شهد الْعقبَة مَعَ السّبْعين، وَأَرَادَ شُهُود بدر فخلفه أَبوهُ على حفظ أخواته، وَكن تسعا، وَخَلفه أَيْضا يَوْم أحد، ثمَّ شهد مَا بعد ذَلِك.
وَجُمْلَة مَا روى عَن النَّبِي ﷺ ألف حَدِيث وخمسائة وَأَرْبَعُونَ.
أخرج لَهُ مِنْهَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِائَتَان وَعشرَة.
١٢٤٨ - / ١٥٤٣ - فِي الحَدِيث الأول: «فَجلى الله لي بَيت الْمُقَدّس» أَي كشفه وأظهره.
١٢٤٩ - / ١٥٢٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يحدث عَن فَتْرَة الْوَحْي.
أصل الفترة: السّكُون. يُقَال: فتر الشَّيْء يفتر فتورا: إِذا سكنت حِدته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا. وطرف فاتر: لَيْسَ بحديد. وَكَانَ الْوَحْي قد جَاءَ ثمَّ انْقَطع.
وحراء قد سبق الْكَلَام فِيهِ فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
والكرسي فِي اللُّغَة: كل شَيْء تراكب، وَمِنْه الكراسة، لتراكب
[ ٣ / ٥ ]
بعض وَرقهَا على بعض، قَالَ العجاج:
(يَا صَاح هَل تعرف رسما مكرسا )
أَي تكارس عَلَيْهِ التُّرَاب فغطاه. فَسُمي الْكُرْسِيّ كرسيا لتركيب بعضه على بعض. وَفِيه لُغَتَانِ: ضم الْكَاف، قَالَ الْفراء: وَهِي لُغَة عَامَّة الْعَرَب. وتكسر الْكَاف، وَالرَّفْع أَجود.
وَأما الْعَرْش فَهُوَ السرير.
والهواء مَمْدُود، فَإِذا قصرته فَهُوَ هوى النَّفس.
وَقَوله: فجئثت، الْيَاء الْمُعْجَمَة بِاثْنَتَيْنِ قبل الثَّاء، وَالْمعْنَى: فرقت. وجثثت بثاءين مثله. وَرجل مجؤوث ومجثوث ومزؤود: وَهُوَ المرعوب، وَقد جئث وجث وزئد. وَقد صحفه بَعضهم فَقَالَ: جبنت، من الْجُبْن، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعه.
والرعب: الْفَزع.
وهويت: وَقعت.
وَقَوله: «زَمِّلُونِي» كل ملتف بِثَوْبِهِ متزمل. والدثار: مَا يدثر بِهِ الْإِنْسَان فَوق الشعار.
وأصل المدثر المتدثر، فأدغمت التَّاء فِي الدَّال فَثقلَتْ.
وَقَوله: «وَصبُّوا عَليّ مَاء» كَأَنَّهُ خرج عَن الْبرد والقشعريرة الَّتِي
[ ٣ / ٦ ]
تفْتَقر إِلَى الدثار، إِلَى الْحمى الَّتِي تحْتَاج إِلَى المَاء.
وَقَوله: ﴿قُم فَأَنْذر﴾ [المدثر: ٢] الْإِنْذَار ك إِعْلَام مَعَ تخويف، وَالْمرَاد: خوف كفار مَكَّة نزُول الْعَذَاب بهم إِن لم يُؤمنُوا.
وَقَوله: ﴿وَرَبك فَكبر﴾ [المدثر: ٣] أَي عظمه عَمَّا يَقُول عَبدة الْأَوْثَان.
وَقَوله: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر: ٤] اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي المُرَاد بالثياب على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا الثِّيَاب الْحَقِيقِيَّة. ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ بتطهيرها على أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن الْمَعْنى: لَا تلبسها على مَعْصِيّة وَلَا على غدرة، قَالَ غيلَان بن سَلمَة الثَّقَفِيّ:
(وَإِنِّي - بِحَمْد الله - لَا ثوب فَاجر لبست، وَلَا من غدرة أتقنع)
رَوَاهُ عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس. وَالثَّانِي: لَا تكن ثِيَابك من كسب غير طَاهِر، رَوَاهُ عَطِيَّة عَن ابْن عَبَّاس. وَالثَّالِث: وثيابك فقصر وشمر، قَالَه طَاوس. وَالرَّابِع: اغسلها بِالْمَاءِ ونقها، قَالَه ابْن سِيرِين.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه كنى بالثياب عَن غَيرهَا، وَفِي المكني عَنهُ أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه النَّفس، فَالْمَعْنى: طهر نَفسك من الذَّنب، قَالَه مُجَاهِد وَقَتَادَة، وَيشْهد لَهُ قَول عنترة:
(فشككت بِالرُّمْحِ الْأَصَم ثِيَابه لَيْسَ الْكَرِيم على القنا بِمحرم)
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَإِنَّمَا كنى بالثياب عَن الْجِسْم لِأَنَّهَا تشْتَمل عَلَيْهِ،
[ ٣ / ٧ ]
قَالَت ليلى الأخيلية:
(رَمَوْهَا بأثواب خفاف فَلَا ترى لَهَا شبها إِلَّا النعام المنفرا)
أَي رَكبُوهَا فرموها، وَالْعرب تَقول للعفاف إِزَار، لِأَن الْعَفِيف كَأَنَّهُ استتر لما عف. وَالثَّانِي: أَنه الْقلب، فَالْمَعْنى: وقلبك فطهر، قَالَه سعيد بن جُبَير، وَيشْهد لَهُ قَول امْرِئ الْقَيْس:
(فَإِن تَكُ قد ساءتك مني خَلِيقَة فسلي ثِيَابِي من ثِيَابك تنسل)
أَي قلبِي من قَلْبك. وَالثَّالِث: أَنه الْخلق، وَالْمعْنَى: وخلقك فَحسن، قَالَه الْحسن، وَالرَّابِع: أَنه الْعَمَل، فَالْمَعْنى: وعملك فَأصْلح، قَالَه الضَّحَّاك.
وَفِي (الرجز) سِتَّة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه الْأَصْنَام. وَالثَّانِي: الْإِثْم، رويا عَن ابْن عَبَّاس. وَالثَّالِث: الشّرك، قَالَه ابْن جُبَير. وَالرَّابِع: الذَّنب، قَالَه الْحسن. وَالْخَامِس: الْعَذَاب، قَالَه ابْن السَّائِب، قَالَ الزّجاج: وَالْمعْنَى: اهجر مَا يُؤَدِّي إِلَى عَذَاب الله. وَالسَّادِس: الشَّيْطَان، قَالَه ابْن كيسَان.
وَقَوله: ثمَّ حمي الْوَحْي: أَي كثر وتتابع.
[ ٣ / ٨ ]
وَقَول جَابر: أول مَا نزل من الْقُرْآن: ﴿يَا أَيهَا المدثر﴾ سَيَأْتِي فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ من مُسْند عَائِشَة: أَن أول مَا سمع رَسُول الله ﷺ من جِبْرِيل ﴿اقْرَأ باسم رَبك﴾ فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: «زَمِّلُونِي» فَيحْتَمل أَن جَابِرا لم يسمع أول الْقِصَّة.
والمجاورة: الْإِقَامَة.
وَقَوله: «فَأَخَذَتْنِي رَجْفَة» وَهِي الإضطراب، وَقد رَوَاهُ قوم: وجفة بِالْوَاو، من قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلُوب يَوْمئِذٍ واجفة﴾ [النازعات: ٨] فالواجف: المضطرب. غير أَن الَّذِي سمعناه بالراء.
١٢٥٠ - / ١٥٢٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ نجني الكباث، فَقَالَ: «عَلَيْكُم بالأسود مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ أطيب» فَقلت: أَكنت ترعى الْغنم؟ قَالَ: «نعم، وَهل من نَبِي إِلَّا رعاها» .
قَالَ الْأَصْمَعِي: البرير: ثَمَر الْأَرَاك، فالغض مِنْهُ المرد، والنضيج الكباث وأسوده أشده نضجا.
وَأما رعي الْغنم فَكَأَنَّهُ تمهيد لمداراة النَّاس، فَلذَلِك قدر للأنبياء.
أَو كَأَنَّهُ يُشِير بِهَذَا إِلَى أَن الْأَنْبِيَاء لم يَكُونُوا ملوكا، وَإِنَّمَا كَانَت النُّبُوَّة عِنْد المتواضعين من أَصْحَاب الْحَرْف.
١٢٥١ - / ١٥٢٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: أَنه غزا مَعَ رَسُول الله ﷺ
[ ٣ / ٩ ]
قبل نجد، فَلَمَّا قفل أدركتهم القائلة فِي وَاد كثير العضاه.
قد سبق معنى نجد، والعضاه، وَأَنه شجر من شجر الشوك كالطلح.
والسمرة: شَجَرَة الطلح.
وَاخْتَرَطَ السَّيْف: استله من غمده.
والصلت: الْوَاضِح. يُقَال: جبين صلت: إِذا كَانَ وَاضحا.
وَذَات الرّقاع: غزَاة. وَقد بَينا سَبَب تَسْمِيَتهَا بذلك فِي مُسْند أبي مُوسَى وَغَيره.
والغرة: الْغَفْلَة.
وَقَوله: أتخافني؟ فَقَالَ: «لَا» . يُشِير بذلك إِلَى أَنِّي إِنَّمَا أَخَاف الله وَحده. وَلَو انزعج الطَّبْع كَانَ انزعاجا من قدر الله وتسليطه لَا من الشَّخْص. وَسُقُوط السَّيْف من يَده بَيَان أثر التَّوَكُّل.
وَقد سمي هَذَا الرجل فِي الحَدِيث، وَهُوَ غورث بن الْحَارِث.
وَقد سبق ذكر صَلَاة الْخَوْف فِي مُسْند سهل بن أبي حثْمَة.
١٢٥٢ - / ١٥٢٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: فقمنا إِلَى بطحان.
قد بَينا فِيمَا تقدم أَن كل مَكَان متسع يُقَال لَهُ بطحاء وأبطح وبطحان وبطيحة.
[ ٣ / ١٠ ]
١٢٥٣ - / ١٥٢٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: قضى رَسُول الله ﷺ بالعمرى لمن وهبت لَهُ.
الْعُمْرَى فِي العطايا: أَن يَقُول الرجل لصَاحبه: قد أَعطيتك هَذِه الدَّار عمرك أَو عمري.
وعقب الرجل: وَلَده وَولد وَلَده.
والبتلة: المنقطعة. يُقَال: بتلت الشَّيْء: إِذا أبنته عَن غَيره، وَمِنْه: طَلْقَة بتلة.
قَالَ أَبُو عبيد: كَانَ الرجل يُرِيد أَن يتفضل على صَاحبه بالشَّيْء فيستمتع بِهِ مَا دَامَ حَيا، فَإِذا مَاتَ الْمَوْهُوب لَهُ لم يصل إِلَى ورثته مِنْهُ شَيْء، فَجَاءَت سنة النَّبِي ﷺ بِنَقْض ذَلِك، وَحكم بِأَن من ملك شَيْئا حَيَاته فَهُوَ لوَرثَته من بعده.
وَقد اخْتلف الْفُقَهَاء فِي الْعُمْرَى: فعندنا أَنَّهَا تمْلِيك للرقبة، فَإِذا قَالَ: أعمرتك دَاري هَذِه، أَو جَعلتهَا لَك عمري أَو عمرك فقد ملكهَا المعمر، فَإِذا مَاتَ انْتَقَلت إِلَى ورثته، وَسَوَاء قَالَ لَهُ: ولعقبك أَو أطلق، وَإِن لم يكن لَهُ وَارِث كَانَت لبيت المَال، وَهَذَا قَول أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ مَالك: الْعُمْرَى تمْلِيك للمنافع، فَإِذا مَاتَ المعمر رجعت إِلَى المعمر، فَإِذا قَالَ فِيهَا: ولعقبك، فانقرض عقبه عَادَتْ إِلَى المعمر.
[ ٣ / ١١ ]
١٢٥٤ - / ١٥٣٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: أذن فِي لُحُوم الْخَيل.
هَذَا صَرِيح فِي جَوَاز أكل لحومها، وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد بن الْحسن، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يحل، ويروى عَن مَالك كراهيته.
١٢٥٥ - / ١٥٣١ - فِي الحَدِيث التَّاسِع: فَحَثَا لي حثية.
الحثية: مَا أَخذ بالكف مبسوطة.
١٢٥٦ - / ١٥٣٢ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: كَانَ يُصَلِّي الظّهْر بالهاجرة.
الهاجرة والهجير: نصف النَّهَار عِنْد اشتداد الْحر.
وَقَوله: وَالشَّمْس نقية. أَي لم يتَغَيَّر لَوْنهَا، فَإِنَّهُ كلما قرب الْمسَاء ضعف نورها وَتغَير.
وَوَجَبَت: سَقَطت للغروب.
والغلس: ظلام آخر اللَّيْل.
١٢٥٧ - / ١٥٣٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: كَانَ النَّبِي ﷺ فِي سفر، فَرَأى رجلا قد اجْتمع النَّاس عَلَيْهِ وَقد ظلل عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَاله؟» قَالُوا: رجل صَائِم. فَقَالَ: «لَيْسَ من الْبر أَن تَصُومُوا فِي السّفر» .
[ ٣ / ١٢ ]
اعْلَم أَن السّفر مَظَنَّة الْمَشَقَّة، فَإِذا ضم إِلَيْهِ الصَّوْم زَادَت الْمَشَقَّة، وَمَا زَالَ الشَّرْع يتلطف. وَمن لَقِي فِي صَوْمه فِي السّفر مَا لَقِي هَذَا الرجل فَلَيْسَ من الْبر صَوْمه. فَأَما المطيق الصَّوْم فَلَا يكره صَوْمه، وَهل فطره أفضل من الصَّوْم؟ قد ذكرنَا هَذَا فِي مُسْند أبي الدَّرْدَاء.
١٢٥٨ - / ١٥٣٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: «من أكل ثوما أَو بصلا فليعتزلنا أَو ليعتزل مَسْجِدنَا»، وَفِي رِوَايَة: أُتِي بِقدر فِيهِ خضرات من بقول.
قد سبق الْكَلَام فِي الثوم والبصل فِي مُسْند ابْن عمر وَفِي مُسْند أبي أَيُّوب.
وَقَوله: أُتِي بِقدر. كَذَا وَقع فِي الحَدِيث. وَالصَّوَاب ببدر بِالْبَاء، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «السّنَن» عَن أَحْمد بن صَالح عَن ابْن وهب، قَالَ ابْن وهب: وَهُوَ الطَّبَق. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: سمي الطَّبَق بَدْرًا لاستدارته وَحسن اتساقه تَشْبِيها بالقمر إِذا امْتَلَأَ نورا.
وَأما تأذي الْمَلَائِكَة فَإِنَّهُ قد رُوِيَ أَنهم يَجدونَ الرّيح دون الطّعْم.
وَقد روينَا عَن سلمَان الْفَارِسِي: أَنه أَمر زَوجته أَن تنضح حوله عِنْد مَوته الْمسك، وَقَالَ يأتيني زوار يَجدونَ الرّيح وَلَا يَأْكُلُون الطَّعَام.
١٢٥٩ - / ١٥٣٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: ذكر صَلَاة النَّافِلَة إِلَى
[ ٣ / ١٣ ]
غير الْقبْلَة. وَقد سبق فِي مُسْند ابْن عمر.
١٢٦٠ - / ١٥٣٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: نهى عَن المخابرة والمحاقلة والمزابنة.
هَذِه الْأَشْيَاء قد فسرت فِي الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو عبيد فِي المخابرة مَا كتبناه فِي مُسْند رَافع بن خديج. وَقد فسرنا المحاقلة والمزابنة فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
وَقَوله: عَن بيع الثَّمر حَتَّى يَبْدُو صَلَاحه. قد سبق تَفْسِيره فِي مُسْند زيد بن ثَابت. وفسرنا هُنَاكَ الْعَرَايَا.
وَقَوله: حَتَّى يشْتَد ويشقح، تَفْسِيره فِي الحَدِيث: حَتَّى يحمار أَو يصفار. قَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا يُقَال يحمار ويصفار لِأَنَّهُ لم يرد بِهِ اللَّوْن الْخَالِص، وَإِنَّمَا يسْتَعْمل ذَلِك فِي اللَّوْن المتميل، يُقَال: مَا زَالَ وَجهه يحمار ويصفار: إِذا كَانَ مرّة يضْرب إِلَى حمرَة وَمرَّة يضْرب إِلَى صفرَة. فَإِذا أَرَادَ أَنه قد اسْتَقر على حَالَة قَالُوا: يحمر ويصفر.
وَأما المعاومة فَهِيَ بيع السنين، وَذَلِكَ أَن يَبِيع الرجل مَا تثمره النَّخْلَة أَو النخلات سنتَيْن وَثَلَاثًا وأربعا، وَهَذَا غرر؛ لِأَنَّهُ يَبِيع شَيْئا
[ ٣ / ١٤ ]
غير مَوْجُود وَلَا مَخْلُوق، فَلَا يدرى أَيكُون أم لَا؟
والثنيا: أَن يَبِيع ثَمَر بستانه ويستثني مِنْهُ جُزْءا غير مَعْلُوم، فَإِن اسْتثْنى آصعا مَعْلُومَة من ثَمَر الْبُسْتَان، وأرطالا من نَخْلَة، فَهَل يَصح؟ فِيهِ عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ.
١٢٦١ - / ١٥٣٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: الصَّلَاة على النَّجَاشِيّ. وَقد تقدم هَذَا فِي مُسْند عمرَان بن حُصَيْن.
١٢٦٢ - / ١٥٣٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: «من كَانَت لَهُ أَرض فليزرعها أَو ليمنحها أَخَاهُ» .
أصل المنحة الْعَطِيَّة: ثمَّ قد يكون عَطِيَّة للْأَصْل وعطية للمنفعة.
وَقَوله: نهى عَن كِرَاء الأَرْض. إِنَّمَا حث بذلك على إرفاق الْقَوْم بَعضهم بِبَعْض.
وَقد سبق ذكر هَذَا وَذكر المخابرة فِي مُسْند رَافع بن خديج، وَبينا هُنَاكَ أَن الحقل: المزرعة، وَالْمعْنَى: نهى عَن الحقول أَن تكرى.
والقصري على وزن: «الْفعْلِيّ» لُغَة أهل الشَّام، وَبَعْضهمْ يَقُول: قصرى على وزن: «فعلى»، وَقوم يَقُولُونَ: القصارة: وَهُوَ مَا يبْقى
[ ٣ / ١٥ ]
فِي السنبل من الْحبّ بَعْدَمَا يداس.
وَالْأَرْض الْبَيْضَاء: مَا لَا شجر فِيهِ وَلَا زرع.
والمزابنة سبقت فِي مُسْند ابْن عَبَّاس. وَبيع السنين فِي الحَدِيث الَّذِي قبل هَذَا.
١٢٦٣ - / ١٥٣٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر: كُنَّا نعزل على عهد رَسُول الله ﷺ.
الْعَزْل: عزل المَاء عَن الْفرج بالإنزال خَارِجا مِنْهُ عِنْد الْجِمَاع. وَهُوَ جَائِز، إِلَّا أَنه إِن كَانَت الْمَوْطُوءَة حرَّة لم يجز الْعَزْل إِلَّا بِإِذْنِهَا، وَإِن كَانَت أمة لم يجز إِلَّا بِإِذن سَيِّدهَا.
والساقية: الَّتِي تَسْقِي المَاء.
١٢٦٤ - / ١٥٤٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: كُنَّا نَأْكُل من لُحُوم بدننا فَوق ثَلَاث، فأرخص لنا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: «كلوا وتزودوا» .
إِنَّمَا امْتَنعُوا لِأَنَّهُ ﵇ نَهَاهُم عَن الإدخار مِنْهَا فَوق ثَلَاث، وَكَانَ سَبَب ذَلِك قوم من الْفُقَرَاء قدمُوا الْمَدِينَة، فأرادوا أَن يواسوهم،
[ ٣ / ١٦ ]
ثمَّ أباحهم بعد ذَلِك، وَقد بَين الْعلَّة فِي الْمَنْع فِي مُسْند عَائِشَة.
١٢٦٥ - / ١٥٤١ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر: قَالَ رَسُول الله ﷺ «إِن الله وَرَسُوله حرم بيع الْخمر وَالْميتَة وَالْخِنْزِير» .
أما بيع الْخمر فَبَاطِل بِالْإِجْمَاع، وَثمنهَا حرَام، وَكَذَلِكَ الْميتَة وَثمنهَا وَبيع جلدهَا قبل أَن يدبغ، فَأَما إِذا دبغ فَإِنَّهُ يطهر عِنْد كثير من الْعلمَاء. وَقد بَينا مَا يطهر من الْجُلُود فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
وَبيع الْخِنْزِير حرَام.
وَأما الْأَصْنَام فَمَا دَامَت صورا فبيعها بَاطِل، فَإِذا محيت صورها وبيعت أُصُولهَا المعمولة مِنْهَا جَازَ. وَكَذَلِكَ كل الصُّور بيعهَا بَاطِل، إِلَّا أَن تكون الصُّورَة تَابِعَة لما هِيَ عَلَيْهِ كالصورة فِي الثَّوْب.
قَوْله: «فأجملوها» قد سبق فِي مُسْند عمر أَنه يُقَال: جملت وأجملت: إِذا أذبت الشَّحْم.
١٢٦٦ - / ١٥٤٢ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين: «إِذا استجنح اللَّيْل - أَو كَانَ جنح اللَّيْل - فكفوا صِبْيَانكُمْ، فَإِن الشَّيَاطِين تَنْتَشِر حِينَئِذٍ» .
جنح اللَّيْل وجنحه بِالضَّمِّ وَالْكَسْر: طَائِفَة مِنْهُ، واستجنح من ذَلِك، وَالْمعْنَى: اشتدت ظلمته.
وَقَوله: «فكفوا صِبْيَانكُمْ» وَقد جَاءَ فِي لفظ آخر: «فاكفتوا
[ ٣ / ١٧ ]
صِبْيَانكُمْ» وَالْمعْنَى: ضموهم إِلَيْكُم فِي الْبيُوت، وَإِنَّمَا خيف على الصّبيان خَاصَّة لشيئين: أَحدهمَا: أَن النَّجَاسَة الَّتِي تلوذ بهَا الشَّيَاطِين مَوْجُودَة مَعَهم. وَالثَّانِي: أَن الذّكر الَّذِي يستعصم بِهِ مَعْدُوم عِنْدهم. وَالشَّيَاطِين عِنْد انتشارهم يتعلقون بِمَا يُمكنهُم التَّعَلُّق بِهِ، فَإِذا ذهبت سَاعَة اشْتغل كل مِنْهُم بِمَا اكْتسب، وَمضى إِلَى مَا قدر لَهُ التشاغل بِهِ.
قَوْله: «وأوك سقاءك» الإيكاء: الشد، والوكاء: اسْم لما يشد بِهِ فَم الْقرْبَة.
«وخمر إناءك» أَي غطه. وَإِنَّمَا أَمر بِذكر الله تَعَالَى لِأَنَّهُ كالحرز والحافظ يدْفع الشَّيْطَان عَمَّا ذكر عَلَيْهِ.
وَقَوله: «وَلَو تعرض عَلَيْهِ» أَي: وَلَو أَن تعرض. وَتعرض بِضَم الرَّاء وَكسرهَا لُغَتَانِ، يُقَال: عرضت الشَّيْء أعرضه، بِكَسْر الرَّاء فِي قَول الْأَكْثَرين، والأصمعي يَقُوله بِالضَّمِّ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن السّكيت: عرضت الْعود على الْإِنَاء، أعرضه، وَعرضت السَّيْف على فَخذي أعرضه، كِلَاهُمَا بِضَم الرَّاء.
والفويسقة: الْفَأْرَة، وَسميت بذلك إِمَّا لخروجها، أَو لفعلها فعل الْفُسَّاق من الْفساد. وَقد بَينا هَذَا فِي مُسْند ابْن عمر عِنْد قَوْله: «خمس فواسق» .
وَقَوله: «فَإِن الشَّيْطَان لَا يحل سقاء وَلَا يفتح وكاء» وَهَذَا يدل على أَنه إِنَّمَا يتسلط على المفرط لَا على المتحرز، فللمفرط فِيهِ نصِيبه
[ ٣ / ١٨ ]
عَلَيْهِ تسلطه.
وَأما الفواشي فَكل شَيْء منتشر من المَال مثل الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم السَّائِمَة، وأصل قَوْلك: فَشَا الشَّيْء: ظهر وانتشر.
وَفَحْمَة الْعشَاء بِفَتْح الْحَاء وسكونها: شدَّة سَواد اللَّيْل وظلمته، وَإِنَّمَا يكون ذَلِك فِي أول اللَّيْل.
والوباء: كَثْرَة الْمَوْت فِي النَّاس. يُقَال: أَرض وبئة وموبوءة.
وَإِذا خالط الْهَوَاء أبخرة رَدِيئَة حدث الوباء.
وَقَوله: «أجيفوا الْأَبْوَاب» . أَي أغلقوها.
١٢٦٧ - / ١٥٤٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين: أَن رجلا أعتق غُلَاما عَن دبر، فَاحْتَاجَ، فَأَخذه النَّبِي ﷺ فَقَالَ: «من يَشْتَرِيهِ؟» فَاشْتَرَاهُ نعيم بن عبد الله بِكَذَا وَكَذَا.
أما الرجل الْمُعْتق فيكنى أَبَا مَذْكُور، والغلام يكنى أَبَا يَعْقُوب.
ونعيم يُقَال لَهُ: النحام. وَمِقْدَار الثّمن الَّذِي بَاعه بِهِ كَانَ ثَمَانمِائَة دِرْهَم.
وتدبير العَبْد: عتقه عَن دبر من الْمُعْتق: أَي بعد إدبار عَن الدُّنْيَا بِالْمَوْتِ. وَاخْتلفت الرِّوَايَة [عَن أَحْمد] فِي بيع الْمُدبر: فَروِيَ عَنهُ: يجوز على الْإِطْلَاق، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وَعنهُ: يجوز بِشَرْط أَن يكون على السَّيِّد دين. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجوز بَيْعه إِذا كَانَ التَّدْبِير
[ ٣ / ١٩ ]
مُطلقًا، قَالَ مَالك: لَا يجوز بَيْعه حَال الْحَيَاة وَيجوز بعد الْمَوْت إِذا كَانَ على السَّيِّد دين.
وَقد تضمن الحَدِيث جَوَاز بيع مَال الْمُفلس عَلَيْهِ.
١٢٦٨ - / ١٥٤٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين: نهى عَن الزَّبِيب وَالتَّمْر، والبسر وَالرّطب.
وَالْمعْنَى: أَن ينبذا جَمِيعًا، وَهَذَا لِأَنَّهُمَا يتعاونان على الإشتداد.
وَذَلِكَ عندنَا مَكْرُوه، فَإِن وجد الإشتداد حرم. وَقد رُوِيَ عَن عَطاء وَطَاوُس التَّحْرِيم لظَاهِر الحَدِيث وَإِن لم يُوجد شدَّة.
١٢٦٩ - / ١٥٤٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين: أَن النَّبِي ﷺ خرج يَوْم الْفطر، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قبل الْخطْبَة.
قد ذكرنَا فِي مُسْند ابْن عَبَّاس سَبَب الْبِدَايَة بِالصَّلَاةِ قبل الْخطْبَة.
وَذكرنَا السَّبَب فِي أَنه لَا أَذَان لَهَا وَلَا إِقَامَة.
وَفِي هَذَا الحَدِيث حث على تذكير النِّسَاء.
وَقَوله: من سطة النِّسَاء: أَي من وسطهن.
وَقَوله: سفعاء الْخَدين. السفعاء: الَّتِي قد تغير لَوْنهَا إِلَى الكمودة والسواد من طول الأيمة، كَأَنَّهُ مَأْخُوذ من سفع النَّار، وَمِنْه
[ ٣ / ٢٠ ]
الحَدِيث الآخر: «أَنا وَامْرَأَة سفعاء الْخَدين كهاتين يَوْم الْقِيَامَة» .
يَعْنِي أَن تِلْكَ الْمَرْأَة حبست نَفسهَا على أَوْلَادهَا تربيهم، وَتركت التزين والتصنع والتعرض للأزواج.
والأقرطة جمع قرط، والقرط: مَا علق فِي شحمة الْأذن.
١٢٧٠ - / ١٥٤٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين: كنت على جمل ثفال.
الثفال: البطيء السّير والثقيل الْحَرَكَة.
وَقَوله: قد خلا مِنْهَا. أَي قد مضى من عمرها. وَالْمعْنَى: قد كَبرت وَخرجت عَن حد الشَّبَاب.
وَقَوله: «فَهَلا جَارِيَة تلاعبها وتلاعبك» أَرَادَ بالجارية الْبكر، وَقد جَاءَ فِي لفظ آخر. وَفِي الْبكر معَان: مِنْهَا: حَدَاثَة السن، وللنفس فِي ذَلِك حَظّ وافر. وَمِنْهَا: قُوَّة الْحَرَارَة الَّتِي تحرّك الْبَاءَة. وَمِنْهَا: أَن الْمَرْأَة يتَعَلَّق قَلبهَا بِأول زوج، إِذْ لم تعرف سواهُ، فَيكون ودها منصرفا إِلَيْهِ. وَمِنْهَا: أَن كثيرا من الطباع تنبو عَمَّن كَانَ لَهَا زوج.
وَمِنْهَا: التهيؤ للْوَلَد. وَمِنْهَا: أَن المداعبة تلِيق بالجواري دون غَيْرهنَّ، والمداعبة تبْعَث على اجْتِمَاع المَاء وكثرته، إِلَى غير ذَلِك من الْفَوَائِد.
وَقَوله: وَزَادَنِي قيراطا، هَذَا كَانَ هبة من رَسُول الله ﷺ لَهُ
[ ٣ / ٢١ ]
خَارِجا عَن ععقد البيع، فَلذَلِك تبرك بِهِ.
والناضج: مَا استقي عَلَيْهِ، وَالْجمع نواضح.
والعروس قد بَيناهُ فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
وَقَوله: أَعْطَانِي ثمنه ورده عَليّ. هَذَا من أحسن الْكَرم، وَهُوَ أَن من بَاعَ شَيْئا فَالظَّاهِر أَنما يَبِيعهُ للْحَاجة إِلَى ثمنه، ولولاها مَا أخرجه عَن يَده، فَإِذا تعوض عَنهُ بِالثّمن بَقِي فِي قلبه أَسف فِرَاقه، فَإِذا جبر برد الثّمن أَتَاهُ مَا لم يكن فِي حسبانه، فَزَاد فرحه.
وَقَوله: أفقرني ظَهره: أَي أعارني فقاره لأركبه. والفقار: الظّهْر
وَقَوله: فَبِعْته على أَن لي ظَهره إِلَى الْمَدِينَة. فِيهِ دَلِيل على جَوَاز اشْتِرَاط مَنْفَعَة الْمَبِيع مُدَّة مَعْلُومَة. وَمثله أَن يَبِيع دَارا وَيشْتَرط سكناهَا شهرا، أَو عبدا وَيشْتَرط خدمته سنة، أَو يَشْتَرِي فلعة فَيشْتَرط على البَائِع حذوها نعلا، أَو جرزة حطب فَيشْتَرط عَلَيْهِ حملهَا. هَذَا مَذْهَبنَا خلافًا لأكثرهم فِي أَن هَذَا لَا يجوز، إِلَّا أَن أَبَا حنيفَة قد وَافق فِي الفلعة والجرزة، وَمَالك فِي الزَّمَان الْيَسِير دون الْكثير.
وَقَوله: فَبِعْته بأوقية. وَفِي لفظ: بِخمْس أواقي. قَالَ الْخطابِيّ: الأواقي مَفْتُوحَة الْألف مُشَدّدَة الْيَاء غير مصروفة، جمع أُوقِيَّة مثل
[ ٣ / ٢٢ ]
أضْحِية وأضاحي، وَبُخْتِيَّة وبخاتي، وَرُبمَا خفف فَقيل: أَوَاقٍ وأضاح. وَالْأُوقِية أَرْبَعُونَ درهما، والعامة تَقول: خمس آواق ممدودة الْألف بِغَيْر يَاء وَإِنَّمَا الآواق جمع أوق. قلت: والأوق: الثّقل، يُقَال: ألْقى عَلَيْهِ أوقه.
وَقَوله: فزادني أُوقِيَّة. هَذَا من جنس مَا ذكرنَا من هِبته للبعير، فَإِن الْكَرِيم يُعْطي مَا يتَعَلَّق بِهِ الأمل وَيزِيد.
والقطوف: البطىء الْمَشْي.
وَقَوله: فَنَخَسَ بَعِيري: أَي دَفعه ضربا بِطرف العنزة: وَهِي فَوق الْعَصَا وَدون الرمْح، كالحربة. والمحجن: عَصا فِي طرفها انعقاف.
وَقَوله: «حَتَّى تمتشط الشعثة» الشعث: تلبد الشّعْر وتوسخه لبعد الدّهن عَنهُ.
قَوْله: «وتستحد المغيبة» الإستحداد: اسْتِعْمَال الْحَدِيد فِي الْحلق، ثمَّ اسْتعْمل فِي حلق الْعَانَة. قَالَ أَبُو عبيد: الإستحداد: استحلاق بالحديد، وَكَانُوا لَا يعْرفُونَ النورة. قلت: وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى: تفعل مَا يفعل المستحد. والمغيبة: الَّتِي غَابَ عَنْهَا زَوجهَا. يُقَال: أغابت الْمَرْأَة فَهِيَ مغيبة: إِذا غَابَ عَنْهَا الزَّوْج.
وَقَوله: «فَلَا يطْرق أَهله لَيْلًا» الطروق: إتْيَان الْمنَازل بِاللَّيْلِ خَاصَّة.
[ ٣ / ٢٣ ]
وَقَوله: «لِئَلَّا يتخونهم) أَي يتتبع خيانتهم ونقصانهم. وأصل التخون التنقص، يُقَال. فلَان يتخونني حَقي: أَي ينقصني.
وَقَوله: «فَإِذا قدمت فالكيس الْكيس» الْكيس: الْعقل، وَكَأَنَّهُ أمره بِاسْتِعْمَال الْحلم والمداراة للأهل، وَذَلِكَ مُقْتَضى الْعقل. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الْكيس: الْجِمَاع، والكيس: الْعقل. فَكَأَنَّهُ جعل طلب الْوَلَد بِالْجِمَاعِ عقلا، وكنى بِهِ عَن الْجِمَاع. وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو عبيد: ذهب بِهَذَا إِلَى طلب الْوَلَد وَالنِّكَاح. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: وَيحْتَمل أَن يكون أمره بالتوقي والحذر من إِصَابَة أَهله إِذا كَانَت حَائِضًا لطول غيبته.
والجمل الأرمك: الَّذِي لَونه يضْرب إِلَى الكدرة.
وَقَوله: لَيْسَ فِيهِ شية: أَي لَا لون فِيهِ يُخَالف كدرته، بل كُله لون وَاحِد، قَالَ الزّجاج: الوشي فِي اللُّغَة: خلط لون بلون، يُقَال: وشيت الثَّوْب أشيه شية ووشيا.
والبلاط: كل شَيْء فرشت بِهِ الْمَكَان من حجر أَو غَيره، ثمَّ يُسمى الْمَكَان بلاطا لما فِيهِ من ذَلِك، على الْمجَاز، وَالْأَصْل ذَلِك.
وَقَوله: «مَالك والعذارى؟» يَقُول: لم تركت العذارى؟ والعذارى جمع عذراء: وَهِي الْبكر لم تفتض. والعذرة: مَا يهتك بالإفتضاض. واللعاب: اللّعب.
[ ٣ / ٢٤ ]
وصرار: اسْم مَوضِع.
وَقَوله: «عَلَيْك بِذَات الدّين» هَذِه كلمة مَعْنَاهَا الْحَث والتحريض.
وَقَوله: «تربت يداك» يُقَال: ترب الرجل: إِذا افْتقر، وأترب: إِذا اسْتغنى. وَقد ذكر أَبُو عبيد فِي قَوْله: «تربت يداك» ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن تربت بِمَعْنى افْتَقَرت، وَأَنَّهَا كلمة تَقُولهَا الْعَرَب وَلَا تقصد الدُّعَاء على الشَّخْص، كَقَوْلِهِم: عقرى حلقى. وَالثَّانِي: أَن الْمَعْنى: نزل بك الْفقر عُقُوبَة أَن تعديت ذَات الدّين إِلَى ذَات الْجمال وَالْمَال، وَالثَّالِث: أَن تربت بِمَعْنى استغنت، وَمن الْغنى، وَاخْتَارَ القَوْل الأول وَخطأ الْأَخير. وَالَّذِي اخْتَارَهُ هُوَ الصَّحِيح، وَالَّذِي خطأه كَمَا قَالَ، فَإِنَّهُ لَا يعرف ترب بِمَعْنى اسْتغنى، إِنَّمَا يُقَال: أترب: إِذا اسْتغنى.
١٢٧١ - / ١٥٤٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين: ذكر التَّمَتُّع فِي الْحَج، فَقَالَ سراقَة: ألنا هَذِه خَاصَّة أم لِلْأَبَد؟ فَقَالَ: «بل لِلْأَبَد» .
قد ذكرنَا فِيمَا تقدم الْكَلَام فِي مُتْعَة الْحَج. وَذكرنَا قَول سراقَة: ألنا خَاصَّة؟ فِي مُسْند ابْن عَبَّاس. وَذكرنَا فسخ الْحَج إِلَى الْعمرَة أَيْضا.
[ ٣ / ٢٥ ]
وعركت بِمَعْنى: حَاضَت.
وَلَيْلَة الحصبة: هِيَ اللَّيْلَة الَّتِي ينزل النَّاس المحصب عِنْد انصرافهم من منى إِلَى مَكَّة.
وَقَوله: «أبتوا نِكَاح هَذِه النِّسَاء. قد سبق فِي مُسْند عمر.
وَقَول جَابر: تَمَتعنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ وَأبي بكر وَعمر. تَأَوَّلَه مُسلم بن الْحجَّاج على مُتْعَة النِّسَاء وَيدل على تَأَوَّلَه حَدِيث سَيَأْتِي بعد خمس وَسِتِّينَ حَدِيثا من أَفْرَاد «مُسلم» فِي هَذَا الْمسند وَهَذَا مَحْمُول من فعله على أَنه من لم يبلغهُ النَّهْي عَنهُ، وَإِلَّا فَهَذَا مَنْسُوخ، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند عمر.
١٢٧٢ - / ١٥٤٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين: «إِنَّمَا الْمَدِينَة كالكير تَنْفِي خبثها وينصع طيبها» .
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: قد قيل: إِن الْكِير: الزق الَّذِي ينْفخ فِيهِ الْحداد على الْحَدِيد. والكور مَا كَانَ مَبْنِيا من طين.
وينصع: يخلص. وناصع كل شَيْء: خالصه.
١٢٧٣ - / ١٥٥٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين: أَن النَّبِي ﷺ ندب النَّاس يَوْم الخَنْدَق. وَفِي رِوَايَة: يَوْم الْأَحْزَاب. وَفِي رِوَايَة: يَوْم
[ ٣ / ٢٦ ]
قُرَيْظَة، فَانْتدبَ الزبير.
اعْلَم أَن يَوْم الخَنْدَق هُوَ يَوْم الْأَحْزَاب، وَهُوَ يَوْم بني قُرَيْظَة. وَلَيْسَ الْإِشَارَة إِلَى يَوْم بِعَيْنِه، فَإِن ذَلِك كَانَ فِي أَيَّام، وَالْعرب تَقول: يَوْم بُعَاث، وَيَوْم كَذَا، تُشِير إِلَى أَيَّام. وَلما انقشع عَسْكَر الْمُشْركين يَوْم الخَنْدَق قَالَ: «لأصلين الْعَصْر فِي بني قُرَيْظَة» .
وَقد بَينا فِي مُسْند ابْن مَسْعُود معنى الْحوَاري.
١٢٧٤ - / ١٥٥١ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْعِشْرين: «هَل لكم من أنماط» .
الأنماط جمع نمط: وَهُوَ ضرب من الْبسط والفرش.
١٢٧٥ - / ١٥٥٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّلَاثِينَ: كَانَت الْيَهُود تَقول: إِذا جَامعهَا من وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَد أَحول، فَنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حرث لكم﴾ [الْبَقَرَة: ٢٢٣] .
الْإِشَارَة إِلَى الرَّد على الْيَهُود. وَمعنى الْآيَة: فَأتوا حَرْثكُمْ كَيفَ شِئْتُم، من بَين يَديهَا وَمن خلفهَا - وَالْمَقْصُود أَن زعم الْيَهُود محَال، وَبِهَذَا القَوْل ينْدَفع قَول من فسر «أَنى» بِغَيْر هَذَا.
[ ٣ / ٢٧ ]
١٢٧٦ - / ١٥٥٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ: رَأَيْت عمر يحلف بِاللَّه عِنْد النَّبِي ﷺ أَن ابْن صائد الدَّجَّال فَلم يُنكره النَّبِي ﷺ.
هَذَا لِأَن عمر حلف على غَالب ظَنّه، وَلم يكن النَّبِي ﷺ يتَيَقَّن خلاف ذَلِك، فَلذَلِك سكت عَن الْإِنْكَار.
١٢٧٧ - / ١٥٥٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ: «رَأَيْتنِي دخلت الْجنَّة فَإِذا أَنا بالرميصاء» .
الرميصاء هِيَ أم أنس بن مَالك، وَسَيَأْتِي ذكرهَا فِي مسندها إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَقَوله: «وَسمعت خشفة» قَالَ أَبُو عبيد: الخشفة: الصَّوْت لَيْسَ بالشديد، يُقَال خشف يخشف خشفا: إِذا سَمِعت لَهُ صَوتا وحركة.
وفناء الْبَيْت: مَا امْتَدَّ مَعَ الْبَيْت من جوانبه.
١٢٧٨ - / ١٥٥٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ: جِيءَ بِأبي مسجى.
المسجى: المغطى المستور.
والمجدع: الْمَقْطُوع الْأنف وَالْأُذن. والتمثيل: قطع بعض
[ ٣ / ٢٨ ]
الْأَعْضَاء وتشويه الْخلق.
١٢٧٩ - / ١٥٥٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: ولد لرجل منا غُلَام فَسَماهُ الْقَاسِم، فَقُلْنَا: لَا نكنيك أَبَا الْقَاسِم وَلَا ننعمك عينا. فَقَالَ النَّبِي ﷺ: «تسموا باسمي وَلَا تكتنوا بكنيتي» .
قَوْله: لاننعمك عينا: أَي لَا نقر عَيْنك بذلك، وَلَا نساعدك عَلَيْهِ.
وَقَوله: «تسموا باسمي وَلَا تكتنوا بكنيتي» بعض الْعلمَاء يرى أَن هَذَا كَانَ فِي زَمَانه. وَقد اخْتلفت الرِّوَايَة عَن أَحْمد: فَروِيَ أَنه يكره الْجمع بَين اسْمه وكنيته، فَإِن أفرد الكنية عَن الإسم لم يكره، وَرُوِيَ عَنهُ الْكَرَاهَة للْجمع والإفراد، وَرُوِيَ عَنهُ نفي الْكَرَاهَة فِي الْجُمْلَة.
١٢٨٠ - / ١٥٥٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ: أتيت رَسُول الله ﷺ فدققت الْبَاب، فَقَالَ: «من ذَا؟» فَقلت: أَنا: فَقَالَ: «أَنا، أَنا» كَأَنَّهُ كرهها.
اعْلَم أَن كَرَاهِيَة هَذِه الْكَلِمَة لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا لَيست بِجَوَاب قَوْله: «من ذَا؟» فَبَقيَ سُؤال الرَّسُول ﵇ الَّذِي انْتظر جَوَابه بِلَا جَوَاب. ودق الْبَاب يَوْمًا على بعض الْعلمَاء فَقَالَ: من؟ فَقَالَ الداق: أَنا، فَقَالَ: هَذَا دق ثَان. وَالثَّانِي: أَن لَفْظَة أَنا من غير أَن يُضَاف إِلَيْهَا فلَان تَتَضَمَّن نوع كبر، كَأَنَّهُ يَقُول: أَنا الَّذِي لَا أحتاج
[ ٣ / ٢٩ ]
أَن أسمي نَفسِي، أَو: أتكبر على تَسْمِيَتهَا، فَيكْرَه لهَذَا أَيْضا.
١٢٨١ - / ١٥٥٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ: لَا يَرِثنِي إِلَّا كَلَالَة، فَكيف الْمِيرَاث؟ فَنزلت آيَة الْفَرَائِض.
أما الْكَلَالَة فقد ذَكرنَاهَا فِي مُسْند عمر.
وَأما آيَة الْفَرَائِض فَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ [النِّسَاء: ١١] .
وَقَوله: لَيْسَ بِرَاكِب بغل. يَعْنِي أَنه كَانَ مَاشِيا. والبرذون: نوع من الدَّوَابّ مَعْرُوف.
١٢٨٢ - / ١٥٥٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: «اهتز الْعَرْش لمَوْت سعد بن معَاذ» .
المُرَاد بالعرش هَا هُنَا عرش الله ﷿ الَّذِي قَالَ فِيهِ: ﴿ذُو الْعَرْش﴾ [غَافِر: ١٥] . وَالْعرش فِي اللُّغَة: السرير، وَقد روى إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد عَن سعد الطَّائِي أَنه قَالَ: الْعَرْش: ياقوتة حَمْرَاء.
وَفِي معنى اهتزازه قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه تحركه كاهتزاز الْفَرح، وَهَذَا الظَّاهِر. وَالثَّانِي: أَن معنى الإهتزاز: الاستبشار وَالسُّرُور، يُقَال: فلَان يَهْتَز للمعروف: أَي يستبشر وَيسر، وَإِن فلَانا لتأخذه للثناء
[ ٣ / ٣٠ ]
هزة: أَي ارتياح وطلاقه، قَالَه ابْن قُتَيْبَة. وَقد أنكر قوم أَن يكون المُرَاد عرش الله ﷿، وَقَالُوا: هُوَ السرير الَّذِي حمل عَلَيْهِ، فروى «البُخَارِيّ» فِي هَذَا الحَدِيث أَن رجلا قَالَ لجَابِر: إِن الْبَراء يَقُول: اهتز السرير، فَقَالَ: إِنَّه كَانَ بَين هذَيْن الْحَيَّيْنِ ضغائن، سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «اهتز عرش الرَّحْمَن لمَوْت سعد بن معَاذ» ويقصد بالحيين الْأَوْس والخزرج، والضغائن كَانَت بَينهم قبل الْإِسْلَام، وَكَانَ سعد من الْأَوْس والبراء من الْخَزْرَج، وكل مِنْهُم لَا يقر بِفضل صَاحبه عَلَيْهِ. والضغائن: الأحقاد والعداوة. ويروى عَن ابْن عمر أَنه قَالَ: إِن الْعَرْش لَا يَهْتَز لمَوْت أحد، وَلكنه سَرِيره حمل عَلَيْهِ. فهذان الشخصان - أَعنِي الْبَراء وَابْن عمر - لاحظا تَعْظِيم الْعَرْش؛ فَإِن الله ﷿ نسبه إِلَيْهِ نِسْبَة الصِّفَات فَقَالَ: ﴿ذُو الْعَرْش﴾ كَمَا قَالَ: ﴿ذُو الرَّحْمَة﴾ [الْأَنْعَام: ١٣٣] وَلَا شكّ فِي تَعْظِيمه، غير أَن الْمُؤمن أعظم، وَإِنَّمَا تَأَول مَا لَيْسَ بِصَرِيح، وعرش الرَّحْمَن لفظ صَرِيح لَا يحْتَمل التَّأْوِيل، وَلَو بلغهما هَذَا اللَّفْظ مَا تأولا. ثمَّ أَي فَخر فِي اهتزاز سَرِير؟ وكل سَرِير لمَيت يَهْتَز عِنْد تجاذب الرِّجَال إِيَّاه.
فَإِن قيل: مَا فَائِدَة اهتزاز الْعَرْش لمثل هَذِه الْأَشْيَاء؟ فَالْجَوَاب: أَن الله سُبْحَانَهُ لما كَانَ يفعل وَلَا ينفعل، إِذْ لَيْسَ بجسم وَلَا ذِي مزاج وطبع، أَرَادَ إِعْلَام خلقه وَمَلَائِكَته مقادير عظم الْحَوَادِث عِنْده، طَاعَة كَانَت أَو مَعْصِيّة، فيسلط الإنفعال على ذَوَات من خلقه تقبل الإنفعال، كزلزلة الأَرْض ودك الْجبَال واهتزاز الْعَرْش، ليعلم الْعَالم مِقْدَار ذَلِك عِنْده، والخالق سُبْحَانَهُ أبدا يُقيم الْمَخْلُوقَات للمخلوقين معالم
[ ٣ / ٣١ ]
ومناسك ومرابط، كالكعبة وَالْحجر، وَإِنَّمَا منع من التوسل بالأصنام، لِأَنَّهَا من وضع الْخلق لأَنْفُسِهِمْ.
١٢٨٣ - / ١٥٦٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ: لما بنيت الْكَعْبَة ذهب النَّبِي ﷺ وَالْعَبَّاس ينقلان الْحِجَارَة، فَقَالَ الْعَبَّاس للنَّبِي ﷺ اجْعَل إزارك على رقبتك، فَخر إِلَى الأَرْض، فطمحت عَيناهُ إِلَى السَّمَاء فَقَالَ: «أَرِنِي إزَارِي» فَمَا رئي بعد ذَلِك عُريَانا.
اعْلَم أَن الْكَعْبَة بقيت على بِنَاء الْخَلِيل ﵇ مُدَّة، ثمَّ انْهَدَمت فبنتها العمالقة ثمَّ مر عَلَيْهَا الدَّهْر فبنتها قُرَيْش، وَكَانَ بناؤها إِيَّاهَا وَنَبِينَا ﷺ غُلَام، وَقَالَ الزُّهْرِيّ: لما بلغ رَسُول الله ﷺ الْحلم أجمرت امْرَأَة الْكَعْبَة فطارت شرارة فأحرقت ثِيَاب الْكَعْبَة، فوهى الْبَيْت، فنقضته قُرَيْش وبنته. فَلَمَّا أَرَادَ وضع الرُّكْن اخْتلفُوا فِيمَن يرفعهُ من الْقَبَائِل، فَاجْتمع رَأْيهمْ أَن يتحاكموا إِلَى أول دَاخل إِلَى الْمَسْجِد، فَدخل نَبينَا ﷺ وَهُوَ غُلَام فحكموه، فَقَالَ: «هاتوا ثوبا» فَأخذ الرُّكْن فَوَضعه فِيهِ بِيَدِهِ، ثمَّ أَمر سيد كل قَبيلَة أَن يَأْخُذ بِنَاحِيَة من الثَّوْب، ثمَّ قَالَ: «ارفعوه جَمِيعًا» فَلَمَّا رَفَعُوهُ وَضعه بِيَدِهِ.
وَقَوله: فطمحت عَيناهُ. يُقَال: طمح بَصَره: أَي علا وارتفع، وكل مُرْتَفع طامح. وَالظَّاهِر أَن رَسُول الله ﷺ جزع لانكشاف جسده وَلَيْسَ فِي الحَدِيث دَلِيل على أَنه انْكَشَفَ شَيْء من عَوْرَته.
١٢٨٤ - / ١٥٦٢ - وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين: غزونا مَعَ رَسُول الله ﷺ
[ ٣ / ٣٢ ]
وَقد ثاب مَعَه نَاس من الْمُهَاجِرين حَتَّى كَثُرُوا، وَكَانَ من الْمُهَاجِرين رجل لعاب، فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا.
هَذِه الْغُزَاة هِيَ غزَاة الْمُريْسِيع: وَهُوَ مَاء لبني المصطلق، وَإِنَّمَا خرج مَعَه المُنَافِقُونَ لِأَن السّفر كَانَ قَرِيبا، فطعموا فِي الْغَنِيمَة.
وثاب بِمَعْنى رَجَعَ.
وكسع بِمَعْنى ضرب دبره بِيَدِهِ أَو بِرجلِهِ.
وتداعوا بِمَعْنى اسْتَغَاثُوا بالقبائل يستنصرون بهم فِي ذَلِك.
وَالدَّعْوَى: الإنتماء. وَكَانَت الْجَاهِلِيَّة تنتمي فِي الإستغاثة إِلَى الْآبَاء فَتَقول: يَا آل فلَان، وَذَلِكَ من العصبية، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن تكون الإستغاثة بِالْإِسْلَامِ وَحكمه، فَإِذا وَقعت بِغَيْرِهِ فقد اعْترض عَن حكمه والإستنصار بِهِ.
وَقَوله: «فَإِنَّهَا خبيثة» يَعْنِي دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة.
وَقَوله: «لَا يتحدث النَّاس أَنه يقتل أَصْحَابه» سياسة عَظِيمَة وحزم وافر، لِأَن النَّاس يرَوْنَ الظَّاهِر، وَالظَّاهِر أَن عبد الله بن أبي كَانَ من الْمُسلمين وَمن أَصْحَاب الرَّسُول ﷺ، فَلَو عُوقِبَ من يظنّ خلاف مَا يظْهر لم يعلم النَّاس ذَلِك الْبَاطِن، فينفرون عَمَّن يفعل هَذَا بِأَصْحَابِهِ.
١٢٨٥ - / ١٥٦٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ: «الْحَرْب خدعة» وَقد فسرناه فِي مُسْند عَليّ ﵇.
[ ٣ / ٣٣ ]
١٢٨٦ - / ١٥٦٣ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ: دخل رجل يَوْم الْجُمُعَة وَالنَّبِيّ ﷺ يخْطب، فَقَالَ: «أصليت؟» قَالَ: لَا: قَالَ: «فصل رَكْعَتَيْنِ وَتجوز فيهمَا» .
هَذَا الحَدِيث يشْتَمل على حكمين: أَحدهمَا: أَن الْكَلَام فِي حَال الْخطْبَة لَا يحرم على الْخَطِيب، وَهل يحرم على المستمع؟ فِيهِ عَن أَحْمد رِوَايَتَانِ. وَإِذا قُلْنَا: يحرم، فَإِنَّمَا يحرم عَلَيْهِ إِذا كَانَ بِحَيْثُ يسمع، فَأَما إِذا كَانَ بِحَيْثُ لَا يسمع لم يحرم. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: الْكَلَام مَحْظُور على الْخَطِيب والمستمع، سَوَاء كَانَ بِحَيْثُ يسمع أَو لَا يسمع. وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ: أَحدهمَا مثل هَذَا، وَالثَّانِي: لَا يحرم ذَلِك.
وَالْحكم الثَّانِي: اسْتِحْبَاب تَحِيَّة الْمَسْجِد وَإِن كَانَ الْخَطِيب فِي الْخطْبَة، وَهَذَا قَول أَحْمد وَالشَّافِعِيّ وَدَاوُد. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَا يسْتَحبّ.
وَتجوز فيهمَا: أَي خففهما وَلَا تطل.
وَهَذَا الرجل اسْمه سليك الْغَطَفَانِي، وَقد سمي فِي الحَدِيث.
١٢٨٧ - / ١٥٦٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ: أَتَى رَسُول الله ﷺ عبد الله بن أبي بَعْدَمَا أَدخل حفرته، فَأمر بِهِ فَأخْرج، فَوَضعه على رُكْبَتَيْهِ، وَنَفث فِيهِ من رِيقه، وَألبسهُ قَمِيصه،
[ ٣ / ٣٤ ]
وَكَانَ كسا عباسا قَمِيصًا.
وَقد سبق فِي مُسْند ابْن عمر أَن ولد عبد الله بن أبي طلب من رَسُول الله ﷺ قَمِيصه ليكفن فِيهِ أَبَاهُ، فَيجوز أَن يكون جَابر شَاهد من ذَلِك مَا لم يُشَاهِدهُ ابْن عمر، وَيجوز أَن يكون أعطَاهُ قميصين: قَمِيصًا للكفن، ثمَّ أخرجه فألبسه آخر، وَقد بَين فِي هَذَا الحَدِيث سَبَب إِعْطَائِهِ الْقَمِيص.
وَقَوله: فوجدوا قَمِيص ابْن أبي يقدر عَلَيْهِ: أَي يكون بِقَدرِهِ فِي الطول وَيصْلح للباسه، وَهَذَا لِأَن الْعَبَّاس كَانَ جسيما طَويلا، وَكَذَلِكَ ابْن أبي.
١٢٨٨ - / ١٥٦٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: بعثنَا رَسُول الله ﷺ وأميرنا أَبُو عُبَيْدَة. فَذكر الحَدِيث الْمُتَقَدّم فِي مُسْند أبي عُبَيْدَة، إِلَّا أَن فِي هَذَا الحَدِيث كَلِمَات لم نذكرها ثمَّ، مِنْهَا: وادهنا من الودك. والودك: الدّهن الْخَارِج من الشَّحْم الْمُذَاب.
وَقَوله: ثَابت أجسامنا: أَي رجعت قوتها.
وَفِي بعض أَلْفَاظ هَذَا الحَدِيث - وَلم يذكرهُ الْحميدِي: فَإِذا حوت فأكلنا مِنْهُ مَا أحببنا - بِالْبَاء. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ لنا أشياخنا. وَقَالَ اللغويون مِنْهُم: الصَّوَاب: مَا أحيينا، بياءين: أَي قوينا وَرجعت إِلَيْنَا نفوسنا.
وَقَوله: وَجلسَ فِي حجاج عينه نفر. الْحجَّاج: الْعظم المشرف
[ ٣ / ٣٥ ]
على الْعين، وهما حجاجان، لكل عين حجاج.
والقلة: الجرة، قَالَ ابْن فَارس: الْقلَّة مَا أَقَله الْإِنْسَان من جرة أَو حب، وَلَيْسَ فِي ذَلِك عِنْد أهل اللُّغَة حد مَحْدُود.
وَقَوله: نحر ثَلَاث جزائر. الجزائر جمع جزور: وَهُوَ مَا قصد بِهِ الذّبْح.
١٢٨٩ - / ١٥٦٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ: مر رجل بسهام فِي الْمَسْجِد، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ: «أمسك بنصالها» .
نصال السهْم ونصولها: حديديها.
وَفِي لفظ: أَمر رَسُول الله ﷺ رجلا كَانَ ينْصَرف بِالنَّبلِ. كَذَا كتب الْحميدِي بِخَطِّهِ: ينْصَرف، وَهُوَ سَهْو، وَإِنَّمَا هُوَ يتَصَدَّق بِالنَّبلِ. كَذَا ذكره أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِي وَغَيره.
١٢٩٠ - / ١٥٦٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: «يخرج من النَّار قوم كَأَنَّهُمْ الثعارير» قيل: مَا الثعارير؟ قَالَ: «الضغابيس» .
قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الثعارير والضغابيس: صغَار القثاء.
١٢٩١ - / ١٥٧٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ: كَانَ معَاذ يُصَلِّي مَعَ النَّبِي ﷺ، ثمَّ يَأْتِي فيؤم قومه.
[ ٣ / ٣٦ ]
قد احْتج بِهَذَا الحَدِيث من يرى جَوَاز اقْتِدَاء المفترض بالمتنفل، وَمن يُصَلِّي الظّهْر بِمن يُصَلِّي الْعَصْر، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي، والمنصور من الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد أَنه لَا يجوز ذَلِك، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَمَالك، وَالْجَوَاب عَن احتجاجهم أَن حَدِيث معَاذ قَضِيَّة فِي عين، فَيحْتَمل أَن معَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُول الله ﷺ نفلا ثمَّ يُصَلِّي بقَوْمه الْفَرِيضَة. فَإِن قَالُوا: فقد رُوِيَ عَن جَابر أَنه قَالَ: فَيكون لَهُ تَطَوّعا. قُلْنَا: لَا يَصح، وَلَو صَحَّ كَانَ ظنا من جَابر. وَإِن قَالُوا: فَكيف يتْرك معَاذ فَضِيلَة الْفَرِيضَة خلف النَّبِي ﷺ؟ قُلْنَا: يحْتَمل أَن يكون النَّبِي ﷺ أمره أَن يُصَلِّي بقَوْمه الْفَرَائِض فامتثل أمره.
وَالرجل الَّذِي انحرف وَصلى وَحده اسْمه حرَام بن ملْحَان، خَال أنس بن مَالك.
والنواضح: مَا يسْتَعْمل من الْإِبِل فِي سقِي الزَّرْع وَالنَّخْل.
وَقَوله: «أفتان أَنْت؟» اسْتِفْهَام إِنْكَار. وَالْمعْنَى: أَتُرِيدُ أَن تصرف النَّاس عَن صَلَاة الْجَمَاعَة؟ وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: أَتُرِيدُ صرف النَّاس عَن الدّين.
وجنح اللَّيْل: أظلم.
١٢٩٢ - / ١٥٧١ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ: قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة فِينَا: ﴿إِذْ هَمت طَائِفَتَانِ مِنْكُم أَن تَفْشَلَا﴾ [آل عمرَان: ١٢٢] بني سَلمَة
[ ٣ / ٣٧ ]
وَبني حَارِثَة.
الطَّائِفَة: الْجَمَاعَة.
والفشل: الْجُبْن والخور.
وَهَذَا كَانَ فِي غَزْوَة أحد. وَقيل: لما رَجَعَ عبد الله بن أبي وَأَصْحَابه يَوْم أحد هَمت الطائفتان بذلك، فعصمهما الله ﷿.
١٢٩٣ - / ١٥٧٢ - وَفِي الحَدِيث الْخمسين: قَالَ رَسُول الله ﷺ: «من لكعب بن الْأَشْرَف؟» .
كَانَ كَعْب من رُؤَسَاء الْيَهُود، وَكَانَ يهجو النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه، وَبكى على قَتْلَى قُرَيْش يَوْم بدر، وحرضهم بالشعر، فَمضى إِلَيْهِ مُحَمَّد بن مسلمة وَأَبُو نائلة - واسْمه سلكان بن سَلامَة بن وقش الأشْهَلِي، وَكَانَ أَبُو نائلة أَخا كَعْب من الرضَاعَة، فَاسْتَأْذَنا، فَقَالَت امْرَأَته: أسمع صَوتا كَأَنَّهُ صَوت دم. فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ مُحَمَّد ورضيعه أَبُو نائلة. كَذَا قَالَ الرَّاوِي: ورضيعه، إِنَّمَا قَالَ: ورضيعي، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي لفظ آخر.
واللأمة: السِّلَاح.
فَإِن قيل: كَيفَ أذن رَسُول الله ﷺ فِي قتل كَعْب فتكا وَقد قَالَ: «الْإِيمَان قيد الفتك» فَالْجَوَاب: أَنه نقض الْعَهْد، فَجَاز قَتله على أَي صفة كَانَت، كَمَا يجوز تبييت الْكفَّار على غرَّة، وَإِنَّمَا الفتك بِمن
[ ٣ / ٣٨ ]
لَا يحل قَتله. قَالَ جَابر بن عبد الله: كَانَ كَعْب بن الْأَشْرَف عَاهَدَ رَسُول الله أَلا يعين عَلَيْهِ وَلَا يقاتله، وَلحق بِمَكَّة. ثمَّ قدم الْمَدِينَة مُعْلنا بمعاداة رَسُول الله ﷺ، وَقَالَ أبياتا يهجوه بهَا، فَعِنْدَ ذَلِك ندب رَسُول الله ﷺ إِلَى قَتله.
١٢٩٤ - / ١٥٧٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْخمسين: أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن صِيَام يَوْم الْجُمُعَة وَالْمرَاد إِفْرَاده بِالصَّوْمِ، وسنشرح هَذَا فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٢٩٥ - / ١٥٧٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْخمسين: «إِن كَانَ فِي شَيْء من أدويتكم شِفَاء فَفِي شرطة محجم، أَو لذعة بِنَار. وَمَا أحب أَن أكتوي» .
وَقد تكلمنا فِي الكي فِي مُسْند عمرَان بن الْحصين، وَبينا مراتبه.
وَقَوله: رقي سعد فِي أكحله. الأكحل: عرق مَعْرُوف فِي ذِرَاع الْإِنْسَان.
وَقَوله: فحسمه. قَالَ أَبُو عبيد: أصل الحسم الْقطع، وَإِنَّمَا أَرَادَ بالحسم أَنه قطع الدَّم عَنهُ.
والمشقص: نصل السهْم إِذا كَانَ طَويلا وَلَيْسَ بالعريض، فَإِذا كَانَ
[ ٣ / ٣٩ ]
عريضا وَلَيْسَ بالطويل فَهُوَ معبلة.
١٢٩٦ - / ١٥٧٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْخمسين: مرت جَنَازَة فَقَامَ لَهَا رَسُول الله ﷺ قد بَينا أَن الْقيام للجنازة مَنْسُوخ، فِي مُسْند عَليّ ﵇.
١٢٩٧ - / ١٥٧٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْخمسين: بَينا نَحن نصلي إِذْ أَقبلت عير تحمل طَعَاما، فالتفتوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِي مَعَ النَّبِي ﷺ إِلَّا اثْنَا عشر رجلا، فَنزلت: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة أَو لهوا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوك قَائِما﴾ [الْجُمُعَة: ١١] .
قَوْله: بَيْنَمَا نَحن نصلي: أَي حَضَرنَا للصَّلَاة. وَكَانَ النَّبِي ﷺ حِينَئِذٍ يخْطب قَائِما. وَقد بَين فِي هَذَا الحَدِيث، وَكَانَ الْقَوْم قد أَصَابَهُم جوع وَغَلَاء سعر، فَقدم دحْيَة بن خَليفَة - قبل أَن يسلم - بِتِلْكَ العير - وَالْعير: الْإِبِل تحمل الْميرَة - وَضرب لَهُ طبل يُؤذن النَّاس، وَهُوَ اللَّهْو، وَهَذِه كَانَت عَادَتهم إِذا قدمت عير.
وانفضوا: تفَرقُوا.
فَإِن قيل: لماذا قَالَ: ﴿إِلَيْهَا﴾ وَلم يقل «إِلَيْهِمَا»؟ فَجَوَابه من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن التِّجَارَة كَانَت أهم إِلَيْهِم فَرد الضَّمِير إِلَيْهَا، هَذَا قَول الْفراء والمبرد. وَالثَّانِي: أَن الْمَعْنى: وَإِذا رَأَوْا تِجَارَة انْفَضُّوا إِلَيْهَا أَو لهوا انْفَضُّوا إِلَيْهِ، فَحذف خبر أَحدهمَا لِأَن الْخَبَر الثَّانِي يدل على الْمَحْذُوف، قَالَه الزّجاج.
[ ٣ / ٤٠ ]
١٢٩٨ - / ١٥٧٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْخمسين: جهش النَّاس إِلَى رَسُول الله ﷺ يَوْم الْحُدَيْبِيَة. أَي فزعوا إِلَيْهِ وأسرعوا نَحوه واستغاثوا بِهِ. وَيُقَال: جهش فلَان: إِذا تهَيَّأ للبكاء.
قَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا سميت الْحُدَيْبِيَة لشَجَرَة كَانَت بذلك الْموضع.
١٢٩٩ - / ١٥٧٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْخمسين: «نصرت بِالرُّعْبِ من مسيرَة شهر» .
الرعب: الْفَزع. وَالْمعْنَى أَنه يَقع فِي قُلُوب الْأَعْدَاء من مسيرَة شهر.
وَقَوله: «وَجعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا» قد فسرناه فِي مُسْند حُذَيْفَة.
وَقَوله: «وَأحلت لي الْغَنَائِم» كَانَ من سلف من الْأُمَم إِذا غزوا فغنموا جَمَعُوهُ، فَأَقْبَلت نَار فأكلته، فَإِن كَانُوا قد غلوا شَيْئا من الْغَنِيمَة امْتنعت. وَكَذَلِكَ كَانُوا إِذا قربوا قربانا من ذبح وَغَيره، فَإِن نزُول النَّار كَانَ عَلامَة الْقبُول.
وَقَوله: «وَبعثت إِلَى النَّاس عَامَّة» كَانَ النَّبِي إِذا بعث فِي الزَّمَان الأول إِلَى قوم بعث غَيره إِلَى آخَرين، وَكَانَ يجْتَمع فِي الزَّمن الْوَاحِد جمَاعَة من الرُّسُل. فَأَما نَبينَا ﷺ فَإِنَّهُ انْفَرد بِالْبَعْثِ فَصَارَ نذيرا للْكُلّ من غير أَن يزاحمه أحد. وقرأت بِخَط ابْن عقيل قَالَ: جَاءَت فَتْوَى من دمشق: مَا تَقولُونَ فِي هَذَا الحَدِيث: «بعثت إِلَى الْخلق كَافَّة»
[ ٣ / ٤١ ]
وَالنَّظَر والتأمل يمْنَع صِحَة هَذَا، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ النَّبِي مَبْعُوثًا إِلَى قوم يبلغ من تعدته إِلَى غَيرهم، لِأَن صفة التخصص فِي الْإِرْسَال لَا تَقْتَضِي الْعُمُوم، كَمَا لَو قَالَ الْقَائِل لرَسُوله: اذْهَبْ إِلَى بني تَمِيم، فَإِنَّهُ إِذا تعدى إِلَى بني عدي كَانَ مُخَالفا. فَلَو كَانَ مُوسَى مَخْصُوصًا ببني إِسْرَائِيل ثمَّ جَاءَهُ غَيرهم من الْأُمَم يسألونه عَمَّا جَاءَ بِهِ لم يجز لَهُ كِتْمَانه عَنْهُم، وَلَا أَن يَقُول إِنِّي غير مَبْعُوث إِلَيْكُم، بل كَانَ الْوَاجِب عَلَيْهِ إِجَابَة التّرْك وَالْفرس وَالْعرب وكل من سَأَلَهُ عَن الْأَحْكَام الَّتِي جَاءَ بهَا بِمَا بعث بِهِ إِلَى بني إِسْرَائِيل، بل كَانَ لَا يجوز لَهُ أَن يُجيب أحدا من هَؤُلَاءِ إِذا كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى بني إِسْرَائِيل خَاصَّة. قَالَ السَّائِل: وَأَيْضًا إِذا قَالَ لَهُ: مر بني إِسْرَائِيل بِالصَّلَاةِ، وَمن زنى من بني إِسْرَائِيل فعاقبه على زِنَاهُ، لم يجز أَن يُعَاقب غَيرهم على الزِّنَا، وَهَذَا كَالْحكمِ إِذا علق على غَايَة لَا يتَعَدَّى إِلَى غَيرهَا. فَإِن قُلْنَا: إِنَّه منع من إرشاد من جَاءَ إِلَيْهِ للإسترشاد من أَنْوَاع الْخلق لم يجز ذَلِك، وَإِذا بَطل هَذَانِ القسمان ثَبت أَن كل رَسُول إِنَّمَا بعث إِلَى جَمِيع الْخلق. وَلَيْسَ لقَائِل أَن يَقُول: أَنه أرسل إِلَى بني إِسْرَائِيل خَاصَّة، وَالنَّاس بِالْخِيَارِ بَين اتِّبَاعه وَتَركه. قَالَ السَّائِل: وَطَرِيقَة أُخْرَى: وَهُوَ أَن الله تَعَالَى رفع الْعَذَاب عَن الْخلق مَعَ عدم الرُّسُل بقوله: ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ [الْإِسْرَاء: ١٥] وَأثبت الْحجَّة على الْخلق ببعثه الرُّسُل. وَقد ثَبت أَن الله تَعَالَى أهلك جَمِيع أهل الأَرْض بالطوفان، وَمَا ذَلِك إِلَّا لمُخَالفَة نوح، فَلَو لم يكن مُرْسلا إِلَى جَمَاعَتهمْ لما أهلكهم بمخالفته ودعا عَلَيْهِم. وَلَيْسَ لقَائِل أَن يَقُول: فقد قَالَ فِي حق نوح: ﴿إِنَّا أرسلنَا نوحًا إِلَى قومه﴾ [نوح: ١] ﴿وَإِلَى مَدين أَخَاهُم شعيبا﴾ [الْأَعْرَاف: ٨٥] فقد خصص مثل ذَلِك نَبينَا بقوله: ﴿لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم﴾ [التَّوْبَة: ١٢٨] فامتن على قُرَيْش بذلك.
[ ٣ / ٤٢ ]
فَأجَاب حنبلي مُحَقّق فِي الْأُصُول - يَعْنِي ابْن عقيل نَفسه - فَقَالَ: إِن خصيصة النَّبِي ﷺ حَاصِلَة من جِهَة خُفْيَة عَن كثير من الْعلمَاء؛ وَذَلِكَ أَن شَرِيعَة نَبينَا ﷺ جَاءَت ناسخة لكل شَرِيعَة قبلهَا، فَلم يبْق يَهُودِيَّة وَلَا نَصْرَانِيَّة وَلَا دين من سَائِر الْأَدْيَان الَّتِي جَاءَت بهَا النبوات إِلَّا أَمر بِتَرْكِهَا ودعا إِلَى شَرِيعَته، وَمعنى قَوْله: «كل نَبِي بعث إِلَى قومه» المُرَاد أَنه قد كَانَ يجْتَمع فِي الْعَصْر الْوَاحِد نبيان يَدْعُو كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى شَرِيعَة تختصه وَلَا يَدْعُو الْأمة الَّتِي بعث فِيهَا غَيره إِلَى دينه وَلَا يصرف عَنهُ، وَلَا ينْسَخ مَا جَاءَ بِهِ الآخر، فَهَذِهِ خصيصة لم تكن لأحد قبله، حَتَّى إِن نوحًا لم ينْقل أَنه كَانَ مَعَه نَبِي، فَدَعَا إِلَى مِلَّته مِلَّة ذَلِك النَّبِي وَلَا نسخهَا، وَهَذَا يدْفع مَا قَالُوا وقدروه من الأسئلة وعقبوه بالأجوبة، ويوضح هَذَا أَنه لما وجد ورقة من التَّوْرَاة بيد عمر قَالَ: «ألم آتكم بهَا بيضًا نقية؟ وَالله لَو أدركني مُوسَى لما وَسعه إِلَّا اتباعي» . لِأَنَّهُ لَا يقدر عِيسَى أَن يَقُول فِي التَّوْرَاة وَلَا فِي حق مُوسَى هَذِه الْمقَالة، فَعلم أَن هَذِه الخصيصة الَّتِي امتاز بهَا عَن جَمِيع الْأَنْبِيَاء دون مَا توهمه السَّائِل من الْبعْثَة الْعَامَّة إِلَى جَمِيع النَّاس وَدون أَرْبَاب الشَّرَائِع، وَالله أعلم.
١٣٠٠ - / ١٥٧٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْخمسين: رَأَيْت بِالنَّبِيِّ ﷺ خمصا، فَانْكَفَأت إِلَى امْرَأَتي، وَلنَا بَهِيمَة دَاجِن فذبحتها وقطعتها فِي برمتها.
الخمص: الْجُوع. والمخمصة: المجاعة.
[ ٣ / ٤٣ ]
وانكفأت: رجعت.
والداجن: مَا يحبس فِي الْبَيْت من الْغنم.
والبرمة: الْقدر.
وَقَوله: «صنع لكم سورا» هَذِه كلمة فارسية، قَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: قَالَ ثَعْلَب: إِنَّمَا يُرَاد من هَذَا أَن النَّبِي ﷺ تكلم بِالْفَارِسِيَّةِ فَقَالَ: «صنع لكم سورا» أَي طَعَاما دَعَا إِلَيْهِ النَّاس.
وَقَوله: «فحي هلا بكم» . كلمة حث واستعجال، قَالَ لبيد:
( . وَلَقَد تسمع قولي حيهل)
قَوْله: فَقَالَت: بك وَبِك، وَهَذَا كِنَايَة عَن اللوم والسب.
وَقَوله: فبسق: أَي بزق. يُقَال: بزق وبسق وبصق. قَالَ شَيخنَا أَبُو مَنْصُور اللّغَوِيّ: مرض النَّضر بن شُمَيْل فَدخل عَلَيْهِ النَّاس يعودونه، فَقَالَ لَهُ رجل: مسح الله مَا بك. فَقَالَ النَّضر: لَا تقل: مسح، وَقل: مصح، ألم تسمع قَول الْأَعْشَى:
(وَإِذا الْخمْرَة فِيهَا أزبدت أفل الإزباد فِيهَا ومصح)
فَقَالَ الرجل: لَا بَأْس، السِّين قد تعاقب الصَّاد فتقوم مقَامهَا.
فَقَالَ النَّضر: فَيَنْبَغِي أَن تَقول لمن اسْمه سُلَيْمَان: يَا صليمان، وَتقول: قَالَ رصول الله، ثمَّ قَالَ النَّضر: لَا يكون الصَّاد مَعَ السِّين
[ ٣ / ٤٤ ]
إِلَّا فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع: إِذا كَانَت مَعَ الطَّاء وَالْخَاء وَالْقَاف والغين، تَقول فِي الطَّاء: سطر وصطر، وَفِي الْخَاء صَخْر وسخر، وَفِي الْقَاف صقب وسقب، وَفِي الْغَيْن صدغ وسدغ. فَإِذا تقدّمت هَذِه الأحرف الْأَرْبَعَة السِّين لم يجز ذَلِك، وَلَا يجوز أَن تَقول خصر وخسر، وَلَا قصب وقسب، وَلَا طرس وطرص، وَلَا غسل وغصل.
وَقَوله: «اقدحي من برمتكم» أَي اغرفي مَا فِيهَا، والمقدحة: المغرفة. المقدح: الحديدة الَّتِي يقْدَح بهَا النَّار، أَي يسْتَخْرج، والقداح من الإستخراج أَيْضا.
وَقَوله: وَإِن برمتنا لتغط: أَي تغلي بِمَا فِيهَا. يُقَال: غطت الْقدر تغط، وغطيطها: صَوت غليانها.
وَقَوله: فعرضت كدية. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: الكدية قِطْعَة من الأَرْض غَلِيظَة صلبة. يُقَال: حفرت حَتَّى أكديت. وَقد رَوَاهُ بَعضهم: فعرضت كبدة. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: وَهِي الْقطعَة الصلبة، وَمثله قَوس كبداء: شَدِيدَة.
وَقَوله: وبطنه معصوب: أَي مشدود بِالْعِصَابَةِ من الْجُوع.
وَقَوله: فَعَاد كثيبا أهيل. الأهيل: المنهار الَّذِي لَا يتماسك.
يُقَال: كثيب أهيل وأهيم: وَهُوَ الرمل الْيَابِس الَّذِي لم يمر بِهِ الْمَطَر، فَهُوَ إِلَى السيلان أسْرع.
والأثافي: حِجَارَة تُوضَع تَحت الْقدر، وَيُقَال فِيهَا أفافي، كَمَا يُقَال جدث وجدف.
[ ٣ / ٤٥ ]
وَقَوله: «لَا تضاغطوا» أَي لَا تزدحموا.
وَقَوله: ويخمر البرمة: أَي يغطيها حَتَّى لَا يرى نقصانها وَلَا زيادتها.
١٣٠١ - / ١٥٨٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْخمسين: «مثلي وَمثل الْأَنْبِيَاء كَرجل بنى دَارا فأكملها وأحسنها إِلَّا مَوضِع لبنة، وَجعل النَّاس يعْجبُونَ وَيَقُولُونَ: لَوْلَا مَوضِع اللبنة» وَفِي لفظ: «فَأَنا مَوضِع اللبنة» .
اعْلَم أَن بَدْء الشَّرَائِع كَانَ على التَّخْفِيف، فَلَا يعرف فِي شرع نوح وَهود وَصَالح وَإِبْرَاهِيم تثقيل، ثمَّ جَاءَ مُوسَى بِالتَّشْدِيدِ والإثقال، وَجَاء عِيسَى بِنَحْوِ من ذَلِك، وَجَاءَت شَرِيعَة نَبينَا ﷺ تنسخ تَشْدِيد أهل الْكتاب، وَلَا تطلق فِي تسهيل من كَانَ قبلهم، فَهِيَ على غَايَة من الإعتدال مَعَ مَا تحوي من محَاسِن الْآدَاب وتلقيح الْعُقُول وَتَعْلِيم الفطنة، وتدل على استنباط خَفِي الْمعَانِي، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لم يكن فِيمَا تقدم.
١٣٠٢ - / ١٥٨١ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْخمسين: صلى جَابر فِي إِزَار وثيابه على المشجب.
المشجب: أَعْوَاد متداخلة يَجْعَل عَلَيْهَا الثِّيَاب.
وَقَوله: «مَا السرى؟» السرى: سير اللَّيْل، وَالْمعْنَى: لأي شَيْء كَانَ مسراك اللَّيْلَة؟
وَقَوله: «مَا هَذَا الإشتمال؟» الإشتمال: الالتفاف بِالثَّوْبِ حَتَّى يَشْمَل الملتف وَلَا يخرج يَده مِنْهُ، فَلهَذَا أنكرهُ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: «إِن كَانَ
[ ٣ / ٤٦ ]
وَاسِعًا فالتحف بِهِ، وَإِن كَانَ ضيقا فاتزر بِهِ» .
وَقَوله: «أَلا تشرع؟» الْمَعْنى: أَلا تورد الْإِبِل المشرعة.
والشريعة: مورد الْإِبِل الشاربة المَاء. قَالَ الزّجاج: يُقَال: شرعت فِي المَاء: إِذا دَخلته، وشرعت بَابا إِلَى الطَّرِيق، وشرعت فِي الدّين شَرِيعَة، وأشرعت الرمْح نَحْو الْعَدو: إِذا صوبته إِلَيْهِ وَقَالَ أَبُو عمر الزَّاهِد: أشرعت بَابا إِلَى الطَّرِيق، لَا غير.
وَقَوله: متوشحا بِهِ. يُقَال: توشح الرجل بِالثَّوْبِ: إِذا تجلله وَبسطه على جسده.
١٣٠٣ - / ١٥٨٢ - وَفِي الحَدِيث السِّتين: بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ يقسم غنيمَة إِذْ قَالَ لَهُ رجل: اعْدِلْ. فَقَالَ «لقد شقيت إِن لم أعدل» .
هَذَا الرجل يُقَال لَهُ ذُو الْخوَيْصِرَة، كَذَلِك ذكره أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ فِي مُسْنده.
وَالتَّاء فِي «شقيت» مَفْتُوحَة، كَذَلِك سمعناها من أشياخنا، وَالْمعْنَى أَنَّك إِذا تبِعت من لَا يعدل فقد شقيت، وَقد روى بَعضهم بِضَم التَّاء، وَالْأول أصح.
وَقَوله: «معَاذ الله أَن يتحدث النَّاس أَنِّي أقتل أَصْحَابِي» قد بَينا فِي الحَدِيث الْأَرْبَعين من هَذَا الْمسند وَجه هَذَا.
وَقَوله: «لَا يُجَاوز حَنَاجِرهمْ» الْمَعْنى أَنهم لَا يفهمون مَا فِيهِ وَلَا
[ ٣ / ٤٧ ]
يعْرفُونَ مضمونه، فَإِن هَذَا الشَّخْص لَو عرف وجوب طَاعَة الرَّسُول ﷺ من الْقُرْآن وَأَنه على الْحق فِي جَمِيع أَحْوَاله مَا قَالَ هَذَا، وَلكنه اقْتصر على الْقِرَاءَة من غير تدبر لما يقْرَأ.
وَقَوله: «كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية» قد سبق فِي مُسْند عَليّ ﵇.
١٣٠٤ - / ١٥٨٣ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
قضى رَسُول الله ﷺ بِالشُّفْعَة فِي كل مَال لم يقسم، فَإِذا وَقعت الْحُدُود وصرفت الطّرق فَلَا شُفْعَة.
هَذَا الحَدِيث دَلِيل على إِثْبَات الشُّفْعَة فِي الْمشَاع ونفيها عَمَّا قد قسم. وَمذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل أَن الشُّفْعَة لَا تسْتَحقّ بالجوار. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تسْتَحقّ بالجوار.
١٣٠٥ - / ١٥٨٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: أَن إهلال رَسُول الله ﷺ من ذِي الحليفة حِين اسْتَوَت بِهِ رَاحِلَته قد سبق بَيَان هَذَا فِي مُسْند ابْن عمر.
١٣٠٦ - / ١٥٨٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: قَالَ جَابر: لما حضر أحد
[ ٣ / ٤٨ ]
دَعَاني أبي من اللَّيْل فَقَالَ: مَا أَرَانِي إِلَّا مقتولا فِي أول من يقتل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ.
اسْم أبي جَابر عبد الله بن عَمْرو. وَكَانَ من النُّقَبَاء الإثني عشر، وَشهد بَدْرًا.
وَقَوله: مَا أَرَانِي إِلَّا مقتولا. دَلِيل على أَن الرجل علم من نَفسه قُوَّة الْجد فِي الْجِهَاد والإقدام فِي الأول، فَلذَلِك قَالَ: فِي أول من يقتل. وَكَانَ لَهُ تسع بَنَات، فَلذَلِك قَالَ: واستوص بأخواتك.
قَوْله: ودفنت مَعَه آخر. وَالرجل الَّذِي دفن مَعَه عَمْرو بن الجموح، فَإِنَّهُمَا دفنا فِي قبر وَاحِد لِكَثْرَة الْقَتْلَى يَوْمئِذٍ، فَأخْرجهُ جَابر بعد سِتَّة أشهر فدفنه فِي قبر على حِدة، ثمَّ نقل عَن ذَلِك الْقَبْر بعد سِنِين لأجل إِجْرَاء عين من المَاء. أخبرنَا عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْقَزاز قَالَ: أخبرنَا عبد الْعَزِيز بن عَليّ الْحَرْبِيّ قَالَ: أخبرنَا أَبُو طَاهِر المخلص، قَالَ: حَدثنَا الْبَغَوِيّ قَالَ: حَدثنَا عبد الْأَعْلَى بن حَمَّاد قَالَ: حَدثنَا عبد الْجَبَّار بن الْورْد قَالَ: سَمِعت أَبَا الزبير قَالَ: سَمِعت جَابر بن عبد الله يَقُول: كتب مُعَاوِيَة إِلَى عَامله بِالْمَدِينَةِ أَن يجْرِي عينا إِلَى أحد، فَكتب لَهُ عَامله: إِنَّهَا لَا تجْرِي إِلَّا على قُبُور الشُّهَدَاء، فَكتب إِلَيْهِ أَن أنفذها. قَالَ فَسمِعت جَابِرا يَقُول: فرأيتهم يخرجُون على رِقَاب الرِّجَال كَأَنَّهُمْ نوم، حَتَّى أَصَابَت المسحاة قدم حَمْزَة فانبعثت دَمًا. أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي الْبَزَّاز قَالَ: أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد الْجَوْهَرِي قَالَ:
أخبرنَا ابْن حيويه قَالَ: حَدثنَا ابْن الْفَهم قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سعد قَالَ: أخبرنَا عَمْرو بن الْهَيْثَم قَالَ: حَدثنَا
[ ٣ / ٤٩ ]
هِشَام الدستوَائي عَن أبي الزبير عَن جَابر قَالَ: صرخَ بِنَا إِلَى قَتْلَانَا يَوْم أحد حِين أجْرى مُعَاوِيَة الْعين فأخرجناهم بعد أَرْبَعِينَ سنة لينَة أَجْسَادهم تتثنى أَطْرَافهم.
١٣٠٧ - / ١٥٨٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: سُئِلَ عَمَّن حلف قبل أَن يذبح. وَقد سبق فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١٣٠٨ - / ١٥٨٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: «عمْرَة فِي رَمَضَان تقضي حجَّة معي» قد سبق فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١٣٠٩ - / ١٥٨٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: «كل مَعْرُوف صَدَقَة» .
الْمَعْرُوف: فعل شَيْء من الْخَيْر يتَطَوَّع بِهِ الْفَاعِل، فَيجْرِي لذَلِك مجْرى الصَّدَقَة، وَقد سبق هَذَا فِي مُسْند حُذَيْفَة.
١٣١٠ - / ١٥٨٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: «رحم الله رجلا سَمحا» أَي سهلا.
١٣١١ - / ١٥٩٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: «من قَالَ حِين يسمع النداء: اللَّهُمَّ رب هَذِه الدعْوَة التَّامَّة» .
[ ٣ / ٥٠ ]
النداء يَعْنِي بِهِ الْأَذَان. وَقد سبق فِي أول الْكتاب معنى اللَّهُمَّ.
والدعوة التَّامَّة: التَّوْحِيد. قَالَ ﷿: ﴿لَهُ دَعْوَة الْحق﴾ [الرَّعْد: ١٤]، وَإِنَّمَا قيل لَهَا التَّامَّة لِأَنَّهُ لَا نقص فِيهَا وَلَا عيب، إِذْ لَو كَانَ للموحد شريك كَانَ ذكر التَّوْحِيد نَاقِصا.
والوسيلة: الْقرْبَة. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: يُقَال: توسلت إِلَيْهِ: أَي تقربت، وَأنْشد:
(إِذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وَعَاد التصافي بَيْننَا والوسائل)
وَالْمقَام الْمَحْمُود: الَّذِي يحمده لأَجله جَمِيع أهل الْموقف، وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه الشَّفَاعَة للنَّاس يَوْم الْقِيَامَة، قَالَه ابْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة وَابْن عمر وسلمان وَجَابِر فِي خلق كثير. وَالثَّانِي: يجلسه على الْعَرْش، رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَمُجاهد. وَقَالَ عبد الله بن سَلام: يقعده على الْكُرْسِيّ. ١٣١٢ / ١٥٩١ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: كَانَ يعلمنَا الاستخارة. والاستخارة: أَن يسْأَل ﷿ خير الْأَمريْنِ.
١٣١٣ - / ١٥٩٢ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: اصطبح الْخمر يَوْم أحد نَاس، قتلوا شُهَدَاء.
[ ٣ / ٥١ ]
الإصطباح: شرب أول النَّهَار. وَكَانَت يَوْمئِذٍ حَلَالا، وَإِنَّمَا حرمت بعد وقْعَة أحد.
١٣١٤ - / ١٥٩٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: لما نزل على رَسُول الله ﷺ: ﴿على أَن يبْعَث عَلَيْكُم عذَابا من فَوْقكُم﴾ [الْأَنْعَام: ٦٥] قَالَ: «أعوذ بِوَجْهِك» .
الْعَذَاب: الْأَلَم المستمر. والفوق من ظروف الْمَكَان، ويقابله التحت.
وَفِي هَذَا الْعَذَاب قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن الَّذِي فَوْقهم مَا ينزل من السَّمَاء، كَمَا حصب قوم لوط. وَالَّذِي من تَحت أَرجُلهم: كَمَا خسف بقارون، قَالَه ابْن عَبَّاس وَالسُّديّ.
وَالثَّانِي: أَن الَّذِي من فَوْقهم من قبل أمرائهم، وَالَّذِي من تَحْتهم من سفلتهم، رَوَاهُ عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: الَّذِي من فَوْقهم أَئِمَّة السوء، وَالَّذِي من تَحت أَرجُلهم عبيد السوء.
وَقَوله: ﴿أَو يلْبِسكُمْ شيعًا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: يبث فِيكُم الْأَهْوَاء الْمُخْتَلفَة فتصيرون فرقا. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: يلْبِسكُمْ من الإلتباس عَلَيْهِم، فَالْمَعْنى: حَتَّى يَكُونُوا شيعًا: أَي فرقا مُخْتَلفين، ثمَّ يُذِيق بَعْضكُم بَأْس بعض بِالْقِتَالِ وَالْحَرب.
وأصل الْبَأْس: الشدَّة فِي الْحَرْب.
[ ٣ / ٥٢ ]
١٣١٥ - / ١٥٩٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: الَّذِي قتل خبيبا هُوَ أَبُو سروعة.
وَكَانَ خبيب قد قتل يَوْم بدر الْحَارِث بن عَامر، فَلَمَّا بعث رَسُول الله ﷺ خبيبا فِي بعض السَّرَايَا، أَخذ فَبيع بِمَكَّة، فَاشْتَرَاهُ بَنو الْحَارِث، فَقتله مِنْهُم أَبُو سروعة بن الْحَارِث، وَسَيَأْتِي هَذَا فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة مشروحا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٣١٦ - / ١٥٩٦ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: إِن أَبَاهُ توفّي وَترك عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ وسْقا لرجل من الْيَهُود.
الوسق: سِتُّونَ صَاعا.
وَقَوله: «إِذا جددته» جددت بِمَعْنى قطعت الثَّمر. وجداد النّخل: قطع ثَمَرهَا.
والمربد: البيدر، وَهُوَ الجرين أَيْضا حَيْثُ يوضع التَّمْر قبل أَن يوضع فِي الأوعية وينقل إِلَى الْبيُوت. وَيُقَال لموقف الْإِبِل مربد أَيْضا، واشتقاقه من ربد: إِذا أَقَامَ. والمربد والجرين لأهل الْحجاز. والأندر لأهل الشَّام. والبيدر لأهل الْعرَاق، ويسميه أهل الْبَصْرَة الجوخان.
والعجوة نوع من التَّمْر، وَهِي من أَجود تمور الْمَدِينَة.
وعذق زند: نوع مَعْرُوف.
[ ٣ / ٥٣ ]
وتمزعوه: أَي اقتسموه.
والناضح من الْإِبِل: مَا يسقى عَلَيْهِ المَاء.
وأزحف الْبَعِير وزحف وأزحفه السّير: إِذا قَامَ من الإعياء وَلم يقدر على النهوض.
١٣١٧ - / ١٥٩٧ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: نهى أَن تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وخالتها.
وَهَذَا مِمَّا ثَبت تَحْرِيمه بِالسنةِ، وعلته خوف التقاطع.
١٣١٨ - / ١٥٩٨ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: نهى رَسُول الله ﷺ عَن الظروف، فَقَالَت الْأَنْصَار: إِنَّه لَا بُد لنا مِنْهَا، قَالَ: «فَلَا إِذن» .
كَانَ النَّهْي عَن الظروف خوف اشتداد مَا ينْبذ فِيهَا، فَلَمَّا أخبروا بحاجتهم إِلَيْهَا عِنْد نَهْيه قَالَ: «فَلَا إِذن» أَي: لَا أنهى عَنْهَا، وَيكون الإعتبار على هَذَا بالإشتداد، فَإِذا اشْتَدَّ أريق، أَو أَن يحترزوا من تَركه مُدَّة يشْتَد فِيهَا.
١٣١٩ - / ١٥٩٩ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر: كُنَّا إِذا صعدنا كبرنا، وَإِذا نزلنَا سبحنا.
لما كَانَ الصعُود ارتفاعا ناسبه التَّكْبِير. أَي أَن الله سُبْحَانَهُ أكبر من كل كَبِير وَأَعْلَى من كل رفيع، وَلما كَانَ النُّزُول انهباطا ناسبه التَّنْزِيه
[ ٣ / ٥٤ ]
لمن لَا يُوصف بِمَا يُنَافِي الْعُلُوّ.
١٣٢٠ - / ١٦٠٠ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: جَاءَت مَلَائِكَة إِلَى النَّبِي ﷺ، فَقَالَ بَعضهم: الْعين نَائِمَة وَالْقلب يقظان وَمُحَمّد فرق بَين النَّاس.
كَانَ من صِفَات رَسُول الله ﷺ أَن تنام عَيناهُ وَلَا ينَام قلبه. قَالَ ابْن عقيل: النّوم يتَضَمَّن أَمريْن معطلين: أَحدهمَا رَاحَة الْجَسَد، فَهَذَا أَمر يشْتَرك فِيهِ هُوَ وَأمته. وَالثَّانِي: غَفلَة الْقلب عَمَّا وضع لَهُ الْقلب من النّظر والإعتبار والتأمل والآراء الصائبة، وَزيد فِي حَقه تلقي الْوَحْي، فَكل الْقُلُوب عِنْد النّوم عاطلة عَمَّا ينْتَفع بِهِ من الآراء والفكر سوى قلبه. وَقد كَانَ إِذا نزل عَلَيْهِ الْوَحْي استطرح وَغشيَ عَلَيْهِ، وَمثل تِلْكَ الغشية لَو أَصَابَت بعض أمته لانتقض وضوءه، وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَال حَافظ مَحْفُوظ من غليان الطباع واسترخاء مخارج الْأَحْدَاث، لِأَنَّهُ فِي سرائر الرب؛ فَبَان من هَذَا أَن النّوم يتَضَمَّن أَمريْن: رَاحَة وغفلة، فالراحة دَاخِلَة على أدواته من تَعب الْأَعْمَال، والغفلة غير دَاخِلَة على قلبه؛ إِذْ كَانَ قلبه على صفة أَعمال أهل الْيَقَظَة من سَلامَة الأفكار، وصيانة المحفوظات عَن الذّهاب، وَقَلبه غير عاطل عَمَّا وضع لَهُ من تلقي الْوَحْي واستمداده من أوَامِر الرب ونواهيه. قَالَ فَإِن قيل: فقد نَام عَن الصَّلَاة. قيل: إِنَّمَا فعل ذَلِك ليشرع بِفِعْلِهِ مَا يتعبد بِهِ أهل النسْيَان، وللأعمال أَحْكَام أوضح من الْأَقْوَال، كَمَا أمه جِبْرِيل فِي الصَّلَوَات، وَقد كَانَ يَنْتَظِم ذَلِك القَوْل، قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون نسيانه ونومه لعوارض كشف من عُلُوم تخصه ومعارف عطلته عَن الْقيام
[ ٣ / ٥٥ ]
بِحُقُوق الظَّاهِر للُزُوم الْبَاطِن آدَاب التلقي، وَكَانَ كمن قَالَ من شغله ذكر محبوبه:
(فوَاللَّه مَا أَدْرِي إِذا مَا ذكرتها أثنتين صليت الضُّحَى أم ثمانيا)
وَمن هَذَا نسيانه عدد الرَّكْعَات حَتَّى قَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ، فَلَمَّا عَاد الْقلب إِلَى حكم الظَّاهِر قَالَ: «أحقا مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ؟» .
وَقَوله: وَمُحَمّد فرق بَين النَّاس: أَي فَارق بَين الْمُؤمن وَالْكَافِر، فَمن آمن بِهِ فَهُوَ مُؤمن، وَمن كفر بِهِ فَهُوَ كَافِر.
١٣٢١ - / ١٦٠١ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر: كَانَ رَسُول الله ﷺ يجمع بَين الرجلَيْن من قَتْلَى أحد فِي ثوب وَاحِد، ثمَّ يَقُول: «أَيهمْ اكثر أخذا لِلْقُرْآنِ؟» فَيقدمهُ فِي اللَّحْد.
إِنَّمَا كَانَ يجمع بَينهم لِكَثْرَة الْقَتْلَى وَقلة الأكفان. وَإِنَّمَا قدم أَكْثَرهم قُرْآنًا لفضله على غَيره.
وَقَوله: «أَنا شَهِيد على هَؤُلَاءِ» أَي أشهد بإخلاصهم وَصدقهمْ.
وَأما كَونهم لم يغسلوا فقد اتّفق جَمَاهِير الْعلمَاء على أَن الشَّهِيد لَا يغسل بِحَال، وَقَالَ أَحْمد: إِلَّا أَن يكون جنبا وَاخْتلفُوا: هَل يصلى عَلَيْهِ؟ فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: يصلى عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِي
[ ٣ / ٥٦ ]
وَدَاوُد: لَا يصلى عَلَيْهِ. وَعَن أَحْمد كالمذهبين فَإِن قُلْنَا بِمذهب الشَّافِعِي فَهَذَا الحَدِيث دَلِيل عَلَيْهِ، وَإِن قُلْنَا بِمذهب أبي حنيفَة فقد رويت أَحَادِيث فِي أَنه صلى على قَتْلَى أحد، وَقَول جَابر: لم يصل، شَهَادَة على نفي، وَالْإِثْبَات مقدم.
١٣٢٢ - / ١٦٠٢ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين: كَانَ لجَابِر أَرض فخنست، فَخَلا عَاما، فجَاء النَّبِي ﷺ فَقَالَ: «أَيْن عريشك يَا جَابر؟» .
قَوْله: خنست - يَعْنِي النّخل: تَأَخَّرت عَن قبُول الإبار وَلم يُؤثر فِيهَا التَّأْثِير الْكَامِل، فَلم تستكمل حملهَا.
والعريش مثل الْخَيْمَة يعْمل من خشب وحشيش وَنَحْو ذَلِك يستظل بِهِ فِي الْبُسْتَان من الشَّمْس.
١٣٢٣ - / ١٦٠٣ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين: لما وضع الْمِنْبَر سمعنَا للجذع مثل أصوات العشار.
العشار: النوق الْحَوَامِل الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا عشرَة أشهر من يَوْم ضرب الْفَحْل لَهَا وَكَانَ فِي أصواتها نوع حنين إِلَى الْوَلَد.
١٣٢٤ - / ١٦٠٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين: أَن النَّبِي ﷺ دخل على رجل وَهُوَ يحول المَاء فِي حَائِط لَهُ فِي سَاعَة حارة، فَقَالَ: «إِن كَانَ عنْدك مَاء فِي شنة وَإِلَّا كرعنا» .
[ ٣ / ٥٧ ]
الْحَائِط: الْبُسْتَان.
والشنة: الْقرْبَة البالية، وَهِي أَشد تبريدا للْمَاء.
وَقَوله: «كرعنا» قَالَ ابْن فَارس: يُقَال: كرع فِي المَاء: إِذا تنَاوله بِفِيهِ من مَوْضِعه.
قَوْله: ثمَّ حلب عَلَيْهِ من دَاجِن. والداجن: الشَّاة تكون فِي الْبَيْت.
وَقد نبه هَذَا الحَدِيث على حفظ النَّفس وإعطائها حَقّهَا مِمَّا يصلحها؛ فَإِن المَاء الْحَار يوهن الأمعاء، ويولد رهلا، وَيفْسد الهضم ويذبل الْبدن، وَالْمَاء الْبَارِد يُقَوي الشَّهْوَة، ويشد الْمعدة، وَيحسن اللَّوْن، وَيمْنَع عفن الدَّم وصعود الأبخرة إِلَى الدِّمَاغ، ويحفظ الصِّحَّة، إِلَّا أَنه يَنْبَغِي أَن يكون معتدلا، فَإِن المثلوج والشديد الْبُرُودَة يُؤْذِي. وَفِي هَذَا رد على جهلة المتزهدين الَّذين حرمُوا أنفسهم حظوظها الْمصلحَة لَهَا، وحملوا عَلَيْهَا مَا تعجز عَنهُ، وهم إِلَى أَن يذموا بظُلْم النُّفُوس أقرب من أَن يمدحوا بترك الْمصَالح.
١٣٢٥ - / ١٦٠٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين: كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا كَانَ يَوْم عيد خَالف الطَّرِيق.
هَذَا يحْتَمل عشرَة أوجه: أَحدهَا: أَنه قد رُوِيَ أَن الْمَلَائِكَة تقف يَوْم الْعِيد على أَفْوَاه الطّرق، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَن يمر على من لم يمر عَلَيْهِ مِنْهُم. وَالثَّانِي: أَن يكون أَرَادَ بِجَوَازِهِ فِي مَكَان لم يجز فِيهِ إِظْهَار الدّين، لِأَنَّهُ أَدَاء يري ذكر الدّين. وَالثَّالِث: أَن يغِيظ الْمُنَافِقين
[ ٣ / ٥٨ ]
وَالْكفَّار بمشيه مَعَ أَصْحَابه. وَالرَّابِع: أَن يكون ذَلِك فِي بَدو أمره عِنْد قلَّة عدد الْمُسلمين. وَالْخَامِس: رُؤْيَة من لم يره من الْمُسلمين وَتَسْلِيم من لم يسلم عَلَيْهِ، لِأَن لقاءه أوفي البركات. وَالسَّادِس: أَن يسر بذلك من يرَاهُ من الْمُسلمين وَالْمُسلمَات. وَالسَّابِع: أَن تشهد الأَرْض بِالْمَشْيِ عَلَيْهَا فِي الْخَيْر. وَالثَّامِن: أَن يكون ذَلِك من سنَن الْعِيد، كالتكبير فِي زمَان الْمُضِيّ إِلَى الْمصلى وَفِي أَيَّام التَّشْرِيق. وَالتَّاسِع: لعلمه بحاجة النَّاس إِلَى مَسْأَلته ورؤيته. والعاشر: التفاؤل بإلقاء الذُّنُوب فِي طَرِيق الْمُضِيّ وَالرُّجُوع متنظفا.
١٣٢٦ - / ١٦٠٧ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
كَانَ رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي الْجُمُعَة، ثمَّ نَذْهَب إِلَى جمالنا فنريحها حِين تَزُول الشَّمْس.
هَذَا دَلِيل لمن يرى جَوَاز صَلَاة الْجُمُعَة قبل الزَّوَال، وَقد سبق الْكَلَام فِيهِ فِي مُسْند سهل بن سعد.
١٣٢٧ - / ١٦٠٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: «من ترك مَالا فلأهله، وَمن ترك دينا أَو ضيَاعًا فَإِلَيَّ وَعلي» .
الضّيَاع هَاهُنَا: حَاجَة الْعِيَال بعد الْمَيِّت، وفقرهم. وَقد كَانَ
[ ٣ / ٥٩ ]
يشدد فِي أَمر الدّين حَتَّى إِنَّه يمْتَنع عَن الصَّلَاة على صَاحب الدّين كَمَا ذكرنَا فِي مُسْند أبي قَتَادَة وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع. وَقد بَينا هُنَاكَ أَنه مَنْسُوخ بِمَا سَيَأْتِي فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة وَهَذَا الحَدِيث.
١٣٢٨ - / ١٦٠٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: أَن النَّبِي ﷺ خرج عَام الْفَتْح فِي رَمَضَان، فصَام حَتَّى بلغ كرَاع الغميم، ثمَّ دَعَا بقدح من مَاء فرفعه حَتَّى نظر النَّاس إِلَيْهِ ثمَّ شرب.
قد سبق بَيَان هَذَا.
وكراع الغميم مَوضِع.
وَإِنَّمَا رفع الْإِنَاء ليراه النَّاس فيقتدوا بِفِعْلِهِ.
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن الْفطر فِي السّفر أفضل. وَقد ذكرنَا الْخلاف فِي هَذَا فِي مُسْند أبي الدَّرْدَاء. وَلما كَانَ مَقْصُوده بإفطاره إفطار النَّاس لم يكن لأحد أَن يُخَالِفهُ، فَلَمَّا صَامَ قوم أطلق عَلَيْهِم اسْم «العصاة» .
١٣٢٩ - / ١٦١٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: أَن أَسمَاء بنت عُمَيْس نفست بِذِي الحليفة، فَأمر رَسُول الله ﷺ أَبَا بكر أَن تَغْتَسِل وتهل.
هَذِه أَسمَاء زوج أبي بكر الصّديق، كَانَت حَامِلا: فنفست بِمُحَمد ابْن أبي بكر. وَإِنَّمَا أمرهَا أَن تَغْتَسِل - وَإِن كَانَ غسل النُّفَسَاء لَا يَصح -
[ ٣ / ٦٠ ]
لفائدتين: إِحْدَاهمَا: أَن تتشبه بالطاهرات، كَمَا أَمر من أكل يَوْم عَاشُورَاء بإمساك بَقِيَّة النَّهَار. وَالثَّانيَِة: التَّنْبِيه على أَن من سنة الْإِحْرَام الْغسْل.
١٣٣٠ - / ١٦١١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن: دَخَلنَا على جَابر بن عبد الله فَقَامَ فِي نساجة ملتحفا بهَا.
النساجة: ضرب من الملاحف المنسوجة. وَقد رَوَاهُ قوم: ساجة: وَهِي الطيلسان.
وَقد فسرنا المشجب قبل أَحَادِيث يسيرَة، وَأَنه أَعْوَاد مركبة يوضع عَلَيْهَا الرحل وَالثيَاب.
وَإِنَّمَا صلى جَابر فِي ثوب وثيابه مَوْضُوعَة ليعلمهم جَوَاز ذَلِك.
وَقَوله: مكث تسع سِنِين لم يحجّ. يحْتَج بِهِ من لَا يرى وجوب الْحَج على الْفَوْر وَيَقُول: قد ثَبت وجوب الْحَج قبل حج الرَّسُول ﷺ بسنين، ويستدلون بِحَدِيث ضمام الْوَافِد، وَأَنه قدم فِي سنة خمس، وَأَن رَسُول الله ﷺ ذكر لَهُ فَرَائض الْإِسْلَام وَمِنْهَا الْحَج، قَالُوا: فَإِذا كَانَ الْحَج قد فرض فِي سنة خمس ثمَّ أَخّرهُ الرَّسُول ﷺ إِلَى سنة تسع دلّ على أَنه لَا يجب على الْفَوْر.
وَالْجَوَاب: أَن قد ثَبت بالأدلة الجلية أَن الْأَمر الْمُطلق يَقْتَضِي الْفَوْر، فَمن أَدِلَّة الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا مَنعك أَلا تسْجد إِذْ أَمرتك﴾ [الْأَعْرَاف: ١٢] وَلَو كَانَ الْأَمر على التَّرَاخِي لما حسن العتب. وَمن أَدِلَّة
[ ٣ / ٦١ ]
الحَدِيث قَول النَّبِي ﷺ لأبي سعيد بن الْمُعَلَّى حِين دَعَاهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاة فَلم يجبهُ: «مَا مَنعك إِذْ دعوتك أَن تُجِيبنِي. ألم يقل الله ﷿: ﴿اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ﴾؟ [الْأَنْفَال: ٢٤] وَلم يفسح لَهُ بِالتَّأْخِيرِ إِلَى أَن تَنْقَضِي الصَّلَاة.
وَمن أَدِلَّة اللُّغَة أَن الْأَلْفَاظ الْمُطلقَة يُفِيد مقتضاها عقيب وجودهَا؛ وَلِهَذَا وَقع حكم اللَّفْظ عقيب اللَّفْظ، كَالْبيع وَالطَّلَاق، وَلِهَذَا أجمع اللغويون على أَن السَّيِّد إِذا قَالَ لعَبْدِهِ: قُم، فتوقف من غير عذر أَنه يحسن لومه وعقابه.
فَإِذا ثَبت هَذَا الأَصْل قُلْنَا: قد اخْتلف أَولا فِي قدوم ضمام، فَروِيَ أَنه كَانَ فِي سنة تسع، فَيكون معنى قَول جَابر: مكث تسعا لم يحجّ: أَي لم يُخَاطب بذلك. وَرُوِيَ أَنه كَانَ فِي سنة خمس، فعلى هَذَا نقُول: مَا قعد عَن الْحَج تسعا. وَإِنَّمَا هَذَا ذكر الزَّمَان الَّذِي لم يَقع فِيهِ الْحَج وَإِن سلم أَن الْحَج تقدم فَرْضه فتأخير الرَّسُول ﷺ لَهُ قَضِيَّة فِي عين، فَهِيَ تحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون الله ﷿ أعلم نبيه أَنه لَا يَمُوت حَتَّى يحجّ فَأَخَّرَهُ ثِقَة بالإدراك، وَهَذَا جَوَاب أبي زيد الْحَنَفِيّ.
وَالثَّانِي: أَن يكون أَخّرهُ لعذر، بِدَلِيل اتفاقنا على أَن تَقْدِيمه أفضل وَلم يكن ليترك الْأَفْضَل إِلَّا لعذر. وَقد ذكرُوا لَهُ خَمْسَة أعذار: أَحدهَا: الْفقر. وَالثَّانِي: الْخَوْف على نَفسه، وَلِهَذَا كَانَ يحرس إِلَى أَن نزل عَلَيْهِ ﴿وَالله يَعْصِمك من النَّاس﴾ [الْمَائِدَة: ٦٧] وَالثَّالِث: الْخَوْف على الْمَدِينَة من الْمُشْركين. وَالرَّابِع: أَن يكون رأى تَقْدِيم الْجِهَاد
[ ٣ / ٦٢ ]
وتدبير الجيوش أولى من تَقْدِيم الْحَج، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر. وَالْخَامِس: غَلَبَة الْمُشْركين على مَكَّة وَظُهُور شركهم فِي زمَان الْحَج، وَلم يُمكنهُ الْإِنْكَار، فَلَمَّا بعث أَبَا بكر ونادى أَلا يحجّ بعد الْعَام مُشْرك حج لزوَال الْعذر.
وَقَوله لأسماء: «اغْتَسِلِي» قد تكلمنا عَلَيْهِ فِي الحَدِيث الَّذِي قبله.
وَقَوله: «استثفري» الإستثفار: شدّ الثَّوْب على مَحل الدَّم ليمنع الجريان، وَهُوَ مشبه بثفر الدَّابَّة.
وَقَوله: ثمَّ ركب الْقَصْوَاء. قد بَينا فِي مُسْند عمرَان بن حُصَيْن سَبَب تَسْمِيَتهَا بذلك.
وَقَوله: فَأهل بِالتَّوْحِيدِ: أَي بِالْحَجِّ وَحده. وَيحْتَمل: أهل بِهَذِهِ الْكَلِمَات الْمَذْكُورَة: «لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك» التَّلْبِيَة الْمُشْتَملَة على التَّوْحِيد، وَهِي الَّتِي سبقت فِي مُسْند ابْن عمر.
وَأهل النَّاس بِهَذَا الَّذِي يهلون بِهِ. أَي أَنهم يزِيدُونَ فِيهَا وينقصون وَلم يُنكر عَلَيْهِم.
واستلم الرُّكْن: أَي لمسه.
والرمل قد فسرناه فِي مَوَاضِع.
والصفا: الْحِجَارَة الصلبة. والمروة: الْحِجَارَة اللينة.
[ ٣ / ٦٣ ]
وشعائر الله: متعبداته.
وَقَوله: «أبدأ بِمَا بَدَأَ الله بِهِ» هَذَا يدل على اعْتِبَار الْبِدَايَة فِي اللَّفْظ وَإِن كَانَ الْكَلَام مجموعا بِالْوَاو، فَإِن قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الصَّفَا والمروة﴾ [الْبَقَرَة: ١٥٨] مثل قَوْله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم وَأَيْدِيكُمْ﴾ [الْمَائِدَة: ٦] وَفِي هَذَا دَلِيل على أبي حنيفَة فِي وجوب التَّرْتِيب فِي الْوضُوء.
وَقَوله: فرقي عَلَيْهِ. الْقَاف مَكْسُورَة، وَالْمعْنَى: صعد وارتفع.
فَإِذا فتحت الْقَاف كَانَ من الرّقية. وعوام الْمُحدثين يفتحونها جهلا باللغة.
وَقَوله: «لَو اسْتقْبلت من أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرت لم أسق الْهَدْي» قد تقدم الْكَلَام فِي سَبَب تأسفه فِي مُسْند ابْن عَبَّاس، وَتقدم قَول سراقَة وَالْكَلَام فِيهِ هُنَالك أَيْضا.
وَقَوله: ثيابًا صبيغا: أَي مصبوغة.
والتحريش: وصف مَا يُوجب عتاب المغرى وتوبيخه للمحرش عَلَيْهِ.
ونمرة: مَوضِع قريب من عَرَفَة.
وَقَوله: «إِن أول دم أَضَعهُ من دمائنا دم ابْن ربيعَة بن الْحَارِث» ربيعَة هُوَ ابْن عَم رَسُول الله ﷺ، وَهُوَ ربيعَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب، وَكَانَ أسن من الْعَبَّاس بِسنتَيْنِ، وَلما خرج الْمُشْركُونَ إِلَى بدر كَانَ ربيعَة غَائِبا بِالشَّام فَلم يشهدها مَعَهم، فَلَمَّا خرج الْعَبَّاس وَنَوْفَل مُهَاجِرين إِلَى رَسُول الله ﷺ أَيَّام الخَنْدَق شيعهما ربيعَة، فَلَمَّا أَرَادَ الرُّجُوع قَالَا:
[ ٣ / ٦٤ ]
أَيْن نرْجِع وَقد عز رَسُول الله وَكثر أَصْحَابه؟ فَأقبل مَعَهم حَتَّى قدمُوا على رَسُول الله ﷺ مُسلمين مُهَاجِرين، وَشهد ربيعَة مَعَ رَسُول الله ﷺ فتح مَكَّة والطائف، وَثَبت مَعَه يَوْم حنين.
وَأما ابْن ربيعَة الَّذِي وضع رَسُول الله ﷺ دَمه فَفِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: إِيَاس. وَالثَّانِي: تَمام. وَالثَّالِث: آدم، ذكرهَا ابْن سعد وَقَالَ: نرى من قَالَ آدم رأى فِي الْكتاب: دم ابْن ربيعَة، فَزَاد ألفا.
وَكَانَ قد استرضع لهَذَا الْوَلَد فِي هُذَيْل، فَقتله بَنو لَيْث بن بكر فِي حَرْب كَانَت بَينهم، كَانَ يحبو أَمَام الْبيُوت فَرَمَوْهُ بِحجر فرضخوا رَأسه.
وَقد روى هَذَا الحَدِيث أَبُو عبيد وَقَالَ فِيهِ: «أول دم أَضَع دم ربيعَة ابْن الْحَارِث» . ثمَّ فسره وَقَالَ: أضَاف الدَّم إِلَى ربيعَة لِأَنَّهُ ولي الدَّم.
وَقد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي بعض الطّرق كَذَلِك، وَحكى أَبُو سُلَيْمَان أَن أَبَا دَاوُد رَوَاهُ دم الْحَارِث بن عبد الْمطلب، فَتكون الْإِشَارَة إِلَى الْجد.
وَقد غلط بعض الْمُحدثين فَرَوَاهُ: دم أبي ربيعَة، وَلَيْسَ بِشَيْء، وَالصَّحِيح الأول.
وَإِنَّمَا خص الرَّسُول ﷺ ابْن عَمه بِالذكر ليعلم أَنه لَا رخصَة لأحد فِي هَذَا.
وَقَوله: «بِأَمَان الله» الْأمان: الْعَهْد. ويروى: بأمانة الله.
[ ٣ / ٦٥ ]
وَقَوله: «بِكَلِمَة الله» يُشِير إِلَى عقد النِّكَاح. وَقَالَ الْخطابِيّ: هِيَ قَوْله: ﴿فإمساك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان﴾ [الْبَقَرَة: ٢٢٩] .
وَقَوله: «أَن لَا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه» هَذَا محو لعادة الْعَرَب فِي كَون الْمَرْأَة تَأذن للرِّجَال الْأَجَانِب فِي مجالستها ومحادثتها، فَمن ظن أَنه يُشِير بذلك إِلَى الزِّنَا فقد أَخطَأ.
والمبرح: الشَّديد.
وَقَوله: ينكبها إِلَى النَّاس: أَي يميلها إِلَيْهِم مشهدا الله عَلَيْهِم.
يُقَال نكب الرجل كِنَانَته: إِذا أمالها وكبها.
وَأما الْحَبل فَهُوَ مَا استطال من الرمل. وَقيل: هُوَ مَا كَانَ دون الْجبَال فِي الإرتفاع.
وَقَوله: وَقد شنق للقصواء الزِّمَام. يُقَال: شنق الرجل زِمَام نَاقَته: إِذا ضمه إِلَيْهِ كفا لَهَا عَن الْإِسْرَاع.
ومورك الرحل: مَا يكون بَين يَدي الرحل يضع الرَّاكِب رجله عَلَيْهِ.
وَقَوله: فصلى بِأَذَان وَإِقَامَتَيْنِ. قد سبق بَيَان الْجمع بِمُزْدَلِفَة فِي مُسْند ابْن عمر.
وَقَوله: وَلم يسبح بَينهمَا: أَي لم يتَنَفَّل.
وَقَوله: فَدفع قبل أَن تطلع الشَّمْس. هَذَا بِخِلَاف عَادَة الْجَاهِلِيَّة.
[ ٣ / ٦٦ ]
وَقَوله: فمرت ظعن، وَهِي جمع ظَعِينَة، والظعينة: الْمَرْأَة فِي الهودج.
وَقَوله: يجرين: أَي يحركن الْإِبِل للسير.
وطفق: أَخذ فِي الْفِعْل.
وإنكار الرَّسُول ﷺ بتغطية وَجهه لطف فِي الْإِنْكَار وَتَعْلِيم الْخلق. وَأما نَحره ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَة، فقد قيل: إِنَّمَا نحر هَذَا الْعدَد لِأَنَّهُ كَانَ مبلغ سنه لتَكون كل بَدَنَة لعام.
وَقد دلّ ذبحه بِيَدِهِ على أَن ذبح الرجل نسيكته بِيَدِهِ مُسْتَحبّ.
وَقَوله: مَا غبر: أَي مَا بَقِي.
والبضعة: الْقطعَة من اللَّحْم. وَإِنَّمَا أكل من الْكل وَشرب لقَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الْحَج: ٢٨] .
وَأما أَبُو سيارة فَإِنَّهُ كَانَ يدْفع بِقُرَيْش من مَكَّة وَلَا يخرج إِلَى عَرَفَات، وَكَانُوا يَقُولُونَ: نَحن أهل الْحرم فَلَا نعدوه، فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أفيضوا من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٩] فخالفهم رَسُول الله ﷺ وَخرج إِلَى عَرَفَات.
وَأَجَازَ بِمَعْنى قطع الْوَادي. قَالَ الزّجاج: يُقَال: جَازَ الرجل الْوَادي وَأَجَازَهُ: إِذا قطعه ونفذه.
١٣٣١ - / ١٦١٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: أَن رَسُول الله ﷺ مر بِالسوقِ وَالنَّاس كنفتيه، فَمر بجدي أصك ميت.
[ ٣ / ٦٧ ]
قَوْله: كنفتيه: أَي عَن جانبيه.
والصكك: اصطكاك الرُّكْبَتَيْنِ عِنْد الْعَدو حَتَّى تصيب إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى، كَأَنَّهُ قد نقصت ركبتاه.
١٣٣٢ - / ١٦١٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نشترك فِي الْإِبِل وَالْبَقر، كل سَبْعَة منا فِي بَدَنَة.
هَذَا حجَّة أَحْمد وَالشَّافِعِيّ فِي جَوَاز الإشتراك. وَقد شرحنا هَذَا فِي الحَدِيث التسعين من مُسْند ابْن عَبَّاس.
١٣٣٣ - / ١٦١٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: صَلَاة الْكُسُوف، وَأَنه صلى بِالنَّاسِ سِتّ رَكْعَات بِأَرْبَع سَجدَات، وَانْصَرف وَقد آضت الشَّمْس.
وَقَوله: سِتّ رَكْعَات: يَعْنِي بالركعات الرُّكُوع. وَقَوله: بِأَرْبَع سَجدَات: يَعْنِي رَكْعَتَيْنِ، لِأَن فِي كل رَكْعَة سَجْدَتَيْنِ، فعلى هَذَا يكون فِي كل رَكْعَة ثَلَاث ركوعات، وَلَا أعرفهُ مذهبا لأحد. وَقد رُوِيَ بِلَفْظ آخر: أَربع رَكْعَات وَأَرْبع سَجدَات، وَهَذَا مَعْرُوف، وَقد ذكرنَا صَلَاة الْكُسُوف فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
وَقَوله: آضت الشَّمْس: أَي رجعت إِلَى حَالَة الإستقامة.
وَقَوله: «وَرَأَيْت صَاحب المحجن» المحجن: الْعَصَا المعوجة العقفاء.
والقصب: المعى، وَجَمعهَا أقصاب.
[ ٣ / ٦٨ ]
وخشاش الأَرْض: هوامها وَمَا يدب من حشراتها.
والقطف: العنقود.
١٣٣٤ - / ١٦١٦ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: ذكر صَلَاة الْخَوْف وَقد سبقت فِي مُسْند سهل بن أبي حثْمَة.
١٣٣٥ - / ١٦١٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: «إِذا وَقعت لقْمَة أحدكُم فليأخذها، فليمط مَا كَانَ بهَا من أَذَى وليأكلها وَلَا يَدعهَا للشَّيْطَان» .
الإماطة: الْإِزَالَة وَالدَّفْع. يُقَال: أماط الرجل عني الْأَذَى، وماط: إِذا نحاه عَنْك.
وَفِي قَوْله: «وَلَا تدعها للشَّيْطَان» وَجْهَان: أَحدهمَا: لَا تتركها لَهُ فيتناولها الشَّيْطَان. وَالثَّانِي: لَا تتركها لقَوْل الشَّيْطَان.
وَقَوله: «حَتَّى يلعقها» قد شرحناه فِي مُسْند كَعْب بن مَالك.
١٣٣٦ - / ١٦١٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر: «الظُّلم ظلمات يَوْم الْقِيَامَة» قد سبق فِي مُسْند ابْن عمر
وَقَوله: «وَاتَّقوا الشُّح» قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: الشُّح أبلغ من الْبُخْل، وَإِنَّمَا الشُّح بِمَنْزِلَة الْجِنْس، وَالْبخل بِمَنْزِلَة النَّوْع. وَأكْثر مَا يُقَال فِي الْبُخْل إِنَّه من أَفْرَاد الْأُمُور وخواص الْأَشْيَاء، وَالشح عَام،
[ ٣ / ٦٩ ]
فَهُوَ كالوصف اللَّازِم للْإنْسَان من قبل الطَّبْع والجبلة. قَالَ: وَقَالَ بَعضهم: الْبُخْل: أَن يضن بِمَالِه، وَالشح: أَن يبخل بِمَالِه ومعروفه.
وَقَوله: «أهلك من كَانَ قبلكُمْ» وَذَلِكَ لأَنهم تشاحوا على الْملك وَالْمَال والرئاسة، واقتتلوا فهلكوا.
١٣٣٧ - / ١٦٢٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: «مَا من نفس منفوسة تبلغ مائَة سنة» .
قد يشكل هَذَا على من لَا يعلم فَيَقُول: قد عَاشَ خلق أَكثر من هَذَا قبل الرَّسُول ﷺ وَبعده، فَمَا وَجه هَذَا؟ فَالْجَوَاب: أَنه ﷺ عَنى بذلك الْمَوْجُودين حِينَئِذٍ من يَوْم قَوْله هَذَا، وَهَذَا قَالَه قبل أَن يَمُوت بِشَهْر كَمَا رُوِيَ فِي الحَدِيث: فَمَا بلغ أحد مِمَّن كَانَ مَوْجُودا من يَوْمئِذٍ مائَة سنة. وَهَذَا مُبين وَاضح فِي مُسْند ابْن عمر، وَقد سبق شَرحه. وَكثير من الروَاة يقتصرون على بعض الحَدِيث ويتركون المهم، وَرُبمَا عبروا بِالْمَعْنَى وَلم يفهموا الْمَقْصُود، فَيَقَع الْإِشْكَال، وَالله سُبْحَانَهُ لَا يخلي كل زمَان مِمَّن يكْشف الْإِشْكَال وَيدْفَع الشّبَه، فَمَتَى سَمِعت حَدِيثا فِيهِ نوع خلل فانسب ذَلِك إِلَى الروَاة؛ فَإِن الرَّسُول ﷺ منزه عَن ذَلِك.
١٣٣٨ - / ١٦٢١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: عَن يزِيد الْفَقِير قَالَ: كنت قد شغفني رَأْي من رَأْي الْخَوَارِج.
[ ٣ / ٧٠ ]
أما تَسْمِيَته بالفقير فَإِنَّهُ لم يكن فَقِيرا، وَإِنَّمَا كَانَ يشكو فقار صلبه، فَقيل لَهُ الْفَقِير. وَمثل هَذَا فَيْرُوز الْحِمْيَرِي، فَإِنَّهُ كَانَ من الديلم لَا من حمير، وَلَكِن نزل فِي حمير فَقيل لَهُ الْحِمْيَرِي. وَكَذَلِكَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ، نزل فِي تيم فنسب إِلَيْهِم، وَإِلَّا فَهُوَ مولى بني مرّة بن عباد.
وَكَذَلِكَ أَبُو سعيد المَقْبُري، نزل الْمَقَابِر فَقيل المَقْبُري. وَكَذَلِكَ إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْمَكِّيّ، كَانَ بصريا، وَإِنَّمَا نزل مَكَّة فَقيل الْمَكِّيّ.
وَكَذَلِكَ خَالِد الْحذاء، كَانَ يُجَالس الحذائين وَلم يكن حذاء. وَكَذَلِكَ إِبْرَاهِيم بن يزِيد الخوزي، نزل شعب الخوز بِمَكَّة فَقيل الخوزي.
وَكَذَلِكَ سُلَيْمَان الْعَرْزَمِي، نزل جبانة عَرْزَم بِالْكُوفَةِ فنسب إِلَيْهَا.
وَقَوله: شغفني: أَي أصَاب شغَاف قلبِي، وَأَرَادَ أَنِّي اعتقدت ذَلِك.
وَقَوله: يخرجُون من النَّار كَأَنَّهُمْ عيدَان السماسم. يُشِير إِلَى سوادهم.
وَفِي هَذَا الحَدِيث: «إِلَّا دارات وُجُوههم» . وَذَلِكَ لاحترام مَوضِع السُّجُود.
١٣٣٩ - / ١٦٢٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: «مثلي ومثلكم كَمثل رجل أوقد نَارا، فَجعل الجنادب والفراش يقعن» .
الجنادب جمع جُنْدُب: وَهِي الْجَرَاد. والفراش: صغَار البق
[ ٣ / ٧١ ]
والبعوض يتهافت فِي النَّار.
والحجز جمع حجزة: وَهِي معقد الْإِزَار، والعامة تَقول حزة، وَهِي لُغَة لبني الْحَارِث بن كَعْب، وَأنْشد ابْن فَارس للنجاشي الْحَارِثِيّ:
(يرقون فِي النّخل حَتَّى ينزلُوا أصلا فِي كل حزة سيح مِنْهُم بسر)
أَرَادَ الْبُسْر.
وَمُرَاد الحَدِيث أَنكُمْ كلما وَقَعْتُمْ فِي زلَّة خلصتكم الشَّرِيعَة ودلتكم على النجَاة. وَأَنْتُم تعودُونَ إِلَى التهافت.
١٣٤٠ - / ١٦٢٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر: أَن النَّبِي ﷺ أَمر بِوَضْع الجوائح.
الجوائح: الْآفَات الَّتِي تصيب الثِّمَار فتهلكها. يُقَال: جاحهم الدَّهْر واجتاحهم: إِذا أَصَابَهُم بمكروه عَظِيم.
وَقد اخْتلف النَّاس فِي حكم هَذَا الحَدِيث: فعندنا أَنه على الْوُجُوب، وَأَن مَا تهلكه الجوائح من ضَمَان البَائِع، والْحَدِيث نَص فِي ذَلِك. وَفِي بعض أَلْفَاظه الصَّحِيحَة: «إِن بِعْت من أَخِيك ثمرا فأصابته جَائِحَة فَلَا يحل أَن تَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا، بِمَ تَأْخُذ مَال أَخِيك بِغَيْر حق؟» وَهَذَا لِأَن الثَّمَرَة فِي رُؤُوس النّخل تستوفى حَالا فحالا، فَهِيَ كالمنافع. ثمَّ إِن الْمَنَافِع إِذا تلفت كَانَت من ضَمَان الْمُؤَجّر، فالثمرة تشبهها من هَذَا الْوَجْه. وَعَن أَحْمد: إِن كَانَ مَا أهلكته الجوائح قدر الثُّلُث فَصَاعِدا كَانَ من ضَمَان البَائِع، وَإِن كَانَ دون الثُّلُث
[ ٣ / ٧٢ ]
فَهُوَ من ضَمَان المُشْتَرِي، وَهَذَا قَول مَالك. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: جَمِيع ذَلِك من ضَمَان المُشْتَرِي، وَعِنْدَهُمَا أَن هَذَا الْأَمر أَمر ندب واستحباب، وَيرد عَلَيْهِمَا قَوْله: «بِمَ تَأْخُذ مَال أَخِيك بِغَيْر حق؟» .
١٣٤١ - / ١٦٢٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: أَرَادَ بَنو سَلمَة أَن يَنْتَقِلُوا قرب الْمَسْجِد، فَقَالَ النَّبِي ﷺ: «دِيَاركُمْ تكْتب آثَاركُم» .
الْمَعْنى: الزموا دِيَاركُمْ. والْآثَار الخطوات. وَقد قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث: «لكم بِكُل خطْوَة دَرَجَة» قَالَ الْحسن وَمُجاهد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ونكتب مَا قدمُوا وآثارهم﴾ [يس: ١٢] خطاهم. وَقَالَ عمر ابْن عبد الْعَزِيز: لَو كَانَ الله مغفلا شَيْئا لأغفل مَا تعفي الرِّيَاح من أثر قدم ابْن آدم.
١٣٤٢ - / ١٦٢٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر: قَالَ جَابر: يُوشك أهل الْعرَاق أَلا يجبى إِلَيْهِم قفيز وَلَا دِرْهَم. قُلْنَا: من أَيْن ذَاك؟ قَالَ: من قبل الْعَجم، يمْنَعُونَ ذَلِك. ثمَّ قَالَ: يُوشك أهل الشَّام أَلا يجبى إِلَيْهِم دِينَار وَلَا مدي. قُلْنَا: من أَيْن ذَلِك؟ قَالَ: من قبل الرّوم.
الْإِشَارَة بِمَا ذكر جَابر إِلَى الْخراج. قَالَ الْخطابِيّ. والمدي:
[ ٣ / ٧٣ ]
مكيال لأهل الشَّام، يُقَال: إِنَّه يسع خَمْسَة عشر مكوكا.
١٣٤٣ - / ١٦٢٦ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين: حَدِيث ابْن صياد.
وَقد سبق فِي مُسْند ابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَغَيرهمَا.
١٣٤٤ - / ١٦٢٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين: نهى أَن يَأْكُل الرجل بِشمَالِهِ أَو يمشي فِي نعل وَاحِدَة.
أما النَّهْي عَن الْمَشْي فِي نعل وَاحِدَة فَإِنَّهُ حث عَن إكرام الْقدَم الْأُخْرَى، وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيث آخر: «ليحفهما جَمِيعًا أَو لينعلهما جَمِيعًا» ثمَّ إِن الْمَشْي فِي نعل وَاحِدَة يتَضَمَّن نوع شهرة.
وَفِي هَذَا الحَدِيث النَّهْي عَن اشْتِمَال الصماء. قَالَ اللغويون: هُوَ أَن تجلل جسدك كُله بِثَوْب وَلَا ترفع شَيْئا من جوانبه. وَإِنَّمَا قيل لَهَا صماء لِأَنَّهُ إِذا اشْتَمَل كَذَلِك شدّ على يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ المنافذ كلهَا كالصخرة الصماء الَّتِي لَيْسَ فِيهَا خرق وَلَا صدع، وَرُبمَا احْتَاجَ أَن يقي نَفسه الْأَذَى فَلَا يقدر، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى ذهب أَبُو عبيد وَابْن قُتَيْبَة.
وَقَالَ الْفُقَهَاء: هُوَ أَن يشْتَمل بِثَوْب لَيْسَ عَلَيْهِ غَيره ثمَّ يرفعهُ من أحد جانبيه فيضعه على مَنْكِبَيْه، فيبدو مِنْهُ فرجه، فتفسير الْفُقَهَاء بخوف
[ ٣ / ٧٤ ]
كشف الْعَوْرَة، وَتَفْسِير اللغويين بخوف أَن يدْفع إِلَى حَالَة تفجأه فَيُؤَدِّي إِلَى أَذَى أَو هَلَاك.
قَوْله: وَأَن يحتبي فِي ثوب وَاحِد كاشفا عَن فرجه. الإحتباء: لي الثَّوْب الْوَاحِد على الظّهْر والركبتين، فَإِن كشف فرجه وَاقع النَّهْي.
وَأما رفع المستلقي إِحْدَى رجلَيْهِ فَلِأَن الْغَالِب على الْعَرَب أَن يكون على أحدهم الثَّوْب الْوَاحِد، فَإِذا فعل هَذَا بَدَت عَوْرَته. فَإِن أَمن هَذَا فَلَا كَرَاهِيَة. وَفِي الصَّحِيح من حَدِيث عباد بن تَمِيم عَن عَمه: أَنه رأى رَسُول الله ﷺ مُسْتَلْقِيا، وَاضِعا إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى.
١٣٤٥ - / ١٦٣٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين: «فِيمَا سقت الْأَنْهَار والعيون العشور، وَفِيمَا سقِي بالسانية نصف العشور» .
قد تكلمنا على هَذَا فِي أَفْرَاد البُخَارِيّ من مُسْند ابْن عمر وَقد بَينا آنِفا أَن السانية: الْإِبِل الَّتِي تَسْقِي الزَّرْع.
١٣٤٦ - / ١٦٣١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين: «لَيْسَ فِيمَا دون خمس أَوَاقٍ من الْوَرق صَدَقَة. وَلَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق من التَّمْر صَدَقَة.
الْوَرق: الْفضة. وَقد تقدم الْكَلَام فِي الْأُوقِيَّة فِي هَذَا الْمسند.
[ ٣ / ٧٥ ]
والذود من الْإِبِل: مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة، وَلَا وَاحِد لَهُ من لَفظه، وَلَا تكون الذود إِلَّا إِنَاثًا، فَإِذا بلغت الثَّلَاثِينَ إِلَى الْأَرْبَعين فَهِيَ صبة، فَإِذا بلغت الْخمسين إِلَى السِّتين فَهِيَ هجمة، فَإِذا بلغت السّبْعين إِلَى الثَّمَانِينَ فَهِيَ عكرة، فَإِذا بلغت مائَة فَهِيَ هنيدة، فَإِذا بلغت ثَلَاثمِائَة فَهِيَ العرج، فَإِذا بلغت السبعمائة إِلَى الْألف فَهِيَ خطر.
وَقد سبق أَن الوسق سِتُّونَ صَاعا، والصاع أَرْبَعَة أَمْدَاد، وَالْمدّ: رَطْل وَثلث.
هَذَا الحَدِيث يدل على أَن النّصاب مُعْتَبر فِي المعشرات خلافًا لأبي حنيفَة وَفِيه دَلِيل على أَنه لَيْسَ فِي الخضروات صَدَقَة لِأَنَّهَا لَا توسق.
١٣٤٧ - / ١٦٣٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين: «أفضل الصَّلَاة طول الْقُنُوت» .
أصل الْقُنُوت الطَّاعَة. وَالْمرَاد بِهِ هَاهُنَا الْقيام. وَقد اخْتلف الْعلمَاء: هَل الْأَفْضَل كَثْرَة الرُّكُوع وَالسُّجُود أَو طول الْقيام؟ فَأَما الإِمَام أَحْمد فَإِنَّهُ قَالَ: قد رُوِيَ فِي هَذَا حديثان، وَلم يقْض فِيهِ بِشَيْء. يُشِير إِلَى حَدِيث جَابر فِي طول الْقيام، وَإِلَى مَا سَيَأْتِي من حَدِيث ربيعَة عَن كَعْب أَنه سَأَلَ النَّبِي ﷺ مرافقته فِي الْجنَّة، فَقَالَ لَهُ: «أَعنِي على
[ ٣ / ٧٦ ]
نَفسك بِكَثْرَة السُّجُود» وَقَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه: أما بِالنَّهَارِ فكثرة الرُّكُوع وَالسُّجُود، وَأما بِاللَّيْلِ فطول الْقيام، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح؛ لِأَنَّهُ لم ينْقل عَن النَّبِي ﷺ فِي صَلَاة اللَّيْل إِلَّا طول الْقيام، وَلم ينْقل عَنهُ فِي صَلَاة النَّهَار طول قيام، والسر فِي ذَلِك أَن الْقيام إِنَّمَا يُرَاد للْقِرَاءَة، وَالْقِرَاءَة ترَاد للتفكر، وَالْقلب يَخْلُو فِي اللَّيْل عَن الشواغل فَيحصل الْمَقْصُود من التِّلَاوَة بِخِلَاف النَّهَار.
١٣٤٨ - / ١٦٣٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْعِشْرين: «الْمُسلم من سلم الْمُسلمُونَ من يَده وَلسَانه» .
وَالْمعْنَى: هَذَا هُوَ الْمُسلم الَّذِي صدق قَوْله بِفِعْلِهِ، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم﴾ [الْأَنْفَال: ٢] . أَي هَذِه صِفَات من صدق إيمَانه وَتمّ.
١٣٤٩ - / ١٦٣٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين: «بَين الرجل وَبَين الشّرك ترك الصَّلَاة» .
اتّفق الْعلمَاء على أَن من ترك الصَّلَاة جاحدا لوُجُوبهَا فَهُوَ كَافِر، وَاخْتلفُوا فِيمَن تَركهَا تكاسلا، فَقَالَ أَحْمد: يدعى إِلَى فعلهَا، فَإِن لم يَفْعَلهَا حَتَّى تضايق وَقت الَّذِي بعْدهَا وَجب قَتله. وَعنهُ: أَنه لَا يجب قَتله حَتَّى يتْرك ثَلَاث صلوَات ويتضايق وَقت الرَّابِعَة، فَإِذا وَجب قَتله لم
[ ٣ / ٧٧ ]
يقتل حَتَّى يُسْتَتَاب ثَلَاثَة أَيَّام، فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل بِالسَّيْفِ. وَهل وَجب قَتله حدا. أَو لكفره؟ على رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا: لكفره، وَدَلِيله هَذَا الحَدِيث، وَالثَّانِي: يقتل حدا. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: لَا يكفر، بل يُسْتَتَاب، فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يُسْتَتَاب وَيحبس وَلَا يقتل.
١٣٥٠ - / ١٦٣٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْعِشْرين: طَاف رَسُول الله بِالْبَيْتِ فِي حجَّة الْوَدَاع على رَاحِلَته يسْتَلم الْحجر بِمِحْجَنِهِ.
الإستلام: اللَّمْس. والمحجن: قد بَيناهُ فِي الحَدِيث التَّاسِع من أَفْرَاد مُسلم. وَقد بَين فِي هَذَا الحَدِيث أَنه إِنَّمَا طَاف رَاكِبًا ليراه النَّاس وليسألوه: وَقد تكلمنا فِي طوف الرَّاكِب فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١٣٥١ - / ١٦٣٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثِينَ: أُتِي بضب فَأبى أَن يَأْكُل مِنْهُ وَقَالَ: «لَا أَدْرِي، لَعَلَّه من الْقُرُون الَّتِي مسخت» .
قد تكلمنا على أكل الضَّب فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
فَإِن قيل: كَيفَ الْجمع بَين هَذَا وَبَين حَدِيث أم حَبِيبَة: «إِن الله لم يمسخ أحدا فَيجْعَل لَهُ نَسْلًا وَلَا عَاقِبَة»؟ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون وَقت قَوْله: «لَا أَدْرِي» لم يعلم، ثمَّ أعلم فَقَالَ مَا روته أم حَبِيبَة، وَالثَّانِي: أَن يكون الْمَعْنى: لَعَلَّه قد مسخ قوم على
[ ٣ / ٧٨ ]
هَيئته وَصورته، فكره أكله للمشابهة، وَتَركه استقذارا، وَهَذَا اخْتِيَار ابْن جرير.
١٣٥٢ - / ١٦٣٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ: رمى رَسُول الله ﷺ الْجَمْرَة يَوْم النَّحْر ضحى، فَأَما بعد فَإِذا زَالَت الشَّمْس.
أما الْجَمْرَة الَّتِي ترمى يَوْم النَّحْر فوقتها بعد طُلُوع الشَّمْس، فَإِن رمى بعد نصف اللَّيْل أَجزَأَهُ خلافًا لأبي حنيفَة وَمَالك. وَأما الْجمار الَّتِي ترمى فِي أَيَّام التَّشْرِيق فوقتها بعد الزَّوَال، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز أَن يَرْمِي فِي الْيَوْم الْأَخير قبل الزَّوَال. وَعَن أَحْمد مثله.
١٣٥٣ - / ١٦٤١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ: رَأَيْت النَّبِي ﷺ يَرْمِي الْجَمْرَة بِمثل حَصى الْخذف.
الْعَادة جَارِيَة بِأَن الْإِنْسَان لَا يخذف بالحصى الْكِبَار، وَالسّنة أَن يكون هَذَا الْحَصَى أكبر من الحمص وأصغر من البندق.
١٣٥٤ - / ١٦٤٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ: «لكل نَبِي دَعْوَة دَعَا بهَا فِي أمته وخبأت دَعْوَتِي شَفَاعَة لأمتي يَوْم الْقِيَامَة» .
قَوْله: «دَعَا بهَا فِي أمته» يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: دَعَا بهَا لنَفسِهِ وَهُوَ فِي أمته. وَالثَّانِي: دَعَا بهَا فيهم: إِمَّا لصلاحهم وَإِمَّا لهلاكهم.
[ ٣ / ٧٩ ]
١٣٥٥ - / ١٦٤٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: أَرَادَ النَّبِي ﷺ أَن ينْهَى أَن يُسمى بيعلى وببركة وبأفلح وبيسار وبنافع وَنَحْو ذَلِك، ثمَّ سكت وَلم يقل شَيْئا.
إِنَّمَا كره ذَلِك لشيئين: أَحدهمَا: أَن هَذِه الْأَسْمَاء تَتَضَمَّن تَزْكِيَة المسمين ومدحهم. وَالثَّانِي: أَنه قد يُقَال: أَفِي الْبَيْت بركَة؟ أها هُنَا نَافِع؟ فَيُقَال: لَا فكره ذَلِك.
١٣٥٦ - / ١٦٤٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ: فِي قتل الْكلاب: «عَلَيْكُم بالأسود البهيم ذِي الطفيتين؛ فَإِنَّهُ شَيْطَان» .
البهيم: الَّذِي لَا يخالط سوَاده لون غير السوَاد.
وَقد سبق بَيَان الطفيتين فِي الْحَيَّات فِي مُسْند أبي لبَابَة، وَهُوَ فِي الْكلاب على ذَلِك الْمَعْنى.
١٣٥٧ - / ١٦٤٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ: «طَعَام الْوَاحِد يَكْفِي الْإِثْنَيْنِ، وَطَعَام الْإِثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَة» .
وَهَذَا يتَضَمَّن الْحَث على الإيثار، فَإِنَّهُ إِذا كَانَ عِنْد الْإِنْسَان مَا يَكْفِيهِ فَأكل شطره لم يُؤثر ذَلِك عِنْده فِي إِقَامَة أوده.
١٣٥٨ - / ١٦٤٦ - وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين: أَنه قَالَ لأسماء بنت عُمَيْس: «مَالِي أرى أجسام بني أخي ضارعة، تصيبهم الْحَاجة؟»
[ ٣ / ٨٠ ]
قَالَت: لَا، وَلَكِن الْعين تسرع إِلَيْهِم. قَالَ: «ارقيهم» .
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: الضارع: الضاوي النحيف.
وَقد تكلمنا على الرقى فِي مُسْند ابْن عَبَّاس، وَذكرنَا مَا فعل فِي إِصَابَة الْعين هُنَاكَ أَيْضا.
وَالْمرَاد ببني أَخِيه أَوْلَاد جَعْفَر بن أبي طَالب، وَأَسْمَاء كَانَت زَوجته.
١٣٥٩ - / ١٦٤٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ: أَن النَّبِي ﷺ زجر أَن يقبر الرجل بِاللَّيْلِ حَتَّى يصلى عَلَيْهِ إِلَّا أَن يضْطَر إِنْسَان إِلَى ذَلِك، وَقَالَ: «إِذا كفن أحدكُم أَخَاهُ فليحسن كَفنه» .
أما نَهْيه عَن الإقبار بِاللَّيْلِ فلتكثر الصَّلَاة على الْمَيِّت، وتحسين الْكَفَن احترام للْمَيت، وَلِأَنَّهُ قد رُوِيَ أَنهم يحشرون فِي أكفانهم.
وَلَيْسَ تَحْسِين الْكَفَن كَمَا يفعل الْجُهَّال من التنوق فِي الأكفان الرفيعة.
١٣٦٠ - / ١٦٥٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: نهى عَن بيع الصُّبْرَة من التَّمْر لَا يعلم مكيلتها بالمكيل الْمُسَمّى من التَّمْر.
الصُّبْرَة: الْجزَاف بِلَا كيل وَلَا وزن. وَهَذَا النَّهْي لأجل الرِّبَا.
فَأَما إِذا بَاعَ صبرَة مجازفة وَانْفَرَدَ البَائِع بِمَعْرِفَة قدرهَا: فعندنا لَا يجوز لَهُ وَالْبيع صَحِيح وَللْمُشْتَرِي الْخِيَار، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ: البيع
[ ٣ / ٨١ ]
لَازم وَلَا خِيَار للْمُشْتَرِي
١٣٦١ - / ١٦٥١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ: كَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول: «إِذا ابتعت طَعَاما فَلَا تبعه حَتَّى تستوفيه» .
قد سبق الْكَلَام فِي هَذَا فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١٣٦٢ - / ١٦٥٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ: قضى رَسُول الله ﷺ بِالشُّفْعَة فِي كل شركَة لم تقسم: ربعَة - وَفِي لفظ: ربع - أَو حَائِط، لَا يحل أَن يَبِيع حَتَّى يُؤذن شَرِيكه، فَإِن شَاءَ أَخذ وَإِن شَاءَ ترك، فَإِذا بَاعَ وَلم يُؤذنهُ فَهُوَ أَحَق بِهِ.
الرّبع: الْمنزل. والحائط: الْبُسْتَان.
وَقَوله: لَا يحل: نهي لمن يحتال فِي إِسْقَاط الشُّفْعَة. وَهَذِه شُفْعَة الْمشَاع، فَأَما غير الْمشَاع فقد ذَكرْنَاهُ فِي أول أَفْرَاد البُخَارِيّ من هَذَا الْمسند.
١٣٦٣ - / ١٦٥٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: أُتِي بِأبي قُحَافَة يَوْم فتح مَكَّة وَرَأسه ولحيته كالثغامة بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: «غيروا هَذَا بِشَيْء وَاجْتَنبُوا السوَاد» .
أَبُو قُحَافَة اسْمه عُثْمَان بن عَامر. وَالَّذِي جَاءَ بِهِ يَوْم الْفَتْح ابْنه أَبُو بكر الصّديق. أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي الْبَزَّاز قَالَ: أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد
[ ٣ / ٨٢ ]
الْجَوْهَرِي قَالَ: أخبرنَا ابْن حيويه قَالَ: أخبرنَا ابْن مَعْرُوف قَالَ:
حَدثنَا ابْن الْفَهم قَالَ: أخبرنَا يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عَن أَبِيه عَن أَسمَاء بنت أبي بكر قَالَت: لما دخل رَسُول الله ﷺ مَكَّة وَاطْمَأَنَّ وَجلسَ فِي الْمَسْجِد، أَتَاهُ أَبُو بكر الصّديق بِأبي قُحَافَة، فَلَمَّا رَآهُ رَسُول الله ﷺ قَالَ: «يَا أَبَا بكر، أَلا تركت الشَّيْخ حَتَّى أكون أَنا الَّذِي أَمْشِي إِلَيْهِ» قَالَ: يَا رَسُول الله، هُوَ أَحَق أَن يمشي إِلَيْك من أَن تمشي إِلَيْهِ. فأجلسه رَسُول الله ﷺ بَين يَدَيْهِ، وَوضع يَده على قلبه ثمَّ قَالَ: «يَا أَبَا قُحَافَة، أسلم تسلم» .
فَأَما الثغامة فَقَالَ أَبُو عبيد: الثغام: نبت أَبيض الثَّمر أَو الزهر، فَشبه بَيَاض الشيب بِهِ، قَالَ حسان بن ثَابت:
(إِمَّا تري رَأْسِي تجلل لَونه شُمْطًا فَأصْبح كالثغام الممحل)
الممحل: الَّذِي أَصَابَهُ الْمحل: وَهِي الجدوبة. وَقَالَ الزّجاج: أثغم رَأس الرجل: إِذا صَار كالثغامة، وأثغم الْوَادي: إِذا صَار فِيهِ الثغام، وَهُوَ شجر أَبيض النُّور يشبه بِهِ الشيب.
١٣٦٤ - / ١٦٥٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ: «غلظ الْقُلُوب والجفاء فِي الْمشرق، وَالْإِيمَان فِي الْحجاز» .
قد ذكرنَا فِي مُسْند ابْن عمر أَن الْفِتَن تَأتي من الْمشرق مثل الدَّجَّال
[ ٣ / ٨٣ ]
ويأجوج وَمَأْجُوج وَغير ذَلِك، والأغلب عَلَيْهِم الْأَعَاجِم، وَفِيهِمْ غلظ الْقُلُوب والجفاء. وَأما الْحجاز فمسكن الْعَرَب. قَالَ ابْن فَارس: سمي الْحجاز لِأَنَّهُ احتجز بالجبال، يُقَال: احتجزت الْمَرْأَة: إِذا شدت ثِيَابهَا على وَسطهَا واتزرت، قَالَ: وَالْأَصْل عندنَا فِي الْحجاز أَنه حاجز بَين أَرضين.
١٣٦٥ - / ١٦٥٦ - وَفِي الحَدِيث الْخمسين: نهى أَن يقتل شَيْء من الدَّوَابّ صبرا.
أَي أَن يحبس للْقَتْل، وَقد كَانُوا يتخذونها كالغرض ويرمونها.
١٣٦٦ - / ١٦٥٦ -
١٣٦٦ - / ١٦٥٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْخمسين: قَالَ جَابر: نجيء نَحن يَوْم الْقِيَامَة عَن كَذَا وَكَذَا، ثمَّ يأتينا رَبنَا.
قَوْله: عَن كَذَا وَكَذَا، كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى كَثْرَة الْعدَد.
وَقَوله: ثمَّ يأتينا رَبنَا. قد قَالَ أَحْمد فِي قَوْله: يَأْتِيهم الله: يَأْتِي أمره.
وَقَوله: فتجلى لَهُم يضْحك. قد يسْبق إِلَى الخيال والحس التَّمْثِيل بالخلق. وَفِي قَوْله: فَينْطَلق بهم فيتبعونه، أَنه يقطع مَسَافَة. وَهَذَا كُله حرَام الإعتقاد، وَالنَّاس فِي هَذَا وَأَمْثَاله رجلَانِ: أَحدهمَا سكت عَن
[ ٣ / ٨٤ ]
التَّفْسِير مَعَ نفي الخيال، وَهَذَا مَذْهَب جُمْهُور السّلف. وَالْآخر: حمله على سَعَة اللُّغَة. فَأَما الثَّالِث فَهُوَ الْمُشبه.
وَقَوله: تذْهب حراقه: أَي أثر مَا احْتَرَقَ مِنْهُ.
١٣٦٧ - / ١٦٥٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْخمسين: قَالَ جَابر: طلقت خَالَتِي فَأَرَادَتْ أَن تَجِد نخلها، فزجرها رجل أَن تخرج، فَأَتَت النَّبِي ﷺ فَقَالَ: «بلَى، جدي نخلك» .
جدَاد النّخل: صرامها.
وَهَذَا فِي الْمُعْتَدَّة من الطَّلَاق الثَّلَاث، فَإِنَّهَا تخرج فِي النَّهَار إِلَى الْمَكَان الْقَرِيب للْحَاجة، ونخل الْأَنْصَار قريب من دُورهمْ. فَأَما الرَّجْعِيَّة فَلَا تخرج لَيْلًا وَلَا نَهَارا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا تخرج المبتوتة أصلا كالرجعية. وَقَالَ الشَّافِعِي: تخرج نَهَارا لَا لَيْلًا.
١٣٦٨ - / ١٦٦٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْخمسين: نهى عَن بيع ضراب الْجمل، وَعَن بيع المَاء وَالْأَرْض لتحرث.
أما ضراب الْفَحْل فَهُوَ عسب الْفَحْل، وَقد تقدم ذكره فِي أَفْرَاد البُخَارِيّ من مُسْند ابْن عمر.
وَأما بيع المَاء فَلِأَن النَّاس شُرَكَاء فِيهِ.
١٣٦٩ - / ١٦٦١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْخمسين: نهى عَن الوسم
[ ٣ / ٨٥ ]
فِي الْوَجْه.
الوسم: الْعَلامَة بِنَار أَو غَيرهَا، وَهِي فِي الْوَجْه كالمثلة.
١٣٧٠ - / ١٦٦٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْخمسين: نهى أَن يجصص الْقَبْر وَأَن يقْعد عَلَيْهِ. وَفِي لفظ: أَن يُقَصَّص.
التجصيص من الجص، والتقصيص من الْقِصَّة، وَهُوَ الجص أَيْضا، وَقد ذكرنَا عَن أبي سُلَيْمَان أَنه قَالَ: يشبه الجص وَلَيْسَ بِهِ.
وَأما الْقعُود على الْقَبْر فَظَاهره الْجُلُوس، وَقد أَوله قوم فَقَالُوا: هُوَ الْقعُود عَلَيْهِ للتخلي وَالْحَاجة، وَالْأول اصح.
١٣٧١ - / ١٦٦٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْخمسين: نهى عَن الشّغَار. وَقد تقدم فِي مُسْند ابْن عمر.
١٣٧٢ - / ١٦٦٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْخمسين: «مَا من صَاحب إبل لَا يفعل فِيهَا حَقّهَا إِلَّا قعد لَهَا بقاع قرقر» .
أما القاع فَقَالَ أَبُو عبيد: هُوَ الْمَكَان المستوي لَيْسَ فِيهِ ارْتِفَاع وَلَا انخفاض، وَهُوَ القيعة أَيْضا. وَيُقَال: القيعة جمع قاع. والقرقر أَيْضا: الْمَكَان المستوي.
[ ٣ / ٨٦ ]
وَقَالَ: وَقد جَاءَ فِي بعض الحَدِيث: «بقاع قرق» وَهُوَ مثل القرقر، وَأنْشد:
(كَأَن أَيْدِيهنَّ بالقاع القرق أَيدي جوَار يتعاطين الْوَرق)
فَشبه بَيَاض أَيدي الْإِبِل ببياض أَيدي الْجَوَارِي. كَذَا قَالَ أَبُو عبيد.
وَأخْبرنَا ابْن نَاصِر قَالَ: أخبرنَا أَبُو زَكَرِيَّا قَالَ: قَالَ لي أَبُو الْعَلَاء المعري: يجب أَن يكون شبه حمرَة أَيدي الْإِبِل بحمرة أَيدي الْجَوَارِي، لِأَن أخفافها قد اختضبت بِالدَّمِ، فَهِيَ كأيدي جوَار قد اختضبن، وَهن بَنَات أَغْنِيَاء يلعبن بِالدَّرَاهِمِ.
وَقَوله: يستن: أَي يعدو. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: والإستنان: أَن يحضر الْفرس وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْفَارِس. يُقَال: فرس سِنِين، وَذَلِكَ من النشاط. وَأَرَادَ هَا هُنَا أَنه يمرح فِي الطول.
والأخفاف جمع خف. والخف للبعير كالظفر للْإنْسَان، والظلف للبقر وَالْغنم كَذَلِك.
والجماء: الَّتِي لَا قرن لَهَا.
وَقَوله: «شجاعا أَقرع» قَالَ أَبُو عبيد: الشجاع: الْحَيَّة، وَإِنَّمَا سمي أَقرع لِأَنَّهُ يقري السم ويجمعه فِي رَأسه حَتَّى يتمعط مِنْهُ شعره، قَالَ الشَّاعِر يذكر حَيَّة ذكرا:
[ ٣ / ٨٧ ]
(قرى السم حَتَّى انماز فَرْوَة رَأسه عَن الْعظم صل فاتك اللسع مارده)
وَقَوله: «فيقضمان» القضم: العض وَالْكَسْر. وَقَالَ أَبُو عبيد: القضم بِأَدْنَى الْأَسْنَان والخضم بأقصاها.
والفحل: الذّكر.
وَأما قَوْله وَقد سُئِلَ عَن حق الْإِبِل فَقَالَ: «حلبها على المَاء» أَي عِنْد المَاء، وَذَلِكَ لأَنهم يَجْتَمعُونَ عِنْده، فَأَرَادَ سقِي أهل المَاء.
وَقَوله: «ومنيحتها» أَي يُعْطي النَّاقة وَالشَّاة لمن يحلبها وَيشْرب من لَبنهَا من الْفُقَرَاء وقتا مَعْلُوما. ومنحة لَبنهَا يَوْم وُرُودهَا: أَن تَسْقِي من حضر من المحتاجين، وَهَذَا - مِمَّا نرَاهُ - كَانَ لَازِما قبل الزَّكَاة، لِأَن التواعد لَا يكون إِلَّا على وَاجِب.
١٣٧٣ - / ١٦٦٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْخمسين: «فَينزل عِيسَى فَيَقُول أَمِيرهمْ: صل لنا، فَيَقُول: لَا، إِن بَعْضكُم على بعض أُمَرَاء» .
اعْلَم أَنه لَو تقدم عِيسَى لوقع فِي النُّفُوس إِشْكَال، ولقيل: أتراه تقدم على وَجه النِّيَابَة أم ابْتَدَأَ شرعا؟، فَيصَلي مَأْمُوما لِئَلَّا يتدنس بغبار الشُّبْهَة، وَجه قَوْله: «لَا نَبِي بعدِي» .
[ ٣ / ٨٨ ]
١٣٧٤ - / ١٦٦٦ - وَفِي الحَدِيث السِّتين: كتب النَّبِي ﷺ على كل بطن عقوله، ثمَّ كتب بِأَنَّهُ لَا يحل أَن يتوالى مولى رجل مُسلم بِغَيْر إِذْنه.
الْبَطن من الْقَبِيلَة. وَيُرِيد بالعقول أَنَّهَا تعقل عَن صَاحبهَا، وَالْمرَاد أَن الدِّيَة على الْعَاقِلَة، فَكتب على كل بطن مَا يلْزمهُم من الدِّيَة، وَمنع أَن يتَوَلَّى رجل قوما بِغَيْر إِذن موَالِيه، وَهُوَ أَن ينتسب إِلَى ولايتهم ومواليه فَمَا يأذنون فِي هَذَا.
١٣٧٥ - / ١٦٦٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتِّينَ: «إِن كَانَ فِي شَيْء فَفِي الرّبع وَالْخَادِم وَالْفرس» يَعْنِي الشؤم وَقد ذكرنَا هَذَا فِي مُسْند سهل بن سعد.
١٣٧٦ - / ١٦٦٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسِّتِّينَ: «إِذا استجمر أحدكُم فليوتر» .
أصل الإستجمار من الْجمار: وَهِي الْحَصَا الصغار. وَيسْتَحب أَن يكون وترا. وَفِي حَدِيث آخر: «فليذهب مَعَه بِثَلَاثَة أَحْجَار» .
١٣٧٧ - / ١٦٦٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسِّتِّينَ: قَالَ جَابر: مهل أهل الْمَدِينَة من ذِي الحليفة.
الْمهل مضموم الْمِيم: وَهُوَ الْموضع الَّذِي يهلون مِنْهُ. والإهلال:
[ ٣ / ٨٩ ]
رفع الصَّوْت بِالتَّلْبِيَةِ. وَقد سبق هَذَا.
١٣٧٨ - / ١٦٧١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسِّتِّينَ: «اركبها بِالْمَعْرُوفِ إِذا ألجئت إِلَيْهَا حَتَّى تَجِد ظهرا» يَعْنِي الْهَدْي.
الْمَعْرُوف هَا هُنَا مَا لَا يجْهد المركوب. والإلجاء: الإضطرار.
وَالظّهْر: المركوب.
وَعِنْدنَا أَن لصَاحب الْهَدْي أَن يركب وَأَن يشرب اللَّبن. وَقَالَ الشَّافِعِي: إِن اضْطر إِلَى الرّكُوب جَازَ. وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي: لَا يركبهَا، وَإِن فعل ذَلِك لضَرُورَة فنقصها الرّكُوب شَيْئا ضمن مَا نَقصهَا وَتصدق بِهِ.
١٣٧٩ - / ١٦٧٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالسِّتِّينَ: كُنَّا نستمتع بالقبضة من التَّمْر والدقيق الْأَيَّام على عهد رَسُول الله ﷺ وَأبي بكر حَتَّى نهى عَنهُ عمر فِي شَأْن عَمْرو بن حُرَيْث.
عَمْرو بن حُرَيْث من الصَّحَابَة، وَكَانَ قد استمتع من امْرَأَة فَحملت، فَبلغ ذَلِك عمر، فحد فِي النَّهْي عَن ذَلِك. المُرَاد أَنه بَين تَحْرِيم ذَلِك الْفِعْل، وَإِنَّمَا فعل هَذَا فِي زمن رَسُول الله ﷺ لِأَنَّهُ أذن فِيهِ ثمَّ إِنَّه نهى عَنهُ، فَلم يعلم بِالنَّهْي أَقوام فَفَعَلُوا ذَلِك فِي زَمَنه وَفِي زمن أبي بكر، فَلَمَّا شاع فعلهم فِي زمن عمر حد فِي تَبْيِين النَّهْي،
[ ٣ / ٩٠ ]
وَبَيَان هَذَا أَنه لَا يجوز أَن يكون النَّهْي بَلغهُمْ ثمَّ يَفْعَلُونَهُ، لِأَن الصَّحَابَة قد نزهوا عَن مثل هَذَا، وَلَا يجوز أَن يكون مَأْذُونا فِيهِ بِالشَّرْعِ مُطلقًا، وَقد فعل فِي زمن النَّبِي ﷺ وَأبي بكر ويبتدئ عمر بِالنَّهْي عَنهُ؛ إِذْ لَيْسَ إِلَيْهِ أَن يُغير شَيْئا من الشَّرِيعَة، وَإِنَّمَا الْوَجْه مَا ذكرنَا. وَقد ذكرنَا مثل هَذَا فِي أَوَائِل هَذَا الْمسند.
١٣٨٠ - / ١٦٧٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسِّتِّينَ: «إِذا دعِي أحدكُم إِلَى طَعَام فليجب» .
إِذا كَانَ الطَّعَام الْمَدْعُو إِلَيْهِ وَلِيمَة عرس وَجَبت الْإِجَابَة على مَا بَينا فِي مُسْند الْبَراء بن عَازِب، وَإِن لم تكن وَلِيمَة عرس اسْتحبَّ للمدعو أَن يطيب قلب الدَّاعِي بِحُضُورِهِ إِذا لم يكن فِي الْحُضُور مَا يكره.
١٣٨١ - / ١٦٧٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالسِّتِّينَ: صلى بِنَا رَسُول الله ﷺ يَوْم النَّحْر بِالْمَدِينَةِ، فَتقدم رجال فنحروا وظنوا أَن رَسُول الله قد نحر، فَأمر النَّبِي ﷺ من كَانَ نحر قبله أَن يُعِيد بنحر آخر، وَلَا ينحروا حَتَّى ينْحَر رَسُول الله ﷺ.
قد تكلمنا على هَذَا فِيمَا تقدم، وَبينا أَن مَذْهَبنَا يخْتَلف، فالمنصور عندنَا أَنه لَا يجوز ذبح الْأُضْحِية قبل صَلَاة الإِمَام وَيجوز بعْدهَا وَإِن لم يكن قد ذبح، وَيكون معنى قَوْله: وَلَا تنحروا حَتَّى ينْحَر، على الْغَالِب فِي حَال الإِمَام، فَإِن النَّبِي ﷺ كَانَ يُصَلِّي ثمَّ ينْحَر. وَقَالَ أَبُو
[ ٣ / ٩١ ]
حنيفَة فِي أهل الْأَمْصَار كمذهبنا، وَفِي أهل الْقرى: يجوز أَن يذبحوا بعد طُلُوع الْفجْر من يَوْم النَّحْر. وَقَالَ مَالك: وَقت الذّبْح إِذا صلى الإِمَام وَذبح، أخذا بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث. وَقَالَ الشَّافِعِي: وَقت الذّبْح أَن يمْضِي بعد دُخُول وَقت الصَّلَاة زمَان يُمكن فِي صَلَاة رَكْعَتَيْنِ وخطبتين، وَهُوَ ظَاهر كَلَام الْخرقِيّ.
١٣٨٢ - / ١٦٧٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسِّتِّينَ: زجر النَّبِي ﷺ أَن تصل الْمَرْأَة برأسها شَيْئا.
وَقد تكلمنا فِي حكم وصل الشّعْر فِي مُسْند ابْن عمر. وَمعنى الحَدِيث: أَن تصل بشعرها. وَقد ذكرنَا أَن الْعلمَاء أباحوا القرامل، فَيكون قَوْله: «شَيْئا» إِشَارَة إِلَى الشّعْر.
١٣٨٣ - / ١٦٧٦ - وَفِي الحَدِيث السّبْعين: إِن الْيَهُود إِذا سلمُوا قَالُوا: السام عَلَيْك.
والسام: الْمَوْت، وَقد سبق هَذَا.
١٣٨٤ - / ١٦٧٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسبْعين: «لَا عدوى وَلَا طيرة وَلَا صفر وَلَا غول» .
[ ٣ / ٩٢ ]
قد تكلمنا فِي الْعَدْوى والطيرة فِي مُسْند ابْن عمر.
فَأَما قَوْله: «لَا صفر» فَفِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا حَيَّة تكون فِي الْبَطن، وَفِي هَذَا الحَدِيث قَالَ جَابر: كَانَ يُقَال دَوَاب الْبَطن. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: سَمِعت يُونُس يسْأَل رؤبة عَن الصفر فَقَالَ: حَيَّة تكون فِي الْبَطن تصيب الْمَاشِيَة وَالنَّاس، وَهِي أعدى من الجرب عِنْد الْعَرَب، فَأبْطل النَّبِي ﷺ أَنَّهَا تعدِي. وَيُقَال: إِنَّهَا تشتد على الْإِنْسَان إِذا جَاع وتؤذيه، قَالَ أعشى باهلة:
(لَا يتأرى لما فِي الْقدر يرقبه وَلَا يعَض على شرسوفه الصفر)
وَالثَّانِي: أَنه تأخيرهم الْمحرم إِلَى صفر، قَالَ أَبُو عُبَيْدَة. قَالَ أَبُو عبيد: وَلم يقل هَذَا غير أبي عُبَيْدَة.
وَقَوله: «وَلَا غول» كَانَت الْعَرَب تَقول: إِن الغيلان فِي الفلوات تتراءى للنَّاس وتتغول: أَي تتلون لَهُم فتضلهم عَن الطَّرِيق وتفزعهم وتهلكهم، فَأبْطل الشَّرْع صِحَة ذَلِك.
١٣٨٥ - / ١٦٧٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسبْعين: «النَّاس تبع لقريش فِي الْخَيْر وَالشَّر» .
كَانَت قُرَيْش مُتَقَدّمَة على سَائِر الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة، ثمَّ تقدمتهم بالرسول ﷺ فِي الْإِسْلَام.
[ ٣ / ٩٣ ]
١٣٨٦ - / ١٦٨١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسبْعين: بَايَعْنَاهُ تَحت الشَّجَرَة غير جد بن قيس، فَإِنَّهُ اختفى تَحت بطن بعيره.
هَذَا الرجل مَعْدُود فِي الْمُنَافِقين، وَهُوَ الْقَائِل: ﴿ائْذَنْ لي وَلَا تفتني﴾ [التَّوْبَة: ٤٩] .
١٣٨٧ - / ١٦٨٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالسبْعين: «لَا يبع حَاضر لباد» .
البادي: الَّذِي يطْرَأ عَلَيْك، وَالَّذِي يسكن الْبَادِيَة. وَقد سبق شرح هَذَا الحَدِيث وَحكمه فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١٣٨٨ - / ١٦٨٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسبْعين: نهى أَن يبال فِي المَاء الراكد.
الراكد الْمُقِيم الَّذِي لَا يجْرِي، وَلَا يَخْلُو من حَالين: إِمَّا أَن يكون قَلِيلا فينجس بالبول، أَو كثيرا لَا يُنجسهُ الْبَوْل، فاستدامة الْبَوْل فِيهِ تغير رِيحه وتقذره إِلَى المستعملين مِنْهُ.
١٣٨٩ - / ١٦٨٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالسبْعين: «فَإِذا مُوسَى ضرب من الرِّجَال كَأَنَّهُ من رجال شنُوءَة» .
الضَّرْب من الرِّجَال: الْخَفِيف، وأنشدوا:
[ ٣ / ٩٤ ]
(أَنا الرجل الضَّرْب الَّذِي تعرفونه خشَاش كرأس الْحَيَّة المتوقد)
وَأما تشبيهه عِيسَى بِعُرْوَة، وَجِبْرِيل بِدِحْيَةَ، فَإِن عُرْوَة هُوَ ابْن مَسْعُود بن معتب، أَبُو يَعْفُور الثَّقَفِيّ، أسلم وَصَحب النَّبِي ﷺ، ودحية هُوَ ابْن خَليفَة بن فَرْوَة، أسلم قَدِيما، وَشهد الْمشَاهد بعد بدر. وَجَمَاعَة الْمُحدثين واللغويين يَقُولُونَ دحْيَة بِكَسْر الدَّال، وَحكى ابْن قُتَيْبَة عَن الْأَصْمَعِي فتحهَا. وَكَانَ جِبْرِيل يَأْتِي فِي صورته. قَالَ لنا شَيخنَا ابْن نَاصِر: إِنَّمَا كَانَ جِبْرِيل يتشبه بِدِحْيَةَ لِأَن دحْيَة كَانَ يدْخل على الْمُلُوك.
١٣٩٠ - / ١٦٨٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسبْعين: اشْتَكَى رَسُول الله ﷺ فصلينا وَرَاءه وَهُوَ قَاعد، فَالْتَفت فرآنا قيَاما، فَأَشَارَ إِلَيْنَا، فَقَعَدْنَا فصلينا بِصَلَاتِهِ قعُودا، فَلَمَّا سلم قَالَ: «ائتموا بأئمتكم. إِن صلى قَائِما فصلوا قيَاما، وَإِن صلى قَاعِدا فصلوا قعُودا» .
مَذْهَب أَصْحَابنَا أَنه إِذا مرض إِمَام الْحَيّ مَرضا يرجي بُرْؤُهُ جَازَ أَن يُصَلِّي بهم قَاعِدا وَيصلونَ خَلفه قعُودا لهَذَا الحَدِيث، فَإِن صلوا قيَاما جَازَ خلافًا للأكثرين فِي قَوْلهم: إِنَّه مَتى قدرُوا على الْقيام فصلوا جُلُوسًا بطلت صلَاتهم وَقد حكى البُخَارِيّ عَن عبد الله بن الزبير الْحميدِي أَنه قَالَ: هَذَا مَنْسُوخ، لِأَن هَذَا كَانَ فِي مَرضه الْقَدِيم، وَقد صلى فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَالنَّاس خَلفه قيام فَلم يَأْمُرهُم بِالْجُلُوسِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذ بِالْآخرِ فالآخر من أمره ﷺ. وَسَيَأْتِي هَذَا الحَدِيث فِي
[ ٣ / ٩٥ ]
مُسْند أنس وَأبي هُرَيْرَة وَعَائِشَة، وَهَذَا كَلَام على الْكل.
وَفِي هَذَا الحَدِيث: أَن فَارس وَالروم يقومُونَ على مُلُوكهمْ: أَي على رُؤُوس مُلُوكهمْ.
١٣٩١ - / ١٦٨٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّمَانِينَ: جَاءَ عبد فَبَايع على الْهِجْرَة وَلم يشْعر أَنه عبد، فجَاء سَيّده يُريدهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ: «بعنيه» فَاشْتَرَاهُ بعبدين.
لما كَانَت الْهِجْرَة وَاجِبَة على من يقدر، كَالْجُمُعَةِ مثلا، كَانَ العَبْد كالمعذور لموْضِع حبس السَّيِّد لَهُ.
١٣٩٢ - / ١٦٨٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي والثمانين: النَّهْي عَن الْأكل بالشمال وَقد سبق فِي مُسْند ابْن عمر.
١٣٩٣ - / ١٦٨٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي والثمانين: أَن أم سَلمَة اسْتَأْذَنت رَسُول الله ﷺ فِي الْحجامَة، فَأمر أَبَا طيبَة أَن يحجمها، حسبت أَنه قَالَ: كَانَ أخاها من الرضَاعَة، أَو غُلَاما لم يَحْتَلِم.
قلت: مَتى اضطرت الْمَرْأَة إِلَى هَذَا وَلم تَجِد محرما يحجمها وَلَا امْرَأَة، جَازَ أَن يحجمها أَجْنَبِي.
١٣٩٤ - / ١٦٨٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث والثمانين «إِذا رأى أحدكُم
[ ٣ / ٩٦ ]
الرُّؤْيَا يكرهها فليبصق عَن يسَاره» وَقد سبق فِي مُسْند أبي قَتَادَة.
١٣٩٥ - / ١٦٩٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع والثمانين: «من رَآنِي فِي النّوم فقد رَآنِي» .
وَقد سبق فِي مُسْند أبي قَتَادَة، وتكلمنا هُنَالك عَن أَقسَام الرُّؤْيَا.
وَفِي هَذَا الحَدِيث أَن رجلا قَالَ: رَأَيْت كَأَن رَأْسِي ضرب فتدحرج، واشتددت فِي إثره. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: «لَا تحدث النَّاس بتلعب الشَّيْطَان بك» وَهَذَا تَنْبِيه على أَن كل رُؤْيا كَانَت من هَذَا الْجِنْس فَلَا يَنْبَغِي أَن يتحدث بهَا، فَإِنَّهَا من الشَّيْطَان.
١٣٩٦ - / ١٦٩١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس والثمانين: أَن عبدا لحاطب قَالَ: ليدخلن حَاطِب النَّار. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: «كذبت، لَا يدخلهَا، فَإِنَّهُ شهد بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَة» .
هَذَا حَاطِب بن أبي بلتعة. وَفِي هَذَا الحَدِيث بِشَارَة لمن شهد بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَة، وَقد قَالَ فِي أهل بدر: «لَعَلَّ الله اطلع على أهل بدر فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُم؛ فَإِنِّي قد غفرت لكم» . وَقَالَ الله تَعَالَى فِي أهل الْحُدَيْبِيَة: ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾ [الْفَتْح: ١٨] .
[ ٣ / ٩٧ ]
١٣٩٧ - / ١٦٩٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس والثمانين: «أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله﴾ فَذكر الحَدِيث وَقَرَأَ: ﴿لست عَلَيْهِم بمسيطر﴾ [الغاشية: ٢٢] أما الحَدِيث فقد تقدم فِي مُسْند ابْن عمر.
وَأما المسيطر فَقَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الْمُسَلط. قَالَ اللغويون: يُقَال: تسيطر وتصيطر بِالسِّين وَالصَّاد، وَالْأَصْل السِّين، وكل سين بعْدهَا طاء يجوز أَن تقلب صادا، كَمَا تَقول سطر وصطر، وسطا علينا وصطا.
وَلم يَأْتِ فِي كَلَام الْعَرَب اسْم على «مفيعل» إِلَّا خَمْسَة أَسمَاء: مسيطر وَهُوَ الْمُسَلط، ومهيمن وَهُوَ الشَّاهِد، ومجيمر وَهُوَ اسْم جبل، ومبيطر أَي بيطار، ومبيقر وَهُوَ الَّذِي خرج من أَرض إِلَى أَرض، يُقَال: بيقر الرجل: إِذا خرج من بلد إِلَى بلد، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس.
(أَلا هَل أَتَاهَا والحوادث جمة بِأَن امْرأ الْقَيْس بن تملك بيقرا) .
١٣٩٨ - / ١٦٩٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع والثمانين: أَن رَسُول الله ﷺ
[ ٣ / ٩٨ ]
دخل مَكَّة يَوْم فتح مَكَّة وَعَلِيهِ عِمَامَة سَوْدَاء.
المُرَاد من هَذَا الحَدِيث أَنه دخل غير محرم. وَاعْلَم أَن من أَرَادَ دُخُول مَكَّة لَا للنسك بل لحَاجَة، فَلَا تَخْلُو هَذِه الْحَاجة من أَمريْن: إِمَّا أَن تكون متكررة كالإحتطاب والإحتشاش فَهَذَا لَا يلْزمه الْإِحْرَام.
وَإِمَّا أَن تكون غير متكررة كالتجارة، فَهَل يلْزمه الْإِحْرَام أم لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَن أَحْمد، وقولان للشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: من كَانَ من أهل الْمِيقَات إِلَى مَكَّة لَا يلْزمه، وَمن كَانَ خَارج الْمِيقَات لزمَه الْإِحْرَام. فَإِذا قُلْنَا: لَا يلْزم الدَّاخِل لحَاجَة غير متكررة الْإِحْرَام فَلَا كَلَام، وَإِن قُلْنَا: يلْزم، كَانَ دُخُول الرَّسُول ﷺ إِلَى مَكَّة غير محرم خَاصّا لَهُ، بِدَلِيل قَوْله: «وَإِنَّمَا أحلّت لي سَاعَة من نَهَار» .
١٣٩٩ - / ١٦٩٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع والثمانين: فِيهِ شَيْء يتَعَلَّق بِالْقدرِ. وَقد سبق بَيَانه فِي مُسْند عمر وَعلي وَعمْرَان بن حُصَيْن وَغَيرهم.
وَفِيه: أَرَأَيْت عُمْرَتنَا، لِعَامِنَا أم لِلْأَبَد؟ وَفِيه: «من لم يكن مَعَه هدي فليحلل» وَقد سبق تَفْسِير ذَلِك فِي مُسْند ابْن عَبَّاس وَغَيره.
١٤٠٠ - / ١٦٩٦ - وَفِي الحَدِيث التسعين: «لَا تذبحوا إِلَّا مُسِنَّة إِلَّا أَن يعسر عَلَيْكُم فتذبحوا جَذَعَة من الضَّأْن» .
[ ٣ / ٩٩ ]
المسنة: مَا لَهَا سنتَانِ وَأكْثر. والجذعة من الضَّأْن: مَا كمل لَهُ سِتَّة أشهر وَدخل فِي السَّابِع، فَأَما من الْمعز فَمَا لَهُ سنة وَقد دخل فِي الثَّانِيَة. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: ولد الضَّأْن أول سنة حمل، ثمَّ يكون جذعا فِي الثَّانِيَة، ثمَّ ثنيا، ثمَّ رباعيا. وَولد المعزى أول سنة جدي، ثمَّ تنقله فِي الْأَسْنَان مثل تنقل الْحمل. وَقَالَ ابْن فَارس: يُقَال لأَوْلَاد الْغنم سَاعَة تضعه أمه من الضَّأْن والمعز جَمِيعًا، ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى: سخلة، ثمَّ هُوَ الْبَهِيمَة. فَإِذا أَتَى عَلَيْهَا الْحول وَدخلت فِي الثَّانِيَة فَهِيَ جَذَعَة. فَإِذا أَتَت عَلَيْهَا سنتَانِ وَدخلت فِي الثَّالِثَة فَهِيَ ثنية. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الْجذع يخْتَلف فِي أَسْنَان الْإِبِل وَالْخَيْل وَالْبَقر والشاه، وَيَنْبَغِي أَن يُفَسر قَول الْعَرَب فِيهِ تَفْسِيرا مشبعا لحَاجَة النَّاس إِلَى مَعْرفَته فِي أضاحيهم وصدقاتهم: فَأَما الْبَعِير فَإِنَّهُ يجذع لاستكماله أَرْبَعَة أَعْوَام ودخوله فِي الْخَامِسَة، وَأما الْجذع من الْخَيل فَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: إِذا استتم الْفرس سنتَيْن وَدخل فِي الثَّالِثَة فَهُوَ جذع، وَإِذا استتم الثَّالِثَة وَدخل فِي الرَّابِعَة فَهُوَ ثني. وَأما الْجذع من الْبَقر فَقَالَ الْأَصْمَعِي: إِذا طلع قرن الْعجل وَقبض عَلَيْهِ فَهُوَ عضب، ثمَّ هُوَ بعد ذَلِك جذع، وَبعده ثني. وَقَالَ عتبَة بن أبي حَكِيم: لَا يكون الْجذع من الْبَقر حَتَّى يكون لَهُ سنتَانِ وَأول يَوْم من الثَّالِثَة. وَاخْتلفُوا فِي تَفْسِير الْجذع من الضَّأْن والمعز، فَقَالَ أَبُو زيد فِي المعزى خَاصَّة: يكون جذعا فِي السّنة الثَّانِيَة، ثمَّ ثنيا فِي الثَّالِثَة، ثمَّ رباعيا فِي الرَّابِعَة، وَلم يذكر الضَّأْن. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الإجذاع وَقت وَلَيْسَ بسن. وَقَالَ:
[ ٣ / ١٠٠ ]
والعناق تجذع لسنة، وَرُبمَا أجذعت العناق قبل تَمام السّنة للخصب فتسمن فيسرع إجذاعها، فَهِيَ جَذَعَة لسنة، وثنية لتَمام سنتَيْن. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: فرق ابْن الْأَعرَابِي بَين المعزى والضأن، فَجعل الضَّأْن أسْرع إجذاعا، وَهَذَا الَّذِي قَالَ إِنَّمَا يكون مَعَ خصب السّنة وَكَثْرَة اللَّبن والعشب. وَقَالَ يحيى بن آدم: إِنَّمَا يَجْزِي الْجذع من الضَّأْن فِي الْأَضَاحِي لِأَنَّهُ ينزو ويلقح، وَإِذا كَانَ من المعزى لم يلقح حَتَّى يثني. وَقَالَ اللَّيْث: الْجذع من الدَّوَابّ والأنعام أول مَا يُسْتَطَاع ركُوبه.
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْخرقِيّ: سَمِعت أبي يَقُول: سَأَلت بعض أهل الْبَادِيَة: كَيفَ تعرفُون الضَّأْن إِذا أجذع؟ فَقَالُوا: لَا تزَال الصوفة قَائِمَة على ظَهره مَا دَامَ حملا، فَإِذا نَامَتْ الصوفة على ظَهره علم أَنه قد أجذع.
١٤٠١ - / ١٦٩٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالتسْعين: كَانَ ينْبذ لرَسُول الله ﷺ فِي سقاء فَإِن لم يَجدوا سقاء نبذوا لَهُ فِي تور من حِجَارَة. فَقيل لأبي الزبير: من برام؟ قَالَ: من برام.
السقاء: الْقرْبَة. قَالَ أَبُو زيد: يُقَال لمسك السخلة مَا دَامَت ترْضع الشكوة، فَإِذا فطم فمسكة البدرة. قَالَ فَإِذا أجذع فمسكة السقاء.
[ ٣ / ١٠١ ]
والتور كلمة فارسية: وَهُوَ اسْم آنِية من حِجَارَة، مَعْرُوف. قَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ عَن أبي عبيد عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ: وَمِمَّا دخل فِي كَلَام الْعَرَب الطست، والتور. وَهِي فارسية. قَالَ شَيخنَا: وَقَالَ ابْن دُرَيْد: فَأَما التور: الرَّسُول فعربي صَحِيح، وَأنْشد:
(والتور فِيمَا بَيْننَا معمل يرضى بِهِ المأتي والمرسل)
المأتي: الَّذِي يُؤْتى فِي الرسَالَة، من قَول: أَتَيْته. قَالَ: وَقَالَ ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي. التورة: الْجَارِيَة الَّتِي ترسل بَين العشاق.
والبرام: نوع من الْحِجَارَة يعْمل مِنْهُ الْقُدُور. وَكَانَ ينْبذ لَهُ فِي تِلْكَ الْأَوَانِي مَا يطْلب نقيعه كالتمر وَالزَّبِيب وَغير ذَلِك.
١٤٠٢ - / ١٦٩٨ - وَقد سبق بَيَان الحَدِيث الثَّانِي وَالتسْعين: عَن مُسْند ابْن عَبَّاس، والْحَدِيث الثَّالِث وَالتسْعين فِي مُسْند النُّعْمَان بن بشير.
١٤٠٣ - / ١٧٠٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالتسْعين: «لايموتن أحدكُم إِلَّا وَهُوَ يحسن الظَّن بِاللَّه ﷿» .
[ ٣ / ١٠٢ ]
اعْلَم أَن الْخَوْف كالسوط يَسُوق النَّفس لتسعى فِي الْعَمَل، فَإِذا نزل الْمَوْت كَانَ ككلال الْبَعِير، فَيكون الرَّجَاء أولى، لِأَن المسوق قد كل فَلَا فَائِدَة فِي ضربه بِسَوْط الْخَوْف. قَالَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ لِابْنِهِ عِنْد الْمَوْت: اقْرَأ عَليّ أَحَادِيث الرُّخص لألقى الله وَأَنا أحسن الظَّن بِهِ.
١٤٠٤ - / ١٧٠١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالتسْعين: إِن النَّبِي ﷺ رأى امْرَأَة، فَأتى امْرَأَته زَيْنَب وَهِي تمعس منيئة لَهَا، فَقضى حَاجته ثمَّ خرج فَقَالَ: «إِن الْمَرْأَة تقبل فِي صُورَة شَيْطَان وتدبر فِي صُورَة شَيْطَان، فَإِذا أبْصر أحدكُم امْرَأَة فليأت أَهله، فَإِن ذَلِك يرد مَا فِي نَفسه» .
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: تمعس: تدبغ، وأصل المعس الدَّلْك. والمنيئة: الْجلد مَا كَانَ فِي الدّباغ.
وَقَوله: «فِي صُورَة شَيْطَان» أَي إِن الشَّيْطَان يزين أمرهَا ويحث عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يقوى ميل النَّاظر إِلَيْهَا على قدر قُوَّة شبقه، فَإِذا جَامع أَهله قل المحرك وَحصل الْبَدَل.
١٤٠٥ - / ١٧٠٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالتسْعين: أَوله قد تقدم فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَآخره فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس.
١٤٠٦ - / ١٧٠٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالتسْعين: قَالَ رَسُول الله ﷺ: «من يصعد الثَّنية ثنية المرار - وَفِي لفظ - أَو المرار - فَإِنَّهُ يحط عَنهُ مَا حط عَن بني إِسْرَائِيل» وَكَانَ أول من صعد خَيْلنَا خيل بني
[ ٣ / ١٠٣ ]
الْخَزْرَج، ثمَّ تتام النَّاس، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: «وكلكم مغْفُور لَهُ إِلَّا صَاحب الْجمل الْأَحْمَر» فأتيناه، فَقُلْنَا: تعال يسْتَغْفر لَك رَسُول الله. فَقَالَ: وَالله لِأَن أجد ضالتي أحب إِلَيّ من أَن يسْتَغْفر لي صَاحبكُم - وَكَانَ رجلا ينشد ضَالَّة لَهُ.
هَذَا كَانَ فِي غزَاة. وصعود هَذِه الثَّنية إِنَّمَا كَانَ للإقدام على الْأَعْدَاء، وَصَاحب الْجمل الْأَحْمَر كَانَ منافقا.
١٤٠٧ - / ١٧٠٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالتسْعين: أَن الطُّفَيْل بن عَمْرو الدوسي قَالَ: يَا رَسُول الله، هَل لَك فِي حصن حُصَيْن ومنعة. حصن كَانَ لدوس فِي الْجَاهِلِيَّة. فَأبى ذَلِك رَسُول الله ﷺ للَّذي ذخر الله للْأَنْصَار، فَلَمَّا هَاجر إِلَى الْمَدِينَة هَاجر إِلَيْهِ الطُّفَيْل، وَهَاجَر مَعَه رجل من قومه، فاجتووا الْمَدِينَة، فَمَرض فجزع، فَأخذ مشاقص لَهُ فَقطع بهَا براجمه، فشخبت يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْل فِي مَنَامه وهيئته حَسَنَة، وَرَآهُ مغطيا يَدَيْهِ، فَقَالَ: مَا صنع بك رَبك؟ . قَالَ: غفر لي لهجرتي إِلَى نبيه ﷺ. فَقَالَ: مَا لي أَرَاك مغطيا يَديك؟ قَالَ: قيل لي: لن نصلح مِنْك مَا أفسدت. فَقَصَّهَا الطُّفَيْل على رَسُول الله ﷺ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ وليديه فَاغْفِر» .
أما امْتنَاع رَسُول الله ﷺ من الْحصن فَإِن التحصن بالجدران فعل الجبان، وَإِنَّمَا التحصن بِالسُّيُوفِ والمبارزة فعل الشجاع. وَسمي الْحصن حصنا من الإمتناع. والمنعة: مَا تمنع. وَهَذَا إِنَّمَا عرضه
[ ٣ / ١٠٤ ]
عَلَيْهِ لما كَانَ بِمَكَّة.
واجتووا الْمَدِينَة: كرهوها وَلم توافقهم.
والمشاقص جمع مشقص: وَهُوَ نصل السهْم إِذا كَانَ طَويلا وَلم يكن عريضا.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: والبراجم عِنْد الْعَرَب: الفصوص الَّتِي فِي فضول ظُهُور الْأَصَابِع تبدو إِذا جمعت، وَتغمضُ إِذا بسطت.
والرواجب: مَا بَين البراجم، بَين كل برجمتين راجبة.
وَقَوله: فشخبت يَدَاهُ. والشخب: مَا امْتَدَّ من اللَّبن حَتَّى يسيل.
وَيُقَال: شخبت أوداج الْقَتِيل دَمًا، تَشْبِيها بذلك.
وَإِنَّمَا تركت يَدَاهُ على حَالهَا وَقد كَانَ يُمكن أَن تعمها الْمَغْفِرَة فتصلح ليعلم قدر هَذَا الذَّنب، محذرا السَّامع للْحَال من مثله.
١٤٠٨ - / ١٧٠٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالتسْعين: أَنه قَالَ لامْرَأَة: «مَالك تزفزفين؟» قَالَت: الْحمى، لَا بَارك الله فِيهَا.
تزفزفين من الزفزفة وَهِي تَحْرِيك الرِّيَاح الْحَشِيش حَتَّى يصوت، وَيُقَال للريح إِذا اشْتَدَّ هبوبها زفزافة، لصوت حركتها. وَقد رَوَاهُ بَعضهم: «ترفرفين» بالراء واجتح بِأَن الرفرفة تَحْرِيك الطَّائِر جناحيه، فَشبه رعدتها للحمى وانزعاجها بتحريك الطَّائِر جناحيه، وَالْأول أصح.
وَقَوله: فِي الْحمى: «إِنَّهَا تذْهب الْخَطَايَا كَمَا يذهب الْكِير
[ ٣ / ١٠٥ ]
خبث الْحَدِيد» قد سبق معنى الْكِير والخبث. وَإِنَّمَا فعلت الْحمى فِي الْخَطَايَا هَذَا لِأَن الإلتذاذ بِالْمَعَاصِي يكون بِالْقَلْبِ والجوارح، والحمى حرارة تنشأ من الْقلب وتعم الْجَوَارِح، فَلَا يبْقى فِي الْبدن - الَّذِي التذ - شَيْء إِلَّا تألم، فَلذَلِك تصفيه من الْخَطَايَا.
١٤٠٩ - / ١٧٠٦ - وَفِي الحَدِيث الْمِائَة: قد تقدم فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
١٤١٠ - / ١٧٠٧ - وَفِي الحَدِيث الأول بعد الْمِائَة: دخل عمر فَوجدَ النَّبِي ﷺ واجما.
الواجم: السَّاكِت لأمر يكرههُ كالمهتم بِهِ، يُقَال: وجم يجم وجوما. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: وجم بِمَعْنى حزن.
قَوْله: لأقولن شَيْئا أضْحك رَسُول الله ﷺ. دَلِيل على جَوَاز التحديث بِحَدِيث يضْحك.
قَوْله: فوجأ عُنُقهَا. يُقَال: وجأ عُنُقه يجأها: إِذا دقها.
وَبَاقِي الحَدِيث قد تقدم فِي مُسْند عمر.
١٤١١ - / ١٧٠٩ - والْحَدِيث الثَّالِث بعد الْمِائَة: قد تقدم فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
[ ٣ / ١٠٦ ]
١٤١٢ - / ١٧١٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع بعد الْمِائَة: «أَلا لَا يبيتن رجل عِنْد امْرَأَة ثيب إِلَّا أَن يكون ناكحا أَو ذَا محرم» .
إِنَّمَا خص الثّيّب بِالذكر وَإِن كَانَت الْبكر فِي حكمهَا أَيْضا؛ لِأَن الْبكر كالشيء الْمَخْتُوم عَلَيْهِ، وَلها زواجر من نَفسهَا: مِنْهَا كَونهَا لم تعرف هَذَا الْفَنّ وَلم تذق لذته، وَمِنْهَا شدَّة الْحيَاء لبعدها عَن الرِّجَال، وَمِنْهَا حذرها من الْأَلَم، وَمِنْهَا خوف الفضيحة، وكل هَذِه الْأَشْيَاء تقاوم مَا تؤثره فَتَردهُ أَو تقفه، وللرجل من جملَة زواجره خَوفه الفضيحة بافتضاضها، وَالثَّيِّب قد ارْتَفَعت هَذِه الْمَوَانِع فِي حَقّهَا، فَلذَلِك خصت بِالذكر.
١٤١٣ - / ١٧١١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس بعد الْمِائَة: «فَإِن قِرَاءَة آخر اللَّيْل محضورة» .
أَي تحضرها الْمَلَائِكَة.
١٤١٤ - / ١٧١٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس بعد الْمِائَة: إِن من اللَّيْل سَاعَة لَا يُوَافِقهَا مُسلم يسْأَل الله خيرا إِلَّا أعطَاهُ.
إِنَّمَا سترت هَذِه السَّاعَة وَلم تعين ليقوى الْحِرْص فِي طلبَهَا فيكثر التَّعَبُّد، كَمَا أخفيت سَاعَة الْجُمُعَة وَلَيْلَة الْقدر، وَلَو عينت لخصها النَّاس بِالطَّلَبِ وَترك مَا سواهَا.
١٤١٥ - / ١٧١٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع بعد الْمِائَة: «الإستجمار تو» .
قد فسر هَذَا الحَدِيث، وَأَنه كالوتر، كالثلاثة والخمسة والسبعة
[ ٣ / ١٠٧ ]
وَمَا كَانَ فَردا.
١٤١٦ - / ١٧١٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن بعد الْمِائَة: «لَا يحل حمل السِّلَاح بِمَكَّة» .
الْإِشَارَة بِهَذَا إِلَى تَحْرِيم الْقِتَال بِمَكَّة. وَإِنَّمَا أحلّت لرَسُول الله ﷺ سَاعَة من نَهَار.
١٤١٧ - / ١٧١٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع بعد الْمِائَة: سَأَلت جَابِرا عَن ثمن الْكَلْب والسنور فَقَالَ: زجر النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك.
أما الْكَلَام فِي ثمن الْكَلْب فقد سبق فِي مُسْند أبي جُحَيْفَة.
وَأما بيع السنور فقد اخْتلفت الرِّوَايَة عَن أَحْمد فِي جَوَاز بيع السنور. فَروِيَ عَنهُ: يجوز، وَهِي اخْتِيَار الْخرقِيّ وَمذهب الشَّافِعِي.
وَعَن أَحْمد: لَا يجوز، وَهِي اخْتِيَار أبي بكر عبد الْعَزِيز بن جَعْفَر، وَهِي أصح لهَذَا الحَدِيث، وَلِأَن السنور كالوحشي الَّذِي لَا يملك قياده، وَلَا يكَاد يَصح التَّسْلِيم فِيهِ؛ لِأَنَّهُ قد يألف بعض الْأَمَاكِن مُدَّة ثمَّ ينْتَقل عَنْهَا إِلَى غَيرهَا، وَلَيْسَ كالدواب الَّتِي ترْبط وتحبس، وَلَو ربطه المُشْتَرِي وحبسه لم ينْتَفع بِهِ. وَيحْتَمل أَن يكون نهى عَن بيع هَذِه الْأَشْيَاء ليرتفق بهَا النَّاس وَلَا يَأْخُذُوا لَهَا ثمنا.
١٤١٨ - / ١٧١٦ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر بعد الْمِائَة: أَن امْرَأَة سرقت،
[ ٣ / ١٠٨ ]
فَقَالَ النَّبِي ﷺ: «وَالله، لَو أَن فَاطِمَة سرقت لَقطعت يَدهَا» .
وَإِنَّمَا قَالَ: لَو كَانَت فَاطِمَة، لِأَن تِلْكَ الْمَرْأَة اسْمهَا فَاطِمَة، فَقَالَ: لَو كَانَت فَاطِمَة ابْنَتي. وَسَتَأْتِي قصَّة هَذَا الْمَرْأَة مشروحة فِي مُسْند عَائِشَة.
١٤١٩ - / ١٧١٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر بعد الْمِائَة: أَن رجلا أَتَى النَّبِي ﷺ يستطعمه، فأطعمه شطر وسق شعير. فَمَا زَالَ الرجل يَأْكُل مِنْهُ وضيفهما حَتَّى كاله، فَأتى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: «لَو لم تكله لأكلتم مِنْهُ ولقام لكم» .
الشّطْر: النّصْف. والوسق: سِتُّونَ صَاعا. وَقَوله: «لقام لكم» أَي بَقِي، وَكَانَت الْبركَة تنزل فِي ذَلِك الطَّعَام فاستطال الرجل مدَّته فكاله، ينظر مَا بَقِي، فَلَمَّا وقف مَعَ الْعَادَات وكل إِلَيْهَا كَمَا وقف المَاء حِين زمته هَاجر.
١٤٢٠ - / ١٧٢٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر بعد الْمِائَة: أَن أم مَالك كَانَت تهدي للنَّبِي ﷺ فِي عكة لَهَا سمنا، فيأتيها بنوها فَيسْأَلُونَ الْأدم، فتعمد إِلَى الَّتِي كَانَت تهدي فِيهَا للنَّبِي ﷺ فتجد فِيهَا سمنا، فَمَا زَالَ يُقيم لَهَا أَدَم بَيتهَا حَتَّى عصرته.
أم مَالك هِيَ بنت أبي بن مَالك بن عيد، من بني الْخَزْرَج، أسلمت، وبايعت. وَهَذَا الحَدِيث من جنس الحَدِيث الَّذِي قبله.
[ ٣ / ١٠٩ ]
والعكة: كل مَا يوضع فِيهِ السّمن من ظروف الْأدم.
١٤٢١ - / ١٧٢٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر بعد الْمِائَة: «لَا يدْخل أحدكُم الْجنَّة عمله وَلَا يجيره من النَّار وَلَا أَنا إِلَّا برحمة الله» وَفِي لفظ: «قاربوا وسددوا» وَقَالَ: «إِلَّا أَن يتغمدني برحمة مِنْهُ» .
السداد: الإستقامة وَلُزُوم الصَّوَاب.
وَقَوله: «يتغمدني» قَالَ أَبُو عبيد: أَي يلبسني ويغشيني. قَالَ: وَلَا أَحْسبهُ مأخوذا إِلَّا من غمد السَّيْف، لِأَنَّك إِذا أغمدته فقد ألبسته الغمد.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: «لَا يدْخل أحد مِنْكُم الْجنَّة عمله» وَقد قَالَ: ﴿ادخُلُوا الْجنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ [النَّحْل: ٣٢]؟ فَالْجَوَاب: من أَرْبَعَة أوجه: أَحدهَا: أَنه لَوْلَا رَحْمَة الله السَّابِقَة الَّتِي كتب بهَا الْإِيمَان فِي الْقُلُوب ووفق للطاعات مَا نجا أحد وَلَا وَقع عمل تحصل بِهِ النجَاة، فالتوفيق للْعَمَل من رَحمته أَيْضا. وَالثَّانِي: أَن مَنَافِع العَبْد لسَيِّده، فعمله مُسْتَحقّ لمَوْلَاهُ، فَإِن أنعم عَلَيْهِ بالجزاء فَذَلِك بفضله، كَالْمكَاتبِ مَعَ الْمولى. وَالثَّالِث: أَنه قد رُوِيَ فِي بعض الْأَحَادِيث أَن نفس دُخُول الْجنَّة بِالرَّحْمَةِ، واقتسام الدَّرَجَات بِالْأَعْمَالِ. وَالرَّابِع: أَن أَعمال الطَّاعَات كَانَت فِي زمن يسير، وثوابها لَا يبيد أبدا، فالمقام الَّذِي لَا ينْفد فِي جَزَاء مَا نفد بِفضل الله لَا بِمُقَابلَة الْأَعْمَال.
١٤٢٢ - / ١٧٢٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر بعد الْمِائَة: كَانَ عبد الله ابْن أبي ابْن سلول يَقُول لجارية لَهُ: اذهبي فابغينا شَيْئا. فَأنْزل الله عز
[ ٣ / ١١٠ ]
وَجل: ﴿وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء﴾ الْآيَة [النُّور: ٣٣] .
كَانَ الْقَوْم فِي الْجَاهِلِيَّة يكْرهُونَ فتياتهم على الزِّنَا وَيَأْخُذُونَ أُجُورهنَّ: فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام كَانَ ابْن أبي يكره جواريه. وَفِي هَذَا الحَدِيث اسْم جاريتين لَهُ: أُمَيْمَة ومسيكة، وأنهما شكتا إِلَى رَسُول الله ﷺ ذَلِك فَنزلت الْآيَة. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: معَاذَة ومسيكه، وَأَن معَاذَة قَالَت لمسيكة: إِن هَذَا الْأَمر الَّذِي نَحن فِيهِ إِن كَانَ خيرا فقد استكثرنا مِنْهُ، وَإِن كَانَ شرا فقد آن لنا أَن ندعه، فَنزلت الْآيَة. وَزعم مقَاتل أَنَّهَا نزلت فِي سِتّ جوَار كن لعبد الله بن أبي: معَاذَة ومسيكة وَأُمَيْمَة وَقتيلَة وَعمرَة وأروى.
والبغاء: الزِّنَا. والتحصن: التعفف.
والإشكال فِي هَذِه الْآيَة أَن يُقَال: كَيفَ قَالَ: ﴿إِن أردن تَحَصُّنًا﴾ فَيجوز إكراههن إِن لم يردن التحصن. فَالْجَوَاب من أَرْبَعَة أوجه: أَحدهَا: أَن الْكَلَام ورد على السَّبَب الَّذِي ذَكرْنَاهُ، فَخرج النَّهْي على صفة السَّبَب وَإِن لم يكن شرطا فِيهِ. وَالثَّانِي: أَنه إِنَّمَا شَرط إِرَادَة التحصن لِأَن الْإِكْرَاه لَا يتَصَوَّر إِلَّا عِنْد إِرَادَة التحصن، فَأَما إِذا لم ترد الْمَرْأَة التحصن فَإِنَّهَا تبغي بالطبع. وَالثَّالِث: أَن (إِن) بِمَعْنى إِذْ، وَمثله: ﴿وذروا مَا بَقِي من الرِّبَا إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ [الْبَقَرَة: ٢٧٨] . وَالرَّابِع: أَن فِي الْكَلَام تَقْدِيمًا وتأخيرا، تَقْدِيره: وَأنْكحُوا الْأَيَامَى مِنْكُم. . إِلَى قَوْله: وَإِمَائِكُمْ إِن أردن تَحَصُّنًا، وَلَا تكْرهُوا فَتَيَاتكُم على الْبغاء لتبتغوا
[ ٣ / ١١١ ]
عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَمن يكرههن فَإِن الله من بعد إكراههن غَفُور للمكرهات رَحِيم.
١٤٢٣ - / ١٧٢٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر بعد الْمِائَة: «يبْعَث كل عبد على مَاتَ عَلَيْهِ» .
اعْلَم أَن الْإِنْسَان قد يبْقى زَمَانا على الْكفْر ثمَّ ينْتَقل إِلَى الْإِيمَان، أَو على الْمعاصِي ثمَّ ينْتَقل إِلَى الطَّاعَة. وَقد يكون على الْإِيمَان وَالطَّاعَة فَينْتَقل إِلَى الْكفْر والمعاصي، فالأحوال تَتَغَيَّر وتتقلب فِي الدُّنْيَا، وَالْعَمَل على الخواتيم، فَإِذا مَاتَ الْإِنْسَان على حَالَة فقد ختم لَهُ بهَا، فعلَيْهَا يبْعَث.
١٤٢٤ - / ١٧٢٦ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين بعد الْمِائَة: كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي غزَاة فَقَالَ: «إِن بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مسيرًا وَلَا قطعْتُمْ وَاديا إِلَّا كَانُوا مَعكُمْ، حَبسهم الْمَرَض» .
هَؤُلَاءِ قوم صدقت نياتهم فِي الْخُرُوج إِلَى تِلْكَ الْغُزَاة، فحبسهم الْقدر بِالْمرضِ، فَكَانُوا كَأَنَّهُمْ غزوا، وعَلى هَذَا جَمِيع أَفعَال الْخَيْر مَتى نَوَاهَا الْإِنْسَان فَمَنعه الْقدر، كتب لَهُ ثَوَاب الْفِعْل. وَمن جنس هَذَا: ﴿قد صدقت الرءيا﴾ [الصافات: ١٠٥] وَرُبمَا زَادَت النِّيَّة الصادقة
[ ٣ / ١١٢ ]
على الْفِعْل، لِأَن الْفَاعِل قد يُلَاحظ عمله، والممنوع بالعذر لَا يرى إِلَّا عَجزه.
١٤٢٥ - / ١٧٢٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: (مثل الصَّلَوَات كَمثل نهر جَار غمر، فَمَا يبقي من الدَّرن؟» .
الْغمر: المَاء الْكثير. والدرن: الْوَسخ.
١٤٢٦ - / ١٧٢٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: «إِن الشَّيْطَان قد يئس أَن يعبده المصلون فِي جَزِيرَة الْعَرَب، وَلَكِن فِي التحريش بنيهم» .
قد سبق اشتقاق اسْم الشَّيْطَان. وَقد ذكرنَا حد جَزِيرَة الْعَرَب فِي مُسْند عمر.
والتحريش: الإغراء. وَالْمعْنَى أَنه يجْتَهد فِي إِفْسَاد مَا بَينهم من التواصل ليَقَع التباغض.
١٤٢٧ - / ١٧٢٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: ذكر التَّنَفُّل فِي الْبَيْت. وَقد سبق بَيَانه فِي مُسْند زيد بن ثَابت وَابْن عمر.
وَسبق تَفْسِير مَا بعده.
١٤٢٨ - / ١٧٣٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: إِن رَسُول الله ﷺ
[ ٣ / ١١٣ ]
قدم من سفر، فَلَمَّا كَانَ قرب الْمَدِينَة هَاجَتْ ريح تكَاد تدفن الرَّاكِب، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: «بعثت هَذِه الرّيح لمَوْت مُنَافِق» فَلَمَّا قدمُوا الْمَدِينَة إِذا مُنَافِق عَظِيم من الْمُنَافِقين قد مَاتَ.
قَالَ الْوَاقِدِيّ: هَذَا القفول كَانَ فِي غَزْوَة الْمُريْسِيع، وَكَانَ بَين عُيَيْنَة ابْن حصن الْفَزارِيّ وَبَين رَسُول الله ﷺ مُدَّة، فخاف أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَن يكون عُيَيْنَة قد أغار على الْمَدِينَة، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: «لَيْسَ عَلَيْكُم بَأْس، مَا بِالْمَدِينَةِ من نقب إِلَّا عَلَيْهِ ملك، وَمَا كَانَ ليدخلها عَدو حَتَّى تأتوها، وَلكنه مَاتَ الْيَوْم رجل من الْمُنَافِقين عَظِيم، وَلذَلِك عصفت هَذِه الرّيح» وَهُوَ زيد بن رِفَاعَة بن التابوت.
١٤٢٩ - / ١٧٣٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: أَخذ رَسُول الله ﷺ بيَدي إِلَى منزله، فَأخْرج إِلَيْهِ فلقا من خبز فَقَالَ: «مَا من أَدَم؟» فَقَالُوا: لَا، إِلَّا شَيْء من خل، قَالَ: «فَإِن الْخلّ نعم الْأدم» - وَفِي لفظ -: فَأتي بِثَلَاثَة قرصة فوضعن على نَبِي.
الفلق: الْقطع، وَالْمرَاد بهَا الأرغفة.
وَقَوله: «نعم الإدام الْخلّ» يشْتَمل على مَعْنيين وَحكم: فَالْمَعْنى الأول: مدح الْخلّ فِي نَفسه، وَله فَوَائِد مِنْهَا: أَنه ينفع الْمعدة، ويقمع الصَّفْرَاء، وَيقطع البلغم، ويشهي الطَّعَام، إِلَى غير ذَلِك من الْفَوَائِد. وَالثَّانِي: أَنه نبه بذلك، على مدح الإقتصاد فِي المأكل، وَمنع النَّفس من ملاذ الطَّعَام، فَكَأَنَّهُ قَالَ: ائتدموا بِمَا خفت مُؤْنَته
[ ٣ / ١١٤ ]
وَسَهل وجوده، فَإِن من تعود التأنف فِي الْمطعم لم يصبر عَنهُ، وَطيب الطَّعَام يحمل على الشِّبَع، وَقل أَن يسلم تَحْصِيله من شُبْهَة. وَأما الحكم فَإِنَّهُ سَمَّاهُ أدما، لِأَنَّهُ يصطبغ بِهِ، وكل شَيْء يصطبغ بِهِ يلْزمه اسْم الإدام، كَذَلِك قَالَ أهل اللُّغَة، مِنْهُم أَبُو عبيد. وَفَائِدَة هَذَا أَنه لَو حلف حَالف: لَا أكلت أدما، فَأكل الْخلّ أَو بعض مَا يصطبغ بِهِ حنث.
وَقَوله: فَأتي بِثَلَاثَة قرصة. القرصة جمع قرص.
وَالنَّبِيّ غير مَهْمُوز: الشَّيْء الْمُرْتَفع، مَأْخُوذ من النباوة وَهِي الإرتفاع، فَإِذا همز فَهُوَ من النبأ، وَهُوَ الْخَبَر.
[ ٣ / ١١٥ ]