْعقُوبَة، فَإِنَّهُ إِنَّمَا حلت بهم لغفلتهم عَن التدبر.
١٠٤٨ - / ١٢٦٠ وَفِي الحَدِيث الْعشْرين: " الْمُسلم أَخُو الْمُسلم، لَا يَظْلمه، وَلَا يُسلمهُ ". [١٥] هَذِه أخوة الْإِسْلَام، فَإِن كل اتِّفَاق بَين شَيْئَيْنِ يُوجب اسْم أَخُوهُ. وَقَوله: " لَا يُسلمهُ " أَي لَا يتْركهُ مَعَ مَا يُؤْذِيه، بل ينصره وَيدْفَع عَنهُ. [١٥] وَقَوله: " من ستر مُسلما " أَي لم يظْهر عَلَيْهِ قبيحا، وَهَذَا لَا يمْنَع الْإِنْكَار عَلَيْهِ؛ لِأَن الْإِنْكَار فِيمَا خَفِي يكون فِي خُفْيَة، وَقد نهى هَذَا
[ ٢ / ٤٨٤ ]
الحَدِيث عَن الْغَيْبَة؛ لِأَن من أظهر المساوىء بالغيبة فَمَا ستر الْمُسلم.
١٠٤٩ - / ١٢٦١ وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين: " أَن ثَلَاثَة آواهم الْمبيت إِلَى غَار . ". [١٥] أَي جعله لَهُم مأوى والمأوى: الْمَكَان الَّذِي يؤوى إِلَيْهِ. والغار: نقب فِي الْجَبَل. [١٥] والغبوق: شراب الْعشي، وَهُوَ اسْم للشراب الْمعد لذَلِك الْوَقْت، يُقَال: غبقت فلَانا غبوقا: إِذا سقيته حِينَئِذٍ. [١٥] وَالْمَال هَاهُنَا الْمَاشِيَة. [١٥] وَقَوله: فنأى بِي طلب شجر: أَي بعد بِي طلب الشّجر الَّتِي ترعاها الْإِبِل، فَلم أرح: من الرواح: وَهُوَ مَا بعد الزَّوَال. [١٥] وبرق: بِمَعْنى أَضَاء وتلألأ. [١٥] ويتضاغون: يصرخون ويبكون. والضغو والضغاء: صَوت الذَّلِيل والمقهور. [١٥] وألمت بهَا سنة: أَي أصابتها. والملمة: النَّازِلَة من نَوَازِل الدَّهْر. وَالسّنة: الْفقر والجدب. [١٥] والفض: تَفْرِيق الشَّيْء الْمُجْتَمع. وانفض الْقَوْم: تفَرقُوا. وَكنت بالخاتم عَن الْفرج. [١٥] وَقَوْلها: إِلَّا بِحقِّهِ. أَي بِمَا يحل.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
[١٥] وتحرجت: أَي تَأَثَّمت وَرَأَيْت الْإِثْم والحرج فِي اقتحام مَا لَا يحل. [١٥] وَقَوله: على فرق من أرز. قَالَ ابْن فَارس: الْفرق: مكيال من المكاييل، تفتح راؤه وتسكن. وَقَالَ القتبي: هُوَ الْفرق بِفَتْح الرَّاء. وَهُوَ الَّذِي جَاءَ فِي الحَدِيث: " مَا أسكر الْفرق مِنْهُ " وَهُوَ سِتَّة عشر رطلا، وَأنْشد لخداش بن زُهَيْر:
(يَأْخُذُونَ الْأَرْش فِي أخوتهم فرق السّمن وشَاة فِي الْغنم)
[١٥] فَأَما الْأرز فَقَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: الْأرز اسْم أعجمي، ووزنه " أفعل " لَا محَالة، فالهمزة فِيهِ زَائِدَة، وَفِيه لُغَات أرز، وأرز، وأرز مثل كتب، وأرز مثل كتب، ورز، ورنز، قَالَ الراجز:
(يَا خليلي كل أوزه وَاجعَل الجوذان رنزه)
[١٥] وَقَوله: فاستاقه: أَي حازه وَذهب بِهِ. وَالْأَصْل فِي ذَلِك مَا يساق من الْمَوَاشِي، فاستعير لكل مَأْخُوذ ومعطى. [١٥] وانفرجت: بِمَعْنى انشقت واتسعت. [١٥] وَقَوله: فانساحت: أَي انفسحت، وَمثله تَعَالَى: ﴿فسيحوا فِي الأَرْض أَرْبَعَة أشهر﴾ [التَّوْبَة: ٢] أَي انفسحوا. وَقد صحفه قوم فَقَالُوا: انساخت بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
١٠٥٠ - / ١٢٦٢ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين: نهى أَن يُؤْكَل لحم الْأَضَاحِي بعد ثَلَاث. [١٥] إِنَّمَا نهى عَن ذَلِك لأجل قوم جَاءُوا إِلَى الْمَدِينَة مضطرين، فَأحب أَن يواسوا، ثمَّ أَبَاحَ ذَلِك. وَهَذَا يَأْتِي فِي مُسْند عَائِشَة.
١٠٥١ - / ١٢٦٣ وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين: " تَجِدُونَ النَّاس كإبل مائَة، لَا يجد الرجل فِيهَا رَاحِلَة ". [١٥] الْعَرَب تَقول لمن لَهُ مائَة من الْإِبِل: لفُلَان إبل، وَلمن لَهُ مِائَتَان: لَهُ إبلان. [١٥] وَالرَّاحِلَة: اسْم يَقع على الْجمل النجيب وعَلى النَّاقة المختارة، وَالْهَاء للْمُبَالَغَة، كَمَا يُقَال: رجل داهية، وَرِوَايَة. وَيُقَال: جمل رحيل: أَي قوي على السّير. وَقيل: سميت رَاحِلَة لِأَنَّهَا ترحل: أَي تسْتَعْمل فِي الرحيل وَالسير، وَإِنَّمَا هِيَ مرحولة، كَقَوْلِه: ﴿فَهُوَ فِي عيشة راضية﴾ [الحاقة: ٢١] أَي مرضية. [١٥] وَالْمرَاد من الحَدِيث: أَن الْمُخْتَار من النَّاس قَلِيل، كَمَا أَن الْمُخْتَار من الْإِبِل للرحلة عَلَيْهِ وتحميله للأثقال قَلِيل، وَفِي هَذَا الْمَعْنى قَول المتنبي: [١٥]
(وَمَا الْخَيل إِلَّا كالصديق قَليلَة وَإِن كثرت فِي عين من لم يجرب)
[ ٢ / ٤٨٧ ]
١٠٥٢ - / ١٢٦٤ وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين: أَن عمر حمل على فرس، ثمَّ رَآهَا تبَاع. [١٥] وَقد ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند عمر.
١٠٥٣ - / ١٢٦٥ وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين: وجد عمر حلَّة من إستبرق تبَاع، فَأَخذهَا. [١٥] قد فسرنا فِي مُسْند عمر الْحلَّة، والسيراء، وَفِي مُسْند حُذَيْفَة الديباج. وَفِي مُسْند الْبَراء الإستبرق. [١٥] وَعُطَارِد: هُوَ ابْن حَاجِب بن زُرَارَة التَّمِيمِي، وَكَانَ فِي وَفد تَمِيم الَّذين قدمُوا على رَسُول الله ﷺ، فَخَطب وفخر، فَأمر رَسُول الله ﷺ ثَابت بن قيس بن شماس فَأَجَابَهُ، وَأسلم وَصَحب رَسُول الله ﷺ [١٥] وَأما القباء فَقَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور قَالَ: قيل: هُوَ فَارسي مُعرب، وَقيل: هُوَ عَرَبِيّ، وإشتقاقه من القبو: وَهُوَ الضَّم وَالْجمع. وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفِقْه أَن التجمل بالثياب غير مُنكر فِي الشَّرِيعَة، وَأَن التهيؤ للقاء النَّاس بالتجمل الْمُبَاح لَا يُنكر، لِأَن عمر قَالَ لَهُ: تجمل بِهَذِهِ، وَلم يُنكر عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ امْتنع مِنْهَا لكَونهَا حَرِيرًا. وَهَذَا على خلاف مَذْهَب المتقشفين من جهال المتزهدين.
[ ٢ / ٤٨٨ ]
وَقد روينَا عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه خرج يَوْمًا وَعَلِيهِ حلَّة يمَان، وعَلى فرقد جُبَّة صوف، فَجعل فرقد يمس حلَّة الْحسن ويسبح، فَقَالَ لَهُ: يَا فرقد، ثِيَابِي ثِيَاب أهل الْجنَّة، وثيابك ثِيَاب أهل النَّار - يَعْنِي القسيسين والرهبان. وَقَالَ لَهُ: يَا فرقد، إِن التَّقْوَى لَيست فِي لبس هَذَا الكساء، وَإِنَّمَا التَّقْوَى مَا وقر فِي الصَّدْر وَصدقه الْعَمَل.
١٠٥٤ - / ١٢٦٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين: " لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ " وَقد فسرناه فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
١٠٥٥ - / ١٢٦٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْعِشْرين: أَن عمر انْطلق مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي رَهْط من أَصْحَابه قبل ابْن صياد حَتَّى وجدوه يلْعَب مَعَ الصّبيان عِنْد أَطَم بني مغالة. [١٥] الأطم: الْحصن. وَقد شرحنا هَذِه الْكَلِمَة فِي مُسْند الزبير. [١٥] وَقَوله: " رَسُول الْأُمِّيين " وهم جمع أُمِّي: وَهُوَ الَّذِي لَا يحسن الْكِتَابَة، وَفِي تَسْمِيَته بذلك ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: لِأَنَّهُ على خلقَة الْأمة الَّتِي لم تتعلم الْكتاب، فَهُوَ على جبلته، قَالَه الزّجاج، وَالثَّانِي: لِأَنَّهُ على مَا وَلدته أمه. وَالثَّالِث: للنسبة إِلَى أمه فِي الْجَهْل بِالْكِتَابَةِ؛ لِأَن الْكِتَابَة كَانَت فِي الرِّجَال دون النِّسَاء.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
[١٥] وَقَوله: فرفصه: أَي أعرض عَنهُ. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا هُوَ فرصه بالصَّاد الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة، وَمِنْه: رص الْبناء، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص﴾ [الصَّفّ: ٤] وَالْمعْنَى أَنه ضغطه حَتَّى ضم بعضه إِلَى بعض. [١٥] وَقَوله: يأتيني صَادِق وكاذب، فَقَالَ " خلط عَلَيْك الْأَمر ". وَقد ذكرنَا فِي مُسْند ابْن مَسْعُود قِطْعَة من أخباره، وَذكرنَا أَن اسْمه عبد الله. وَقد روينَا هَاهُنَا أَن اسْمه صَاف، فَلَعَلَّهُ كَانَ سمي بالاسمين. وَبينا هُنَاكَ معنى قَوْله: " اخْسَأْ، فَلَنْ تعدو قدرك ". [١٥] وَقَوله: طفق: أَي أَخذ فِي الْفِعْل. [١٥] وَقَوله: يَتَّقِي بجذوع النّخل، أَي يَتَّقِي أَن يرى، لَا ستتاره بهَا. [١٥] ويختل: الختل: الخديعة فِي استتار، وَطلب نيل الْغَرَض من غير علم الْمَطْلُوب مِنْهُ. [١٥] والقطيفة وَاحِدَة القطائف: وَهُوَ ضرب من الأكسية. [١٥] والزمزمة: صَوت مردد دَاخل الْفَم لَا يكَاد يفهم. [١٥] وَقَوله: " تعلمُوا أَنه أَعور " أَي اعلموا. وَالْمرَاد بِذكر العور النَّقْص، وَالنَّقْص لَا يجوز على الْإِلَه. قَالَ أَبُو الْوَفَاء بن عقيل: يحْسب بعض الْجُهَّال أَنه لما نفي العور عَن الله تَعَالَى أثبت من الْخطاب أَنه ذُو عينين، وَهَذَا بعيد من الْفَهم، إِنَّمَا نفي عَن الله تَعَالَى العور من حَيْثُ نفي النقائض، وَهَذَا مثل مَا نفي الْوَلَد عَنهُ، لَا يُرِيد بِهِ
[ ٢ / ٤٩٠ ]
(لم يلد) لِأَنَّهُ ذكر وَلَيْسَ بأنثى، وَلَا أَنه يَتَأَتَّى مِنْهُ، لَكِن لم يلد لِأَنَّهُ مُسْتَحِيل عَلَيْهِ التجزؤ والانقسام. وَلَو كَانَت الْإِشَارَة بِالْحَدِيثِ إِلَى صُورَة كَامِلَة لم يكن فِي ذَلِك دَلِيل على الإلهية وَلَا الْقدَم؛ فَإِن الْكَامِل فِي الصُّورَة كثير، وَمَا يُشَارك فِيهِ الْمُحدث لَا يكون خصيصة الْقدَم والإلهية، وَلَو كَانَ العور دلَالَة على نفس الإلهية لَكَانَ الْكَمَال فِي الصُّورَة دلَالَة على إِثْبَاتهَا. أتراه لم يجد فِي الدَّجَّال مَا يسْتَدلّ بِهِ على نفي الإلهية إِلَّا العور، حاشاه أَن يقْصد ذَلِك، وَفِي الدَّجَّال من النقلَة والتحرك وركوب الْحمار وَأكل الطَّعَام وَغير ذَلِك مَا يدل على الْحَدث، فَلَمَّا عدل إِلَى ذكر العور دلّ على أَنه أَرَادَ أَن الْإِلَه لَا تلْحقهُ النقائض. وَأما الْمَكْتُوب بَين عَيْني الدَّجَّال فلزيادة فضيحته، وتسليط الْمُؤمن على الْقِرَاءَة لذَلِك الْمَكْتُوب وَإِن لم يكن قَارِئًا أكْرم لَهُ بكشف الشُّبُهَات عَن وَجهه.
١٠٥٦ - / ١٢٦٨ وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين: بَينا أَنا قَائِم أَطُوف بِالْبَيْتِ، فَإِذا رجل آدم. [١٥] هَذَا كَانَ فِي الْمَنَام، وَقد صرح بذلك فِي لفظ آخر. [١٥] والآدم: الأسمر. [١٥] وَالشعر السبط: المنبسط، على ضد الْجَعْد. [١٥] ويهادى بَين رجلَيْنِ: يمشي بَينهمَا فيعتمد عَلَيْهِمَا. [١٥] وينطف رَأسه: يقطر من شعر رَأسه المَاء. [١٥] والطافية من الْعِنَب: الْحبَّة الَّتِي خرجت عَن حد نبت أخواتها
[ ٢ / ٤٩١ ]
فنتأت وعلت، وَمِنْه الطافي من السّمك، سمي بذلك لِأَنَّهُ علا على ظهر المَاء. [١٥] وَأما تَسْمِيَة عِيسَى بالمسيح فَفِيهِ سَبْعَة أَقْوَال: أَحدهَا: لِأَنَّهُ أَمسَح الرجل لَا أَخْمص لَهَا، رَوَاهُ عَطاء عَن ابْن عَبَّاس. وَالثَّانِي: لِأَنَّهُ كَانَ لَا يسمح بِيَدِهِ ذَا عاهة إِلَّا برِئ، رَوَاهُ الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس. وَالثَّالِث: أَن معنى الْمَسِيح: الصّديق، رَوَاهُ النَّخعِيّ. وَالرَّابِع: لِأَنَّهُ مسح بِالْبركَةِ، قَالَه الْحسن. وَالْخَامِس: لِأَنَّهُ كَانَ يمسح الأَرْض. أَي يقطعهَا، قَالَه ثَعْلَب. وَالسَّادِس: لِأَنَّهُ مسح عُمُوم الْكفْر الَّذِي كَانَ قبله، ذكره ابْن مقسم. وَالسَّابِع: لِأَنَّهُ خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن، حَكَاهُ ابْن الْأَنْبَارِي. [١٥] وَأما ابْن قطن فَقَالَ الزُّهْرِيّ: هُوَ رجل من خُزَاعَة هلك فِي الْجَاهِلِيَّة. [١٥] وَقَوله: بَين ظهراني النَّاس، النُّون مَفْتُوحَة لَا غير. يُقَال: بَين ظهرانهم وظهريهم: أَي بَينهم وَفِي جَمَاعَتهمْ. [١٥] والدجال: الْكذَّاب. وَقد أشبعنا الْكَلَام فِي معنى الدَّجَّال فِي مُسْند حُذَيْفَة. وَأما تَسْمِيَته بالمسيح فَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ: سمي مسيحا لِأَن إِحْدَى عَيْنَيْهِ ممسوحة عَن أَن ينظر بهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو عبيد: لِأَنَّهُ مَمْسُوح إِحْدَى الْعَينَيْنِ.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
[١٥] واللمة: شعر الرَّأْس إِذا جَاوز الْأُذُنَيْنِ وحاذاهما، كَأَنَّهُ ألم بهما، سمي بإلمامه بهما لمة. فَإِذا بغلت اللمة الْمَنْكِبَيْنِ فَهِيَ جمه. [١٥] وَقَوله: رجل الشّعْر. قَالَ الزّجاج: شعر رجل وَرجل: وَهُوَ المسترسل. فَإِن كَانَ مسترسلا وَفِي أَطْرَافه شَيْء من الجعودة قيل شعر أحجن. [١٥] وَقد ذكرنَا مَا وصف بِهِ مُوسَى ﵇ هَاهُنَا فِي الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ من مُسْند ابْن عَبَّاس.
١٠٥٧ - / ١٢٧٠ وَفِي الحَدِيث الثَّلَاثِينَ: " أَلا إِن الْفِتْنَة هَاهُنَا - يُشِير إِلَى الْمشرق - من حَيْثُ يطلع قرن الشَّيْطَان ". [١٥] أما تَخْصِيص الْفِتَن بالمشرق فَلِأَن الدَّجَّال يخرج من تِلْكَ النَّاحِيَة، وَكَذَلِكَ يَأْجُوج وَمَأْجُوج. وَأما ذكر قرن الشَّيْطَان فعلى سَبِيل الْمثل، كَأَن إِبْلِيس يطلع رَأسه بالفتن من تِلْكَ النواحي. [١٥] فَأَما الشَّام فمأخوذ من الْيَد الشؤمى: وَهِي الْيُسْرَى، وَيُقَال: أَخذ شأمه: أَي على يسَاره، فَهِيَ عَن يسَار الْكَعْبَة. واليمن مَأْخُوذ من الْيَد الْيُمْنَى لِأَنَّهَا عَن يَمِين الْكَعْبَة. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: نجد نَاحيَة الْمشرق، وَمن كَانَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ نجده بادية الْعرَاق ونواحيها، وَهِي مشرق أَهلهَا، وأصل النجد مَا ارْتَفع من الأَرْض وَقَالَ ابْن فَارس:
[ ٢ / ٤٩٣ ]
الأَصْل فِي نجد الِارْتفَاع، يُقَال للْأَرْض المرتفعة نجد، وخلافه الْغَوْر. [١٥] والزلزلة: قُوَّة التحريك وترديده. [١٥] فَأَما الْعرَاق فقد سبق بَيَانه فِي مُسْند سهل بن حنيف. [١٥] وَقَوله: ﴿وَفَتَنَّاك فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] فَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْفُتُون: وُقُوعه فِي محنة بعد محنة، ثمَّ خلصه الله مِنْهَا، كولادته فِي وَقت ذبح الْأَطْفَال، وَمنعه الرَّضَاع، ومده لحية فِرْعَوْن وتناوله الْجَمْرَة، وَقَتله القبطي. فعلى هَذَا يكون الْمَعْنى: خلصناك من تِلْكَ المحن كَمَا يفتن الذَّهَب بالنَّار فيخلص من كل خبث.
١٠٥٨ - / ١٢٧١ وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ: فِي لَيْلَة الْقدر: " التمسوها فِي الْعشْر الغوابر ". [١٥] الغوابر: الْبَوَاقِي. [١٥] وَقَوله: " أرى رؤياكم قد تواطأت " أَي توافقت. وَأخْبرنَا ابْن نَاصِر قَالَ: أخبرنَا أَبُو زَكَرِيَّا قَالَ: قَالَ أَبُو الْعَلَاء المعري: تواطأت فِي الْعَرَبيَّة أقوى من تواطت. [١٥] وَقَوله: تَحَيَّنُوا. التحين طلب الشَّيْء فِي حِين مُخْتَصّ بِهِ.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
١٠٥٩ - / ١٢٧٢ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ: " فَإِن غم عَلَيْكُم فاقدروا لَهُ ". [١٥] غم بِمَعْنى ستر بغيم أَو غَيره. [١٥] وللعلماء فِي معنى " فاقدروا لَهُ " قَولَانِ: أَحدهمَا: قدرُوا لَهُ شعْبَان ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَهَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور، وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِأَن فِي أَكثر أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث مَا يدل على هَذَا، فَمِنْهَا لفظ أخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث جبلة بن سحيم عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " الشَّهْر تسع وَعِشْرُونَ لَيْلَة، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تروه، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ " وَفِي لفظ أخرجه مُسلم: " صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته، فَإِن غم عَلَيْكُم فاقدروا ثَلَاثِينَ " وَقد روى هَذَا الحَدِيث أَبُو هُرَيْرَة مُفَسرًا، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيثه عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا عدَّة شعْبَان ثَلَاثِينَ " كَذَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ. وَفِي لفظ مُتَّفق عَلَيْهِ: " فعدوا ثَلَاثِينَ ". ويوضح هَذَا حَدِيث ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة كِلَاهُمَا عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: " فَإِن غم عَلَيْكُم فعدوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثمَّ صُومُوا ".
[ ٢ / ٤٩٥ ]
[١٥] وَالْقَوْل الثَّانِي: ضيفوا لَهُ عددا يطلع فِي مثله، وَذَلِكَ باحتساب شعْبَان تسعا وَعشْرين، وعَلى هَذَا مَا يذهب إِلَيْهِ أَصْحَابنَا. [١٥] وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَا إِذا حَال دون مطلع الْهلَال غيم أَو قتر فِي لَيْلَة الثَّلَاثِينَ. وَعَن أَحْمد ثَلَاث رِوَايَات: إِحْدَاهُنَّ: يلْزم الصَّوْم، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن عمر وَأنس وَعَائِشَة وَأَسْمَاء. وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة: لَا يجوز صَوْمه من رَمَضَان وَلَا نفلا، إِلَّا أَن يكون نفلا يُوَافق عَادَة، وَيجوز صَوْمه قَضَاء وَكَفَّارَة ونذرا، وَهَذَا قَول الشَّافِعِي. وَالرِّوَايَة الثَّالِثَة: أَن الْمرجع إِلَى رَأْي الإِمَام فِي الصَّوْم وَالْفطر، وَهُوَ قَول الْحسن وَابْن سِيرِين. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَا يجوز صَوْمه من رَمَضَان، وَيجوز صِيَامه مَا سوى ذَلِك. وَالرِّوَايَة الأولى هِيَ المنصورة عِنْد أَكثر أَصْحَابنَا، ويستدلون على صِحَة تفسيرهم الحَدِيث بِفعل ابْن عمر؛ فَإِنَّهُ قد روى الجوزقي فِي كِتَابه الْمخْرج على الصَّحِيحَيْنِ هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ فِيهِ: فَكَانَ ابْن عمر إِذا كَانَ تسع وَعِشْرُونَ إِن رأى فِي السَّمَاء قترة أَو غمامة اصبح صَائِما. وَمَعْلُوم أَن الصَّحَابَة أعلم بمعاني كَلَام رَسُول الله ﷺ وَمرَاده، فَوَجَبَ الرُّجُوع إِلَى تَفْسِير ابْن عمر لهَذَا، كَمَا رَجعْنَا إِلَيْهِ فِي خِيَار الْمجْلس؛ فَإِنَّهُ كَانَ يمشي ليلزم البيع. وحملوا قَوْله: " فاقدروا ثَلَاثِينَ " على مَا إِذا غم هِلَال شَوَّال، فَإنَّا نقدر ثَلَاثِينَ احْتِيَاطًا للصَّوْم كَمَا قَدرنَا فِي أَوله للصَّوْم. وَسَيَأْتِي الْكَلَام على حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي مُسْنده إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
١٠٦٠ - / ١٢٧٣ وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ: أَن رَسُول الله ﷺ مر على رجل وَهُوَ يعظ أَخَاهُ فِي الْحيَاء، فَقَالَ: " دَعه؛ فَإِن الْحيَاء من الْإِيمَان ". [١٥] اعْلَم أَن من أَخْلَاق الْمُؤمن الْحيَاء، وَالْحيَاء انقباض، وَالْمُؤمن منقبض حَيَاء من خالقه، وإجلالا لهيبته، وحذرا من عِقَابه، فَصَارَ الانقباض خلقا لِلْمُؤمنِ، فاستحيا من أَبنَاء جنسه. [١٥] فَإِن قيل: كَيفَ جعل الْحيَاء - وَهُوَ غريزة - من الْإِيمَان الَّذِي هُوَ اكْتِسَاب؟ فقد أجَاب عَن هَذَا ابْن قُتَيْبَة فَقَالَ: لِأَن المستحيي يَنْقَطِع بِالْحَيَاءِ عَن الْمعاصِي وَإِن لم يكن لَهُ تقى، فَصَارَ كالإيمان الَّذِي يقطع عَنْهَا.
١٠٦١ - / ١٢٧٤ وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: " اقْتُلُوا الْحَيَّات، واقتلوا ذَا الطفيتين ". [١٥] هَذَا الحَدِيث قد تقدم هُوَ وَشَرحه فِي مُسْند أبي لبَابَة. إِلَّا أَنه فِي بعض أَلْفَاظه: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَأْمر بقتل الْكلاب. وَقد بَينا فِي مُسْند عبد الله بن مُغفل أَنه نسخ ذَلِك.
١٠٦٢ - / ١٢٧٥ وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ: " لَا تَبِيعُوا الثَّمر حَتَّى يَبْدُو صَلَاحه ".
[ ٢ / ٤٩٧ ]
[١٥] هَذَا الحَدِيث بِأَلْفَاظ قد سبق فِي مُسْند زيد بن ثَابت. وَقد شرحناه ثمَّ. وَفِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث: نهى عَن بيع النّخل حَتَّى يزهو، وَعَن السنبل حَتَّى يبيض ويأمن العاهة. [١٥] قَالَ أَبُو عبيد: زهو النّخل: أَن يحمر أَو يصفر. والعاهة: الآفة تصيبه. [١٥] وَفِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث: نهى النَّبِي ﷺ عَن بيع الثَّمَرَة حَتَّى يَبْدُو صَلَاحهَا. وَكَانَ إِذا سُئِلَ عَن صَلَاحهَا قَالَ: حَتَّى تذْهب عاهته. وَظَاهر هَذَا أَن الْمَسْئُول عَن ذَلِك والمجيب رَسُول الله ﷺ، وَلَيْسَ كَذَلِك، إِنَّمَا الْمَسْئُول والمجيب عَن ذَلِك ابْن عمر، وَقد درج كَلَامه فِي كَلَام رَسُول الله ﷺ فَاشْتَبَهَ. أَنبأَنَا عبد الْوَهَّاب الْحَافِظ قَالَ: أَنبأَنَا جَعْفَر بن أَحْمد بن السراح قَالَ: أَنبأَنَا أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: الْمَسْئُول عَن صَلَاح الثَّمَرَة والمجيب بقوله: حَتَّى تذْهب عاهته، لَيْسَ هُوَ رَسُول الله ﷺ، وَإِنَّمَا هُوَ عبد الله بن عمر. وَقد بَين ذَلِك مُسلم ابْن إِبْرَاهِيم الْأَزْدِيّ وَمُحَمّد بن جَعْفَر غنْدر فِي روايتهما هَذَا الحَدِيث عَن شُعْبَة عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر.
١٠٦٣ - / ١٢٧٦ وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ: " من اشْترى طَعَاما فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيه " وَكُنَّا نشتري الطَّعَام من الركْبَان جزَافا، فنهانا رَسُول الله ﷺ أَن نبيعه حَتَّى ننقله من مَكَانَهُ.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
[١٥] اسْتِيفَاء الطَّعَام إِذا كَانَ قد اشْترى صبرَة بنقله، وَإِن كَانَ بِالْكَيْلِ فَلَا يجوز بَيْعه حَتَّى يُعَاد عَلَيْهِ الْكَيْل على مَا بَيناهُ فِي مُسْند ابْن عَبَّاس. [١٥] والجزاف: مَا أَخذ على حَاله دون معرفَة قدره من الْكَيْل وَالْوَزْن. وَعِنْدنَا أَنه من بَاعَ صبرَة مجازفة وَانْفَرَدَ البَائِع بِمَعْرِفَة قدرهَا لم يجز لَهُ ذَلِك، إِلَّا أَن البيع صَحِيح، وَللْمُشْتَرِي الْخِيَار. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: البيع لَازم وَلَا خِيَار للْمُشْتَرِي.
١٠٦٤ - / ١٢٧٧ وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: " من ابْتَاعَ نخلا بعد أَن يؤبر فثمرها للَّذي بَاعهَا إِلَّا أَن يشْتَرط الْمُبْتَاع ". [١٥] هَكَذَا أخرج فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعا إِلَى رَسُول الله ﷺ. وَقد أَنبأَنَا عبد الْوَهَّاب الْحَافِظ قَالَ: أخبرنَا جَعْفَر بن أَحْمد السراج قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: اتّفق إِسْمَاعِيل بن زَكَرِيَّا الخلفاني وَأَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير والهيثم بن عدي الطَّائِي على رِوَايَة هَذَا الحَدِيث عَن عبيد الله بن عمر الْعمريّ عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن رَسُول الله ﷺ هَكَذَا. ووهموا فِي ذَلِك؛ لِأَن نَافِعًا إِنَّمَا كَانَ يروي الْفَصْل الَّذِي فِي بيع النّخل خَاصَّة عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ، ويروي الْفَصْل الْأَخير الَّذِي فِي بيع العَبْد عَن ابْن عمر عَن عمر بن الْخطاب قَوْله، بَين ذَلِك يحيى بن سعيد الْقطَّان وَبشر بن الْمفضل فِي روايتهما عَن عبيد بن عمر هَذَا الحَدِيث فِي سِيَاقَة وَاحِدَة، وميزا أحد الْفَصْلَيْنِ من الآخر، وضبطا إِسْنَاده، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سعيد بن أبي عروية عَن
[ ٢ / ٤٩٩ ]
أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ عَن نَافِع. وروى مَالك عَن نَافِع الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا، إِلَّا أَنه أفرد كل وَاحِد مِنْهُمَا بِإِسْنَادِهِ، وَجعل فصل النّخل عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ، وَفصل العَبْد عَن ابْن عمر عَن عمر قَوْله. وَكَذَلِكَ روى مُحَمَّد بن بشر الْعَبْدي وَمُحَمّد بن عبيد الله الطنافسي عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع الْفَصْلَيْنِ بِإِسْنَادَيْنِ مفردين. [١٥] فَأَما تَفْسِير الحَدِيث: فأبرت النّخل: بِمَعْنى لقحت، ونخلة مؤبرة. وتأبير النَّخْلَة أَن يتشقق طلعها فَيُوضَع فِي أَثْنَائِهِ من طلع فَحل النّخل، فَيكون ذَلِك لقاحا، فَجعل رَسُول الله ﷺ الثَّمر المستكن فِي الطّلع كَالْوَلَدِ المستجن فِي بطن الْحَامِل، فَإِنَّهَا إِذا بِيعَتْ تبعها الْحمل فِي البيع، فَإِذا ظهر تميز حكمه عَن حكم أمه، فَكَذَلِك ثَمَر النّخل إِذا تشقق وَظهر فَإِنَّهُ ينْفَرد حكمه عَن حكم أَصله. [١٥] وَقَوله: " فَمَاله للْبَائِع " دَلِيل على أَن العَبْد لَا يملك بِحَال جعله فِي أقوى الْحَالَات - وَهِي إِضَافَة الْملك إِلَيْهِ - غير ملك.
١٠٦٥ - / ١٢٧٨ وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ: أَن النَّبِي ﷺ صلى الْمغرب وَالْعشَاء بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا. زَاد البُخَارِيّ: كل وَاحِدَة مِنْهُمَا بِإِقَامَة، وَلم يسبح بَينهمَا وَلَا على إِثْر وَاحِدَة مِنْهُمَا. [١٥] وَأما الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ هُنَا. فمجمع عَلَيْهِ. [١٥] والمزدلفة اسْم مَأْخُوذ من الْقرب، وَقد بَيناهُ فِيمَا مضى. [١٥] وَمعنى لم يسبح: لم يتَنَفَّل. وَقَوله: لَيْسَ بَينهمَا سَجْدَة: أَي رَكْعَة.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
[١٥] وَقَوله: وَصلى الْمغرب ثَلَاثًا، هَذَا لِأَن الْمغرب لَا يقصر. [١٥] وَقَوله: كل وَاحِدَة بِإِقَامَة. هَذَا هُوَ الْمَنْصُور عندنَا. وَعند أَحْمد أَنه مُخَيّر. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجمع بِأَذَان وَإِقَامَة بِمُزْدَلِفَة على مَا فِي لفظ الحَدِيث الآخر.
١٠٦٦ - / ١٢٧٩ وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ: " لَا تتركوا النَّار فِي بُيُوتكُمْ حِين تنامون ". [١٥] هَذَا تَأْدِيب يتَضَمَّن التحذير مِمَّا يُمكن وُقُوعه، فَإِنَّهُ رُبمَا هبت الرّيح بِثَوْب أَو غَيره إِلَى النَّار، وَرُبمَا وَقع على النَّار شَيْء فاشتعل واشتعل بِهِ الْبَيْت. وَرُبمَا جرت الْفَأْرَة الفتيلة فأحرقت. ثمَّ إِنَّمَا يُرَاد الضَّوْء للمنتبه، فإيقاد النَّار بعد النّوم من غير حَاجَة تَفْرِيط.
١٠٦٧ - / ١٢٨٠ وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ إِذا أعجله السّير فِي السّفر يُؤَخر الْمغرب حَتَّى يجمع بَينهَا وَبَين الْعشَاء. [١٥] قد سبق الْكَلَام فِي الْجمع بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي السّفر فِي مُسْند ابْن عَبَّاس. [١٥] وَقَوله: وَلَا يسبح: أَي لَا يتَنَفَّل. [١٥] واستصرخ: استغيث بِهِ ليَكُون غوثا على مَا استغيث بِهِ فِيهِ. [١٥] والشفق: الْحمرَة الَّتِي ترى فِي الْمغرب عِنْد غرُوب الشَّمْس.
[ ٢ / ٥٠١ ]
١٠٦٨ - / ١٢٨١ وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ ينفل بعض من يبْعَث من السَّرَايَا لأَنْفُسِهِمْ خَاصَّة سوى قسم عَامَّة الْجَيْش، وَالْخمس فِي ذَلِك كُله وَاجِب. [١٥] قد بَينا فِي مُسْند ابْن عَبَّاس كَيفَ تقسم الْغَنِيمَة، وَذكرنَا أَن النَّفْل يَقع من الْأَرْبَعَة الْأَخْمَاس الَّتِي هِيَ سِهَام أهل الْوَقْعَة، وَهُوَ معنى قَوْله: وَالْخمس فِي ذَلِك كُله وَاجِب. يَعْنِي أَن الْخمس على حَاله لأربابه، وَالنَّفْل خَارج عَنهُ. وَكَانَ النَّبِي ﷺ ينفل من الجيوش والسرايا ذَوي الْقُوَّة فِي الْحَرْب تحريضا لَهُم على الْقِتَال، وتعويضا عَمَّا يصيبهم من الْمَشَقَّة، فَيكون ذَلِك كالصلة، ثمَّ يجعلهم بعد ذَلِك أُسْوَة الْجَمَاعَة فِي سَهْمَان الْغَنِيمَة، هَذَا مَذْهَبنَا. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: يكون النَّفْل من خمس الْخمس الَّذِي للْمصَالح. وَإِنَّمَا سمي ذَلِك نفلا لِأَنَّهُ زِيَادَة على الأَصْل، وَسميت الْغَنَائِم بالأنفال لِأَنَّهَا مِمَّا زَاد الله ﷿ هَذِه الْأمة فِي الْحَلَال، وَقد كَانَت مُحرمَة على من قبلهم. [١٥] والشارف: النَّاقة المسنة.
١٠٦٩ - / ١٢٨٢ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ: أَن ابْن عمر طلق امْرَأَته وَهِي حَائِض، فَذكر ذَلِك عمر لرَسُول الله ﷺ، فتغيظ وَقَالَ: " ليراجعها ". [١٥] اعْلَم أَنه إِنَّمَا أمره بالمراجعة لِأَن الطَّلَاق حَال الْحيض محرم، إِلَّا
[ ٢ / ٥٠٢ ]
أَنه يَقع، وَكَذَلِكَ إِذا طَلقهَا فِي طهر قد وَطئهَا فِيهِ. وَعِنْدنَا أَنه يسْتَحبّ ارتجاعها إِن كَانَ الطَّلَاق رَجْعِيًا، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ مَالك: تجب عَلَيْهِ الرّجْعَة. وَعَن أَحْمد نَحْو ذَلِك. [١٥] وَقَوله: " إِن عجز واستحمق " التَّاء فِي استحمق مَفْتُوحَة، كَذَا قَالَ لنا عبد الله بن أَحْمد النَّحْوِيّ، وَقَالَ: الْمَعْنى: فعل فعلا يصير بِهِ أَحمَق، أسقط عَنهُ حكم الطَّلَاق عَجزه وحمقه، وَهَذَا من الْجَواب الْمَحْذُوف الْمَدْلُول عَلَيْهِ بفحوى الْكَلَام. [١٥] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن سِيرِين قَالَ: مكثت عشْرين سنة يحدثني من لَا أتهم: أَن ابْن عمر طلق امْرَأَته ثَلَاثًا وَهِي حَائِض فَأمر أَن يُرَاجِعهَا، فَجعلت لَا أتهمهم وَلَا أعرف الحَدِيث، حَتَّى لقِيت يُونُس بن جُبَير، وَكَانَ ذَا ثَبت فَحَدثني عَن ابْن عمر: أَنه طلق امْرَأَته تَطْلِيقَة. قلت: فَبَان بِهَذَا أَن الَّذِي يتهمه ابْن سِيرِين غلط، وَقد يكون الْإِنْسَان ثِقَة لكنه يغلط. وَقد روى هَذَا الحَدِيث أَبُو الزبير فَقَالَ فِيهِ: فَردهَا عَليّ رَسُول الله ﷺ وَلم يره شَيْئا. أَشَارَ إِلَى هَذَا مُسلم، وأفصح أَبُو مَسْعُود فِي " التعليقة ". وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي " السّنَن " وَقَالَ: كل الْأَحَادِيث يُخَالف مَا رَوَاهُ أَبُو الزبير. وَقَالَ غَيره من عُلَمَاء الْمُحدثين: لم يرو أَبُو الزبير حَدِيثا أنكر من هَذَا. على أَنه يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: لم يره شَيْئا باتا تحرم مَعَه الرّجْعَة. وَالثَّانِي: لم يره شَيْئا
[ ٢ / ٥٠٣ ]
جَائِزا فِي السّنة.
١٠٧٠ - / ١٢٨٣ وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ: " إِن الله يَنْهَاكُم أَن تحلفُوا بِآبَائِكُمْ " قد سبق فِي مُسْند عمر.
١٠٧١ - / ١٢٨٤ وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: " أريت كَأَنِّي أنزع بِدَلْو بكرَة على قليب ". [١٥] النزع بِمَعْنى الاستقاء. وَالْمعْنَى: استقي بيَدي على البكرة. [١٥] والقليب: الْبِئْر قبل أَن تطوى، فَإِذا طويت فَهِيَ طوي، والقليب مُذَكّر، والبئر مُؤَنّثَة. والذنُوب: الدَّلْو الْعَظِيمَة. [١٥] وَقَوله: " فاستحالت غربا " أَي تحولت وَرجعت إِلَى الْكبر. والغرب بِإِسْكَان الرَّاء: الدَّلْو الْعَظِيمَة. وَالْمعْنَى: أَن عمر لما أَخذ الدَّلْو عظمت فِي يَده، وَكَذَا كَانَ تَأْوِيلهَا: أَن الْفتُوح فِي أَيَّامه كَانَت أَكثر من الْفتُوح فِي أَيَّام أبي بكر. [١٥] وَقَوله: " فَلم أر عبقريا " العبقري: سيد الْقَوْم وَكَبِيرهمْ وقويهم، قَالَ أَبُو بكر الْأَنْبَارِي: عبقر قَرْيَة تسكنها الْجِنّ، وكل فائق جليل ينْسب إِلَيْهَا. [١٥] قَالَ الزّجاج: عبقر: بلد كَانَ يوشى فِيهِ الْبسط وَغَيرهَا، فنسب
[ ٢ / ٥٠٤ ]
كل جيد إِلَيْهِ، قَالَ زُهَيْر:
(يخيل عَلَيْهَا جنَّة عبقرية جديرون يَوْمًا أَن ينالوا فيستعلموا)
[١٥] وَقَوله: " يفري فريه " أَي يقطع قطعه. الْمَعْنى: يعْمل عمله. وَالْعرب تَقول: تركت فلَانا يفري الفري: أَي يعْمل الْعَمَل الْجيد، وَأنْشد الْأَحْمَر:
(قد أطعمتني دقلا حوليا )
(مسوسا مدودا حجريا )
(قد كنت تفرين بِهِ الفريا )
[١٥] أَي كنت تكثرين فِيهِ القَوْل وتعظيمنه. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد جِئْت شَيْئا فريا﴾ [مَرْيَم: ٢٧] . قَالَ ابْن السّكيت: الفري: الْعَمَل الْجيد الصَّحِيح. قَالَ: وَيُقَال: هُوَ يفري الفري: إِذا جَاءَ بالعجب فِي عمل عمله. وَقَالَ اللَّيْث: يفري فريه خَفِيفَة، وَمن ثقل فقد غلط. قَالَ الشَّاعِر:
(فَلَا شَيْء يفري فِي الْيَدَيْنِ كَمَا يفري )
[١٥] وَقَوله: " حَتَّى ضرب النَّاس بِعَطَن " قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: مَعْنَاهُ: حَتَّى رووا وأرووا إبلهم وأبركوها وضربوا لَهَا عطنا، يُقَال: عطنت الْإِبِل وأعطنتها.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
١٠٧٢ - / ١٢٨٦ وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ: أَن ابْن عمر كَانَ يَحْكِي عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ: " يَأْخُذ الله سماواته وأرضيه بِيَدِهِ وَيَقُول: أَنا الله، وَيقبض أُصْبُعه ويبسط: أَنا الْملك " حَتَّى نظرت إِلَى الْمِنْبَر يَتَحَرَّك. [١٥] قد ثَبت بِالدَّلِيلِ الْقَاطِع أَن يَد الْحق ﷿ لَيست جارحة، وَأَن قَبضه للأشياء لَيست مُبَاشرَة، وَلَا لي كف، وَإِنَّمَا قرب الرَّسُول ﵇ إِلَى الأفهام مَا يُدْرِكهُ الْحس، فَقبض رَسُول الله ﷺ أَصَابِعه وبسطها. فوقوع الشّبَه بَين القبضتين من حَيْثُ ملكه الْمَقْبُوض لَا من حَيْثُ التَّشْبِيه بآلات الْقَبْض، كَمَا وَقع تَشْبِيه رؤيه الْحق بِرُؤْيَة الْقَمَر فِي اتضاح الرُّؤْيَة لَا فِي تَشْبِيه المرئي. [١٥] وَفِي لفظ: " يَأْخُذ الْجَبَّار سماواته " وَفِي معنى الْجَبَّار أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه الْعَظِيم، قَالَه ابْن عَبَّاس. وَالثَّانِي: أَنه الَّذِي يقهر الْخلق ويجبرهم على مَا يُرِيد، قَالَه الْقُرْطُبِيّ وَالسُّديّ. وَالثَّالِث: الَّذِي جبر مفاقر خلقه وكفاهم أَسبَاب المعاش والرزق. وَالرَّابِع: أَنه العالي فَوق خلقه، من قَوْلهم: تجبر النَّبَات: إِذا طَال وَعلا، ذكر الْقَوْلَيْنِ الْخطابِيّ.
١٠٧٣ - / ١٢٨٧ وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: " من أعتق عبدا بَينه وَبَين آخر قوم عَلَيْهِ من مَاله قيمَة عدل، لَا وكس وَلَا شطط، ثمَّ عتق
[ ٢ / ٥٠٦ ]
عَلَيْهِ فِي مَاله إِن كَانَ مُوسِرًا ". وَفِي رِوَايَة: " من أعتق شركا لَهُ فِي عبد فَكَانَ لَهُ مَال يبلغ ثمن العَبْد قوم عَلَيْهِ العَبْد قيمَة عدل، فَأعْطى شركاؤه حصصهم وَعتق عَلَيْهِ العَبْد، وَإِلَّا فقد عتق عَلَيْهِ مَا عتق. " وَفِي رِوَايَة عَن يحيى بن سعيد وَأَيوب قَالَا: لَا نَدْرِي قَوْله: " وَإِلَّا فقد عتق مِنْهُ مَا عتق " أَشَيْء قَالَه نَافِع أَو فِي الحَدِيث. [١٥] وَقَالَ أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت: وَقَوله: " وَإِذا كَانَ لَهُ مَال يبلغ ثمن العَبْد " يُقَال: إِنَّه من كَلَام الزُّهْرِيّ. [١٥] الوكس: النُّقْصَان. والشطط: مُجَاوزَة الْقدر. وشططت وأشططت: إِذا جرت فِي الحكم. [١٥] وَحكم الحَدِيث أَنه إِذا أعتق الْمُوسر شِقْصا لَهُ فِي عبد عتق كُله وَضمن قيمَة نصيب شَرِيكه، فَإِن كَانَ الْمُعْتق مُعسرا عتق نصِيبه خَاصَّة وَلم يكن لشَرِيكه تضمين الْمُعْتق نصِيبه، وَلَا استسعاء العَبْد، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِنَّمَا يعْتق حِصَّة الْمُعْتق خَاصَّة، وَالشَّرِيك مُخَيّر بَين أَن يعْتق نصِيبه أَو يضمن قيمَة نصيب الْمُعْتق، وَبَين أَن يستسعى العَبْد، سَوَاء كَانَ الْمُعْتق مُوسِرًا أَو مُعسرا، وَعَن أَحْمد نَحْو قَول أبي حنيفَة. وَالْكَلَام مَعَ أبي حنيفَة فِي فصلين: أَحدهمَا فِي سرَايَة الْعتْق إِلَى نصيب الشَّرِيك إِذا كَانَ الْمُعْتق مُوسِرًا. وَالثَّانِي: فِي إبِْطَال الْقبُول بالاستسعاء إِذا كَانَ مُعسرا. [١٥] وَأما الْوَقْت الَّذِي يعْتق فِيهِ نصيب شَرِيكه فَذَلِك عقيب الْإِيقَاع، وَلَا يقف عتقه على أَدَاء قِيمَته، خلافًا لإحدى الرِّوَايَتَيْنِ عَن مَالك، وَأحد
[ ٢ / ٥٠٧ ]
أَقْوَال الشَّافِعِي، ولداود، فِي قَوْلهم: لَا يعْتق إِلَّا بِدفع الْقيمَة.
١٠٧٤ - / ١٢٨٨ وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ: مَا كُنَّا نَدْعُو زيد بن حَارِثَة إِلَّا زيد بن مُحَمَّد حَتَّى نزل فِي الْقُرْآن: ﴿ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الْأَحْزَاب: ٥] . [١٥] كَانَ زيد بن حَارِثَة قد خرجت بِهِ أمه سعدى بنت ثَعْلَبَة إِلَى زِيَارَة قَومهَا، فأغارت خيل لبني الْقَيْن، فَمروا بزيد فاحتملوه، فوافوا بِهِ سوق عكاظ فَعَرَضُوهُ للْبيع، فَاشْتَرَاهُ حَكِيم بن حزَام لِعَمَّتِهِ خَدِيجَة، فَلَمَّا تزَوجهَا رَسُول الله ﷺ وهبته لَهُ، فَلَمَّا علم أَبوهُ وَعَمه قدما بفدائه إِلَى مَكَّة، فدخلا على النَّبِي ﷺ فَقَالَا: يَا ابْن هَاشم، يَا ابْن سيد قومه، أَنْتُم أهل حرم الله وجيرانه، تفكون العاني، وتطعمون الْأَسير، وَقد جئْنَاك فِي ابننا عنْدك، فَامْنُنْ علينا وَأحسن إِلَيْنَا فِي فدائه. قَالَ: " فَهَلا غير ذَلِك؟ " قَالَا: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: " ادعواه فخيراه، فَإِن اختاركما فَهُوَ لَكمَا بِغَيْر فدَاء، وَإِن اختارني فوَاللَّه مَا أَنا بِالَّذِي أخْتَار على من اختارني أحدا " قَالَ: نعم هَذَا أبي، وه عمي. قَالَ: فَأَنا من قد علمت وَرَأَيْت صحبتي لَك، فاخترني أَو اخترهما. فَقَالَ زيد: مَا أَنا بِالَّذِي أخْتَار عَلَيْك أحدا، أَنْت مني بمَكَان الْأَب وَالْعم، فَقَالَا: وَيحك يَا زيد، أتختار الْعُبُودِيَّة على الْحُرِّيَّة وعَلى أَبِيك وعمك وَأهل بَيْتك! قَالَ: نعم، إِنِّي قد رَأَيْت من هَذَا الرجل شَيْئا مَا أَنا
[ ٢ / ٥٠٨ ]
بِالَّذِي أخْتَار عَلَيْهِ أحدا أبدا، فَلَمَّا رأى رَسُول الله ﷺ ذَلِك أخرجه إِلَى الْحجر فَقَالَ: " يَا من حضر، اشْهَدُوا أَن زيدا ابْني، أرثه ويرثني " فَلَمَّا رأى ذَلِك أَبوهُ وَعَمه طابت أَنفسهمَا وانصرفا، إِلَى أَن نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ فَحِينَئِذٍ دعِي زيد بن حَارِثَة.
١٠٧٥ - / ١٢٨٩ وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا وضع رجله فِي الغرز واستوت بِهِ رَاحِلَته أهل. [١٥] الغرز للجمل كالركاب للْفرس. [١٥] وَقَوله: أهل: أَي لبّى. وَقد سبق الْكَلَام فِي هَذَا، وَفِي أَن النَّبِي ﷺ لم يمس من الْأَركان سوى اليمانيين. وَبينا أَنه لَو مس الرُّكْنَيْنِ الآخرين خرج الْحجر أَن يكون من الْبَيْت. [١٥] قَوْله: ورأيتك تلبس النِّعَال السبتية. هِيَ منسوبة إِلَى السبت. والسبت: جُلُود الْبَقر المدبوغة بالقرظ، يتَّخذ مِنْهَا النِّعَال. وَهَذَا الحَدِيث يدل على أَن السبت مَا لَا شعر فِيهِ من الْجلد؛ لِأَنَّهُ قَالَ: رَأَيْته يلبس النِّعَال الَّتِي لبس فِيهَا شعر، فَكَأَنَّهَا سميت سبتية لِأَن شعرهَا قد سبت عَنْهَا: أَي حلق وأزيل. يُقَال: سبت رَأسه يسبته: إِذا حلقه. وَيُقَال: سميت سبتيه لِأَنَّهَا انسبتت بالدباغ: أَي لانت، يُقَال: رطبَة منسبتة: أَي لينَة. وَالَّذِي اخْتَارَهُ أَبُو عبيد أَن السبتية هِيَ المدبوغة بالقرظ، وَلم ير قَول من قَالَ: إِنَّهَا المحلوقة الشّعْر.
[ ٢ / ٥٠٩ ]
[١٥] وَقَوله: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يصْبغ بالصفرة. يَعْنِي بِهِ خضاب الشّعْر.
أخبرنَا عَليّ بن عبد الله وَأحمد بن الْحُسَيْن وَعبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد قَالُوا: حَدثنَا عبد الصَّمد بن الْمَأْمُون قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن عمر الْخُتلِي قَالَ: حَدثنَا عِيسَى بن سُلَيْمَان الْقرشِي قَالَ: حَدثنَا دَاوُد بن رشيد قَالَ حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم عَن سعيد بن عبد الْعَزِيز عَن سُلَيْمَان ابْن مُوسَى عَن عبيد بن جريج: أَنه رأى ابْن عمر يخضب بالصفرة ويخبر أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يخضب بهَا. وَقد رَوَاهُ زيد بن أسلم عَن عبيد قَالَ: رَأَيْت ابْن عمر يصفر لحيته، فَقلت لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يصفر لحيته. وَقد كَانَ جمَاعَة من الصَّحَابَة يخضبون بالصفرة، مِنْهُم عُثْمَان وَابْن عمر وَمُعَاوِيَة وَابْن عَبَّاس والمقداد وَعبد الله بن بسر والمقدام بن معد يكرب وَأَبُو أُمَامَة الْبَاهِلِيّ وَعتبَة بن عبد السّلمِيّ وَالْحجاج بن علاط، وَكَانَ بعدهمْ من التَّابِعين خلق يطول ذكرهم يخضبون بالصفرة، قد ذكرتهم فِي كتاب " الشيب والخضاب ".
١٠٧٦ - / ١٢٩٠ - وَفِي الحَدِيث الْخمسين: أَن رَسُول الله ﷺ أُتِي وَهُوَ فِي معرسة من ذِي الحليفة فِي بطن الْوَادي فَقيل لَهُ: إِنَّك ببطحاء مباركة. [١٥] المعرس: مَوضِع نزُول الْقَوْم فِي سفرهم من آخر اللَّيْل للراحة وَالنَّوْم.
[ ٢ / ٥١٠ ]
[١٥] والبطحاء: كل متسع. [١٥] ويتحرى بِمَعْنى يتوخى ويقصد.
١٠٧٧ - / ١٢٩١ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْخمسين: " من اقتنى كَلْبا إِلَّا كلب صيد أَو مَاشِيَة فَإِنَّهُ ينقص من أجره كل يَوْم قيراطان " وقِي لفظ: " إِلَّا كلب ضارية " [١٥] يُقَال: ضري الْكَلْب يضرى ضراوة: إِذا حرص على الصَّيْد واعتاده، وَفهم الزّجر والإرسال. وأضريته أَنا: أَي عَلمته ذَلِك وعودته إِيَّاه ودربته عَلَيْهِ. [١٥] والحرث: الزَّرْع. [١٥] وَقَول سَالم: كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَقُول: " أَو كلب حرث " وَكَانَ صَاحب حرث. هَذَا مَذْكُور فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَقد رُوِيَ فِي مَوضِع آخر ذكر أَنه لِابْنِ عمر أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: " إِلَّا كلب صيد أَو زرع أَو مَاشِيَة " فَقَالَ: إِن لأبي هُرَيْرَة زرعا. فتأول بعض من لم يوفق للصَّوَاب أَن ابْن عمر قد اتهمَ أَبَا هُرَيْرَة. وَهَذَا محَال، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَصْدِيق أبي هُرَيْرَة، فَجعل حَاجته إِلَى ذَلِك شَاهدا لَهُ على علمه ومعرفته، لِأَن من كثرت حَاجته إِلَى شَيْء كثرت مَسْأَلته عَنهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: جدير بِأبي هُرَيْرَة أَن يكون علم هَذَا عِنْده، وَأَن يكون قد سَأَلَ عَنهُ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ. وَقد روى عبد الله بن مُغفل وسُفْيَان بن أبي زُهَيْر عَن النَّبِي ﷺ مثل حَدِيث أبي هُرَيْرَة، فَكيف يتهم، وَقد ذكرنَا أَن فِي
[ ٢ / ٥١١ ]
[١٥] الصَّحِيح عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: " إِلَّا كلب زرع " وَهَذَا فِي رِوَايَة عمرَان بن الْحَارِث عَنهُ، فَلَعَلَّ ابْن عمر سمع ذَلِك من رَسُول الله ﷺ ونسيه ثمَّ عَاد فَذكره، وَلَعَلَّه أرسل الحَدِيث بذلك عَن رَسُول الله ﷺ اعْتِمَادًا على رِوَايَة أبي هُرَيْرَة. [١٥] وَعَامة أَصْحَاب ابْن عمر رووا عَنهُ " قيراطين ". وروى عمرَان وَسَالم فِي رِوَايَة مُحَمَّد بن أبي بكر " قيراطا وَاحِدًا " وروى عَنهُ سعيد بن الْمسيب قيراطين. وكل هَذِه الْأَطْرَاف فِي الصَّحِيح. [١٥] وَإِنَّمَا نهى عَن اقتناء الْكَلْب لمعنيين: أَحدهمَا: النَّجَاسَة، وَكَانَت الْعَرَب قد ألفت اقتناءها، وَكَانَت تخالطهم فِي أوانيهم. وَالثَّانِي: لِأَنَّهُ يروع الضَّيْف ويؤذي الطارق والسائل، فَلَمَّا كَانَ الْمَسْئُول والمطروق والمضيف لَا يَخْلُو من أجر فِي بذل مَا يبذله لهَؤُلَاء وَلَو طيب الْكَلَام، وَكَانَ الْكَلْب سَببا لمنع ذَلِك، نقص أجره لفقد مَا كَانَ الْكَلْب سَببا فِي مَنعه، وَلم يقل أَنه يَأْثَم، وَلكنه أخبر بِنَقص الْأجر من هَذِه الْوُجُوه الَّتِي منعهَا اقتناء الْكَلْب.
١٠٧٨ - / ١٢٩٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْخمسين: " إِذا أنزل الله بِقوم عذَابا أصَاب الْعَذَاب من كَانَ فيهم ثمَّ بعثوا على أَعْمَالهم ". [١٥] قد يشكل هَذَا فَيُقَال: كَيفَ يُصِيب الْعَذَاب من لم يفعل أفعالهم؟ وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون فيهم رَاضِيا بأفعالهم، أَو غير مُنكر لَهَا، فيعذب بِرِضَاهُ الْمعْصِيَة، وسكوته عَن الْإِنْكَار، فَإِن
[ ٢ / ٥١٢ ]
الصَّالِحين من بني إِسْرَائِيل لما أَنْكَرُوا على المفسدين ثمَّ واكلوهم وصافوهم عَم الْعَذَاب الْكل. وَالثَّانِي: أَن يكون إِصَابَة الْعَذَاب لَهُم لَا على وَجه التعذيب، وَلَكِن يكون إماتة لَهُم عِنْد انْتِهَاء آجالهم، كَمَا هَلَكت الْبَهَائِم والمواشي فِي الطوفان بآجالها لَا بالتعذيب.
١٠٧٩ - / ١٢٩٤ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْخمسين: " لَا تزَال الْمَسْأَلَة بأحدكم حَتَّى يلقى الله وَلَيْسَ فِي وَجهه مزعة لحم ". [١٥] هَذِه مَسْأَلَة الْغَنِيّ عَن السُّؤَال. والمزعة: الْقطعَة من اللَّحْم. وَالْمرَاد أَنه يَقع عِقَابه بشين وَجهه لِأَنَّهُ المبذول للسؤال، كَمَا وَقع عِقَاب الْبَخِيل فِي إعراضه عَن الْفَقِير بكي الْجَبْهَة وَالْجنب وَالظّهْر، لِأَنَّهُ إِذا رأى الْفَقِير قبض وَجهه ثمَّ لوى جنبه ثمَّ أعطَاهُ ظَهره. وَقد تَأَوَّلَه قوم على أَنه يَأْتِي لَا جاه لَهُ وَلَا قدر، يُقَال: لفُلَان وَجه: أَي جاه، وَهَذَا لِأَن السُّؤَال أسقط جاهه فِي الدُّنْيَا فَأتى على ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة. [١٥] وَإِنَّمَا كره السُّؤَال لثَلَاثَة معَان: أَحدهَا: أَنه ذل، وذل يَنْبَغِي أَن يكون لمَالِكه فَحسب. وَالثَّانِي: لِأَنَّهُ يتَضَمَّن نوع شكوى من الْقدر. وَالثَّالِث: أَن سُؤال الْغَنِيّ عَن الشَّيْء مزاحمة لمن أعد لَهُ من الْفُقَرَاء وتضييق عَلَيْهِم، وَقد كَانَ السّلف يحترزون من السُّؤَال الْجَائِز.
أخبرنَا هبة الله بن مُحَمَّد قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَليّ التَّمِيمِي قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر ابْن مَالك قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا
[ ٢ / ٥١٣ ]
مُوسَى بن دَاوُد قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن المؤمل عَن ابْن أبي مليكَة قَالَ: رُبمَا سقط الخطام من يَد أبي بكر الصّديق فَيضْرب بِذِرَاع نَاقَته فينيخها فَيَأْخذهُ، فَقَالُوا لَهُ: أَفلا أمرتنا نناولكه. فَقَالَ: إِن حَبِيبِي رَسُول الله ﷺ، أَمرنِي أَن لَا أسأَل النَّاس شَيْئا. قَالَ أَحْمد: وَحدثنَا وَكِيع قَالَ: حَدثنَا ابْن أبي ذِئْب عَن مُحَمَّد بن قيس عَن عبد الرَّحْمَن بن يزِيد عَن ثَوْبَان قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: " من يتَقَبَّل لي بِوَاحِدَة وأتقبل لَهُ بِالْجنَّةِ؟ " قَالَ: قلت أَنا. قَالَ: " لَا تسْأَل النَّاس شَيْئا " فَكَانَ ثَوْبَان يَقع سَوْطه وَهُوَ رَاكب فَلَا يَقُول لأحد: ناولنيه، حَتَّى ينزل فيتناوله.
١٠٨ - / ١٢٩٥ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْخمسين: أَنه أطنب فِي ذكر الدَّجَّال. [١٥] أَي بَالغ فِي أَوْصَافه وَالْبَيَان عَنهُ وَبَاقِي الحَدِيث مُفَسّر فِيمَا تقدم.
١٠٨١ - ١٢٩٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْخمسين: " أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا، لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، ويقيموا الصَّلَاة، ويؤتوا الزَّكَاة ". [١٥] وَقد تقدم الْكَلَام فِي هَذَا. [١٥] وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن الْكفَّار مخاطبون بالفروع، لأَنهم يُقَاتلُون على ذَلِك. [١٥] فَإِن قيل: قد علق ترك الْقِتَال فِي مُسْند عمر بن الْخطاب بالْقَوْل، وعلقه هَاهُنَا بأَشْيَاء مَعَ القَوْل. فَالْجَوَاب: أَن حَدِيث عمر كَانَ فِي
[ ٢ / ٥١٤ ]
مبدأ الْإِسْلَام، وَحَدِيث ابْن عمر وَأنس متأخران بعد نزُول الْفَرَائِض.
١٠٨٢ - / ١٢٩٨ وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْخمسين: " إِذا صَار أهل الْجنَّة إِلَى الْجنَّة وَأهل النَّار إِلَى النَّار جِيءَ بِالْمَوْتِ فَيذْبَح ". [١٥] هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند أبي سعيد الْخُدْرِيّ أبسط مِنْهُ هَاهُنَا وأوضح، فسنذكر تَفْسِيره هُنَاكَ إِذا وصلنا إِلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٠٨٣ - / ١٢٩٩ وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْخمسين: صَحِبت النَّبِي فَلم أره يسبح فِي السّفر. [١٥] قد بَينا فِيمَا تقدم أَنه المُرَاد بالتسبيح التَّنَفُّل. [١٥] والأسوة: الْقدْوَة.
١٠٨٤ - / ١٣٠٠ وَفِي الحَدِيث السِّتين: " إِن الشَّمْس وَالْقَمَر لَا يخسفان لمَوْت أحد وَلَا لِحَيَاتِهِ ". [١٥] وَقد سبق هَذَا فِي مُسْند أبي مُوسَى. وَذكرنَا صَلَاة الْكُسُوف فِي مُسْند ابْن عَبَّاس. [١٥]
١٠٨٥ - / ١٣٠١ وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتِّينَ: " إِذا بدا حَاجِب الشَّمْس فدعوا الصَّلَاة حَتَّى تبرز، وَلَا تَحَيَّنُوا بصلاتكم طُلُوع الشَّمْس وَلَا غُرُوبهَا ".
[ ٢ / ٥١٥ ]
[١٥] حَاجِب الشَّمْس: أول مَا يَبْدُو مِنْهَا كالحاجب. وَهَذَا من أَوْقَات النهى عَن التَّنَفُّل. [١٥] وَقد ذكرنَا معنى التحين فِي الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ من هَذَا الْمسند. [١٥] وَأما قَوْله: " بَين قَرْني الشَّيْطَان " فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن الْمَعْنى: تطلع والشيطان يقارنها. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: لم يرد مَا يتخيل كقرن الشَّاة، وَإِنَّمَا الْقرن حرف الرَّأْس، وللرأس قرنان: أَي حرفان، فالشيطان ماثل مَعَ الشَّمْس حِين تطلع، لِأَنَّهُ وَقت كَانَ عباد الشَّمْس يَسْجُدُونَ لَهَا، فإبليس حِينَئِذٍ فِي جِهَة مطْلعهَا. وَالثَّانِي: أَن الْمَعْنى: أَن الشَّيْطَان يَتَحَرَّك عِنْد طُلُوعهَا ويتسلط، قَالَه إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ. وَالثَّالِث: أَن معنى قرن الشَّيْطَان: قوته، تَقول: أَنا مقرن لهَذَا الْأَمر: أَي مطيق، فالشيطان يقوى أمره فِي حَال طُلُوعهَا وغروبها لمَكَان تسويله لعبدتها السُّجُود لَهَا، ذكره أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ.
١٠٨٦ - / ١٣٠٣ وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسِّتِّينَ: نهى عَن أكل الثوم، وَعَن لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة. [١٥] اعْلَم أَن مُطلق النَّهْي عَن الشَّيْء يدل على تَحْرِيمه إِلَّا أَن يدل دَلِيل على أَنه نهي كَرَاهَة، ثمَّ اتِّفَاق الشَّيْئَيْنِ فِي النَّهْي دَلِيل على استوائهما إِلَّا أَن يدل دَلِيل على أَنه نهي كَرَاهَة أَو نهي تَحْرِيم. وَقد دلّ الدَّلِيل على أَن النَّهْي عَن أكل الثوم نهي كَرَاهَة؛ لِأَنَّهُ مُعَلل بالتأذي بِالرِّيحِ،
[ ٢ / ٥١٦ ]
ودلت قرينَة قَوْله فِي لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة: " اكفئوا الْقُدُور، فَإِنَّهَا رِجْس " على أَنه نهي تَحْرِيم. لِأَن تَضْييع المَال لَا يجوز. والرجس: النَّجس.
١٠٨٧ - / ١٣٠٤ وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسِّتِّينَ: أَنهم نزلُوا أَرض ثَمُود، فاستقوا من آبارها، وعجنوا بِهِ الْعَجِين، فَأَمرهمْ رَسُول الله ﷺ أَن يهريقوا مَا استقوا، ويعلفوا الْإِبِل الْعَجِين. [١٥] لما لعن قوم ثَمُود أثرت لعنتهم فِي مِيَاههمْ وأماكنهم، كَمَا تُؤثر الْبركَة فِي الْمِيَاه والأماكن. وَقد شرحنا هَذَا فِي الحَدِيث التَّاسِع عشر من هَذَا الْمسند.
١٠٨٨ - / ١٣٠٥ وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسِّتِّينَ: أعْطى رَسُول الله ﷺ خَيْبَر بِشَطْر مَا يخرج مِنْهَا. وَقد سبق بَيَان هَذَا فِي مُسْند عمر. [١٥] وَقَوله: كَانَ يُعْطي أَزوَاجه مائَة وسق، الوسق: سِتُّونَ صَاعا، والصاع خَمْسَة أَرْطَال وَثلث بالعراقي. [١٥] وَقَوله: نهى عَن كِرَاء الْمزَارِع. إِنَّمَا نهى ليرفق الْقَوْم بَعضهم بَعْضًا. ثمَّ قد كَانُوا يكرونها بِشَيْء مَجْهُول وَذَلِكَ أَمر مَنْهِيّ عَنهُ، وَقد بَينا هَذَا فِي مُسْند رَافع بن خديج. [١٥] وَقَوله: إِن عمر أجلى الْيَهُود وَالنَّصَارَى من أَرض الْحجاز. إجلاء الْقَوْم: إخراجهم عَن مَنَازِلهمْ وطردهم عَنْهَا. فَأَما الْحجاز فَقَالَ ابْن
[ ٢ / ٥١٧ ]
فَارس: قَالَ قوم: سمي حجازا من قَوْلهم: حجز الرجل الْبَعِير يحجزه: إِذا شده إِلَى رسغه، فَكَأَن ذَلِك قيد لَهُ، والجبل حجاز، وَقيل: سمي حجازا لِأَنَّهُ احتجز بالجبال، يُقَال: احتجزت الْمَرْأَة: إِذا شدت ثِيَابهَا على وَسطهَا وائتزرت، وَتلك هِيَ الحجزة، وَزعم نَاس أَن الحزة خطأ، والحجزة والحزة سَوَاء، وَلَكِن الحزة لُغَة لبني الْحَارِث بن كَعْب. قَالَ الْحَارِثِيّ:
(يرقون فِي النّخل حَتَّى ينزلُوا أصلا فِي كل حزة سيح مِنْهُم بسر)
[١٥] وَالْأَصْل عندنَا فِي الْحجاز أَنه حاجز بَين أَرضين. وَقِيَاس الْمَنْع على مَا قُلْنَاهُ. وكل مَوضِع يمْتَنع بِهِ الْإِنْسَان فَهُوَ حجاز، وَقَالَ النَّابِغَة فِي الحجزة، وكنى بهَا عَن الْبدن:
(رقاق النِّعَال طيب حجزاتهم يحيون بالريحان يَوْم السباسب)
وتيماء أَرض مَعْرُوفَة. وأريحاء: هِيَ أَرض بَيت الْمُقَدّس كَذَلِك. [١٥] قَالَ السّديّ: وَقَوله: وَكَانَ التَّمْر يقسم على السهْمَان من نصف. الْمَعْنى أَن الْقَوْم كَانُوا يعْملُونَ فِيهَا على وَجه الْمُسَاقَاة كَمَا ذكرنَا فِي
[ ٢ / ٥١٨ ]
مُسْند عمر، فَيَأْخُذُونَ النّصْف، ثمَّ يقسم النّصْف الْبَاقِي على السهْمَان كَمَا تقسم الْغَنِيمَة. [١٥] وَقَوله: فَيَأْخُذ رَسُول الله ﷺ الْخمس. وَيحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: يَأْخُذ الْخمس من النّصْف فيفرقه على خَمْسَة أسْهم وَالْبَاقِي لمن شهد الْوَقْعَة. وَالثَّانِي: يَأْخُذ الْخمس لنَفسِهِ، فَيكون المُرَاد خمس الْخمس. ثمَّ إِن عمر قسم خَيْبَر على من شَهِدَهَا. [١٥] وَقَوله: ولرسول الله شطر ثَمَرهَا. قد بَيناهُ فِي أول الْكَلَام.
١٠٨٩ - / ١٣٠٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالسِّتِّينَ: " انهكوا الشَّوَارِب وَاعْفُوا اللحى " وَفِي لفظ آخر: " اُحْفُوا الشَّوَارِب ". النهك: النُّقْصَان، يُقَال: نهكته الْحمى: إِذا بالغت فِي نُقْصَان قوته. وَالْمعْنَى: بالغوا فِي الْأَخْذ مِنْهَا. [١٥] وَقَوله: " أحفوا الشَّوَارِب " قَالَ ابْن فَارس: يُقَال: أحفيت الشَّارِب إحفاء: إِذا أخذت مِنْهُ. والحفي: المستقصي فِي السُّؤَال. [١٥] وَأما إعفاء اللِّحْيَة فَهُوَ توفيرها وتكبيرها. قَالَ أَبُو عبيد: يُقَال: عَفا الشّعْر وَغَيره: إِذا كثر، يعْفُو؛ فَهُوَ عاف، وَقد عفوته وأعفيته، لُغَتَانِ. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى عفوا﴾ [الْأَعْرَاف: ٩٥] أَي كَثُرُوا وَكَثُرت أَمْوَالهم. وَسَيَأْتِي فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة " جزوا الشَّوَارِب وأرخوا اللحى، وخالفوا الْمَجُوس " وَهَذَا لِأَنَّهُ كَانَ من زِيّ آل كسْرَى قصّ اللحى
[ ٢ / ٥١٩ ]
وتوفير الشَّارِب، فَأمر النَّبِي ﷺ أمته بمخالفتهم فِي الْهَيْئَة، وَفِي ذَلِك أَرْبَعَة معَان: أَحدهَا: مُخَالفَة الْكفَّار. وَفِي الثَّانِي: أَنه أجمل وَأحسن. وَالثَّالِث: أَنه أطيب وأنظف، فَإِن الْإِنْسَان إِذا أكل أَو شرب أَو قبل مَنعه طول الشَّارِب من كَمَال الالتذاذ، وَرُبمَا دخل الشّعْر فِي الْفَم مَعَ المتناول، ثمَّ يحصل فِيهِ من الزهم والوسخ، واللحية بعيدَة عَن ذَلِك. وَالرَّابِع: أَن الله تَعَالَى خلق اللِّحْيَة على صفة تقبل الطول بِخِلَاف الشَّارِب، فَإِنَّهُ لَا يطول كطولها، فَكَانَ المُرَاد مُوَافقَة الْحق ﷿ فِيمَا رتب. [١٥] فَأَما الْفطْرَة فَإِنَّهَا كلمة تقال على أوجه قد ذَكرنَاهَا فِي مُسْند الْبَراء. وَالْمرَاد بهَا هَاهُنَا السّنة.
١٠٩٠ - / ١٣٠٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسِّتِّينَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ وَأَبُو بكر وَعمر يصلونَ الْعِيدَيْنِ قبل الْخطْبَة. [١٥] قد بَينا عِلّة تَأْخِير الْخطْبَة فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١٠٩١ - / ١٣٠٨ - وَفِي الْحَادِث الثَّامِن وَالسِّتِّينَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يخْطب يَوْم الْجُمُعَة قَائِما ثمَّ يجلس ثمَّ يقوم. [١٥] قد بَينا أَن الْقيام والقعدة بَين الْخطْبَتَيْنِ عندنَا سنة، وَأَن الشَّافِعِي يرى ذَلِك وَاجِبا.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
١٠٩٢ - / ١٣٠٩ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسِّتِّينَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يعرض رَاحِلَته فَيصَلي إِلَيْهَا. [١٥] وَالْمعْنَى: ينحيها فِي عرض الْقبْلَة، وَفِيه لُغَتَانِ: يعرض ويعرض.
١٠٩٣ - / ١٣١٠ - وَفِي الحَدِيث السّبْعين والعنزة بَين يَدَيْهِ. العنزة: عَصا شَبيهَة بالعكاز، وَهِي الحربة.
١٠٩٤ - / ١٣١٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسبْعين: " اجعلوا من صَلَاتكُمْ فِي بُيُوتكُمْ ". الْإِشَارَة بِهَذَا إِلَى السّنَن والنوافل.
١٠٩٥ - / ١٣١٤ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسبْعين: " إِذا وضع عشَاء أحدكُم وأقيمت الصَّلَاة فابدءوا بالعشاء ". [١٥] اعْلَم أَن هَذَا ورد فِي حق الجائع الَّذِي قد تاقت نَفسه إِلَى الطَّعَام، أَمر بذلك لِئَلَّا يشْتَغل قلبه فِي الصَّلَاة بِذكر الطَّعَام عَن الْخُشُوع والفكر. وَقد ظن قوم أَن هَذَا من بَاب تَقْدِيم حَظّ العَبْد على حق الْحق، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا هُوَ صِيَانة لحق الْحق، ليدخلوا فِي الْعِبَادَة بقلوب مقبلة غير مَشْغُولَة بِذكر الطَّعَام. وَإِنَّمَا كَانَ عشَاء الْقَوْم يَسِيرا لَا يقطع عَن لحاق الْجَمَاعَة، يدل على مَا قُلْنَاهُ مَا سَيَأْتِي من حَدِيث عَمْرو بن أُميَّة
[ ٢ / ٥٢١ ]
الضمرِي قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يَأْكُل ذِرَاعا يحتز مِنْهَا، فدعي إِلَى الصَّلَاة، فَقَامَ وَطرح السكين، فصلى وَلم يتَوَضَّأ.
١٠٩٦ - / ١٣١٥ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسبْعين: فرض رَسُول الله ﷺ زَكَاة الْفطر صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير. [١٥] الصَّاع مكيال مَعْرُوف قدره خَمْسَة أَرْطَال وَثلث بالعراقي، وَهَذَا قدر صَاع رَسُول الله ﷺ، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: الصَّاع ثَمَانِيَة أَرْطَال. وَقد سبق بَيَان هَذَا. [١٥] وَأما ذكر التَّمْر وَالشعِير خَاصَّة فَلِأَنَّهُ كَانَ أَكثر قوت الْقَوْم. وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث أبي سعيد ذكر الْبر وَالزَّبِيب والأقط. [١٥] وَلَا يَجْزِي عندنَا أقل من صَاع من أَي الْأَجْنَاس الْمَنْصُوص عَلَيْهَا كَانَ، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يَجْزِي نصف صَاع بر، وَهُوَ المُرَاد بقول ابْن عمر: فَعدل النَّاس بِهِ نصف صَاع بر. وَعِنْدنَا أَنه يجوز إِخْرَاج الصَّاع من جِنْسَيْنِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يَجْزِي على وَجه الْقيمَة. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا يَجْزِي بِحَال. [١٥] وَقَوله: على كل حر وَعبد، ذكر وَأُنْثَى من الْمُسلمين. هَذَا دَلِيل على أَن الْإِنْسَان لَا تلْزمهُ فطْرَة عَن عَبده الْكَافِر، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تلْزمهُ. وَعِنْدنَا أَن الْفطْرَة تجب على العَبْد الْمُشرك، وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا
[ ٢ / ٥٢٢ ]
تجب. وَاخْتلف الرِّوَايَة عَن أَحْمد: كم يخرج كل مَالك، فروى عَنهُ نصف صَاع، وَهُوَ اخْتِيَار الْخرقِيّ. [١٥] وَقَوله: وَأَن تُؤَدّى قبل خُرُوج النَّاس للصَّلَاة، عندنَا أَن صَدَقَة الْفطر تجب بغروب الشَّمْس من لَيْلَة الْفطر، وَهُوَ قَول مَالك فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تجب بِطُلُوع الْفجْر من يَوْم الْفطر، وَهِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن مَالك، وَالْقَوْل الْقَدِيم للشَّافِعِيّ. فَأَما وَقت إخْرَاجهَا فَالْأَفْضَل أَن يُخرجهَا قبل صَلَاة الْعِيد، فَإِن قدمهَا قبل الْفطر بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ جَازَ كَمَا ذكر فِي هَذَا الحَدِيث، وَلَا تجوز الزِّيَادَة على ذَلِك. وَقَالَ الشَّافِعِي: يجوز إخْرَاجهَا من أول رَمَضَان، وَلَا يجوز قبله. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز تَقْدِيمهَا على رَمَضَان.
١٠٩٧ - / ١٣١٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالسبْعين: لَا تُسَافِر الْمَرْأَة ثَلَاثًا إِلَّا وَمَعَهَا ذُو محرم. [١٥] إِنَّمَا ذكرت الثَّلَاث لِأَنَّهَا مِقْدَار السّفر الشَّرْعِيّ الَّذِي تقصر فِيهِ الصَّلَاة. وَسَيَأْتِي فِي مُسْند أبي سعيد: " لَا تُسَافِر الْمَرْأَة يَوْمَيْنِ " وَفِي مُسْند أبي هُرَيْرَة: " مسيرَة يَوْم وَلَيْلَة " وَقد ذكرنَا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس: " لَا تُسَافِر الْمَرْأَة إِلَّا مَعَ ذِي محرم " وَلم تذكرة مُدَّة، وَهَذَا لِأَن بعْدهَا عَن الْمنَازل غير مَأْمُون. وَقد تكلمنا على هَذَا فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
١٠٩٨ - / ١٣١٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسبْعين: أَن ابْن عمر أحرم بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة، فَانْطَلق يهل بهما حَتَّى قدم مَكَّة، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وبالصفا والمروة، وَلم يحلل حَتَّى كَانَ يَوْم النَّحْر فَنحر، وَرَأى أَن قد قضى طواف الْحَج وَالْعمْرَة بطوافه الأول، وَقَالَ: كَذَلِك فعل رَسُول الله ﷺ. [١٥] هَذَا يدل على أَن قَارن تدخل أَفعَال عمرته فِي حجه عِنْد نِيَّة الْقرَان، فيجتزي لَهما بِإِحْرَام وَاحِد وَطواف وَاحِد وسعي وَاحِد وحلاق وَاحِد، وَهَذَا قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل، وَهل تجزيه هَذِه الْعمرَة عَن عمْرَة الْإِسْلَام؟ فِيهِ عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يَجْزِي الْقَارِن إِلَّا طوافان وسعيان. فَأَما الْإِحْرَام والحلاق الْوَاحِد فيجزيه، لِأَن الْإِحْرَام عِنْده شَرط، وَلَيْسَ من الْحَج، والحلاق لَيْسَ بنسك، إِنَّمَا هُوَ مُحَلل كالسلام من الصَّلَاة.
١٠٩٩ - / ١٣١٩ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسبْعين: أَن الْعَبَّاس اسْتَأْذن رَسُول الله ﷺ أَن يبيت بِمَكَّة ليَالِي منى من أجل سقايته، فَأذن لَهُ. [١٥] اعْلَم أَن الْمبيت بمنى ليَالِي منى من وَاجِبَات الْحَج، وَإِنَّمَا رخص لأجل السِّقَايَة والرعاء فَإِذا ترك غَيرهم الْمبيت فِي منى فَمَا الَّذِي يلْزمه؟ فِيهِ ثَلَاث رِوَايَات عَن أَحْمد: إِحْدَاهُنَّ: يلْزمه دم. وَالثَّانيَِة:
[ ٢ / ٥٢٤ ]
تلْزمهُ صَدَقَة. وَالثَّالِثَة: لَا شَيْء عَلَيْهِ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة.
١١٠٠ - / ١٣٢٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّمَانِينَ: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يخرج من طَرِيق الشَّجَرَة وَيدخل من طَرِيق المعرس. وَفِي رِوَايَة: أَنه دخل مَكَّة من كداء من الثَّنية الَّتِي عِنْد الْبَطْحَاء وَخرج من الثَّنية السُّفْلى. [١٥] هَذِه كلهَا أَسمَاء مَوَاضِع. وكداء هَاهُنَا مَفْتُوح الْكَاف مَمْدُود، وَهُوَ الَّذِي يسْتَحبّ الدُّخُول مِنْهُ، وبمكة ثَلَاث مَوَاضِع تشتبه بِكدَاء قد بيناها فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١١٠١ - / ١٣٢١ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي والثمانين: لما خلع أهل الْمَدِينَة يزِيد بن مُعَاوِيَة جمع ابْن عمر حشمه وَولده.
الحشم: خدم الرجل وَأَتْبَاعه. [١٥] وَقَوله: كَانَ الفيصل بيني وَبَينه. و" الفيصل " " فيعل " من الْفَصْل، وَأَرَادَ بهَا القطيعة التَّامَّة. وَهَذَا يدل على الصَّبْر على الإِمَام وَإِن جَار. [١٥] وَقد تكلمنا على قَوْله: " لكل غادر لِوَاء " فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
١١٠٢ - / ١٣٢٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي والثمانين: عرضت على النَّبِي
[ ٢ / ٥٢٥ ]
ﷺ يَوْم أحد وَأَنا ابْن أَربع عشرَة فَلم يجزني، وَعرضت عَلَيْهِ عَام الْفَتْح وَأَنا ابْن خمس عشرَة فأجازني. [١٥] هَكَذَا ذكره الْحميدِي، وَهُوَ سَهْو، وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ هَكَذَا، وَإِنَّمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ جَمِيعًا: وَعرضت عَلَيْهِ يَوْم الخَنْدَق فأجازني. وَأول من سَهَا فِي هَذَا أَبُو مَسْعُود صَاحب " التعليقة "، ثمَّ تبعه خلف صَاحب " التعليقة " الْأُخْرَى، ثمَّ تبعهما أَبُو عبد الله الْحميدِي، وَلم ينْظرُوا فِي هَذَا. وَالْعجب من صَاحب حَدِيث يتَكَرَّر هَذَا على سَمعه وَلَا يتدبره، فَإِن غزَاة أحد كَانَت فِي سنة ثَلَاث وغزاة الْفَتْح كَانَت فِي سنة ثَمَان. فَمن يكون فِي غزَاة أحد ابْن أَربع عشر كَيفَ يكون بعد خمس سِنِين ابْن خمس عشرَة؟
١١٠٣ - / ١٣٢٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث والثمانين: " الْخَيل فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ". [١٥] قد تكلمنا على هَذَا فِي مُسْند جرير بن عبد الله.
١١٠٤ - / ١٣٢٤ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع والثمانين: " إِن العَبْد إِذا نصح لسَيِّده وَأحسن عبَادَة الله ﷿ فَلهُ أجره مرَّتَيْنِ ". [١٥] وَإِنَّمَا ضوعف أجر العَبْد لِأَن خدمَة السَّيِّد تشغل عَن عبَادَة الله عز
[ ٢ / ٥٢٦ ]
وَجل، فَإِن تحمل الْمَشَقَّة فِي الْجمع بَين الْحَقَّيْنِ ضوعف لَهُ أجره، فَلهُ أجر بِعبَادة ربه، وَأجر بِخِدْمَة سَيّده، وَكلما كثرت المشاق زَاد الْأجر.
١١٠٥ - / ١٣٢٥ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس والثمانين: " على الْمَرْء الْمُسلم السّمع وَالطَّاعَة فِيمَا أحب أَو كره إِلَّا أَن يُؤمر بِمَعْصِيَة ". [١٥] الْإِشَارَة بِهَذَا إِلَى طَاعَة الْأُمَرَاء، فَهِيَ لَازِمَة فِيمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَة لله ﷿.
١١٠٦ - / ١٣٢٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس والثمانين: أجْرى رَسُول الله ﷺ مَا ضمر من الْخَيل من الحفياء إِلَى ثنية الْوَدَاع. وَأما تضمير الْخَيل فقد فسرناه فِي مُسْند سهل بن سعد. [١٥] والحفياء: اسْم مَوضِع. وَاخْتلفُوا كم بَينه وَبَين ثنية الْوَدَاع؟ فَقَالَ: مُوسَى بن عقبَة: سِتَّة أَمْيَال أَو سَبْعَة. وَقَالَ البُخَارِيّ: قَالَ سُفْيَان: من الحفياء إِلَى ثنية الْوَدَاع خَمْسَة أَمْيَال أَو سِتَّة. وَمن ثنية الْوَدَاع إِلَى مَسْجِد بني زُرَيْق ميل. [١٥] والأمد: الْغَايَة. وَالْمرَاد أَنه جعل غَايَة المضامير أبعد من غَايَة مَا لم يضمر. [١٥] وَقَوله: فطفف بِي الْفرس الْمَسْجِد. قَالَ أَبُو عبيد: يَعْنِي أَن الْفرس وثب حَتَّى كَاد يُسَاوِي مَسْجِد بني زُرَيْق. وَمن هَذَا قيل: إِنَاء طفان:
[ ٢ / ٥٢٧ ]
وَهُوَ الَّذِي قرب أَن يمتلئ أَو يُسَاوِي الْمِكْيَال. والاقتحام: دُخُول الشَّيْء بِشدَّة. [١٥] فَأَما الْمُسَابقَة بِالْخَيْلِ فَإِنَّهَا تجوز بعوض وَبِغير عوض. فَإِن سَابق بعوض كَانَ العقد كالجعالة فِي إِحْدَى الْوَجْهَيْنِ لنا، يجوز فَسخه وَيجوز الزِّيَادَة فِيهِ، وَلَا يُؤْخَذ فِيهِ رهنا وَلَا ضمينا، وَلَا يلْزم إِلَّا بِوُجُود السَّبق، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة. وَفِي الْوَجْه الآخر هُوَ كالإجازة تلْزم بِمُجَرَّد العقد، وَلَا يجوز فَسخه وَلَا الِامْتِنَاع من إِتْمَامه، وَلَا الزِّيَادَة فِيهِ، ويدخله الرَّهْن والضمين. وَعَن الشَّافِعِي كالوجهين. وَلَا بُد من تعْيين الْفرس وتحديد الْمسَافَة وَالْعلم بِالْعِوَضِ. وَيجوز السَّبق بِالْإِبِلِ أَيْضا. [١٥] والسبق فِي الْخَيل: أَن يسْبق أَحدهمَا بِالرَّأْسِ إِذا تماثلت الْأَعْنَاق، فَإِن اخْتلفت الفرسان فِي طول الْعُنُق أَو كَانَ السَّبق فِي الْإِبِل اعْتبر السَّبق بالكتف. [١٥] وَلَا تجوز الْمُسَابقَة بَين جِنْسَيْنِ كَالْإِبِلِ وَالْخَيْل، وعَلى نَوْعَيْنِ كالعربي والهجين. وَقد يتَخَرَّج الْجَوَاز بِنَاء على تساويهما فِي سهم الْغَنِيمَة. وَتجوز الْمُسَابقَة على البغال وَالْحمير والفيلة، وبالطيور والرماح والمزاريق والسماريات بِغَيْر عوض، وَلَا يجوز فِي شَيْء من ذَلِك بعوض، وَكَذَلِكَ المصارعة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تجوز المصارعة بعوض، وَعَن الشَّافِعِي كالمذهبين: فَأَما الْمُسَابقَة على الْأَقْدَام فَلَا تجوز بعوض. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تجوز. وَعَن الشَّافِعِيَّة كالمذهبين. وَإِذا شَرط فِي الْمُسَابقَة أَن من غلب أطْعم السَّبق أَصْحَابه بَطل الشَّرْط، وَهل يَصح
[ ٢ / ٥٢٨ ]
العقد؟ على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: يَصح، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة. وَالثَّانِي: يبطل، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي.
١١٠٧ - / ١٣٢٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع والثمانين: " أَن النَّبِي ﷺ قسم فِي النَّفْل للْفرس سَهْمَيْنِ وللرجل سهم. [١٥] المُرَاد بالنفل الْأَنْفَال: وَهِي الْغَنَائِم، قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: فِي هَذَا بَيَان أَن الْفَارِس يَأْخُذ ثَلَاثَة أسْهم: سَهْما باسم نَفسه، وسهمين باسم فرسه، وَذَلِكَ لما يلْزمه من الْمُؤْنَة للْفرس. فَأَما مَا جَاءَ فِي الحَدِيث: " للفارس سَهْمَان " فَإِنَّهُمَا سَهْما فرسه، وسهمه لنَفسِهِ ثَابت، والمجمل يرد إِلَى الْمُفَسّر.
١١٠٨ - / ١٣٣٠ - وَفِي الحَدِيث التسعين: " نهى عَن الشّغَار. وَفِي لفظ حَدِيث مَالك: نهى عَن الشّغَار، والشغار أَن يُزَوّج الرجل ابْنَته الرجل على أَن يُزَوجهُ ابْنَته وَلَيْسَ بَينهمَا صدَاق. فقد درج هَذَا فِي الحَدِيث وَلَيْسَ من كَلَام رَسُول الله ﷺ، إِنَّمَا هُوَ قَول مَالك، أَعنِي تَفْسِير الشّغَار. وَفِي رِوَايَة: أَن نَافِعًا فسره أَيْضا. [١٥] وَاعْلَم أَن صفة الشّغَار مَا ذكرنَا، وَهُوَ أَن يَقُول: زَوجتك ابْنَتي على أَن تزَوجنِي ابْنَتك بِغَيْر صدَاق. وَقَالَ الشَّافِعِي: هَذِه صفته، وفيهَا
[ ٢ / ٥٢٩ ]
زِيَادَة: وَهُوَ أَن يَقُول: وَيَضَع كل وَاحِدَة مِنْهُمَا مهر الْأُخْرَى، وَإِن لم يقل هَذَا فَالنِّكَاح صَحِيح، وَلكُل مِنْهُمَا مهر الْمثل. وَقد فسر نَافِع وَمَالك الشّغَار فِي هَذَا الحَدِيث على مَا ذكرنَا، وَلَيْسَ فِيهِ مَا قَالَ الشَّافِعِي. [١٥] وَنِكَاح الشّغَار عندنَا بَاطِل؛ لِأَن النَّبِي ﷺ نهى عَنهُ، وَبِهَذَا قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَيْسَ بباطل، وَلكُل وَاحِدَة مهر مثلهَا، وَإِنَّمَا النَّهْي عِنْده أَن يسْتَحل الْفرج بِغَيْر مهر. وأصل الشّغَار الرّفْع، يُقَال: شغر الْكَلْب بِرجلِهِ: إِذا رَفعهَا عِنْد الْبَوْل، فَسُمي هَذَا النِّكَاح لِأَنَّهُمَا رفعا الْمهْر بَينهمَا. وعَلى الْحَقِيقَة إنَّهُمَا رفعا مَا يجوز أَن يكون مهْرا، وَجعلا مَا لَيْسَ بِمهْر مهْرا وَهُوَ الْبضْع، فَصَارَ الْمَعْقُود عَلَيْهِ معقودا؛ لِأَن العقد للْمَرْأَة وَبهَا، فَكَأَنَّهُ زَوجهَا وَاسْتثنى بضعهَا فَجعله مهْرا لصاحبتها فَكَانَ بَاطِلا.
١١٠٩ - / ١٣٣١ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالتسْعين: " أَن رجلا رمى امْرَأَته وانتفى من وَلَدهَا، فَأَمرهمَا رَسُول الله ﷺ فَتَلَاعَنا، ثمَّ قضى بِالْوَلَدِ للْمَرْأَة، وَفرق بَين المتلاعنين. [١٥] أما قَضَاؤُهُ بِالْوَلَدِ للْمَرْأَة فَمَعْنَاه أَنه ألحقهُ بهَا لِأَنَّهُ مِنْهَا قطعا. وَأما التَّفْرِيق بَين المتلاعنين فَإِنَّهُ يحصل بلعانهما، هَذَا مَذْهَبنَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَبِه قَالَ مَالك، وَفِي الْأُخْرَى: لَا يَقع بِمُجَرَّد لعانهما إِلَّا أَن يُضَاف إِلَيْهِ حكم الْحَاكِم، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
[١٥] وَاخْتلفُوا: هَل تَحْرِيم اللّعان مؤبد أم لَا؟ فالمنصور من مَذْهَبنَا أَنه مؤبد، وَعَن أَحْمد أَنه يرْتَفع بتكذيب الرجل نَفسه، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة. [١٥] وَقَوله: أول من سَأَلَ عَن هَذَا فلَان بن فلَان. قد بَينه فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى فَقَالَ: فرق رَسُول الله ﷺ بَين أخوي بني العجلان. وَهَذَا يدل على أَنَّهَا قصَّة عُوَيْمِر بن الْحَارِث الْعجْلَاني. وَقد ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند ابْن مَسْعُود. وَقد مر حَدِيث اللّعان فِي مُسْند سهل بن سعد ومسند ابْن عَبَّاس.
١١١٠ - / ١٣٣٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالتسْعين: " الْمُؤمن يَأْكُل فِي معي وَاحِد " وَقد سبق فِي مُسْند أبي مُوسَى.
١١١١ - / ١٣٣٥ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالتسْعين: لما توفّي عبد الله بن أبي جَاءَ ابْنه عبد الله إِلَى رَسُول الله ﷺ فَسَأَلَهُ أَن يُعْطِيهِ قَمِيصه يُكفن فِيهِ أَبَاهُ فَأعْطَاهُ. [١٥] عبد الله بن أبي رَأس الْمُنَافِقين، وَقد ذكرنَا حَاله فِي مُسْند عمر. وَكَانَ ابْنه عبد الله من صالحي الصَّحَابَة، شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا، وَلما قَالَ ابْن أبي فِي غزَاة الْمُريْسِيع: (لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَذَل) وَبلغ ذَلِك رَسُول الله ﷺ جَاءَ إِلَيْهِ عبد الله فَقَالَ: يَا رَسُول الله بَلغنِي أَنَّك تُرِيدُ قتل أبي لما بلغك عَنهُ، فَإِن كنت فَاعِلا فمرني
[ ٢ / ٥٣١ ]
فَأَنا أحمل إِلَيْك رَأسه، فَإِنِّي أخْشَى أَن يقْتله غَيْرِي فَلَا تدعني نَفسِي حَتَّى أقتل قَاتله فَأدْخل النَّار. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: " بل نحسن صحبته مَا بَقِي مَعنا " فَلَمَّا أَرَادَ ابْن أبي أَن يدْخل الْمَدِينَة جَاءَ ابْنه فَقَالَ: وَرَاءَك. قَالَ: مَالك؟ وَيلك. قَالَ: لَا وَالله، لَا تدْخلهَا أبدا إِلَّا بِإِذن رَسُول الله ﷺ لتعلم الْيَوْم من الْأَعَز وَمن الْأَذَل. فَلَمَّا مَاتَ طلب وَلَده قَمِيص رَسُول الله ﷺ فَأعْطَاهُ. وَاخْتلفُوا لم أعطَاهُ؟ على ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: لإكرام الْوَلَد. الثَّانِي: لِأَنَّهُ مَا سُئِلَ رَسُول الله ﷺ شَيْئا فَقَالَ لَا. وَالثَّالِث: لِأَنَّهُ كَانَ قد أعْطى الْعَبَّاس قَمِيصًا لما أسر يَوْم بدر، وَلم يكن على الْعَبَّاس ثِيَاب يَوْمئِذٍ، فَأَرَادَ رَسُول الله ﷺ مكافأته على ذَلِك. وَسَيَأْتِي هَذَا فِي مُسْند جَابر.
١١١٢ - / ١٣٣٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالتسْعين: " الْحمى من فيح جَهَنَّم فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ ". [١٥] قد ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند رَافع بن خديج.
١١١٣ - / ١٣٣٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالتسْعين: أَن رَسُول الله ﷺ قطع سَارِقا فِي مجن قِيمَته ثَلَاثَة دَرَاهِم. [١٥] الْمِجَن: الترس. قَالَ الْخطابِيّ: كَانَ الأَصْل فِي النَّقْد عِنْدهم الدَّنَانِير، وَكَانَ صرف الدِّينَار اثْنَي عشر درهما، فَثَلَاثَة دَرَاهِم ربع
[ ٢ / ٥٣٢ ]
دِينَار، فَلَا فرق بَينه وَبَين حَدِيث عَائِشَة. [١٥] وَاعْلَم أَن النّصاب فِي السّرقَة فِي مَذْهَب أَحْمد ربع دِينَار أَو ثَلَاثَة دَرَاهِم أَو قيمَة ثَلَاثَة دَرَاهِم من الْعرُوض، والأثمان أصل لَا يقوم بَعْضهَا بِبَعْض، وَهُوَ قَول مَالك. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: النّصاب دِينَار أَو عشرَة دَرَاهِم أَو قيمَة أَحدهمَا. وَقَالَ الشَّافِعِي: النّصاب ربع دِينَار أَو مَا قِيمَته ربع دِينَار. وَيجب الْقطع عندنَا بِسَرِقَة مَا يسْرع إِلَيْهِ الْفساد، وبسرقه الصيود والطيور الْمَمْلُوكَة، وبسرقة الْحَطب، خلافًا لأبي حنيفَة.
١١١٤ - / ١٣٣٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالتسْعين: " دخلت امْرَأَة النَّار فِي هرة ربطتها، فَلم تطعمها وَلم تدعها تَأْكُل من خشَاش الأَرْض ". [١٥] خشَاش الأَرْض: دوابها وحشراتها وهوامها.
١١١٥ - / ١٣٣٩ - وَفِي الحَدِيث الْمِائَة: " أخبروني عَن شَجَرَة كَالرّجلِ الْمُسلم لَا يتحات وَرقهَا وَلَا وَلَا وَلَا ". [١٥] الشّجر فِي اللُّغَة: كل مَا قَامَ على سَاق: وتحات الْوَرق: وَقع من الأغصان. [١٥] وَقَوله: " وَلَا وَلَا وَلَا " يصف فِيهِ مَا يُوجب مدحها.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
والجمار: شحمة النّخل، وَوجه تَشْبِيه الشَّجَرَة بِالرجلِ الْمُسلم من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: من حَيْثُ الذَّات، وَالثَّانِي: من حَيْثُ الْمَعْنى، فَأَما من حَدِيث الذَّات فَمن وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنَّهَا من فضلَة تربة آدم على مَا يرْوى وَإِن كَانَ لَا يثبت. وَالثَّانِي: أَنَّهَا إِذا قطع رَأسهَا يَبِسَتْ بِخِلَاف سَائِر الشّجر؛ فَإِنَّهُ يتشعب غصونه من جوانبه، والآدمي قد يبْقى عِنْد قطع أَعْضَائِهِ وَلَا يبْقى عِنْد قطع رَأسه. وَأما من حَيْثُ الْمَعْنى فَمن أَرْبَعَة أوجه: أَحدهَا: أَنه لَيْسَ فِيهَا شَيْء إِلَّا وَينْتَفع بِهِ، كَمَا أَن الْمُؤمن كُله خير ونفع، وَهَذَا الْمَعْنى مَذْكُور فِي بَقِيَّة الحَدِيث؛ فَإِنَّهُ قَالَ: " لَهَا بركَة كبركة الْمُسلم ". وَالثَّانِي: أَنَّهَا شَدِيدَة الثُّبُوت كثبوت الْإِيمَان فِي قلب الْمُؤمن. وَالثَّالِث: أَنَّهَا عالية الْفُرُوع كعلو ارْتِفَاع عمل الْمُؤمن. وَالرَّابِع: أَنَّهَا تؤتي أكلهَا كل حِين، وَالْمُؤمن يكْتَسب الثَّوَاب فِي كل وَقت. [١٥] وَالْأكل: الثَّمَرَة. [١٥] وللمفسرين فِي المُرَاد بالحين هَاهُنَا سِتَّة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه ثَمَانِيَة أشهر، قَالَه عَليّ ﵇. وَالثَّانِي: سِتَّة أشهر، رَوَاهُ ابْن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، وَبِه قَالَ الْحسن وعكرمه. وَالثَّالِث: بكرَة وَعَشِيَّة، رَوَاهُ أَبُو ظبْيَان عَن ابْن عَبَّاس. وَالرَّابِع: سنة، قَالَه مُجَاهِد وَابْن زيد. وَالْخَامِس: شَهْرَان، قَالَه سعيد بن الْمسيب. وَالسَّادِس: كل سَاعَة، قَالَه ابْن جرير. فَمن قَالَ: ثَمَانِيَة أشهر، أَشَارَ إِلَى مُدَّة حملهَا بَاطِنا وظاهرًا. وَمن قَالَ: سِتَّة أشهر، فَهِيَ مُدَّة حملهَا ظَاهرا إِلَى حِين صرامها وَمن قَالَ: بكرَة وَعَشِيَّة. أَشَارَ إِلَى الاجتناء مِنْهَا حَال الْحمل. وَمن قَالَ: سنة، أَشَارَ إِلَى أَنَّهَا لَا تحمل فِي السّنة إِلَّا مرّة.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
وَمن قَالَ: شَهْرَان، فَهِيَ مُدَّة صَلَاحهَا. وَمن قَالَ: كل سَاعَة، أَشَارَ إِلَى أَن ثَمَرَتهَا تُؤْكَل دَائِما؛ فَتَارَة يُؤْكَل طلعها، وَتارَة بلحها، وَتارَة بسرها، وَتارَة رطبها، ثمَّ يُؤْكَل دَائِما تمرها.
١١١٦ - / ١٣٤١ - وَفِي الحَدِيث الأول بعد الْمِائَة: " إِن أمامكم حوضا مَا بَين جرباء وأذرح ". [١٥] أمامكم: أَي بَين أَيْدِيكُم. [١٥] وجرباء وأذرح قَرْيَتَانِ بِالشَّام، وَبَينهمَا مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام. [١٥] والظمأ: الْعَطش.
١١١٧ - / ١٣٤٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي بعد الْمِائَة: أَن رَسُول الله ﷺ لعن الْوَاصِلَة وَالْمسْتَوْصِلَة. [١٥] الْوَاصِلَة: اسْم يَقع على الَّتِي تصل شعرهَا بِشعر غَيره، توهم أَن ذَلِك من شعرهَا. وَيَقَع على فاعلة ذَلِك بغَيْرهَا. وَالْمسْتَوْصِلَة: الَّتِي تطلب من يفعل بهَا ذَلِك. قَالَ أَبُو عبيد: وَقد رخصت الْفُقَهَاء فِي القرامل وكل شَيْء وصل بِهِ الشّعْر مَا لم يكن الْوَصْل شعرًا. [١٥] وَقد فسرنا الواشمه والمستوشمة فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
١١١٨ - / ١٣٤٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث بعد الْمِائَة: نذرت أَن أعتكف. وَقد سبق فِي مُسْند عمر.
١١١٩ - / ١٣٤٤ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع بعد الْمِائَة: أَن رَسُول الله ﷺ أَفَاضَ يَوْم النَّحْر، ثمَّ رَجَعَ فصلى الظّهْر بمنى. [١٥] أَفَاضَ بِمَعْنى دفع. فَكَأَنَّهُ مضى إِلَى مَكَّة وَطَاف بِالْبَيْتِ ثمَّ رَجَعَ إِلَى منى.
١١٢٠ - / ١٣٤٥ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس بعد الْمِائَة: " البيعان بِالْخِيَارِ مَا لم يفترقا، أَو يَقُول أَحدهمَا لصَاحبه: اختر ". [١٥] اعْلَم أَن الشَّرْع لما علم أَن الْعُقُود فِي الْغَالِب تقع بَغْتَة من غير ترو وَلَا فكر، وَأَنه رُبمَا نَدم أحد المبتاعين بعد الْفَوات، جعل الْمجْلس حد التروي وَالنَّظَر. [١٥] وَهَذَا الحَدِيث نَص فِي ثُبُوت خِيَار الْمجْلس، وَبِه قَالَ أَحْمد وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة مَالك: لَيْسَ خِيَار الْمجْلس بِثَابِت. وَقد اعْترضُوا على هَذَا الحَدِيث من خَمْسَة أوجه: أَحدهَا: أَنهم قَالُوا: يرويهِ مَالك ومذهبه على خِلَافه، ورأي الرَّاوِي مقدم على رِوَايَته؛ لِأَن رَأْيه يشْعر بالطعن فِيمَا روى. وَالثَّانِي: أَنه خبر وَاحِد فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى، فَلَا يقبل. وَالثَّالِث: أَنه يُخَالف قِيَاس الْأُصُول؛ لِأَن عُقُود
[ ٢ / ٥٣٦ ]
الْمُعَاوَضَات لَا يثبت فِيهَا خِيَار الْمجْلس. وَالرَّابِع: أَنهم حملوه على المتساومين، وسميا متبايعين لِأَن حَالهمَا يؤول إِلَى ذَلِك. وَالْخَامِس: أَنهم حملوه على حَالَة التواجب إِذا قَالَ البَائِع: بِعْت وَلم يقل المُشْتَرِي: قبلت، فالبائع مُخَيّر بَين أَن يَفِي بِمَا قَالَ أَو يرجع، وَالْمُشْتَرِي مُخَيّر بَين أَن يقبل أَو يرد. قَالُوا: وَقد حمل الْكَلَام على حَقِيقَته؛ لِأَن النَّبِي ﷺ أثبت الْخِيَار بِسَبَب التبايع؛ والتبايع اسْم لحالة تشاغلهما بِالْبيعِ. فَأَما بعد ارتباط الْإِيجَاب بِالْقبُولِ فَلَا يسميان متبابعين، إِنَّمَا يُقَال: كَانَا متبايعين. فعلى هَذَا يكون الْمَعْنى: مَا لم يَتَفَرَّقَا بالأقوال. وَقد يَقع التَّفَرُّق بالْقَوْل، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَمَا تفرق الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾ [الْبَيِّنَة: ٤] . [١٥] وَالْجَوَاب: أما قَوْلهم: يرويهِ مَالك، فَجَوَابه من ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَنه مَتى صَحَّ الحَدِيث كَانَ حجَّة على رَاوِيه وَغَيره؛ لِأَن الْحجَّة مَا كَانَت من قبل الرَّاوِي، بل من نَقله، فَلَا يلْتَفت إِلَى خِلَافه، لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون نسي أَو تَأَول. وَقد علمنَا سَبَب مُخَالفَة مَالك للْحَدِيث؛ فَإِنَّهُ قَالَ: رَأَيْت عمل أهل الْمَدِينَة بِخِلَافِهِ، وَعِنْده أَن عمل أهل الْمَدِينَة حجَّة. وَقد أزرى عَلَيْهِ فِي هَذَا الرَّأْي ابْن أبي ذِئْب وَغَيره. وَقَالَ الشَّافِعِي: رحم الله مَالِكًا، لست أَدْرِي من اتهمَ فِي هَذَا الحَدِيث: أتهم نَفسه أَو نَافِعًا، وَأعظم أَن أَقُول: اتهمَ ابْن عمر! [١٥] وَالثَّانِي: أَن الحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر من غير طَرِيق مَالك، يرويهِ البُخَارِيّ وَمُسلم من طَرِيق يحيى بن سعيد، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ كِلَاهُمَا عَن نَافِع. وَيَرْوِيه مُسلم من حَدِيث ابْن جريج
[ ٢ / ٥٣٧ ]
وَالضَّحَّاك بن عُثْمَان عَن نَافِع. وَالثَّالِث: أَن هَذَا الحَدِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ من مُسْند حَكِيم بن حزَام عَن النَّبِي ﷺ. [١٥] وَقَوْلهمْ: خبر وَاحِد فِيمَا يعم بِهِ الْبلوى وَيُخَالف قِيَاس الْأُصُول، هَذَا مِمَّا صنعه فِي الجدل أَبُو زيد الْحَنَفِيّ، وَهُوَ مَرْدُود عَلَيْهِ؛ لِأَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يُؤَدِّي مَا حمله من الرسَالَة إِلَى الشَّخْص الْوَاحِد وَإِلَى الْإِثْنَيْنِ وَإِلَى الْجَمَاعَة، فَإِذا بلغ عَن الثِّقَة لزم الحكم البَاقِينَ، وَكم من حكم قد انْفَرد بروايته وَاحِد فَتَبِعَهُ الْبَاقُونَ: فَإِن حكم التَّيَمُّم كَانَ عِنْد عمار وخفي على عمر، وَحكم الاسْتِئْذَان كَانَ عِنْد أبي مُوسَى وخفي على عمر، وَحكم الْمُتْعَة كَانَ عِنْد عَليّ وخفي على ابْن عَبَّاس، وَحكم الْإِقْدَام على بلد الطَّاعُون كَانَ عِنْد عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وخفي على الجم الْغَفِير الَّذين سافروا مَعَ عمر إِلَى الشَّام، إِلَى غير هَذَا. وَقد ينْفَرد الصَّحَابِيّ بِرِوَايَة حَدِيث. وَقد يروي الحَدِيث جمَاعَة من الصَّحَابَة، فَإِن قَوْله: " إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ " لَا يَصح إِلَّا من رِوَايَة عمر وَحده. وَقَوله: " من كذب عَليّ مُتَعَمدا " قد روينَاهُ عَن سِتِّينَ نفسا من الصَّحَابَة، رَوَوْهُ عَن رَسُول الله ﷺ. ثمَّ الْعجب من أَصْحَاب أبي حنيفَة، فَإِنَّهُم يبطلون الْوضُوء بالقهقهة ويوجبون الْوتر بِأَحَادِيث آحَاد لَا تثبت. وَكَيف يَقُولُونَ هَذَا! [١٥] وَأما حملهمْ إِيَّاه على التساوم لَا يُمكن لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَن
[ ٢ / ٥٣٨ ]
البيع غير المساومة. وَالثَّانِي: أَن ذَلِك يسْقط فَائِدَة التَّخْصِيص بِالْبيعِ؛ فَإِن السّوم فِي كل العقد، وَيثبت بِهِ الْخِيَار. وَحَملهمْ على حَالَة التواجب لَا يَصح؛ لِأَنَّهُمَا لَا يسميان متبايعين إِلَّا على وَجه التَّجَوُّز. وَحَملهمْ التَّفَرُّق على الْأَقْوَال غلط من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن هَذَا الحَدِيث مُفَسّر فِي رِوَايَة عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده: مَا لم يفترقا عَن مكانهما، وَهَذَا الَّذِي عقله ابْن عمر رَاوِي الحَدِيث؛ فَإِنَّهُ كَانَ يمشي بعد العقد. وَالثَّانِي: أَنه أَلْفَاظ الصِّحَاح كلهَا: " مَا لم يَتَفَرَّقَا " وَقد فرق اللغويون بَين يَتَفَرَّقَا ويفترقا بالْكلَام. [١٥] وَقَوله: إِلَّا بيع الْخِيَار. مَعْنَاهُ أَن يخيره قبل التَّفَرُّق وهما بعد فِي الْمجْلس، فَيَقُول: اختر.
١١٢١ - / ١٣٤٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس بعد الْمِائَة: " إِذا كَانَ أحدكُم يُصَلِّي فَلَا يبصق قبل وَجهه ". [١٥] قبل وَجهه: مَا يُقَابله. وَمثله: حِيَال وَجهه. [١٥] وَقَوله: " وَلَا يتنخمن " التنخم والبصاق متقاربان؛ لِأَن البصاق من أدنى الْفَم، والتنخم من النخامة وَهِي من أقْصَى الْفَم. وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّهُ قد جعلت الْقبْلَة على هَيْئَة سدد الْمُلُوك، فلزمها احترامها لهَذَا الْمَعْنى.
١١٢٢ - / ١٣٤٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع بعد الْمِائَة: " صَلَاة الْجَمَاعَة أفضل من صَلَاة الْفَذ بِسبع وَعشْرين دَرَجَة " وَفِي لفظ " ببضع ".
[ ٢ / ٥٣٩ ]
[١٥] الْبضْع: مَا بَين الْوَاحِد إِلَى الْعشْرَة. وَلَفْظَة " بِسبع " تَفْسِير لَهُ. وَقد تكلّف قوم تَعْلِيل سبع وَعشْرين وَمَا وَقَعُوا بطائل، وَقد جَاءَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: " بِخمْس وَعشْرين جُزْءا " وَلَعَلَّ الِاخْتِلَاف لاخْتِلَاف أَحْوَال الْمُصَلِّين.
١١٢٣ - / ١٣٤٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن بعد الْمِائَة: " الَّذِي تفوته صَلَاة الْعَصْر كَأَنَّمَا وتر أَهله وَمَاله ". [١٥] فِي معنى " وتر " قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه بِمَعْنى النَّقْص، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلنْ يتركم أَعمالكُم﴾ [مُحَمَّد: ٣٥] أَي لن ينقصكم. وَتقول: وترته حَقه: أَي نقصته، فَيكون الْمَعْنى: وكأنما نقص أَو سلب، فَبَقيَ فَردا وترا. وَالثَّانِي: ذهَاب الْكل، فَيكون من الْوتر الَّذِي هُوَ الْجِنَايَة الَّتِي يذهب فِيهَا مَال الْإِنْسَان من الفجائع، ذكره ابْن الْأَنْبَارِي وَغَيره. [١٥] وَفِي إِعْرَاب الْأَهْل وَالْمَال قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهُمَا منصوبان، وَهُوَ الَّذِي سمعناه وضبطناه عَن أشياخنا فِي كتاب أبي عبيد وَغَيره. وَيكون الْمَعْنى: فَكَأَنَّمَا وتر فِي أَهله وَمَاله. فَلَمَّا حذف الْخَافِض انتصب. وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا مرفوعان على مَا لم يسم فَاعله، وَالْمعْنَى: نقصا. [١٥] وَأما تَخْصِيص الْعَصْر فلفضلها؛ لِأَنَّهَا الصَّلَاة الْوُسْطَى، وَبهَا تختم صلوَات النَّهَار.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
١١٢٤ - / ١٣٤٩ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع بعد الْمِائَة: " إِن أحدكُم إِذا مَاتَ عرض عَلَيْهِ مَقْعَده بِالْغَدَاةِ والعشي، إِن كَانَ من أهل الْجنَّة وَإِن كَانَ من أهل النَّار ". [١٥] المقعد: مَوضِع الْقعُود. [١٥] وَهَذَا الحَدِيث يَنْبَغِي أَن يتلمح بِعَين الْفِكر؛ فَإِنَّهُ إِذا تؤمل علم أَنه السرُور الدَّائِم بعد الْمَوْت، أَو البغضة الدائمة، فَكيف بِمن يزعج غدْوَة وَعَشِيَّة! أعجب لمشتري اللَّذَّة الفانية بالحسرة الدائمة.
١١٢٥ - / ١٣٥٠ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر [بعد الْمِائَة]: " الْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى، وَالْيَد الْعليا هِيَ المنفقة، والسفلى هِيَ السائلة ". [١٥] هَذَا الحَدِيث يتَضَمَّن التحذير لِذَوي الأنفة من ذل السُّؤَال. وَقد روى أَبُو دَاوُد فِي " السّنَن " فَقَالَ فِي بعض الرِّوَايَات: " وَالْيَد الْعليا المتعففة " وَله وَجه، وَهُوَ أَن الْمُتَعَفِّف قد علت يَده إِذا سفلت يَد السَّائِل. قَالَ الْخطابِيّ: وَقد توهم كثير من النَّاس أَن معنى الْعليا أَن يَد الْمُعْطى مستعلية فَوق يَد الْأَخْذ، يجعلونه من علو الشَّيْء فَوق الشَّيْء، وَلَيْسَ ذَلِك عِنْدِي بِالْوَجْهِ، إِنَّمَا هُوَ من عَلَاء الْمجد وَالْكَرم، يُرِيد بِهِ الترفع عَن الْمَسْأَلَة وَالتَّعَفُّف عَنْهَا. وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الْخطابِيّ وَجه حسن، وَلَا يمْتَنع مَا أنكرهُ؛ لِأَنَّهُ إِذا حملت الْعليا على المتعففة لم يكن للمنفق ذكر، وَقد صحت لَفْظَة المنفقة، فَكَانَ المُرَاد أَن هَذِه الْيَد
[ ٢ / ٥٤١ ]
الَّتِي علت وَقت الْعَطاء على يَد السَّائِل هِيَ الْعَالِيَة فِي بَاب الْفضل. وَقد زعم قوم مالوا إِلَى الترفه: أَن الْيَد الْعليا هِيَ الآخذة، والسفلى هِيَ المعطية. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَلَا أرى هَؤُلَاءِ إِلَّا قوما استطابوا السُّؤَال، فهم يحتجون للدناءة، وَالنَّاس إِنَّمَا يعلون بِالْمَعْرُوفِ والعطايا لَا بِالْأَخْذِ وَالسُّؤَال، والمعالي للصانعين لَا للمصطنع إِلَيْهِم.
١١٢٦ - / ١٣٥٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر [بعد الْمِائَة]: " اللَّهُمَّ ارْحَمْ المحلقين " قَالُوا: والمقصرين يَا رَسُول الله. قَالَ: " اللَّهُمَّ ارْحَمْ المحلقين " قَالُوا: والمقصرين يَا رَسُول الله. قَالَ: " والمقصرين ". [١٥] إِنَّمَا قدم المحلقين لِأَنَّهُ ﵇ حلق رَأسه فحلق قوم وَقصر قوم، فَقدم من وَافقه. [١٥] فَإِن قيل: فَمَا وَجه تَركهم الموافقه لَهُ؟ فقد أجَاب الْخطابِيّ فَقَالَ: كَانَت عَادَة أَكثر الْعَرَب اتِّخَاذ الشّعْر على الرؤوس وتوفيره وتزيينه، وَكَانَ التحليق فيهم قَلِيلا، وَكَانُوا يرَوْنَ ذَلِك نوعا من الشُّهْرَة، وَكَانَ يشق عَلَيْهِم الحلاق، فمالوا إِلَى التَّقْصِير. [١٥] وَفِي هَذَا الحَدِيث أَن ذَلِك كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع.
١١٢٧ - / ١٣٥٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر بعد الْمِائَة: كَانَ إِذا قفل من عزو أَو حج أَو عمْرَة وافى على ثنية أَو فدفد يكبر على كل شرف ثَلَاثًا.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
[١٥] قفل بِمَعْنى رَجَعَ، وَمِنْه سميت الْقَافِلَة. [١٥] والثنية: طَرِيق عَال بَين جبلين. [١٥] والفدفد: أَرض فِيهَا غلظ وارتفاع. والشرف من الأَرْض: العالي. [١٥] والإياب: الرُّجُوع من السّفر. [١٥] وَلما ارْتَفع على الْمَكَان العالي ناسب ذَلِك ذكر الله ﷿ بِالتَّكْبِيرِ.
١١٢٨ - / ١٣٥٤ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر [بعد الْمِائَة]: " لَا يَتَنَاجَى اثْنَان دون ثَالِث " وَقد سبق شَرحه فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
١١٢٩ - / ١٣٥٥ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر [بعد الْمِائَة]: " خمس من الدَّوَابّ، لَيْسَ على الْمحرم فِي قتلهن جنَاح: الْغُرَاب، والحدأة، وَالْعَقْرَب، والفأرة، وَالْكَلب الْعَقُور ". [١٥] نبه ﷺ بِذكر هَذِه الْخمس على أَن مَالا يُؤْكَل لَحْمه لَا يجب الْجَزَاء بقتْله، وَهَذَا مَذْهَب أَحْمد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ، إِلَّا أَنه قد رُوِيَ عَن مَالك أَنه قَالَ: لَا يقتل الْمحرم الْغُرَاب الصَّغِير. وَفِي مَذْهَب أَحْمد أَنه يجوز أكل غراب الزَّرْع وَلَا يجوز أَن يُؤْكَل الْغُرَاب الأبقع وَلَا الْأسود الْكَبِير. وَبَيَان ذَلِك أَن مَالا يُؤْكَل لَحْمه لَا يجب الْجَزَاء بقتْله من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه جمع بَين سِبَاع ضارية وهوام قاتلة لَا تشبهها، إِلَّا أَنه مستخبث اللَّحْم، فَعلمنَا أَن تَحْرِيم الْأكل دَلِيل الحكم.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
وَالثَّانِي: أَنه لما نَص على الْكَلْب الْعَقُور نبة على السَّبع لِأَنَّهُ أَشد ضَرَرا، وَإِنَّمَا نَص على أدنى الْأَنْوَاع لينبه على أَعْلَاهَا، فنص على الحدأة فنبه على الصَّقْر والبازي وَالْعِقَاب، وَنَصّ على الْعَقْرَب فنبه على الْحَيَّة وَغَيرهَا، وَنَصّ على الْفَأْرَة فنبه على بَقِيَّة الحشرات. ثمَّ إِن السَّبع يُسمى كَلْبا، قَالَ سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة: الْكَلْب الْعَقُور كُله سبع يعقره، قَالَ أَبُو عبيد: وَلَيْسَ للْحَدِيث عِنْدِي مَذْهَب إِلَّا مَا قَالَ سُفْيَان. قَالَ: وَيجوز أَن يُقَال للسبع كلب. قَالَ النَّبِي ﷺ فِي عتبَة بن أبي لَهب: " اللَّهُمَّ سلط عَلَيْهِ كَلْبا من كلابك " فَخرج إِلَى الشَّام فَقتله الْأسد. وَمن هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا علمْتُم من الْجَوَارِح مكلبين﴾ [الْمَائِدَة: ٤] فَهَذَا اسْم مُشْتَقّ من الْكَلْب، ثمَّ دخل فِيهِ صيد الفهد والبازي والصقور. [١٥] قلت: كَذَا ذكر أَبُو عبيد: أَن عتبَة الَّذِي أكله السَّبع. وَكَذَلِكَ هُوَ فِي " مغازي " ابْن اسحق، وَقد نَقله كَذَلِك أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ، وَهَذَا غلط مِنْهُم؛ لِأَن أَبَا لَهب كَانَ لَهُ عتبَة وعتيبة، فَأَما عتبَة فَإِنَّهُ أسلم وَشهد غزاه حنين، وَإِنَّمَا الَّذِي أكله السَّبع عتيبة. وَقد ذكره على الصِّحَّة مُحَمَّد بن سعد فِي " الطَّبَقَات ". [١٥] وَقَالَ أَبُو حنيفَة: أَي صيد قَتله الْمحرم فَعَلَيهِ جَزَاؤُهُ. وَنحن لَا
[ ٢ / ٥٤٤ ]
نسلم أَن اسْم الصَّيْد يَقع على غير الْمَأْكُول؛ لِأَن أَذَى الْحَيَوَان مَمْنُوع، وَإِنَّمَا أُبِيح أَن يُؤْذى بالاصطياد لحَاجَة الْأكل، وَإِنَّمَا سمى هَذِه الْأَشْيَاء فواسق لمَكَان خبثها وشرها كَمَا فِي الْفَاسِق.
١١٣٠ - / ١٣٥٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر بعد الْمِائَة: نهى عَن الْوِصَال. [١٥] الْوِصَال فِي الصّيام أَن تصل اللَّيْل بِالنَّهَارِ فِي ترك الْأكل، وَإِنَّمَا نهى عَنهُ لمعنيين: أَحدهمَا: مَا يتخوف على الصَّائِم من ضعف الْقُوَّة، فَرُبمَا أخرجه ذَلِك إِلَى الْمَرَض وَالْعجز عَن الصَّوْم الْمَفْرُوض، فَيرى الْعِبَادَة حِينَئِذٍ بِعَين البغضة لما لَقِي فِيهَا من الْمَشَقَّة، ويوضح هَذَا قَوْله: " لست كأحدكم، إِنِّي أطْعم وأسقى ". وَالثَّانِي: أَن العَبْد مَأْمُور بِالْوُقُوفِ على مراسم الشَّرْع، والمشرع جعل وَظِيفَة الصَّوْم مُخْتَصَّة بِالنَّهَارِ، فَإِذا وصل المتعبد بهَا اللَّيْل أنشأ صُورَة تعبد بِرَأْيهِ، وَالْمعْنَى مِنْهُ مسلوب لِأَنَّهُ لَا يكون تعبد إِلَّا بِأَمْر الشَّرْع، فَصَارَ كَمَا لَو صَامت الْحَائِض. فعلى هَذَا يكون مَا خص بِهِ الرَّسُول من الْوِصَال مَحْمُول الْمَشَقَّة لكَونه يطعم ويسقى، وَيكون تعبدا فِي حَقه لِأَنَّهُ مَأْمُور بِهِ. [١٥] وَقَوله: " إِنِّي أظل " يُقَال: ظلّ الرجل يفعل كَذَا: إِذا فعله نَهَارا. وَقد ذكر الْعلمَاء فِي معنى كَونه يطعم ويسقى وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه يحْتَمل أَن يخص بِطَعَام وشراب حَقِيقَة وَلَا يفْسد صَوْمه، كَمَا يغط فِي نَومه وَلَا ينْتَقض وضوءه، فَيكون هَذَا مُضَافا إِلَى خَصَائِصه الَّتِي أكْرم بهَا. وَالثَّانِي: أَنه يحْتَمل أَن يكون الْمَعْنى: إِنِّي أعَان وَأقوى، فَيكون
[ ٢ / ٥٤٥ ]
ذَلِك بِمَنْزِلَة الطَّعَام وَالشرَاب.
١١٣١ - / ١٣٥٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر [بعد الْمِائَة]: " من حمل علينا السِّلَاح فَلَيْسَ منا ". [١٥] أَي لَيْسَ على سيرتنا ومذهبنا، وَقد شرحنا هَذَا فِي مُسْند أبي مُوسَى.
١١٣٢ - / ١٣٥٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر [بعد الْمِائَة]: نهى عَن النجش. [١٥] والنجش نوع من الخديعة والغبن، وَهُوَ أَن يمدح سلْعَة يزِيد فِي ثمنهَا وَهُوَ لَا يُرِيد الشِّرَاء، وَلَكِن يقْصد أَن يسمعهُ غَيره فيغتر فيزيد وَيَشْتَرِي، وَهَذَا فعل محرم. والمنصور من مَذْهَبنَا أَنه بيع صَحِيح، وَللْمُشْتَرِي، الْخِيَار إِن كَانَ فِي البيع زِيَادَة لَا يتَغَابَن النَّاس بِمِثْلِهَا، وَكَذَلِكَ كل مسترسل غبن بِالْبيعِ، وَيدخل فِيهِ إِذا تلقى الركْبَان فَاشْترى مِنْهُم، فَإِن لَهُم الْخِيَار إِذا دخلُوا السُّوق وَعَلمُوا بِالْغبنِ. وَنقل عَن أَحْمد أَن بيع النجش وتلقي الركْبَان باطلان.
١١٣٣ - / ١٣٥٩ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر [بعد الْمِائَة]: " لَا يبع بَعْضكُم على بيع بعض ". [١٥] فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن يَشْتَرِي الرجل السّلْعَة وَيتم البيع وَلم
[ ٢ / ٥٤٦ ]
يفْتَرق الْمُتَبَايعَانِ بعد، فَنهى أَن يعرض رجل آخر سلْعَة أُخْرَى على ذَلِك المُشْتَرِي تشبه السّلْعَة الَّتِي اشْتَرَاهَا، لما فِي ذَلِك من الْإِفْسَاد على الأول، فَرُبمَا مَال إِلَى هَذِه وَفسخ بِحكم الْمجْلس. وَالثَّانِي: أَنه فِي المتساومين إِذا قَارب وُقُوع العقد، فَيَجِيء آخر يُرِيد أَن يَشْتَرِي تِلْكَ السّلْعَة فيخرجها من يَد المُشْتَرِي الأول، فَهَذَا يُبَاح فِي أول الْعرض، وَينْهى عَنهُ بعد المقاربة للْبيع. وَهَذَا اخْتِيَار أبي عبيد، فَإِنَّهُ قَالَ: معنى الحَدِيث: لَا يشتر على شِرَاء أَخِيه، وَإِنَّمَا وَقع النَّهْي على المُشْتَرِي لَا على البَائِع؛ لِأَن الْعَرَب تَقول: بِعْت الشَّيْء بِمَعْنى اشْتَرَيْته، وَمثل هَذَا: " لَا يخْطب على خطْبَة أَخِيه " لِأَن الْخَاطِب طَالب كالمشتري، وَالنَّهْي وَقع على الطالبين دون الْمَطْلُوب إِلَيْهِم، وَقد جَاءَ فِي الشّعْر البَائِع بِمَعْنى المُشْتَرِي، قَالَ طرفَة:
(عذ مَا غَد مَا أقرب الْيَوْم من غَد سيأتيك بالأخبار من لم تزَود)
(ويأتيك بالأنباء من لم تبع لَهُ بتاتا وَلم تضرب لَهُ وَقت موعد)
[١٥] فتبع هَاهُنَا بِمَعْنى تشتري. [١٥] وَقَالَ مَالك بن أنس: إِنَّمَا نهى أَن يخْطب الرجل على خطْبَة أَخِيه إِذا كَانَ كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ قد رَضِي بِصَاحِبِهِ، فَأَما قبل الرِّضَا فَلَا بَأْس أَن يخطبها من يَشَاء.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
١١٣٤ - / ١٣٦٠ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين [بعد الْمِائَة]: نهى أَن تتلقى السّلع حَتَّى يبلغ بهَا الْأَسْوَاق. [١٥] قد ذكرنَا الحكم فِي هَذَا قبل حديثين.
١١٣٥ - / ١٣٦١ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين [بعد الْمِائَة]: نهى عَن الْمُزَابَنَة. وَقد سبق الْكَلَام فِيهَا فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١١٣٦ - / ١٣٦٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين [بعد الْمِائَة]: " لَا يحلبن أحد مَاشِيَة أحد إِلَّا بِإِذْنِهِ. أَيُحِبُّ أحدكُم أَن تُؤْتى مشْربَته فَينْتَقل طَعَامه ". [١٥] الْمشْربَة: الغرفة. [١٥] وينتقل " يفتعل " من نقل الشَّيْء عَن مَكَانَهُ. وينتثل بالثاء بِمَعْنى يفرق ويبدد. والنثل: نثر الشَّيْء جَمِيعه فِي مرّة وَاحِدَة. [١٥] والضرع لذوات الظلْف. وَهُوَ من ذَوَات الْخُف وَمن ذَوَات الْحَافِر وَالسِّبَاع الطبي. وَمن الْمَرْأَة الثدي، وَمن الرجل الثندوة.
١١٣٧ - / ١٣٦٣ وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين [بعد الْمِائَة]: نهى أَن يُسَافر بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرض الْعَدو " فَإِنِّي لَا آمن أَن يَنَالهُ الْعَدو " وَفِي لفظ: " فَإِنِّي أَخَاف أَن يَنَالهُ الْعَدو ".
[ ٢ / ٥٤٨ ]
[١٥] ظَاهر هَذَا الْكَلَام أَن الْقَائِل: " لَا آمن، وأخاف " هُوَ رَسُول الله ﷺ. وَقد جَاءَ فِي حَدِيث آخر: " مَخَافَة أَن يَنَالهُ الْعَدو " قَالَ أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت: إِنَّمَا هَذَا من قَول مَالك. وَقد بَين ذَلِك أَبُو مُصعب الزبيرِي عبد الله بن وهب وَعبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم. وَإِنَّمَا الْمسند النَّهْي فَحسب. [١٥] وَالْإِشَارَة بِالْقُرْآنِ إِلَى الْمُصحف. وَإِنَّمَا حذر عَلَيْهِ من إهانة الْعَدو إِيَّاه بالتمزيق وَغَيره، وَفِي هَذَا بَيَان احترام الْمُصحف.
١١٣٨ - / ١٣٦٤ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين [بعد الْمِائَة]: أَمر بقتل الْكلاب، حَتَّى إِنَّا لنقتل كلب المرية من أهل الْبَادِيَة يتبعهَا. [١٥] قد بَينا نسخ الْأَمر بقتل الْكلاب فِي مُسْند عبد الله بن مُغفل. [١٥] والمرية تَصْغِير الْمَرْأَة. [١٥] وَقَول ابْن عمر فِي هَذَا الحَدِيث: إِن لأبي هُرَيْرَة زرعا. كشفناه فِي هَذَا الْمسند.
١١٣٩ - / ١٣٦٥ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين [بعد الْمِائَة]: " إِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق "
[ ٢ / ٥٤٩ ]
قد بَينا فِي مُسْند عمر معنى الْوَلَاء. [١٥] " وَإِنَّمَا " تثبت الْمشَار إِلَيْهِ وتنفي ماعداه، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا وَلَاء إِلَّا لمن أعتق. وَالْوَلَاء من الْوَلِيّ وَهُوَ الْقرب. وَيُقَال: فلَان ولي فلَان: أَي يلاصقه بالنصرة. قَالَ ابْن فَارس: الْوَلَاء من الْمُوَالَاة وَهِي المقاربة، فَسُمي وَلَاء لِأَن العَبْد الْمُعْتق موَالٍ، أَي كَأحد قرَابَته. وسنزيد هَذَا الحَدِيث شرحا فِي مُسْند عَائِشَة.
١١٤٠ - / ١٣٦٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين [بعد الْمِائَة]: أَن رَسُول الله ﷺ رجم يَهُودِيَّة. وَقَالَ: فَرَأَيْت الرجل يجنأ على الْمَرْأَة يَقِيهَا الْحِجَارَة. وَفِي لفظ: يجانيء. وَفِي لفظ: فرأيته أجنأ عَلَيْهَا. [١٥] يجنأ: يكب. والجنأ: الأحديداب. ويجانيء: ينحني، قَالَه أَبُو عبيد: وَقد روى لنا فِي لفظ - لم يذكرهُ الْحميدِي: فَرَأَيْت الرجل يحني على الْمَرْأَة. قَالَ ابْن الأنبا ري: قَالَ اللغويون: يحني ويحنو بِالْيَاءِ وَالْوَاو. [١٥] وَفِي الحَدِيث فَقَالُوا: الرجل أَعور، وَهُوَ ابْن صوريا. والأحبار: الْعلمَاء.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
[١٥] وَالتَّحْمِيم: تسويد الْوَجْه. وَالتَّجْبِيَة: أَن يجبهُ بالسب، وَأَصله اسْتِقْبَال الْجَبْهَة بذلك. ويوضحه أَن فِي بعض الْأَلْفَاظ: نسخم وجوهما ونخزيهما.
١١٤١ - / ١٣٦٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين [بعد الْمِائَة]: " مثل صَاحب الْقُرْآن كَمثل صَاحب الْإِبِل الْمُعَلقَة ". [١٥] يَعْنِي: المشدودة بِالْعقلِ: وَهُوَ جمع عقال: وَهُوَ الْحَبل الَّذِي يشد بِهِ الْبَعِير. وَقد بَينا هَذَا فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
١١٤٢ - / ١٣٦٩ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْعِشْرين [بعد الْمِائَة]: " إِذا دعِي أحدكُم إِلَى الْوَلِيمَة فليأتها ". [١٥] الْوَلِيمَة: الطَّعَام يصنع عِنْد الْعرس. وَإِنَّمَا تجب الْإِجَابَة إِلَى وَلِيمَة الْعرس فَقَط.
١١٤٣ - / ١٣٧٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّلَاثِينَ [بعد الْمِائَة]: " من شرب الْخمر فِي الدُّنْيَا ثمَّ لم يتب مِنْهَا حرمهَا فِي الْآخِرَة ". [١٥] حكم هَذَا الحَدِيث ظَاهر. وَلقَائِل أَن يَقُول: لَا يَخْلُو هَذَا أَن يَشْتَهِي الْخمر فِي الْجنَّة أَو لَا يشتهيها، فَإِن لم يشتهها لم يُؤثر عِنْده فقدها، وَإِن اشتهاها وَلم يُعْطهَا تأسف، والأسف فِي الْجنَّة لَا يكون. فَالْجَوَاب: أَنه لَا يشتهيها وَيصرف عَن قلبه حبها وَذكرهَا، لكنه قد
[ ٢ / ٥٥١ ]
فَاتَتْهُ لَذَّة عَظِيمَة كَمَا تفوته منزلَة الشُّهَدَاء ومنازل الْأَنْبِيَاء، وكل نَاقص بِالْإِضَافَة إِلَى الكاملين قد رَضِي بِحَالهِ. وَإِنَّمَا نذْكر هَذَا لننبه الْيَوْم للاستدراك. [١٥] والإدمان على الشَّيْء: الدَّوَام عَلَيْهِ. وإصراره وعزمه على شريها صيره كالشارب لَيْلًا وَنَهَارًا. [١٥] وَقَوله: " كل مُسكر خمر " صَرِيح فِي إِثْبَات شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: الْأَسْمَاء بِالْقِيَاسِ على بَينا فِي مُسْند عمر. وَالثَّانِي: تَحْرِيم النَّبِيذ.
١١٤٤ - / ١٤٧١ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ [بعد الْمِائَة]: " لَا ينظر الله إِلَى من جر ثَوْبه خُيَلَاء ". [١٥] الْخُيَلَاء والمخيلة: التكبر. وَيُقَال: خَال الرجل واختال، وأنشدوا:
(بَان الشَّبَاب وَحب الْخَالَة الخلبة وَقد صحوت فَمَا فِي النَّفس من قلبه)
[١٥] وَالْخَالَة جمع خائل. يُقَال: رجل خائل من قوم خَالَة: إِذا كَانَ مختالا فِي مشيته، متكبرا. والخلبة: الشَّبَاب الَّذين يخلبون النِّسَاء بجمالهم، واحدهم خالب. [١٥] وَقَوله: " يتجلجل " التجلجل: حَرَكَة مَعَ صَوت. وَالْمعْنَى: أَنه يخسف بِهِ وَلَا يثبت، وَلَا يزَال منحدرا.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
١١٤٥ - / ١٣٧٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ [بعد الْمِائَة]: أَن النَّبِي ﷺ قطع نخل بني النَّضِير وَحرق. وَلها يَقُول حسان بن ثَابت:
(وَهَان على سراة بني لؤَي حريق بالبويرة مستطير)
[١٥] وَفِي ذَلِك نزلت: ﴿مَا قطعْتُمْ من لينَة أَو تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَة على أصلوها﴾ الْآيَة [الْحَشْر: ٥] . [١٥] كَانَ النَّبِي ﷺ قد أَتَى بني النَّضِير يكلمهم، فَهموا بالغدر بِهِ، فَقَالَ بَعضهم: أَنا أظهر على الْبَيْت فأطرح عَلَيْهِ صَخْرَة. فجَاء الْخَبَر، فَنَهَضَ رَاجعا إِلَى الْمَدِينَة وَبعث إِلَيْهِم: " لَا تساكنوني " فَأرْسل إِلَيْهِم ابْن أبي: لَا تخْرجُوا؛ فَإِن معي أَلفَيْنِ، وتمدكم قُرَيْظَة. فأرسلوا إِلَى رَسُول الله ﷺ: إِنَّا لَا نخرج فَاصْنَعْ مَا بدا لَك، فَسَار إِلَيْهِم، فَقَامُوا على حصونهم مَعَهم النبل وَالْحِجَارَة، فاعتزلتهم قُرَيْظَة، وخذلهم ابْن أبي، فَحَاصَرَهُمْ وَقطع نَخْلهمْ، فجزعوا وَقَالُوا: يَا مُحَمَّد، زعمت أَنَّك تُرِيدُ الصّلاح، أَفَمَن الصّلاح عقر الشّجر وَقطع النّخل؟ وَهل وجدت فِيمَا أنزل عَلَيْك الْفساد فِي الأَرْض؟ فشق ذَلِك على رَسُول الله ﷺ، وَوجد الْمُسلمُونَ فِي أنفسهم من قَوْلهم، فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا قطعْتُمْ من لينَة أَو تَرَكْتُمُوهَا﴾ [الْحَشْر: ٥] وَهِي ألوان النّخل كلهَا إِلَّا الْعَجْوَة والبرنية. وَكَذَلِكَ قَالَ الزُّهْرِيّ وَأَبُو عُبَيْدَة. وَقَالَ الزّجاج: أصل لينَة لَونه، فقلبت الْوَاو يَاء لانكسار مَا قبلهَا.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
[١٥] وَأما السراة فالأشراف. والبويرة: اسْم الْمَكَان الَّذِي فِيهِ نَخْلهمْ. والمستطير: الْمُنْتَشِر. [١٥] فَأجَاب أَبُو سُفْيَان حسانا فَقَالَ:
(ستعلم أَيّنَا فِيهَا بنزه وَتعلم أَي أرضينا تضير)
[١٥] والنزه: التباعد. وَالْمعْنَى: أَيّنَا أبعد مِنْهَا. [١٥] وَإِنَّمَا فعل النَّبِي ﷺ هَذَا بأولئك ليتسع المكال لِلْقِتَالِ، وَمَتى لم يقدر على الْعَدو إِلَّا بذلك جَازَ، وَهَذَا مَذْهَب أَحْمد بن حَنْبَل ﵁.
١١٤٦ - / ١٣٧٤ وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ [بعد الْمِائَة]: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ ينزل فِي حجَّته تَحت سَمُرَة. [١٥] السمرَة: شَجَرَة الطلح. [١٥] والبطحاء: الْمَكَان المتسع. [١٥] وشفير الْوَادي: حرفه. [١٥] وَقد سبق معنى عرس. وَمعنى الأكمة. [١٥] والخليج: بعض النَّهر، كَأَنَّهُ مختلج مِنْهُ: أَي مقتطع. [١٥] والكثب جَمِيع كثيب: وَهُوَ مَا اجْتمع من الرمل وارتفع. [١٥] وَقَوله: فدحا السَّيْل فِيهِ بالبطحاء: أَي بحصا الْبَطْحَاء وترابه،
[ ٢ / ٥٥٤ ]
أَي دَفعهَا إِلَيْهِ وبسطها فِيهِ حَتَّى خَفِي. [١٥] وَقَوله: بشرف الروحاء. الروحاء: مَا ارْتَفع من ذَلِك الْمَكَان. [١٥] وحافة الطَّرِيق: جَانِبه. [١٥] والعرق من الأَرْض: سبخَة تنْبت الطرفاء. [١٥] والسرحة: شَجَرَة، وَالْجمع سرحات بِفَتْح السِّين وَالرَّاء: وَهُوَ نوع من الشّجر لَهُ ثَمَر، قَالَ الشَّاعِر:
(فواعديه سرحتي مَالك )
[١٥] والرويثة: اسْم مَوضِع. [١٥] ووجاه الطَّرِيق: مُقَابِله. [١٥] والبطح: الْمَكَان الْوَاسِع. [١٥] والتعلة: مسيل المَاء من فَوق إِلَى أَسْفَل. [١٥] والهضبة: فَوق الْكَثِيب فِي الِارْتفَاع وَدون الْجَبَل. [١٥] والرضم بِفَتْح الرَّاء والضاء: حِجَارَة كبار، جمعهَا رضام. [١٥] والسلمات وَالسّلم شجر، والواحدة سَلمَة: وَهِي شَجَرَة وَرقهَا هُوَ الْقرظ الَّذِي يدبغ بِهِ الْأدم. [١٥] وهرشى: اسْم مَكَان. [١٥] وكراعها: طرفها، وكراع كل شَيْء طرفه. [١٥] والغلوة: قدر رمية، يُقَال: غلا الرجل بسهمه غلوا: إِذا رمى بِهِ أقْصَى الغابة.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
[١٥] والمسيل: مجْرى المَاء فِي منحدر من الأَرْض. [١٥] وَمر الظهْرَان: مَوضِع، والظاء مَفْتُوحَة. [١٥] وَذُو طوى: اسْم مَوضِع. [١٥] وفرضة الْجَبَل: مدْخل الطَّرِيق إِلَيْهِ. وأصل الفرضة من الْفَرْض: وَهُوَ الْقطع غير البليغ. وَتسَمى المشرعة من النَّهر فرضة لِأَن أرْضهَا قد انحدرت عَمَّا يَليهَا حَتَّى أمكن النُّزُول فِيهَا إِلَى المَاء.
١١٤٧ - / ١٣٧٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ [بعد الْمِائَة]: كَانَ الْمُسلمُونَ يتحينون الصَّلَوَات. [١٥] أَي يطْلبُونَ حينها بِالتَّحَرِّي وَالِاجْتِهَاد.
١١٤٨ - / ١٣٧٥ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ [بعد الْمِائَة]: " غفار غفر الله لَهَا، وَأسلم سَالَمَهَا الله، وعصيه عَصَتْ الله وَرَسُوله ". [١٥] إِنَّمَا اسْتغْفر لهاتين القبيلتين لِأَنَّهُمَا أسلمتا طَوْعًا من غير حَرْب على مَا بَيناهُ فِي مُسْند أبي ذَر. [١٥] وَأما عصية فهم الَّذين قتلوا الْقُرَّاء ببئر مَعُونَة. [١٥] وَقد بَينا أَن هَذَا الحَدِيث يدل على اخْتِيَار الْكَلَام المتجانس المتناسب، إِذْ جعل الْمَغْفِرَة لغفار، وَالْمَعْصِيَة لعصية.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
١١٤٩ - / ١٣٧٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ [بعد الْمِائَة]: نهى عَن القزع، قَالَ: " احْلقُوا كُله أَو ذَروا كُله ". [١٥] قد فسر القزع فِي الحَدِيث، وَهُوَ أَن يحلق بعض الرَّأْس وَيتْرك بعضه، مَأْخُوذ من قزع السَّحَاب وَهِي قطعه. وَفِي حَدِيث أنس: وَمَا فِي السَّمَاء قزعة. [١٥] وَقَوله: " احْلقُوا كُله " دَلِيل على جَوَاز حلق الرَّأْس من غير كَرَاهِيَة.
١١٥٠ - / ١٣٨٠ - وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين [بعد الْمِائَة]: رَأَيْت فِي يَدي قِطْعَة إستبرق. وَهُوَ ثخين الديباج، وَقد تقدم هَذَا.
١١٥١ - / ١٣٨١ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ [بعد الْمِائَة]: أَن عمر قَالَ: أصبت أَرضًا بِخَيْبَر: وَقد ذكرنَا الحَدِيث فِي مُسْند عمر. غير أَن فِي هَذَا الحَدِيث: " غير متأثل مَالا " قَالَ أَبُو عبيد: المتأثل: الْجَامِع، وكل شَيْء لَهُ أصل قديم أَو جمع حَتَّى يصير لَهُ أصل فَهُوَ مؤثل ومتأثل، قَالَ لبيد:
(لله نَافِلَة الْأَجَل الْأَفْضَل وَله الْعلَا وأثيث كل مؤثل)
[ ٢ / ٥٥٧ ]
وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس:
(ولكنما أسعى لمجد مؤثل وَقد يدْرك الْمجد المؤثل أمثالي)
[١٥] وأثلة الشَّيْء: أَصله، قَالَ الْأَعْشَى:
(أَلَسْت منتهيا عَن نحت أثلتنا وَلست ضائرها مَا أطت الْإِبِل)
١١٥٢ - / ١٣٨٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة: أغار رَسُول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غَارونَ. أَي غافلون فَلم يشعروا بِهِ.
١١٥٣ - / ١٣٨٤ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة: قَالَ النَّبِي ﷺ لما رَجَعَ من الْأَحْزَاب: " لَا يصلين أحد الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة " فَأدْرك بَعضهم الْعَصْر فِي الطَّرِيق، فَقَالَ بَعضهم: لَا نصلي حَتَّى نأتيها. وَقَالَ بَعضهم: نصلي، لم يرد ذَلِك منا. فَذكر ذَلِك للنَّبِي ﷺ، فَلم يعنف وَاحِدًا مِنْهُم. [١٥] لما أجلى رَسُول الله ﷺ بني النَّضِير خرج نفر من أَشْرَافهم إِلَى مَكَّة فالبوا قُريْشًا على الْقِتَال، وَتجمع النَّاس، وَكَانَت غزَاة الْأَحْزَاب. وَبعث أَبُو سُفْيَان إِلَى بني قُرَيْظَة يسألهم أَن ينقضوا الْعَهْد الَّذِي بَينهم
[ ٢ / ٥٥٨ ]
وَبَين رَسُول الله ﷺ، فَأَجَابُوا فَلَمَّا انْقَضتْ غزَاة الخَنْدَق وَجَاء جِبْرِيل فَقَالَ: إِن الله يَأْمُرك أَن تسير إِلَى بني قُرَيْظَة فَإِنِّي عَامِد إِلَيْهِم فَمُزَلْزِل حصونهم. فَقَالَ لأَصْحَابه: " لَا يصلين أحد الْعَصْر إِلَّا فِي بني قُرَيْظَة " فَأخذ بعض أَصْحَابه بِظَاهِر اللَّفْظ وَلم يصلوا إِلَّا هُنَاكَ، وَتعلق آخَرُونَ بِالْمَعْنَى فَقَالُوا: إِنَّمَا أَرَادَ الاستعجال، فصوا وَلَحِقُوا فَلم يعنف وَاحِدًا من الْفَرِيقَيْنِ، لأخذ كل بِدَلِيل.
١١٥٤ - / ١٣٨٥ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ [بعد الْمِائَة]: أَن عمر ذكر لرَسُول الله ﷺ أَنه تصيبه الْجَنَابَة من اللَّيْل. وَقد سبق بَيَانه فِي مُسْند عمر.
١١٥٥ - / ١٣٨٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ [بعد الْمِائَة]: استدارة أهل قبَاء إِلَى الْقبْلَة بقول وَاحِد. [١٥] وَهُوَ أصل فِي قبُول خبر الْوَاحِد إِذا كَانَ ثِقَة. وَقد سبق بَيَان هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند الْبَراء.
١١٥٦ - / ١٣٨٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ [بعد الْمِائَة]: " الظُّلم ظلمات يَوْم الْقِيَامَة ". [١٥] اعْلَم أَن الظُّلم يشْتَمل على معصيتين عظيمتين: إِحْدَاهمَا: أَخذ
[ ٢ / ٥٥٩ ]
مَال الْغَيْر بِغَيْر حق. وَالثَّانيَِة: مبارزة الْأَمر بِالْعَدْلِ بالمخالفة، وَهَذِه الْمعْصِيَة فِيهِ أدهى؛ لِأَنَّهُ لَا يكَاد يَقع الظُّلم إِلَّا للضعيف الَّذِي لَا يقدر على الِانْتِصَار إِلَّا بِاللَّه ﷿. وَإِنَّمَا ينشأ الظُّلم من ظلمَة الْقلب، وَلَو استنار بِنور الْهدى لنظر فِي العواقب، فَإِذا سعى المتقون بنورهم الَّذِي اكتسبوه فِي الدُّنْيَا من التَّقْوَى ظَهرت ظلمات الظَّالِم فاكتنفته.
١١٥٧ - / ١٣٨٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة: بعث رَسُول الله ﷺ بعثا وَأمر عَلَيْهِم أُسَامَة بن زيد، فطعن النَّاس فِي إمارته. [١٥] اعْلَم أَن النّظر إِلَى صُورَة الْأَشْيَاء غلب على أَكثر النَّاس. وَكَانَ النَّبِي ﷺ يتلمح الْمعَانِي، فالقوم نظرُوا إِلَى أَن أُسَامَة حدث السن، وَأَنه ابْن مولى، وَالنَّبِيّ ﷺ رَآهُ صَالحا للإمارة خُصُوصا فِي هَذِه السّريَّة الَّتِي بَعثه فِيهَا إِلَى مَوضِع مقتل أَبِيه. وَكَذَلِكَ أَمر عَمْرو بن الْعَاصِ على جَيش فيهم أَبُو بكر وَعمر لَا لفضله عَلَيْهِم، وَلكنه كَانَ أبْصر بِالْحَرْبِ. وَهَذِه السّريَّة الَّتِي أَمر فِيهَا أُسَامَة كَانَت إِلَى أهل أبنى، فَقَالَ لَهُ: " سر إِلَى مَوضِع مقتل أَبِيك فأوطهم الْخَيل، وأغر صباحا، وَحرق عَلَيْهِم " فَانْتدبَ مَعَه وُجُوه الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَفِيهِمْ أَبُو بكر وَعمر وَسعد وَسَعِيد وَأَبُو عبيد ة، فَتكلم حِينَئِذٍ أَقوام فَقَالُوا: يسْتَعْمل هَذَا الْغُلَام على الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين. فَغَضب رَسُول الله ﷺ غَضبا شَدِيدا، وَكَانَ قد ابْتَدَأَ بِهِ مَرضه، فَخرج معصوب الرَّأْس، فَصَعدَ الْمِنْبَر وَقَالَ: " إِن تطعنوا فِي إمرته فقد كُنْتُم تطعنوه فِي إمرة أَبِيه.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
وَايْم الله، إِن كَانَ لخليقا للإمرة أَي مِمَّن يصلح لَهَا، يَعْنِي زيدا - وَإِن كَانَ لمن أحب النَّاس إِلَيّ، وَإِن هَذَا من أحب النَّاس إِلَيّ بعده ". فَلَمَّا أَمر أُسَامَة عسكره بالرحيل، جَاءَهُ رَسُول أمه أم أَيمن فَقَالَ: إِن رَسُول الله ﷺ يَمُوت، فَأقبل إِلَى الْمَدِينَة، فَلَمَّا مَاتَ ﵇ وبويع لأبي بكر أذن لَهُ فَخرج، وكلم أَبُو بكر أُسَامَة فِي عمر أَن يَأْذَن لَهُ فِي التَّخَلُّف فَفعل، فَلَمَّا ذهب إِلَى أهل أبنى شن عَلَيْهِم الْغَارة وَقتل وسبى، وَقتل قَاتل أَبِيه. فَكَأَن الرَّسُول ﷺ تلمح مِنْهُ الشجَاعَة، وَحب الْجِهَاد، وَطلب ثأر أَبِيه، فَلَمَّا رَجَعَ خرج أَبُو بكر فِي الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار يتلقونهم فَرحا بسلامتهم.
١١٥٨ - / ١٣٨٩ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة: ذكر رجل لرَسُول الله ﷺ أَنه يخدع فِي الْبيُوع، فَقَالَ: " من بَايَعت فَقل: لَا خلابة ". [١٥] الخلابة: الخداع. [١٥] قَالَ أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت: هَذَا الرجل حبَان بن منقذ بن عَمْرو، أَو وَالِده منقذ. وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَنه من غبن غبنا فَاحِشا فَلهُ الرَّد، وَهُوَ قَول أَحْمد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: لَيْسَ لَهُ. وَقَالَ دَاوُد: العقد بَاطِل من أَصله. وَاعْلَم أَنه إِنَّمَا يكون هَذَا فِي الْغبن الَّذِي لَا يتَغَابَن
[ ٢ / ٥٦١ ]
النَّاس بِمثلِهِ فِي الْعَادة. وَحده أَبُو بكر من أَصْحَابنَا بِالثُّلثِ. [١٥] وَرُبمَا احْتج بِهَذَا الحَدِيث من لَا يرى الْحجر على الْكَبِير، فَيَقُول: لَو كَانَ يحْجر على الْكَبِير لحجر الرَّسُول ﵇ على هَذَا الرجل. وَلَا حجَّة فِي هَذَا؛ لِأَن هَذَا الرجل لم يذكر عَنهُ سفه وَلَا إِتْلَاف مَال، إِنَّمَا كَانَ يخدع فِي الْبيُوع، وَقد يكون الْإِنْسَان قَلِيل الْخِبْرَة فِي الْبيُوع.
١١٥٩ - / ١٣٩٠ - وَفِي الحَدِيث الْخمسين [بعد الْمِائَة]: نهى رَسُول الله ﷺ عَن بيع الْوَلَاء وَعَن هِبته. [١٥] اعْلَم أَن الْوَلَاء كالنسب، فَلَا يزَال بالإزالة.
١١٦٠ - / ١٣٩١ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْخمسين [بعد الْمِائَة]: ارتقيت فَوق بَيت حَفْصَة، فَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ يقْضِي حَاجته مُسْتَقْبل الشَّام مستدبر الْقبْلَة. [١٥] وَفِي لفظ ابْن عمر قَالَ: إِن نَاسا يَقُولُونَ: إِذا قعدت على حَاجَتك فَلَا تسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا بَيت الْمُقَدّس. لقد ارتقيت على ظهر بَيت لنا، فَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ مُسْتَقْبل بَيت الْمُقَدّس لِحَاجَتِهِ. [١٥] وَرُبمَا ظن ظان أَن ابْن عمر قد أجَاز بِهَذَا اسْتِقْبَال الْقبْلَة عِنْد الْحَاجة، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا أنكر قَول من يزْعم أَن استقبالها فِي الْأَبْنِيَة غير جَائِز، فَأَما فِي الصَّحَارِي فَلَا يجوز استدبار الْقبْلَة وَلَا
[ ٢ / ٥٦٢ ]
استقبالها على مَا بَينا مُسْند أبي أَيُّوب.
١١٦١ - / ١٣٩٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْخمسين [بعد الْمِائَة]: قَالَ ابْن عمر: وَأما عَليّ فَابْن عَم رَسُول الله، وَخَتنه. [١٥] الختن: زوج الْبِنْت. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: كل شَيْء من قبل الزَّوْج مثل الْأَب وَالْأَخ فهم الأحماء، واحدهم حما مثل قفا، وحمو مثل " أَبُو "، وحمؤ مَهْمُوز سَاكن الْمِيم، وحم مثل أَب. وحماة الْمَرْأَة: أم زَوجهَا، لَا لُغَة فِيهَا غير هَذِه. وكل شَيْء من قبل الْمَرْأَة فهم الْأخْتَان، والصهر يجمع ذَلِك كُله. [١٥] وَقَوله: وَهَذَا بَيته. يُرِيد بِهِ الْقرب إِلَى بَيت رَسُول الله ﷺ.
١١٦٢ - / ١٣٩٥ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْخمسين [بعد الْمِائَة]: أَن رَسُول الله ﷺ عَاد سعد بن عبَادَة فَبكى، وَقَالَ: " إِن الله لَا يعذب بدمع الْعين وَلَا بحزن الْقلب، وَلَكِن يعذب بِهَذَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى لِسَانه أَو يرحم ". [١٥] إِنَّمَا لم يَقع الْعَذَاب على الْبكاء والحزن لثَلَاثَة أَشْيَاء: أَحدهَا: أَنه لَا عيب، إِذْ لَا يخالفان الْمَشْرُوع. وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا أثر رقة الْقلب وتلهفه على فِرَاق المألوف، وَهَذَا أَمر مركوز فِي الطَّبْع. وَالثَّالِث: أَنَّهُمَا لَا يملكَانِ وَلَا يُمكن ردهما، فَلم تقع بهما مُؤَاخذَة.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
[١٥] فَأَما اللِّسَان فَقل أَن يتَكَلَّم فِي المصائب بِمَا يُرْضِي الشَّرْع، ثمَّ إِنَّه يُمكن إِمْسَاكه، فَوَقع الْعَذَاب بِمَا يصدر عَنهُ مِمَّا لَا يجوز.
١١٦٣ - / ١١٩٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْخمسين [بعد الْمِائَة]: نهى أَن تصبر بهمية أَو غَيرهَا. للْقَتْل. [١٥] صَبر الْبَهَائِم: أَن تحبس للنبل، فَتبقى كالغرض، وَهُوَ الهدف الَّذِي يَرْمِي إِلَيْهِ. وَالصَّبْر فِي اللُّغَة: حبس النَّفس على مَا تنَازع، وَسمي رَمَضَان شهر الصَّبْر لذَلِك.
١١٦٤ - / ١٣٩٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْخمسين [بعد الْمِائَة]: أكل لحم الضَّب. وَقد سبق فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١١٦٥ - / ١٣٩٩ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْخمسين [بعد الْمِائَة]: نهى رَسُول الله ﷺ أَن يقرن الرجل التمرتين حَتَّى يسْتَأْذن أَصْحَابه. [١٥] أَنبأَنَا عبد الْوَهَّاب الْحَافِظ قَالَ: أخبرنَا جَعْفَر بن أَحْمد السراج قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: ذكر الاسْتِئْذَان فِي الْقرَان من قَول ابْن عمر وَلَيْسَ من قَول النَّبِي ﷺ، بَين ذَلِك آدم بن أبي إِيَاس فِي رِوَايَته عَن شُعْبَة، وجوده شَبابَة بن سوار عَن شُعْبَة عَن جبلة بن سحيم قَالَ: قَالَ ابْن عمر: لَا تقارنوا؛ فَإِن النَّبِي ﷺ نهى عَن الْقرَان. قَالَ ابْن عمر: إِلَّا أَن يسْتَأْذن الرجل مِنْكُم أَخَاهُ.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
[١٥] قلت: فَأَما حكم الحَدِيث فَإِن هَذَا إِنَّمَا يكون فِي الْجَمَاعَة، وَالْعَادَة تنَاول تَمْرَة وَاحِدَة، فَإِذا قرن الْإِنْسَان زَاد على الْجَمَاعَة واستأثر عَلَيْهِم، فافتقر إِلَى الْإِذْن.
١١٦٦ - / ١٤٠٠ - وَفِي الحَدِيث السِّتين [بعد الْمِائَة]: نهى رَسُول الله ﷺ عَن النّذر وَقَالَ: " لَا يرد شَيْئا، وَإِنَّمَا يسْتَخْرج بِهِ من الْبَخِيل ". [١٥] النّذر: الْتِزَام مَا لَا يلْزم، فَرُبمَا ثقل على النَّفس أَدَاؤُهُ، وَرُبمَا عجزت عَنهُ، وَرُبمَا كرهت فعل ذَلِك، فَيكون فَاعله للطاعة مَعَ الْكَرَاهَة لَهَا. [١٥] وَقَوله: " لَا يرد شَيْئا " أَي لَا يجتلب مَا لم يقدر. وَإِنَّمَا يسْتَخْرج بِهِ من الْبَخِيل؛ لِأَنَّهُ يَقُول: إِن رد الله عَليّ مَا ضَاعَ مني تَصَدَّقت بِدِينَار، فَهُوَ لَا يتَصَدَّق لبلخه إِلَّا أَن يرد عَلَيْهِ مَا ضَاعَ مِنْهُ، فالنذر يسْتَخْرج مِنْهُ الصَّدَقَة لِأَنَّهُ يرَاهُ لَازِما. وَقد قَالَ ابْن الْمُبَارك: النّذر مَكْرُوه فِي الطَّاعَة وَفِي الْمعْصِيَة، فَإِن نذر الرجل الطَّاعَة فوفى فَلهُ أجر هـ، وَيكرهُ لَهُ النّذر.
١١٦٧ - / ١٤٠١ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتِّينَ [بعد الْمِائَة]: عرض رجل لِابْنِ عمر فَقَالَ: كَيفَ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول فِي النَّجْوَى. [١٥] والنجوى: المحادثة فِي السِّرّ. وَالْمرَاد بهَا هَاهُنَا مُخَاطبَة الرب ﷿ لعَبْدِهِ يَوْم الْقِيَامَة.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
[١٥] والكنف: السّتْر. [١٥] الأشهاد جمع شَاهد، مثل أنصار وناصر. وللمفسرين فِي المُرَاد بهم خَمْسَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنهم الرُّسُل، قَالَه أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس. وَالثَّانِي: الْمَلَائِكَة، قَالَه مُجَاهِد وَقَتَادَة. وَالثَّالِث: النَّبِيُّونَ وَالْمَلَائِكَة وَأمة مُحَمَّد والجوارح، قَالَه ابْن زيد. وَالرَّابِع: النَّاس، قَالَه مقَاتل. وَالْخَامِس: الْأَنْبِيَاء والمؤمنون، قَالَه الزّجاج.
١١٦٨ - / ١٤٠٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسِّتِّينَ [بعد الْمِائَة]: أَن رجلا سَأَلَ ابْن عمر قَالَ: نذرت أَن أَصوم كل ثلاثاء أَو أربعاء، فَوَافَقت هَذَا الْيَوْم يَوْم النَّحْر. فَقَالَ: أَمر الله بوفاء النّذر، ونهانا أَن نَصُوم يَوْم النَّحْر. فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ مثله لَا يزِيد عَلَيْهِ. [١٥] اعْلَم أَن ابْن عمر لما تَعَارَضَت عِنْده الْآيَة وَالْخَبَر تورع عَن الْفتيا فَلم يجب بِشَيْء. وَالْجَوَاب: أَنه يقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ وَيكفر كَفَّارَة يَمِين. وَاخْتلف الْفُقَهَاء فِيمَا إِذا نذر يَوْم الْعِيد، فعندنا أَنه لَا يَصُوم، بل يقْضِي وَيكفر. وَعَن أَحْمد رِوَايَة أُخْرَى: إِن صَامَهُ أَجزَأَهُ، وَعنهُ: أَنه يكفر من غير قَضَاء. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يفْطر وَيَقْضِي، فَإِن صَامَ أَجزَأَهُ. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا ينْعَقد هَذَا النّذر.
١١٦٩ - / ١٤٠٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسِّتِّينَ [بعد الْمِائَة]: أَن ابْن عمر أَتَى على رجل قد أَنَاخَ بدنته لينحرها، فَقَالَ: ابعثها قيَاما
[ ٢ / ٥٦٦ ]
مُقَيّدَة، سنة مُحَمَّد ﷺ. [١٥] السّنة نحر الْإِبِل قَائِمَة، وتعقل الْيَد الْيُسْرَى، وتضرب بالحربة فِي الوهدة الَّتِي بَين أصل الْعُنُق والصدر. فَأَما الْبَقر وَالْغنم فَالسنة ذَبحهَا.
١١٧٠ - / ١٤٠٤ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسِّتِّينَ [بعد الْمِائَة]: كَانَ ابْن عمر يُصَلِّي بالمحصب الظّهْر، وَكَانَ يرى التحصيب سنة. [١٥] التحصيب: الْمَكَان الَّذِي فِيهِ الْحَصْبَاء: وَهِي الْحَصَى الصغار، وَهَذَا هُوَ الشّعب الَّذِي مخرجه إِلَى الأبطح الْقَرِيب من مَكَّة. والتحصيب: النُّزُول فِيهِ، وَهُوَ الْمَكَان الَّذِي نزل فِيهِ رَسُول الله ﷺ. وَقد ذكرنَا عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: لَيْسَ التحصيب بِشَيْء، إِنَّمَا كَانَ أسمح لخُرُوج رَسُول الله ﷺ. [١٥] والأبطح: الْمَكَان الْوَاسِع.
١١٧١ - / ١٤٠٥ وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسِّتِّينَ [بعد الْمِائَة]: " من مقَال لِأَخِيهِ: يَا كَافِر، فقد بَاء بهَا أَحدهمَا ". [١٥] بَاء بِمَعْنى رَجَعَ. قَالَ أَبُو بكر الْأَثْرَم: وَجهه عندى أَنه إِذا كَانَ كَافِرًا كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِن كَانَ مُسلما فقد كفر من يعْتَقد الْمُسلم كَافِرًا. قَالَ: وَيُمكن أَن يكون الْمَعْنى: بَاء بإثمها.
[ ٢ / ٥٦٧ ]
١١٧٢ - / ١٤٠٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالسِّتِّينَ [بعد الْمِائَة]: " إِن الْيَهُود إِذا سلمُوا إِنَّمَا يَقُول أحدهم: سَام عَلَيْك، فَقل: عَلَيْك ". [١٥] السام: الْمَوْت. وَسَيَأْتِي هَذَا مشروحا فِي مُسْند عَائِشَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١١٧٣ - / ١٤٠٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسِّتِّينَ [بعد الْمِائَة]: كُنَّا إِذا بَايعنَا رَسُول الله ﷺ على السّمع وَالطَّاعَة يَقُول: " فِيمَا اسْتَطَعْت ". [١٥] هَذَا التَّلْقِين للمبايع من لطف الشَّرْع ورفقه، وَفِيه دَلِيل على جَوَاز تَكْلِيف مَالا يُطَاق؛ لِأَنَّهُ لَو كَانَت الْمُبَايعَة لَا تقع إِلَّا على المستطاع كَانَ التَّلْقِين لهَذِهِ الْكَلِمَة لَغوا.
١١٧٤ - / ١٤٠٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالسِّتِّينَ [بعد الْمِائَة]: " مَا حق امرىء مُسلم لَهُ شَيْء يُوصي فِيهِ يبيت لَيْلَتَيْنِ إِلَّا ووصيته مَكْتُوبَة عِنْده ". [١٥] هَذَا أَمر بالتأهب للْمَوْت والاحتراز قبل الْفَوْت. فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا كَانَ كَذَلِك فَلم قَالَ " لَيْلَتَيْنِ " وَثَلَاث لَيَال " وهلا قَالَ لَيْلَة؟ فَالْجَوَاب: أَنه قد حكى أَبُو مَسْعُود صَاحب " التعليقة " أَن مُسلما رَوَاهُ فَقَالَ فِيهِ " لَيْلَة "، غير أَن هَذَا لم نجده فِي كتاب
[ ٢ / ٥٦٨ ]
مُسلم. فَتَقول: لما كَانَت الْوَصِيَّة تحْتَاج إِلَى تَأمل وتدبر، وَكَانَ السَّامع لهَذَا الحَدِيث رُبمَا لَا يَتَأَتَّى لَهُ النّظر فِيمَا يُرِيد أَن يُوصي بِهِ فِي لَيْلَة، وَأَرَادَ الشَّرْع التَّعْجِيل قَالَ لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاثًا، وَلما فهم ابْن عمر أَن المُرَاد التَّعْجِيل قَالَ: مَا مرت عَليّ لَيْلَة مُنْذُ سَمِعت هَذَا إِلَّا وَعِنْدِي وصيتي.
١١٧٥ - / ١٤٠٩ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسِّتِّينَ [بعد الْمِائَة]: " إِن هَذَا الْأَمر فِي قُرَيْش " يَعْنِي الْإِمَارَة.
١١٧٦ - / ١٤١٠ - وَفِي الحَدِيث السّبْعين [بعد الْمِائَة]: نهى عَن قتل النِّسَاء وَالصبيان. [١٥] لَا يحسن قتل النِّسَاء لمعنيين: أَحدهمَا: أَنَّهُنَّ لَا يقاتلن فِي الْأَغْلَب، وَفِي قتل من لَا يُقَاتل نوع جور. وَالثَّانِي: أَنَّهُنَّ عِنْد الْغَلَبَة يصرن غنيمَة للْمُسلمين، وَكَذَلِكَ الصّبيان، فَقَتلهُمْ تَفْرِيط فِي المَال. فَأَما إِن قَاتَلت الْمَرْأَة فَإِنَّهَا تقتل حِينَئِذٍ. [١٥] وَأما الشَّيْخ الفاني والراهب وَالْأَعْمَى والزمن فَإِنَّهُم لَا يقتلُون أَيْضا، إِلَّا أَن يكون لَهُم رَأْي وتدبير يخَاف مِنْهُ النكاية فِي الْمُسلمين، أَو يحاربوا، فَيجوز حِينَئِذٍ قَتلهمْ.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
١١٧٧ - / ١٤١١ وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ: " فِيمَا سقت السَّمَاء والعيون أَو كَانَ عثريا الْعشْر ". [١٥] السَّمَاء هَاهُنَا: الْمَطَر. وَالْمرَاد بالعيون مَا سقِي من غير ترقية المَاء مِنْهُ بكلفة. فَأَما العثري فَقَالَ أَبُو عبيد: هُوَ العذي، والعذي مَا شقته السَّمَاء، فَأَما مَا يشرب بعروقه من الأَرْض من غير سقِي سَمَاء وَلَا غَيرهَا فَهُوَ بعل. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْكسَائِيّ: البعل: العذي، وَمَا سقته السَّمَاء. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: لم أرهم يَخْتَلِفُونَ أَن البعل العذي بِعَيْنِه، والعذي نَوْعَانِ: أَحدهمَا: العثري، وَهُوَ الَّذِي يُؤْتى بِمَاء الْمَطَر إِلَيْهِ حَتَّى يسْقِيه. وَإِنَّا سمي عثريا لأَنهم يجْعَلُونَ فِي مجْرى السَّيْل عاثورا، فَإِذا صدمه الماد ترَاد فَدخل فِي تِلْكَ المجاري حَتَّى يبلغ النَّحْل ويسقيه، وَلَا يخْتَلف النَّاس فِي العثري أَنه العذي. وَالنَّوْع الآخر من العذي البعل، فَمن البعل مَا يفتح إِلَيْهِ المَاء عَن مجاري السُّيُول بِغَيْر عواثير، وَمِنْه مَا لَا يبلغهُ المَاء، فالسماء تسقيه بالمطر. [١٥] وَقَوله: " مَا سقِي بالنضح " أَي بِالْإِبِلِ وَالْبَقر. وأصل النَّضْح رش المَاء على الشَّيْء. وَالْمرَاد من هَذَا الحَدِيث بَيَان قدر الْحق الْوَاجِب، وَأَنه يخْتَلف بالكلف وَعدمهَا. وَقد بَين مِقْدَار مَا تجب فِيهِ الزَّكَاة فِي أَحَادِيث أخر، سَيَأْتِي فِي مُسْند جَابر وَأبي سعيد وَغَيرهمَا، مثل قَوْله: " لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أَو سُقْ صَدَقَة " وَهَذَا قَول جُمْهُور الْعلمَاء. وَأما أَبُو حنيفَة
[ ٢ / ٥٧٠ ]
فَإِنَّهُ لَا يعْتَبر النّصاب فِي المعشرات أخذا بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث.
١١٧٨ - / ١٤١٢ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " إِنَّمَا بقاؤكم فِيمَا سلف قبلكُمْ من الْأُمَم كَمَا بَين صَلَاة الْعَصْر إِلَى غرُوب الشَّمْس ". [١٥] قَوْله: " إِنَّمَا بقاؤكم " إِشَارَة إِلَى قرب الْقِيَامَة وَقلة مَا بَقِي من الدُّنْيَا. فَأَما " التَّوْرَاة " فَكَانَ الْفراء يَجْعَلهَا من روى الزند يري: إِذا خرجت ناره، وأوريته، يُرِيد أَنَّهَا ضِيَاء. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَفِيه لُغَة أُخْرَى: وري يري، وَيُقَال: وريت لَك زنادي. [١٥] قَالَ الْفراء: " وَالْإِنْجِيل " من نجلت الشَّيْء: إِذا أخرجته، وَولد الرجل نجله، كَأَنَّهُ هُوَ استخرجه. وَيُقَال: قبح الله ناجليه: أَي وَالِديهِ، وَقيل للْمَاء يظْهر من النز: نجل، يُقَال: قد استنجل الْوَادي. وإنجيل " إفعيل " من ذَلِك، كَأَن الله أظهر بِهِ عافيا من الْحق دارسا. وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: الْإِنْجِيل أعجمي مُعرب، قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: إِن كَانَ عَرَبيا فاشتقاقه من النجل: وَهُوَ ظُهُور المَاء على وَجه الأَرْض واتساعه. ونجلت الشَّيْء: إِذا استخرجته وأظهرته. فالإنجيل مستخرج بِهِ عُلُوم وَحكم. قَالَ: وَقيل: هُوَ " إفعيل " من النجل، وَهُوَ الأَصْل، فالإنجيل أصل لعلوم وَحكم. [١٥] فَأَما " الْقُرْآن " فَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: هُوَ من قَوْلك: مَا قَرَأت النَّاقة
[ ٢ / ٥٧١ ]
سلى قطّ: أَي مَا ضمت فِي رَحمهَا ولدا، وَأنْشد أَبُو عُبَيْدَة:
( هجان اللَّوْن لم تقْرَأ جَنِينا)
[١٥] وَإِنَّمَا سمي قُرْآنًا لِأَنَّهُ جمع السُّور وَضمّهَا. [١٥] ومقصود الحَدِيث تَفْضِيل هَذِه الْأمة وتوفير أجرهَا مَعَ قلَّة عَملهَا، وَإِنَّمَا فضلت لقُوَّة يقينها ومراعاة اصل دينهَا، فَإِن زلت فَأكْثر زللها من الْفُرُوع جَريا بِمُقْتَضى الطباع لَا قصدا للمخالفة، ثمَّ تتداركه بالاعتراف الماحي للاقتراف. وَعُمُوم زلل من قبلهم كَانَ فِي الْأُصُول والمعاندة للشرائع، كَقَوْلِهِم: ﴿اجْعَل لنا إِلَهًا﴾ [الْأَعْرَاف: ١٣٨] وكامتناعهم من أَخذ الْكتاب حَتَّى نتق الْجَبَل فَوْقهم. وَلَقَد عرضت لَهُم غزَاة فِي مُدَّة دهرهم فَقَالُوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْت وَرَبك فَقَاتلا﴾ [الْمَائِدَة: ٢٤] وَقد علم مَا كَانَت الصَّحَابَة تؤثره وتزدحم عَلَيْهِ من حب الشَّهَادَة.
١١٧٩ - / ١٤١٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: أَن رَسُول الله ﷺ بعث خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى بني جذيمة فَلم يحسنوا أَن يَقُولُوا أسلمنَا، فَقَالُوا: صبأنا صبأنا، فَقَتلهُمْ وأسرهم، فَذكر ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأ إِلَيْك مِمَّا صنع خَالِد ". [١٥] صبأنا: أَي خرجنَا من ديننَا. يُقَال: صَبأ الْبَعِير: إِذا خرج.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
وَأَرَادُوا أَنا قد خرجنَا من ديننَا إِلَى دينك، فَلم يفهم مُرَادهم، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يستثبت.
١١٨٠ - / ١٤١٤ وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: أَن النَّبِي ﷺ كَانَ إِذا رفع رَأسه من الرَّكْعَة الْآخِرَة من الْفجْر يَقُول: " اللَّهُمَّ الْعَن فلَانا وَفُلَانًا " فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء﴾ [آل عمرَان: ١٢٨] . [١٥] معنى الْآيَة: لَيْسَ لَك من استصلاحهم وَلَا من عَذَابهمْ شَيْء، وَإِنَّمَا عَلَيْك أَن تبلغ.
١١٨١ - / ١٤١٥ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: " مَفَاتِيح الْغَيْب خمس ". [١٥] قَالَ ابْن جرير: المفاتيح جمع مِفْتَاح. والمفاتح جمع مفتح. [١٥] وَأما الْغَيْب فَهُوَ مَا غَابَ عَن الْخلق، وَلَا غيب عِنْد الله ﷿. [١٥] وَقَوله: ﴿وَمَا تغيض الْأَرْحَام﴾ [الرَّعْد: ٨] أَي تنقص. وللمفسرين فِي معنى الْكَلَام أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: تغيض بِالْوَضْعِ لأَقل من تِسْعَة أشهر وتزداد بِالْوَضْعِ لأكْثر من تِسْعَة أشهر، رَوَاهُ الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس. وَالثَّانِي: تغيض بِالسقطِ النَّاقِص وتزداد بِالْوَلَدِ التَّام، رَوَاهُ الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس. وَالثَّالِث: تغيض بإراقة الدَّم فِي الْحمل حَتَّى يتضاءل الْوَلَد، وتزداد إِذا أسكت الدَّم فيعظم الْوَلَد، قَالَه مُجَاهِد. وَالرَّابِع: تغيض من وَلدته من قبل وتزداد من تلده من بعد، قَالَه قَتَادَة.
١١٨٢ - / ١٤١٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: أَن ابْن عمر كَانَ يَرْمِي
[ ٢ / ٥٧٣ ]
الْجَمْرَة الدُّنْيَا بِسبع حَصَيَات، ثمَّ يتَقَدَّم فيسهل. [١٥] أما الْجَمْرَة الدُّنْيَا فَهِيَ الأولى، وَهِي الَّتِي تلِي مَسْجِد الْخيف، وَهِي الْأَقْرَب إِلَى عَرَفَات. وَالسّنة أَن يَجْعَلهَا عَن يسَاره وَيسْتَقْبل الْقبْلَة ويرميها، ثمَّ يتَقَدَّم عَنْهَا إِلَى مَوضِع لَا تصيبه الْحَصَى، وَيقف بِقدر قِرَاءَة سُورَة الْبَقَرَة يَدْعُو الله تَعَالَى. وَمعنى يسهل: يطْلب سهل الأَرْض، وَهُوَ المنخفض. ثمَّ يَرْمِي الْجَمْرَة الْوُسْطَى ويجعلها عَن يَمِينه، وَيسْتَقْبل الْقبْلَة، وَيفْعل فِي الْوُقُوف وَالدُّعَاء كَمَا فعل فِي الأولى، ثمَّ يَرْمِي جَمْرَة الْعقبَة ويجعلها عَن يَمِينه، ويستبطن الْوَادي، وَيسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا يقف عِنْدهَا.
١١٨٣ - / ١٤١٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: جَاءَ ابْن عمر يَوْم عَرَفَة حِين زَالَت الشَّمْس فصاح عِنْد سرادق الْحجَّاج فَقَالَ: الرواح إِن كنت تُرِيدُ السّنة. [١٥] السرادق: كل مَا أحَاط بِشَيْء نَحْو المضرب والخباء. وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: السرادق فَارسي مُعرب، وَأَصله بِالْفَارِسِيَّةِ سرادار: وَهُوَ الدهليز، قَالَ الفرزدق:
(تمنيتهم حَتَّى إِذا مَا لقيتهم تركت لَهُم قبل الضراب السرادقا)
[١٥] وَقَوله: أقصر الْخطْبَة. من السّنة أَنه إِذا زَالَت الشَّمْس خطب الإِمَام خطْبَة يعلم النَّاس فِيهَا مناسكهم، من مَوضِع الْوُقُوف وَوَقته، وَدفعه من عَرَفَات، وَمَوْضِع صَلَاة الْمغرب وَالْعشَاء بِمُزْدَلِفَة، وَالْمَبِيت بهَا، والعدو
[ ٢ / ٥٧٤ ]
إِلَى منى للرمي، وَالطّواف والنحر، وَالْمَبِيت بمنى لرمي الْجمار، ثمَّ يَأْمر بِالْأَذَانِ، وَينزل فَيصَلي بِالنَّاسِ الظّهْر وَالْعصر، يجمع بَينهمَا بِإِقَامَة لكل صَلَاة.
١١٨٤ - / ١٤١٨ وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: دخلت على حَفْصَة ونوساتها تنطف، قلت: قد كَانَ من أَمر النَّاس مَا تَرين، فَلم يَجْعَل لي من الْأَمر شَيْء. فَقَالَت: الْحق فَإِنَّهُم ينتظرونك، وأخشى أَن يكون فِي احتباسك عَنْهُم فرقة. فَلم تَدعه حَتَّى ذهب. فَلَمَّا تفرق النَّاس خطب مُعَاوِيَة فَقَالَ: من كَانَ يُرِيد أَن يتَكَلَّم فِي هَذَا الْأَمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أَحَق بِهِ مِنْهُ وَمن أَبِيه. فحللت حبوتي، فهممت أَن أَقُول: أَحَق بِهَذَا الْأَمر مِنْك من قَاتلك على الْإِسْلَام. فَخَشِيت أَن أَقُول كلمة تفرق بَين الْجمع وتسفك الدَّم، فَذكرت مَا أعد الله فِي الْجنان. فَقيل لَهُ: عصمت. [١٥] قَوْله: ونوساتها تنطف، قد فسرناه فِي مُسْند عمر. [١٥] قَوْله: قد كَانَ من أَمر النَّاس مَا كَانَ، وَلم يَجْعَل لي من الْأَمر شَيْء. أَشَارَ إِلَى جعل عمر الْخلَافَة شُورَى فِي سِتَّة وَلم يَجْعَل لَهُ من الْأَمر شَيْء. فَقَالَت لَهُ: الْحق، فَإِنَّهُم ينتظرونك. هَذَا لِأَن عمر قَالَ: يشهدكم عبد الله وَلَيْسَ لَهُ من الْأَمر شَيْء. وَهَذِه حِكَايَة الْحَال الَّتِي جرت فِي زمن عمر.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
[١٥] وَقَوله: فَلَمَّا تفرق النَّاس خطب مُعَاوِيَة. كَانَ هَذَا فِي زمن مُعَاوِيَة، وإرادته أَن يَجْعَل ابْنه يزِيد ولي عَهده. [١٥] وَقَوله: من أَرَادَ أَن يتَكَلَّم فِي هَذَا الْأَمر. يَعْنِي الْخلَافَة. فليطلع لنا قرنه: أَي فليرنا وَجهه. [١٥] وَقَوله: فحللت حبوتي: إِذا جمع الرجل ظَهره وساقيه سَوَاء فَهِيَ الحبوة وَقد احتبى. وَإِنَّمَا حل حبوته ليَتَكَلَّم وَيرد على مُعَاوِيَة، فخاف أَن يكون قَوْله سَببا لتفريق الْجَمَاعَة، فَذكر ثَوَاب الله تَعَالَى فَسكت. [١٥] وَقَوله: عصمت. يُقَال: عصم فلَان: إِذا منع بِالْقدرِ من شَيْء لَو فعله لم تحمد عاقبته.
١١٨٥ - / ١٤١٩ وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: قَالَ ابْن عمر: الصّيام لمن تمتّع بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَج إِلَى يَوْم عَرَفَة، فَإِن لم يجد هَديا وَلم يصم صَامَ أَيَّام منى. [١٥] صفة التَّمَتُّع: أَن يحرم بِالْعُمْرَةِ فِي أشهر الْحَج ويفرغ مِنْهَا، ثمَّ يحرم بِالْحَجِّ من مَكَّة فِي عَامه. فَهَذَا يجب عَلَيْهِ دم، فَإِن لم يجد صَامَ ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج آخرهَا يَوْم عَرَفَة. كَذَلِك قَالَ عَليّ وَالْحسن وَطَاوُس وَسَعِيد بن جُبَير. وَقَالَ عَطاء: لَا يَصُوم الثَّلَاثَة الْأَيَّام إِلَّا فِي الْعشْرَة. وَقَالَ الثَّوْريّ: إِن شَاءَ صامهن متفرقات والوصال أحب إِلَيّ. فَإِن لم يصم الثَّلَاثَة الْأَيَّام قبل يَوْم النَّحْر فَاخْتَلَفُوا فِيمَا يصنع: فقد ذكرنَا عَن ابْن عمر أَنه يَصُوم أَيَّام منى، وَنَقله الْمَيْمُونِيّ عَن أَحْمد بن
[ ٢ / ٥٧٦ ]
حَنْبَل. وَقَالَ آخَرُونَ: يَصُوم بعد أَيَّام التَّشْرِيق، قَالَه عَليّ ﵇. وَرَوَاهُ الْمروزِي عَن أَحْمد، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي.
١١٨٦ - / ١٤٢٠ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: قَول جِبْرِيل: إِنَّا لَا ندخل بَيْتا فِيهِ صُورَة وَلَا كلب. قد سبق بَيَانه فِي مُسْند أبي طَلْحَة
١١٨٧ - / ١٤٢١ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: قَالَ ابْن عمر: رُبمَا ذكرت قَول الشَّاعِر وَأَنا أنظر إِلَى وَجه رَسُول الله ﷺ يَسْتَسْقِي، وَمَا ينزل حَتَّى يَجِيش كل ميزاب:
(وأبيض يستسقى الْغَمَام بِوَجْهِهِ ثمال الْيَتَامَى عصمَة للأرامل)
[١٥] قَوْله: يَجِيش، من قَوْلهم: جَاشَتْ الْقدر: إِذا غلت. وَقَوله: ثمال الْيَتَامَى: أَي معتمدهم وملجأهم. وَقَوله: عصمَة للأرامل: أَي يمتنعون بِهِ من الْحَاجة والشدة. والأرامل يَقع على الرِّجَال وَالنِّسَاء، قَالَ الشَّاعِر:
(هذي الأرامل قد قضيت حَاجَتهَا فَمن لحَاجَة هَذَا الأرمل الذّكر)
١١٨٨ - / ١٤٢٢ وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: " رَأَيْت امْرَأَة ثائرة الرَّأْس خرجت من الْمَدِينَة حَتَّى نزلت مهيعة، فتأولتها: أَن وباء الْمَدِينَة
[ ٢ / ٥٧٧ ]
نقل إِلَى مهيعة " وَهِي الحجفة. [١٥] قَوْله: " ثائرة الرَّأْس " يَعْنِي أَن شعرهَا منتشر غير مرجل. [١٥] والحجفة من قَوْلك: سيل جحاف: إِذا جرف كل شَيْء. وَيُقَال: اجتحف مَا فِي الْقَصعَة: إِذا أكله، وأنشدوا:
(وجحفتم جحف الخريز ونمتم وَبَنُو صَفِيَّة ليلهم لَا يهجع)
[١٥] وَكَانَت الْجحْفَة حِينَئِذٍ مسكن الْيَهُود.
١١٨٩ - / ١٤٢٣ وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: " من أَخذ شبْرًا من الأَرْض بِغَيْر حَقه خسف بِهِ يَوْم الْقِيَامَة إِلَى سبع أَرضين " قد فسرنا هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند سعيد بن زيد.
١١٩٠ - / ١٤٢٤ وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: أَن رَسُول الله ﷺ لَقِي زيد بن عَمْرو بن نفَيْل قبل أَن ينزل الْوَحْي، فَقدم إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ سفرة فِيهَا لحم، فَقَالَ زيد: إِنِّي لَا آكل مِمَّا تذبحون على أنصابكم، وَلَا آكل إِلَّا مَا ذكر اسْم الله عَلَيْهِ. [١٥] كَانَ زيد بن عَمْرو بن نفَيْل يطْلب الدّين، وَخرج إِلَى الشَّام فِي طلبه، وَلَقي عُلَمَاء الْيَهُود وسألهم، فَدَعوهُ إِلَى دينهم فَأبى، وَقَالَ: أَنا على دين إِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِنْكَاره على قُرَيْش مَا هم فِيهِ من قُوَّة يقظته وجودة فهمه، وَمن اسْتعْمل عقله وفهمه دله على الْخَالِق سُبْحَانَهُ،
[ ٢ / ٥٧٨ ]
وَمنعه من إِضَافَة شريك وند. [١٥] وَقَوله: لَا آكل مِمَّا تذبحون على أنصابكم. الأنصاب: الْأَصْنَام. وَقَالَ ابْن جريج: هِيَ حِجَارَة كَانُوا يذبحون عَلَيْهَا ويعظمونها. [١٥] وَرُبمَا ظن ظان أَن رَسُول الله كَانَ يَأْكُل مِمَّا يذبح على النصب، وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن الله سُبْحَانَهُ عصمه عَن ذَلِك وَعَن أكل لحم الْميتَة، وَكَانَ يتبع شَرِيعَة إِبْرَاهِيم. بلَى، إِن الظَّاهِر أَنه كَانَ يَأْكُل مِمَّا يذبحونه لنفسهم، وَيرى أَن الذكاء قد وَقعت بفعلهم، وَلَا يَتَّسِع لَهُ أَن يذبح لنَفسِهِ فِي كل وَقت، وَإِنَّمَا ظن زيد فِيهِ أَنه يَأْكُل من ذَلِك.
١١٩١ - / ١٤٢٦ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: " لِأَن يمتلىء جَوف أحدكُم قَيْحا ". [١٥] وَقد شرحناه فِي مُسْند سعد.
١١٩٢ - / ١٤٢٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر: أَن ابْن عمر كره أَن تعلم الصُّورَة. [١٥] أَي أَن يَجْعَل فِيهَا عَلامَة، وَهِي السمة فِي الْوَجْه.
١١٩٣ - / ١٤٣٠ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين: " إِن النَّاس يصيرون جثا، كل أمة تتبع نبيها تَقول: اشفع يَا فلَان، اشفع، حَتَّى تَنْتَهِي الشَّفَاعَة إِلَى النَّبِي ﷺ، فَذَلِك يَوْم يَبْعَثهُ الله الْمقَام الْمَحْمُود ".
[ ٢ / ٥٧٩ ]
[١٥] قَوْله " جثا " أَي جماعات مجتمعة، الْوَاحِدَة جثوَة بِضَم الْجِيم، وكل شَيْء مَجْمُوع فَهُوَ جثوَة. وَأما الجثى فَهُوَ جمع جاث على رُكْبَتَيْهِ. وَسمعت أَبَا مُحَمَّد بن الخشاب يَقُول: إِنَّمَا هُوَ جثى بِالتَّشْدِيدِ، وَهُوَ جمع جاث، كغاز وغزى. قَالَ: وَجَثَا مُخَفّفَة جمع جثوَة، وَلَا معنى لَهَا هَاهُنَا. [١٥] وَالْمقَام الْمَحْمُود: الشَّفَاعَة.
١١٩٤ - / ١٤٣٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعشْرُونَ: " لَو يعلم النَّاس مَا فِي الْوحدَة مَا سَار رَاكب وَحده بلَيْل أبدا ". [١٥] قد جَاءَ فِي الحَدِيث: أَن لله تَعَالَى خلقا يبثهم بِاللَّيْلِ. وَقد أَمر بالاحتراز من أُولَئِكَ. فَأخْبرنَا ابْن الْحصين قَالَ: أخبرنَا ابْن الْمَذْهَب قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن جَعْفَر قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي عدي قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْحَق عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم عَن عَطاء بن يسَار عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: " إِذا سَمِعْتُمْ نباح الْكلاب ونهاق الْحمير فتعوذوا بِاللَّه، فَإِنَّهَا ترى مَالا ترَوْنَ، وأقلوا الْخُرُوج إِذا هدأت الرجل، فَإِن الله ﷿ يبث فِي ليله من خلقه مَا شَاءَ. وأجيفوا الْأَبْوَاب، واذْكُرُوا اسْم الله عَلَيْهَا، فَإِن الشَّيْطَان لَا يفتح بَابا أجيف وَذكر اسْم الله عَلَيْهَا " وَفِي الحَدِيث تَنْبِيه على خطأ جهلة المتزهدين فِي سياحاتهم
[ ٢ / ٥٨٠ ]
بِاللَّيْلِ ومشيهم فِي الظُّلُمَات على الْوحدَة.
١١٩٥ - / ١٤٣٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين: إِن نَاسا قَالُوا لَهُ: إِنَّا ندخل على سلطاننا فَنَقُول لَهُم بِخِلَاف مَا نتكلم بِهِ إِذا خرجنَا من عِنْدهم. قَالَ: كُنَّا نعد هَذَا نفَاقًا فِي عهد رَسُول الله ﷺ. [١٥] النِّفَاق: مُخَالفَة الْبَاطِن للظَّاهِر، وَمَا كَانَ هَذَا مِمَّا يحْتَاج إِلَى اسْتِعْمَاله فِي زمن رَسُول الله ﷺ، وَإِنَّمَا حدثت وُلَاة جورة، فَمن اضْطر إِلَى اسْتِعْمَال المعاريض فِي لقائهم لم يكن ذَلِك نفَاقًا.
١١٩٦ - / ١٤٣٤ وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين: أَنه ذكر الحرورية، وَأَنَّهُمْ يَمْرُقُونَ من الْإِسْلَام. [١٥] وَقد سبق فِي مُسْند عَليّ ﵇.
١١٩٧ - / ١٤٣٥ وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين: شَبكَ النَّبِي ﷺ أَصَابِعه وَقَالَ: " كَيفَ أَنْت يَا عبد الله بن عَمْرو إِذا بقيت فِي حثالة من النَّاس ". [١٥] حثالة كل شَيْء: رديئه وثفله. [١٥] ومرجت بِكَسْر الرَّاء، وَمَعْنَاهُ اخْتلطت عهودهم وَلم يفوا بهَا. وَإِنَّمَا شَبكَ أَصَابِعه ليمثل اختلاطهم. [١٥] وقدوله: " تقبل على خاصتك " أَي مَا يخصك ويلزمك النّظر فِيهِ.
[ ٢ / ٥٨١ ]
وَيحْتَمل أَن يُرِيد بالخاصة الْخَواص الَّذين يفهمون عَنهُ، وَلذَلِك قَالَ: " ودعهم وعوامهم " أَي: وَمن لَا يفهم عَنْك.
١١٩٨ - / ١٤٣٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْعِشْرين: أَن ابْن عمر كَانَ ينَام وَهُوَ عزب فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ. [١٥] قَالَ ابْن فَارس: العزب: الَّذِي لَا أهل لَهُ. [١٥] وَفِي هَذَا الحَدِيث جَوَاز بيتوتة الرجل فِي الْمَسْجِد، وَلَا يُقَال: قد اتَّخذهُ دَارا، وَلَا إِنَّه رُبمَا أجنب.
١١٩٩ - / ١٤٣٩ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْعِشْرين: إِن فرسا لعبد الله عَار. [١٥] أَي ند وَذهب.
١٢٠٠ - / ١٤٤٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّلَاثِينَ: عَن ابْن عمر: ﴿فَأتوا حَرْثكُمْ أَنى شِئْتُم﴾ [الْبَقَرَة: ٢٢٣] يَأْتِيهَا فِيهِ. [١٥] قد ظن أَقوام جَوَاز إتْيَان الْمَرْأَة فِي الدبر، وَاحْتَجُّوا بِهَذِهِ الْآيَة وَتَفْسِير ابْن عمر لَهَا. وَلَيْسَ فِي الْآيَة دَلِيل، وَلَا فِي تَفْسِير ابْن عمر لفظ صَرِيح. وَظَاهر قَوْله: يَأْتِيهَا فِيهِ: أَنه يَعْنِي الْحَرْث أَو الْفرج. وَفِي بعض أَلْفَاظ الصَّحِيح: يَأْتِيهَا فِي. قَالَ الرَّاوِي: يَعْنِي: فِي الْفرج. وَقد حُكيَ عَن مَالك جَوَاز ذَلِك، وَعَامة أَصْحَابه يُنكرُونَ ثُبُوته عَنهُ.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
وَالدَّلِيل على أَنه لَا يجوز من خَمْسَة أوجه: أَحدهَا: أَنه سَيَأْتِي فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث جَابر: كَانَت الْيَهُود تَقول: إِذا جَامعهَا من وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَد أَحول، فَنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم﴾ فقد بَان الْمَقْصُود من (أَنى) . [١٥] وَالثَّانِي: أَن لَفْظَة (أَنى) يخْتَلف مَعْنَاهَا على ثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَن تكون بِمَعْنى كَيفَ. وَالثَّانِي: بِمَعْنى مَتى. وَالثَّالِث: بِمَعْنى من أَيْن. فَإِن قُلْنَا: هِيَ بِمَعْنى كَيفَ فسبب الْآيَة يؤكده، وَالْمعْنَى: كَيفَ شِئْتُم مقبلة أَو مُدبرَة وعَلى كل حَال، إِلَّا أَن الْإِتْيَان يكون فِي الْفرج، وَهَذَا تَفْسِير ابْن عَبَّاس وَمُجاهد فِي خلق كثير. وَإِن قُلْنَا: إِنَّهَا بِمَعْنى مَتى، فَالْمَعْنى: أَي وَقت شِئْتُم، وَهَذَا تَفْسِير ابْن الْحَنَفِيَّة وَالضَّحَّاك. وَإِن قُلْنَا: إِنَّهَا بِمَعْنى من أَيْن، فَالْمَعْنى: إِن شِئْتُم من بَين يَديهَا، وَإِن شِئْتُم من وَرَائِهَا، وَهَذَا يرجع إِلَى القَوْل الأول. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: أَنى يكون بِمَعْنى كَيفَ، وَيكون بِمَعْنى من أَيْن، والمعنيان متقاربان،
وَيجوز أَن يتَأَوَّل فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا الآخر، قَالَ الْكُمَيْت:
(أَنى وَمن أَيْن آبك الطَّرب من حَيْثُ لَا صبوة وَلَا ريب)
[١٥] وَالثَّالِث: أَن الْآيَة دلّت على مَوضِع الْإِتْيَان بقوله: ﴿فَأتوا حَرْثكُمْ﴾ وَمَوْضِع الزَّرْع إِنَّمَا هُوَ مَكَان الْوَلَد لِأَن الْوَلَد مشبه بالنبات، فمل يجز أَن يَقع الْوَطْء فِي مَحل لَا يكون مِنْهُ ولد. [١٥] وَالرَّابِع: أَنه قد رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ النَّهْي عَن هَذَا: عمر وَعلي وَابْن مَسْعُود وَجَابِر وَعبد الله بن عمر وَابْن عَبَّاس والبراء بن
[ ٢ / ٥٨٣ ]
عَازِب وَعقبَة بن عَامر وَخُزَيْمَة ابْن ثَابت وَأَبُو هُرَيْرَة، وَفِي لفظ حَدِيث أبي هُرَيْرَة: " مَلْعُون من أَتَى النِّسَاء فِي أدبارهن ". وَقد ذكرت هَذِه الْأَحَادِيث بأسانيدها فِي كتاب " تَحْرِيم الْمحل الْمَكْرُوه " وَذكرت هُنَاكَ نهي جمَاعَة من الصَّحَابَة عَنهُ، مِنْهُم ابْن مَسْعُود وَأبي بن كَعْب وَأَبُو الدَّرْدَاء وَابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة، وَمن التَّابِعين الْحسن وَمُجاهد وَعِكْرِمَة، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَلَا يَصح عَن مَالك. وَالْخَامِس: أَن تَحْرِيم إتْيَان الْحَائِض كَانَ لعِلَّة الْأَذَى، والأذى ملازم لهَذَا الْمحل لَا يُفَارِقهُ.
١٢٠١ - / ١٤٤١ وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ: عَن ابْن عمر: ﴿فديَة طَعَام مِسْكين﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٤] قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَة. [١٥] كَانَ الْإِنْسَان يُخَيّر بَين أَن يَصُوم رَمَضَان وَبَين أَن يفتدي، فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٥] فنسخت تِلْكَ الْآيَة.
١٢٠٢ - / ١٤٤٥ وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ: أَن ابْن عمر ذكر لَهُ أَن سعيد بن زيد مَرِيض، فَركب إِلَيْهِ وَترك الْجُمُعَة. [١٥] سعيد هُوَ ابْن ابْن عَم ابْن عمر بن الْخطاب؛ لِأَن عمر هُوَ ابْن
[ ٢ / ٥٨٤ ]
الْخطاب بن نفَيْل، وَسَعِيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل، وَهُوَ زوج فَاطِمَة بنت الْخطاب أُخْت عمر. [١٥] وَمن الْأَعْذَار الَّتِي يجوز لَهَا ترك الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة أَن يكون للْإنْسَان قرَابَة يخَاف مَوته وَيُرِيد أَن يحضرهُ.
١٢٠٣ - / ١٤٤٦ وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ: قَالَ ابْن عمر: إِذا مَضَت أَرْبَعَة أشهر يُوقف حَتَّى يُطلق، وَلَا يَقع عَلَيْهِ الطَّلَاق حَتَّى يُطلق. يَعْنِي المؤلي. [١٥] اخْتلف الْعلمَاء فِيمَا إِذا مَضَت على المؤلي أَرْبَعَة أشهر، فَقَالَ قوم: إِذا لم يفء قبل مضيها ثمَّ تمت أَرْبَعَة أشهر لحقت الْمَرْأَة تطليقه وَاحِدَة. ثمَّ اخْتلفُوا، فَقَالَ: بَعضهم: رَجْعِيَّة، وَقَالَ بَعضهم: بَائِنَة. وَقد رُوِيَ عَن عمر أَنه قَالَ: إِذا مَضَت أَرْبَعَة أشهر فَهِيَ تَطْلِيقَة، وَكَذَلِكَ عَن عُثْمَان وَعلي قَالَا: هِيَ تَطْلِيقَة بَائِنَة. وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ: إِذا انْقَضتْ الْأَرْبَعَة الْأَشْهر خطبهَا وَأَمْهَرهَا مهْرا جَدِيدا. وَقَالَ قوم: إِذا مَضَت الْأَرْبَعَة الْأَشْهر اسْتحق عَلَيْهِ أَن يفِيء أَو يطق. رُوِيَ عَن عمر أَيْضا وَعُثْمَان وَعلي وَسَهل بن سعد. وَقد ذَكرْنَاهُ وَعَن ابْن عمر. وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد.
١٢٠٤ - / ١٤٤٩ وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ: وَعمر يستلئم لِلْقِتَالِ.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
[١٥] استلأم الرجل يستلئم: إِذا لبس اللأمة، بِالْهَمْز: وَهِي الدرْع، وَجمع لؤم على غير قِيَاس.
١٢٠٥ - / ١٤٥٠ - وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين: أَن الْمَسْجِد كَانَ على عهد رَسُول الله ﷺ مُبينًا بِاللَّبنِ، وسقفه بِالْجَرِيدِ. [١٥] الجريد: سعف النّخل، الْوَاحِدَة جَرِيدَة، وَسميت بذلك لِأَنَّهُ قد جرد عَنْهَا الخوص. [١٥] والعمد: مَا يكون تَحت السَّطْح يدعمه. وَالْمرَاد بخشب النّخل: الْجُذُوع. [١٥] والقصة: الجص. يُقَال: قصصت الْبيُوت: إِذا جصصتها. والتقصيص: التجصيص. وَقَالَ الْخطابِيّ: الْقِصَّة: شَيْء يشبه الجص وَلَيْسَ بِهِ.
١٢٠٦ - / ١٤٥١ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ: كَانَ ابْن عمر إِذا سُئِلَ عَن نِكَاح النَّصْرَانِيَّة أَو الْيَهُودِيَّة قَالَ: إِن الله تَعَالَى حرم المشركات. [١٥] هَذَا مَذْهَب لَا يلْتَفت إِلَيْهِ؛ لِأَن الْآيَة ترده، وَهِي قَول الله ﷿: (وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ [الْمَائِدَة: ٥] وَالْإِجْمَاع على خلَافَة.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
١٢٠٧ - / ١٤٥٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ: كُنَّا نصيب الْعَسَل وَالْعِنَب فنأكله وَلَا نرفعه. [١٥] أَي لَا نرفعه إِلَى الْقَبْض المخمس.
١٢٠٨ - / ١٤٥٤ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: كَانَ ابْن عمر يمر بِالشعبِ الَّذِي أَخذه رَسُول الله ﷺ فَيدْخل فينتفض. [١٥] الشّعب كالزقاق بن الجبلين، أَو كالدرب بَين الدّور، إِلَّا أَنه لَا ينفذ. [١٥] وَقَوله فينتفض: كنى بِهِ عَن الْحَرَكَة لقَضَاء الْحَاجة، وَالْأَصْل فِي النفض التحريك وإثارة السَّاكِن.
١٢٠٩ - / ١٤٥٧ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: رَأَيْت سترا موشيا. [١٥] الموشي: المخطط بألوان شَتَّى، وكل منسوج على لونين فَصَاعِدا موشي، تَقول: وشيت الثَّوْب أَو شيه وشيا، فَهِيَ موشي وموشى.
١٢١٠ - / ١٤٦٠ وَفِي الحَدِيث الْخمسين: أَمر النَّبِي ﷺ فِي غَزْوَة مُؤْتَة زيد بن حَارِثَة. [١٥] مُؤْتَة بِالْهَمْز: أَرض تقرب من دمشق، وَبهَا كَانَت الْوَقْعَة. وموتة
[ ٢ / ٥٨٧ ]
بِغَيْر همز: شبه الْجُنُون يعتري الْإِنْسَان، وَالْمِيم مَضْمُومَة فِي الْكَلِمَتَيْنِ. وموتة بِفَتْح الْمِيم: الْوَاحِدَة من الْمَوْت. [١٥] وَكَانَ النَّبِي ﷺ قد بعث رَسُولا إِلَى ملك بصرى بِكِتَاب، فَقتل الرَّسُول، فندب النَّاس، فَعَسْكَرَ وَخرج مشيعا، وَقَالَ: " أَمِير النَّاس زيد، فَإِن قتل فجعفر، فَإِن قتل فَابْن رَوَاحَة، فَإِن قتل فليرتص الْمُسلمُونَ بَينهم رجلا " فَلَمَّا قتل الثَّلَاثَة اصْطلحَ النَّاس على خَالِد بن الْوَلِيد.
١٢١١ - / ١٤٦١ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْخمسين: نهى رَسُول الله ﷺ عَن عسب الْفَحْل. [١٥] قَالَ أَبُو عبيد: العسب: الْكِرَاء الَّذِي يُؤْخَذ على ضراب الْفَحْل، يُقَال: عسبت الرجل أعسبه عسبا: إِذا أَعْطيته الْكِرَاء على ذَلِك. قَالَ: وَقيل: هُوَ الضراب، وَالْأول هُوَ الْوَجْه. [١٥] وَإِنَّمَا وَقع النَّهْي عَن هَذَا لشيئين: أَحدهمَا: أَنه إِنَّمَا يطْلب مِنْهُ الإلقاح وَقد لَا يلقح، فَيبقى الْمَأْخُوذ بِلَا عوض. وَالثَّانِي: أَن مثل هَذَا يَنْبَغِي للْمُسلمين أَن يتباذلوه بَينهم لِأَنَّهُ من جنس الماعون. وَعَامة الْفُقَهَاء على تَحْرِيم أَخذ الْأُجْرَة على ضراب الْفَحْل. وَقَالَ مَالك: لَا بَأْس أَن يسْتَأْجر الْفَحْل لينزيه مُدَّة مَعْلُومَة، وَإِنَّمَا يبطل إِذا اشْترط أَن ينزيه إِلَى أَن تعلق الرمكة. وَعلل أَصْحَابه بِأَنا لَو منعنَا من هَذَا لَا نقطع النَّسْل؛ لِأَن الْإِنْسَان لَا يسهل عَلَيْهِ إِيعَاب فَحله وإنفاد قواه بِغَيْر عوض،
[ ٢ / ٥٨٨ ]
وَهَذَا تَعْلِيل يُعَارض النَّص فَلَا يقبل.
١٢١٢ - / ١٤٦٤ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْخمسين: " إِن من الْبَيَان سحرًا ". [١٥] الْبَيَان على ضَرْبَيْنِ: بَيَان للشَّيْء بِلَفْظ آخر لَا يزِيد على كشف مَعْنَاهُ، وَبَيَان لَهُ بِزِيَادَة أَلْفَاظ رائقة تستميل الْقُلُوب وتحزنها وتطربها، كَمَا أَن السحر يخرج عَن حد الِاعْتِدَال. وَهَذَا إِذا كَانَ اللَّفْظ فِيهِ صدقا وجائزا، وَالْمَقْصُود بِهِ نصر الْحق، كَانَ ممدوحا، فقد كَانَ لرَسُول الله ﷺ خطيب يلقى بِهِ الوافدين، وَهُوَ ثَابت بن قيس بن شماس، وشاعر وَهُوَ حسان بن ثَابت. وَإِذا كَانَ الْبَيَان على ضد ذَلِك كَانَ الذَّم لذَلِك لَا للفظ، كالشعر فَإِنَّهُ يذم مَا يتضمنه ويمدح، لَا النّظم.
١٢١٣ - / ١٤٦٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْخمسين: نهى رَسُول الله ﷺ أَن يَبِيع حَاضر لباد. [١٥] وَقد تقدم هَذَا فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١٢١٤ - / ١٤٧١ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتِّينَ: " أفرى الفرى أَن يري الرجل عَيْنَيْهِ مَا لم تريا ". [١٥] الفرى جمع فِرْيَة، والفرية: الْكَذِب. وَأَشد الْكَذِب إِخْبَار الرجل
[ ٢ / ٥٨٩ ]
بِأَنَّهُ رأى فِي الْمَنَام مَا لم يره. وَهَاهُنَا لم يذكر الْمَنَام، وَقد ذكر فِي مُسْند وَاثِلَة بن الْأَسْقَع. [١٥] وَقد رَوَاهُ أَحْمد فِي " الْمسند " مُفَسرًا، وَقد بَينا فِيمَا تقدم أَنه إِنَّمَا اشْتَدَّ الْأَمر فِي كذب من يكذب فِي مَنَامه؛ لِأَن الْمَنَام جُزْء من الْوَحْي، فَكَأَنَّهُ يخبر أَن الله تَعَالَى ألْقى إِلَيْهِ مَا لم يلقه.
١٢١٥ - / ١٤٧٣ وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسِّتِّينَ: " لن يزَال الْمَرْء فِي فسحة من دينه مَا لم يصب دَمًا حَرَامًا ". [١٥] الْمَعْنى أَنه فِي أَي ذَنْب وَقع كَانَ لَهُ فِي الدّين وَالشَّرْع مخرج إِلَّا الْقَتْل، فَإِن أمره صَعب، ويوضح هَذَا مَا فِي تَمام الحَدِيث عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: إِن من ورطات الْأُمُور الَّتِي لَا مخرج لمن أوقع نَفسه فِيهَا سفك الدَّم الْحَرَام بِغَيْر حلَّة. والورطات جمع ورطة: وَهِي كل بلَاء لَا يكَاد صَاحبه يتَخَلَّص مِنْهُ. يُقَال: تورط واستورط.
١٢١٦ - / ١٤٧٥ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسبْعين: أصَاب ابْن عمر سِنَان الرمْح فِي أَخْمص قدمه، فلزقت بالركاب. [١٥] أَخْمص الْقدَم: مَا نبا عَن الأَرْض من أَسْفَلهَا. والركاب: مَا يضع الرَّاكِب فِيهِ رجله. أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي الْبَزَّاز قَالَ: أخبرنَا أَبُو إِسْحَق بن عمر الْبَرْمَكِي قَالَ: أخبرنَا ابْن حيويه قَالَ:
[ ٢ / ٥٩٠ ]
أخبرنَا ابْن مَعْرُوف قَالَ: حَدثنَا ابْن الْفَهم قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سعد قَالَ: أخبرنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ: حَدثنِي عبد الله بن نَافِع عَن أَبِيه قَالَ: كَانَ زج رمح رجل من أَصْحَاب الْحجَّاج قد أصَاب رجل ابْن عمر، فاندمل الْجرْح، فَلَمَّا صدر النَّاس انتفض على ابْن عمر. قَالَ ابْن سعد: وَأخْبرنَا سُلَيْمَان بن حَرْب قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب قَالَ: قلت لنافع: مَا كَانَ بَدْء موت ابْن عمر؟ قَالَ: أَصَابَته عارضة محمل بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِعه عِنْد الْجَمْرَة فِي الزحام فَمَرض.
١٢١٧ - / ١٤٨٠ وَفِي الحَدِيث السّبْعين: كنت على بكر صَعب. الْبكر من الْإِبِل بِمَنْزِلَة الفتي. والجمل بِمَنْزِلَة الرجل. والصعب خلاف الذلول.
١٢١٨ - / ١٤٨١ وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسبْعين: لما أسلم عمر قَالُوا: صَبأ عمر، وَأَنا غُلَام فَوق ظهر بَيْتِي. [١٥] صَبأ بِمَعْنى خرج من دينه إِلَى دين آخر. [١٥] وَقَوله: وَأَنا غُلَام، قد كَانَ يَوْمئِذٍ ابْن ثَلَاث سِنِين أَو أَربع؛ لِأَن عمر أسلم فِي سنة خمس من النُّبُوَّة، وَقيل: سنة سِتّ، وَأقَام النَّبِي ﷺ بِمَكَّة من النُّبُوَّة ثَلَاث عشرَة، وَعرض عَلَيْهِ ابْن عمر فِي غزَاة أحد وَكَانَت سنة ثَلَاث وَهُوَ ابْن أَربع عشرَة سنة. [١٥] قَوْله: فجَاء رجل عَلَيْهِ قبَاء ديباج. قد سبق ذكر القباء والديباج.
[ ٢ / ٥٩١ ]
[١٥] وتصدعوا: تفَرقُوا. وَهَذَا الرجل هُوَ أَبُو عَمْرو بن الْعَاصِ. وَقد بَين هَذَا فِي مُسْند عمر، وَأَنَّهُمْ كَانُوا حلفاء فِي الْجَاهِلِيَّة.
١٢١٩ - / ١٤٨٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسبْعين: فأرغم الله بأنفك. أَي ألزقه بالرغام وَهُوَ التُّرَاب. [١٥] وَفِيه: فَإِنَّهُ كَانَت تَحْتَهُ بنت رَسُول الله ﷺ، يَعْنِي رقية.
١٢٢٠ - / ١٤٨٤ وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسبْعين: كُنَّا نتحين أَي نطلب حِين الزَّوَال للرمي، وَهَذَا وَقت رمي الجمرات الثَّلَاث فِي أَيَّام التَّشْرِيق.
١٢٢١ - / ١٤٨٥ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسبْعين: أَن الْحجَّاج بن أَيمن، ابْن أم أَيمن، كَانَ أَخا أُسَامَة لأمة، من الْأَنْصَار، رَآهُ ابْن عمر لَا يتم رُكُوعه، فَقَالَ: أعد. [١٥] كَانَ رَسُول الله ﷺ قد ورث من أَبِيه أم أَيمن وَاسْمهَا بركَة، فَكَانَت تحضنه وتربيه، فَأعْتقهَا حِين تزوج خَدِيجَة، فَتَزَوجهَا عبيد بن زيد من بني الْحَارِث، فَولدت لَهُ أَيمن فصحب الني ﷺ، وَقتل يَوْم حنين وَهَذَا الْحجَّاج الْمَذْكُور فِي الحَدِيث وَلَده. ثمَّ زوج رَسُول الله ﷺ أم أَيمن بعد النُّبُوَّة زيد بن حَارِثَة فَولدت لَهُ أُسَامَة. [١٥] وَقَوله: من الْأَنْصَار، أَي أَن الْحجَّاج من الْأَنْصَار.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
[١٥] وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على بطلَان الصَّلَاة بترك إتْمَام الرُّكُوع.
١٢٢٢ - / ١٤٨٧ وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسبْعين: أَن رجلا سَأَلَ ابْن عمر عَن دم البعوض. [١٥] الْبَعُوضَة صَغِيرَة البق. [١٥] وَأما الْعرَاق فقد ذَكرنَاهَا فِي الحَدِيث الثَّلَاثِينَ من هَذَا الْمسند. [١٥] وَالريحَان: الرزق، وَيُسمى الْوَلَد ريحانا. [١٥] وَأما قتل الْمحرم للذباب فمباح للْمحرمِ قتل كل مَا فِيهِ مضرَّة كالحية وَالْعَقْرَب والزنبور والبرغوث والبق والذباب والحشرات كلهَا، وَفِي الْقمل والصئبان رِوَايَتَانِ.
١٢٢٣ - / ١٤٨٩ وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسبْعين: ﴿وَإِن تبدوا مَا فِي أَنفسكُم أَو تُخْفُوهُ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٨٤] قَالَ: قد نسخت. وَقد ذكرنَا هَذِه الْآيَة فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١٢٢٤ - / ١٤٩٠ وَفِي الحَدِيث الثَّمَانِينَ: قلت لِابْنِ عمر: تصلي الضُّحَى؟ قَالَ: لَا. قلت: فعمر؟ قَالَ: لَا. قلت: فَأَبُو بكر؟ قَالَ: لَا. قلت: فالنبي ﷺ؟ قَالَ: لَا إخَاله أَي لَا أَظُنهُ وَالْألف فِي إخَاله مَكْسُورَة.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
[١٥] وَقد اخْتلف النَّاس: هَل صلى الني ﷺ الضُّحَى أم لَا؟ وَالصَّحِيح أَنه صلى، فَمن روى أَنه صلاهَا فقد رَآهُ، وَمن روى أَنه لم يصلها فَإِنَّهُ لم يره، وَالْإِثْبَات مقدم على النَّفْي. وَسَنذكر حَدِيث الضُّحَى فِي مُسْند أم هانىء؛ فَإِنَّهُ أصح الْأَحَادِيث فِيهَا.
١٢٢٥ - / ١٤٩١ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي والثمانين: سَأَلَ رجل ابْن عمر عَن استلام الْحجر، فَقَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يستلمه ويقبله. قَالَ: أَرَأَيْت إِن زحمت؟ أَرَأَيْت إِن غلبت؟ قَالَ: اجْعَل " أَرَأَيْت " بِالْيَمِينِ. [١٥] استلام الْحجر: لمسه بِالْيَدِ، وَهُوَ من مسنونات الْحَج، وَكَذَلِكَ تقبيله. [١٥] وَقَوله: اجْعَل " أَرَأَيْت " بِالْيمن. أَي ببلدك، وَالْمعْنَى: احرص على استعمالك السّنة وَلَا تتعلل.
١٢٢٦ - / ١٤٩٢ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم. " وَمَا جَاءَك من هَذَا المَال وَأَنت غير مشرف " وَقد سبق تَفْسِيره فِي مُسْند عمر.
١٢٢٧ - / ١٤٩٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: لَا يأكلن أحد مِنْكُم بِشمَالِهِ.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
[١٥] لما جعلت الشمَال للاستنجاء ومباشرة الأنجاس، واليمنى لتناول الْغذَاء، لم يصلح اسْتِعْمَال أَحدهمَا فِي شغل الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ حط لرتبة ذِي الرُّتْبَة، وَرفع للمحطوط. فَمن خَالف مَا اقتضته الْحِكْمَة وَافق الشَّيْطَان. [١٥] وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن الشَّيْطَان يَأْكُل وَيشْرب. وَقد سبق فِي مُسْند ابْن مَسْعُود أَن الْجِنّ سَأَلُوا رَسُول الله الزَّاد فَقَالَ: " لكم كل عظم ذكر اسْم الله عَلَيْهِ يَقع فِيهِ أَيْدِيكُم أوفر مَا يكون لَحْمًا ".
١٢٢٨ - / ١٤٩٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: بَات النَّبِي ﷺ بِذِي الحليفة مبدأه. أَي: لما خرج إِلَى الْبَادِيَة لِلْحَجِّ.
١٢٢٩ - / ١٤٩٥ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: غدونا مَعَ رَسُول الله ﷺ من منى إِلَى عَرَفَات، فمنا الملبي، وَمنا المكبر، وَمنا المهلل. [١٥] الملبي: هُوَ الْقَائِل: لبيْك. والتلبية لَا تقطع إِلَّا مَعَ أول حَصَاة ترمى. والمكبر: هُوَ الْقَائِل: الله أكبر، وَيسن التَّكْبِير مَعَ كل حَصَاة. والمهلل: هُوَ الْقَائِل لَا إِلَه إِلَّا الله. وَمُرَاد الحَدِيث أَنهم انصرفوا متشاغلين بِالذكر.
١٢٣٠ - / ١٤٩٦ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: " إِن الْإِسْلَام بَدَأَ غَرِيبا وَسَيَعُودُ غَرِيبا كَمَا بَدَأَ وَهُوَ يأرز بَين المسجدين كَمَا تأرز الْحَيَّة إِلَى جحرها ".
[ ٢ / ٥٩٥ ]
[١٥] الْمَعْنى: أَنه ظهر بَين جهل بِهِ واستنفار مِنْهُ، وَكَانَت الْعَادَات قد غلبت، فَإِذا رُؤِيَ مَا يُخَالِفهَا أنكر. وَهَكَذَا فِي آخر الزَّمَان، وَهَا نَحن فِي وسط الشّرْب، فَإِن الْعَادَات قد غلبت حَتَّى صَارَت الصَّلَوَات والمعاملات عادات يعْمل بمقتضاها سَوَاء وَافَقت الْمَشْرُوع أوخالفت، وَصَارَ قَول الْعلمَاء غَرِيبا، والمشروع مستنكرا، وَالله الْمُسْتَعَان. [١٥] وَقَوله: " يأرز " قَالَ أبوعبيد: أَي يَنْضَم ويجتمع بعضه إِلَى بعض، قَالَ رؤبة.
(فَذَاك بخال أروز الْأرز )
[١٥] أَي لَا ينبسط للمعروف، وَلَكِن يَنْضَم بعضه إِلَى بعض. [١٥] والمسجدان مَكَّة وَالْمَدينَة. وَقد ضمن النَّبِي ﷺ أَنه لَا يدخلهما الدَّجَّال.
١٢٣١ - / ١٤٩٨ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: جَاءَ ابْن عمر إِلَى عبد الله ابْن مُطِيع حِين كَانَ من أَمر الْحرَّة مَا كَانَ، فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " من خلع يدا من طَاعَة لَقِي الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا حجَّة لَهُ ". [١٥] كَانَ أهل الْمَدِينَة قد خلعوا يزِيد وَجعلُوا عبد الله بن حَنْظَلَة أَمِيرا على الْأَنْصَار، وَعبد الله بن مُطِيع أَمِيرا على قُرَيْش، وَمَعْقِل بن سِنَان أَمِيرا على الْمُهَاجِرين، فَلم ير ابْن عمر خلع يزِيد بعد أَن بُويِعَ لَهُ.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
وَقد ذكرنَا هَذَا فِي مُسْند عبد الله بن زيد. [١٥] وَقَوله: " ميتَة جَاهِلِيَّة " قَالَ الْخطابِيّ: الْميتَة مَكْسُورَة الْمِيم يَعْنِي الْحَالة الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا، فَهِيَ كالقعدة والجلسة وَالركبَة، يُرَاد بهَا الْحَال والهيئة. وَالْميتَة بِالْفَتْح: اسْم للحيوان إِذا مَاتَ. [١٥] والجاهلية يعبر بهَا عَن التناهي فِي الْجَهْل. [١٥] وَقد سبق بَيَان مَا بعد هَذَا إِلَى:
١٢٣٢ - / ١٥٠٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: وَفِيه: " مثل الْمُنَافِق كَمثل الشَّاة العائرة بَين الْغَنَمَيْنِ ". [١٥] يَعْنِي الذاهبة إِلَى هَذِه مرّة وَإِلَى هَذِه مرّة، لَا تَسْتَقِر فِي إِحْدَاهمَا. وَكَذَلِكَ الْمُنَافِق يصير إِلَى الْمُسلمين بِاللَّفْظِ وَيعود إِلَى الْمُشْركين بِالْعقدِ.
١٢٣٣ - / ١٥٠٦ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: كَانَ ابْن عمر يستجمر بالألوة غير مطراة، وبكافور يطرحه مَعَ الألوة. [١٥] يستجمر " يستفعل " من المجمر. وَالْمعْنَى: يتبخر. قَالَ الْأَصْمَعِي: الألوة: الْعود الَّذِي يتبخر بِهِ. قَالَ الْأَصْمَعِي: وأظنها فارسية عربت. وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ معربة، وفيهَا لُغَتَانِ: ألوة وألوة، بِفَتْح الْهمزَة وَضمّهَا.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
[١٥] وَقَوله: غير مطراة: أَي غير معالجة بِنَوْع آخر من الطّيب؛ لِأَنَّهَا مستغنية بطيبها.
١٢٣٤ - / ١٥٠٧ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: " من صَبر على لأوائها " يَعْنِي الْمَدِينَة. [١٥] واللأواء: الشدَّة. [١٥] وَقَوله لِلْجَارِيَةِ لكاع، هَذَا يُقَال للْأُنْثَى وللرجل: يالكع. وَيُقَال: لكع الرجل: إِذا لؤم، لكاعة. وَقَالَ أَبُو عبيد: اللكع عِنْد الْعَرَب: العَبْد. وَقَالَ اللَّيْث: هُوَ وصف بالحمق. وَقَالَ غَيره: هُوَ الصَّغِير. وَفِي الحَدِيث: " أَثم لكع " يُرِيد الصَّغِير فِي السن. فَإِذا قيل للكبير أُرِيد الصَّغِير فِي الْعلم والمعرفة.
١٢٣٥ - / ١٥٠٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: " لَا يحل لمُؤْمِن أَن يهجر أَخَاهُ " قد سبق فِي مُسْند أبي أَيُّوب.
١٢٣٦ - / ١٥١٠ و- فِي الحَدِيث التَّاسِع عشر: " أعوذ بك من فَجْأَة نقمتك ". [١٥] المفاجأة: المباغتة على غَفلَة. وَيُقَال: مَاتَ فلَان فَجْأَة: أَي بَغت من غير إنذار بِمَرَض.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
١٢٣٧ - / ١٥١١ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين: قَالَت امْرَأَة جزلة: مالنا أَكثر أهل النَّار؟ [١٥] يُقَال: رجل جزل، وامراة جزلة: إِذا كَانَت لَهَا قُوَّة فِي الْخطاب والرأي. [١٥] وَقَوله: " تكثرن اللَّعْن " هَذِه عَادَة كَانَت لَهُنَّ. [١٥] وَقَوله: " وتكفرن العشير " مُفَسّر فِي مُسْند ابْن عَبَّاس. [١٥] وَأما تَفْسِيره لنُقْصَان الْعقل وَالدّين فقد اعْترض عَلَيْهِ قوم فَقَالُوا: هَذَا أَمر لَيْسَ إِلَيْهَا، فَمَا وَجه ذمها بِهِ؟ فَالْجَوَاب: أَنَّهَا وضعت على صفة النَّقْص، فَهِيَ نَاقِصَة وضعا لَا من حَيْثُ الْكسْب.
١٢٣٨ - / ١٥١٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين: " كل شَيْء بِقدر حَتَّى الْعَجز والكيس ". [١٥] الْكيس خلاف الْحمق. يُقَال: رجل كيس، وَالْجمع أكياس. وَالْعجز إِنَّمَا يَقع من سوء التَّدْبِير وَقلة الْعقل، وَقد قَالَ ﵇: " الْكيس من دَان نَفسه وَعمل لما بعد الْمَوْت، وَالْعَاجِز من أتبع نَفسه هَواهَا، وَتمنى على الله الْأَمَانِي ".
١٢٣٩ - / ١٥١٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين: انْشِقَاق
[ ٢ / ٥٩٩ ]
الْقَمَر. وَقد ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
١٢٤٠ - / ١٥١٥ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين: أَن رجلا قَالَ لِابْنِ عمر: أيصلح لي أَن أَطُوف بِالْبَيْتِ قبل أَن آتِي الْموقف؟ فَقَالَ: نعم. فَقَالَ: فَإِن ابْن عَبَّاس يَقُول: لَا تطف بِالْبَيْتِ حَتَّى تَأتي الْموقف. فَقَالَ ابْن عمر: فقد حج رَسُول الله ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ قبل أَن يَأْتِي الْموقف، فبقول رَسُول الله ﷺ أَحَق أَن تَأْخُذ أَو بقول ابْن عَبَّاس إِن كنت صَادِقا؟ . [١٥] هَذَا الْمَسْأَلَة فِيمَن أحرم بِالْحَجِّ من مَكَّة، هَل يطوف طواف الْقدوم قبل أَن يخرج؟ فَذهب أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ أَنه يطوف حِين يحرم كَمَا قَالَ ابْن عمر. والمنصور من مَذْهَب أَحْمد أَنه لَا يطوف حَتَّى يخرج إِلَى منى وعرفات ثمَّ يرجع فيطوف كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس. وَعَن أَحْمد رِوَايَة كمذهب ابْن عمر. [١٥] وَقَوله: إِن كنت صَادِقا، ورع مِنْهُ لِئَلَّا يذكر ابْن عَبَّاس بِشَيْء مَا ثَبت عَنهُ
١٢٤١ - / ١٥١٦ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين: " لَا تغلبنكم
[ ٢ / ٦٠٠ ]
الْأَعْرَاب على اسْم صَلَاتكُمْ. أَلا إِنَّهَا الْعشَاء فِي كتاب الله. وهم يعتمون بحلاب الْإِبِل ". [١٥] الْعشَاء: أول ظلام اللَّيْل، وَذَلِكَ يكون من حِين غيبوبة الشَّفق. قَالَ الْخَلِيل: الْعَتَمَة من اللَّيْل بعد غيبوبة الشَّفق، وعتم الْقَوْم: سَارُوا فِي ذَلِك الْوَقْت. فعلى هَذَا يكون الْمَكْرُوه تَغْيِير الإسم، وَلذَلِك قَالَ: " إِنَّهَا الْعشَاء فِي كتاب الله تَعَالَى " يُشِير إِلَى قَوْله تَعَالَى: " وَمن بعد صَلَاة الْعشَاء﴾ [النُّور: ٥٨] وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: يعتمون. من عتم اللَّيْل وعتمته: ظلامه. يُقَال: قد عتم اللَّيْل يعتم، وأعتم النَّاس: دخلُوا فِي ظلمَة اللَّيْل، وَإِنَّمَا سميت عتمة باسم عتمة اللَّيْل وَهِي ظلامه، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا يَقع هَذَا الِاسْم على حلاب الْإِبِل لَا على الصَّلَاة. قَالَ الْأَزْهَرِي: معنى الحَدِيث لَا يَغُرنكُمْ فعلهم هَذَا عَن صَلَاتكُمْ فتؤخروها، وَلَكِن صلوها إِذا كَانَ وَقتهَا. وَقد سبق فِي مُسْند عبد الله ابْن مُغفل: " لَا يغلبنكم الْأَعْرَاب على اسْم صَلَاتكُمْ الْمغرب ". فَيجمع الحديثان الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا.
١٢٤٢ - / ١٥١٧ وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين: دخل ابْن عمر على ابْن عَامر يعودهُ فَقَالَ: أَلا تَدْعُو لي، فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " لَا يقبل الله صَلَاة بِغَيْر طهُور، وَلَا صَدَقَة من غلُول "
[ ٢ / ٦٠١ ]
وَكنت على الْبَصْرَة. [١٥] ابْن عَامر اسْمه عبد الله، وَهُوَ مَذْكُور فِي الصَّحَابَة، وَقد ذكر فِي الصَّحَابَة رجلَانِ اسْم كل وَاحِد مِنْهُمَا عبد الله بن عَامر، فَلَا بُد من بَيَان هَذَا من هَذَا: [١٥] أَحدهمَا: عبد الله بن عَامر بن ربيعَة بن مَالك الْعَدوي، ولد على عهد رَسُول الله ﷺ، فَبلغ خمس سِنِين أَو سِتّ سِنِين، وَتُوفِّي رَسُول الله ﷺ، وَقد رُوِيَ أَنه سمع من رَسُول الله ﷺ وروى عَنهُ، وَلَا يَصح. قَالَ أَبُو عبد الله الْحَاكِم: ولد فِي زمن رَسُول الله ﷺ وَلم يسمع مِنْهُ. [١٥] وَالثَّانِي: عبد الله بن عَامر بن كريز بن ربيعَة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد منَاف، ولد بِمَكَّة بعد الْهِجْرَة بِأَرْبَع سِنِين، فَلَمَّا قدم سَوَّلَ الله ﷺ مَكَّة فِي عمْرَة الْقَضَاء سنة سبع حمل إِلَيْهِ وَهُوَ ابْن ثَلَاث سِنِين، فحنكه، فتلمظ وتئاءب، وتفل رَسُول الله ﷺ فِي فِيهِ، فَلهُ رُؤْيَة للنَّبِي ﷺ. فَلَمَّا ولي عُثْمَان الْخلَافَة ولاه الْبَصْرَة؛ لِأَنَّهُ كَانَ ابْن خَال عُثْمَان؛ لِأَن أم عُثْمَان أروى بنت كريز، فَكَانَ يَوْم ولاه ابْن خمس وَعشْرين سنة. ثمَّ ولاه مُعَاوِيَة بعد عُثْمَان الْبَصْرَة أَيْضا، وَهُوَ الَّذِي جرت لَهُ هَذِه الْقِصَّة مَعَ ابْن عمر.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
[١٥] وَالطهُور هُوَ الطَّاهِر فِي نَفسه المطهر لغيره، فَهُوَ من الْأَسْمَاء المتعدية كضروب وشتوم، هَذَا مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَقَالَ الْحَنَفِيَّة وَدَاوُد: هُوَ من الْأَسْمَاء اللَّازِمَة بِمَعْنى الطَّاهِر. [١٥] وأصل الْغلُول أَخذ شَيْء من الْمغنم فِي خُفْيَة، يخان فِيهِ من لَهُ فِيهِ حق. وَلما كَانَ الْوَالِي قد يستأثر بِشَيْء خَافَ أَن يكون فعل ذَلِك، فخوفه الْحَال، فَكَأَنَّهُ يَقُول لَهُ: إِن كنت ظلمت فَمَا ينفعك دعائي.
١٢٤٣ - / ١٥١٨ وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْعِشْرين: فَإِن مَعَه القرين. يَعْنِي الشَّيْطَان.
١٢٤٤ - / ١٥٢٠ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْعِشْرين: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا اسْتَوَى على بعيره خَارِجا إِلَى سفر كبر ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ: " سُبْحَانَ الَّذِي سخر لنا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين ". [١٥] سخر بِمَعْنى ذلل لنا هَذَا المركوب نجري بِهِ حَيْثُ نشَاء. [١٥] والمقرن: المطيق، قَالَ ابْن قُتَيْبَة: يُقَال: أَنا مقرن لَك: أَي مطيق لَك. قَالَ: وَيُقَال: هُوَ من قَوْلهم: أَنا قرن لفُلَان: إِذا كنت مثله فِي الشدَّة، فَإِذا قلت: أَنا قرن لفُلَان بِفَتْح الْقَاف فَمَعْنَاه أَن يكون مثله فِي السن.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
[١٥] قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مُقرنين: أَي ضابطين، يُقَال: فلَان مقرن لفُلَان: أَي ضَابِط لَهُ. [١٥] وَقَوله: اطو لنا الْبعيد وَذَلِكَ يكون بتقصير الْمسَافَة. [١٥] وَأما الوعثاء فَقَالَ أَبُو عبيد: الوعثاء: شدَّة النصب وَالْمَشَقَّة. وَكَذَلِكَ هُوَ فِي المآثم. وَاصل الوعثاء من الوعث: وَهُوَ الدهس، يَعْنِي الرمل الْكثير، وَالْمَشْي يصعب فِيهِ على صَاحبه، فَصَارَ مثلا لكل مَا يشق على فَاعله. [١٥] وَقَوله: " كآبة المنظر " هُوَ سوء الْحَال والانكسار من الْحزن " والمنقلب ": الرُّجُوع.
١٢٤٥ - / ١٥٢١ - وَفِي الحَدِيث الثَّلَاثِينَ: " لَك مماتها ومحياها " الْمَعْنى لَا يملك حَيَاتهَا وموتها إِلَّا أَنْت.
١٢٤٦ - / ١٥٢٢ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ: " من ضرب غُلَاما لَهُ حدا لم يَأْته أَو لطمه فَإِن كَفَّارَته أَن يعتقهُ ". [١٥] إِذا ضرب الْإِنْسَان مَمْلُوكه على هَذَا الْوَصْف كَانَ ظلما، فَلَمَّا بسط يَده إِلَيْهِ ظلما جعلت كَفَّارَة لطمه رفع يَده.
١٢٤٧ - / وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ: " إِن الْفِتْنَة من
[ ٢ / ٦٠٤ ]
حَيْثُ يطلع قرنا الشَّيْطَان " وَقد فسرنا هَذَا فِي هَذَا الْمسند.
[ ٢ / ٦٠٥ ]