وَجُمْلَة مَا روى عَن النَّبِي ﷺ ألفا حَدِيث وَمِائَتَا حَدِيث وَسِتَّة وَثَمَانُونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» ثَلَاثمِائَة حَدِيث وَثَمَانِية عشر حَدِيثا.
وَفِي الصَّحَابَة آخر اسْمه أنس بن مَالك، ويكنى أَبَا أُميَّة الكعبي، وَلم يسند عَن رَسُول الله ﷺ سوى حَدِيث وَاحِد، وَقيل: أسْند ثَلَاثَة، وَلم يخرج لَهُ فِي الصَّحِيح شَيْء.
١٥١٨ - / ١٨٤٧ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الأول: «من سره أَن يبسط عَلَيْهِ رزقه أَو ينسأ فِي أَثَره فَليصل رَحمَه» .
النسأ: التَّأْخِير. وَالْمرَاد طول عمره.
فَإِن قيل: أَلَيْسَ قد فرغ من الرزق وَالْأَجَل؟ فَالْجَوَاب من خَمْسَة أوجه: أَحدهَا: أَن يكون المُرَاد بِالزِّيَادَةِ فِي الْعُمر توسعة الرزق وَصِحَّة
[ ٣ / ١٨٥ ]
الْبدن، فَإِن الْغنى يُسمى حَيَاة والفقر يُسمى موتا.
وَالثَّانِي: أَن يكْتب أجل العَبْد مائَة سنة، وَيجْعَل تركيبه تعمير ثَمَانِينَ، فَإِذا وصل رَحمَه زَاده الله فِي تركيبه، فَعَاشَ عشْرين سنة أُخْرَى، قالهما ابْن قُتَيْبَة.
وَالثَّالِث: أَن هَذَا التَّأْخِير فِي الْأَجَل مِمَّا قد فرغ مِنْهُ، لكنه علق الإنعام بِهِ بصلَة الرَّحِم، فَكَأَنَّهُ كتب أَن فلَانا يبْقى خمسين سنة فَإِن وصل رَحمَه بَقِي سِتِّينَ.
وَالرَّابِع: أَن تكون هَذِه الزِّيَادَة فِي الْمَكْتُوب، والمكتوب غير الْمَعْلُوم، فَمَا علمه الله تَعَالَى من نِهَايَة الْعُمر لَا يتَغَيَّر، وَمَا كتبه قد يمحى وَيثبت، وَقد كَانَ عمر بن الْخطاب يَقُول: إِن كنت كتبتني شقيا فامحني. وَمَا قَالَ: إِن كنت علمتني، لِأَن مَا علم وُقُوعه لَا بُد أَن يَقع. وَيبقى على هَذَا الْجَواب إِشْكَال: وَهُوَ أَن يُقَال: إِذا كَانَ المحتوم وَاقعا، فَمَا الَّذِي أفادت زِيَادَة الْمَكْتُوب ونقصانه؟
فَالْجَوَاب: أَن الْمُعَامَلَات على الظَّاهِر، والمعلوم الْبَاطِن خَفِي لَا يعلق عَلَيْهِ حكم، فَيجوز أَن يكون الْمَكْتُوب يزِيد وَينْقص ويمحى وَيثبت ليبلغ ذَلِك على لِسَان الشَّرْع إِلَى الْآدَمِيّ، فَيعلم فَضِيلَة الْبر وَسُوء العقوق. وَيجوز أَن يكون هَذَا مِمَّا يتَعَلَّق بِالْمَلَائِكَةِ، فتؤمر بالإثبات
[ ٣ / ١٨٦ ]
والمحو، وَالْعلم الحتم لَا يطلعون عَلَيْهِ. وَمن هَذَا إرْسَال الرُّسُل إِلَى من لَا يُؤمر.
وَالْخَامِس: أَن زِيَادَة الْأَجَل تكون بِالْبركَةِ فِيهِ وتوفيق صَاحبه لفعل الْخَيْر وبلوغ الْأَغْرَاض، فينال فِي قصير الْعُمر مَا يَنَالهُ غَيره فِي طويله.
١٥١٩ - / ١٨٤٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: «اجْعَل بِالْمَدِينَةِ ضعْفي مَا جعلت بِمَكَّة من الْبركَة» وَقد سبق هَذَا فِي مُسْند عبد الله بن زيد الْأنْصَارِيّ.
١٥٢٠ - / ١٨٤٩ - والْحَدِيث الثَّالِث: قد تقدم فِي مُسْند ابْن عمر.
١٥٢١ - / ١٨٥٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: «لَا تباغضوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تدابروا» .
قَالَ أَبُو عبيد: التدابر: المصارمة والهجران، مَأْخُوذ من أَن يولي الرجل صَاحبه دبره ويعرض عَنهُ بِوَجْهِهِ، وَهُوَ التقاطع.
[ ٣ / ١٨٧ ]
فَإِن قَالَ قَائِل: التباغض والتحاسد أَمر يتَعَلَّق بِالْقَلْبِ، فَكيف يُؤمر الْإِنْسَان بإزالته؟ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه إِنَّمَا يُؤمر بترك مَا يَأْمر بِهِ التباغض والتحاسد من الْأَفْعَال القبيحة، والذم للمبغوض والمحسود، فَإِذا كف الْأَفْعَال والأقوال لم يضرّهُ مَا فِي بَاطِن قلبه، وَصَارَ هَذَا كمن يحب الْخمر وَالزِّنَا، فَإنَّا نأمره بهجر ذَلِك، وَلَا تضره شَهْوَة الْقلب.
وَالثَّانِي: أَن يكون هَذَا تَنْبِيها على رفع مَا يُوجب التباغض والتحاسد، فَكَأَنَّهُ قيل لهَذَا الْمُؤمن: أَنْت وَهَذَا الشَّخْص قد اتفقتما فِي الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَالدّين، فأنتما أَخَوان، وَلَا وَجه للتباغض والتحاسد إِلَّا إِيثَار الدُّنْيَا، فتفكر تعلم أَن الدُّنْيَا الحقيرة لَا يجوز أَن تفْسد الدّين الْعَزِيز.
وَقَوله: «لَا يحل لمُسلم أَن يهجر أَخَاهُ» قد سبق فِي مُسْند أبي أَيُّوب.
١٥٢٢ - / ١٨٥١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: أَن النَّبِي ﷺ دخل مَكَّة عَام الْفَتْح، وعَلى رَأسه مغفر، فَلَمَّا نَزعه جَاءَهُ رجل فَقَالَ: ابْن خطل متلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة. فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ» .
هَذَا يدل على أَن رَسُول الله ﷺ دخل مَكَّة غير محرم. وَهَذَا يدل على ترك الْإِحْرَام للخائف على نَفسه إِذا دخل مَكَّة. وَقد تكلمنا فِي هَذَا الْمَعْنى فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
[ ٣ / ١٨٨ ]
وَأما ابْن خطل فَإِن رَسُول الله ﷺ بَعثه فِي وَجه من الْوُجُوه مَعَ رجل من الْأَنْصَار، فَأمر الْأنْصَارِيّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق وثب على الْأنْصَارِيّ فَقتله وَذهب بِمَالِه، فَأمر بقتْله لما جنى.
وَقد اخْتلف الْعلمَاء: هَل يعْصم الْحرم من الْقَتْل الْوَاجِب وَإِقَامَة الْحَد على الْجَانِي؟ على مَا ذكرنَا فِي مُسْند ابْن عَبَّاس. فَإِن قُلْنَا: لَا يعْصم فَلَا إِشْكَال، وَإِن قُلْنَا: يعْصم، كَانَ قتل ابْن خطل خَاصّا للنَّبِي ﷺ كَقَوْلِه: «وَإِنَّمَا أحلّت لي سَاعَة من نَهَار» .
١٥٢٣ - / ١٨٥٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: دخل رَسُول الله ﷺ دَارنَا فحلبنا لَهُ من شَاة دَاجِن.
الدَّاجِن: الشَّاة المقيمة فِي الدَّار.
والشوب: الْخَلْط والمزج.
وَقد ذكرنَا أَن السّنة إِعْطَاء الْأَيْمن، فِي مُسْند سهل بن سعد.
١٥٢٤ - / ١٨٥٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: كَانَ أمهاتي يواظبنني على خدمته، وَنزل الْحجاب فِي مبتنى رَسُول الله ﷺ بِزَيْنَب.
قَوْله: يواظبنني. الْمُوَاظبَة: الْمُلَازمَة، وَالْمعْنَى: يحثثنني على مُلَازمَة خدمته.
[ ٣ / ١٨٩ ]
والمبتنى من بِنَاء الرجل على أَهله، وَكَانُوا إِذا أَرَادوا إِدْخَال الرجل على أَهله بنوا بنيانا يجْتَمع فِيهِ الرجل وَالْمَرْأَة، فَقيل: بنى فلَان على أَهله، ثمَّ سمي الدُّخُول بِنَاء وَإِن لم يكن بِنَاء.
وَقد ذكرنَا أَن الْعَرُوس يَقع على الرجل كَمَا يَقع على الْمَرْأَة، فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
وَفِي كَونه ﵇ خرج ثمَّ عَاد ثمَّ خرج مَا يصف حسن أخلاقه وَشدَّة حيائه، إِذْ صَبر على مَا يُؤْذِيه وَلم يَأْمُرهُم بِالْخرُوجِ.
وَقَوله: حَتَّى تَرَكُوهُ: أَي تركُوا فَاضل الطَّعَام لكثرته.
وأصل الحيس الْخَلْط، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ السّمن وَالتَّمْر والأقط فيطبخونه.
والبرمة: الْقدر.
والتور: قد ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
وتصدعوا: تفَرقُوا.
والحجرات جمع حجرَة، مثل ظلمَة وظلمات. قَالَ الْفراء: وَجه الْكَلَام ضم الْحَاء وَالْجِيم، وَبَعض الْعَرَب يفتح الْجِيم فَيَقُول: الحجرات والركبات، وَرُبمَا خففوها، وَالتَّخْفِيف فِي تَمِيم والتثقيل فِي أهل الْحجاز.
وَأما قَول نِسَائِهِ: بَارك الله لَك. فَإِنَّهُ قَول صادر عَن قُوَّة إِيمَان، وَإِن كَانَت فِي قلوبهن الْغيرَة.
[ ٣ / ١٩٠ ]
وأسكفة الْبَاب: عتبته، وَهُوَ مَوضِع الدُّخُول وَالْخُرُوج.
وَآيَة الْحجاب: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تدْخلُوا بيُوت النَّبِي إِلَّا أَن يُؤذن لكم﴾ [الْأَحْزَاب: ٥٣] .
وَقَوله: جَاءَ زيد يشكو. قَالَ مقَاتل: قَالَ زيد: يَا رَسُول الله، إِن فِيهَا كبرا، فَهِيَ تعظم عَليّ وتؤذيني بلسانها، فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ: «أمسك عَلَيْك زَوجك وَاتَّقِ الله» .
وَأما الَّذِي أخفاه فِي نَفسه فَاخْتَلَفُوا فِيهِ على أَرْبَعَة أَقْوَال: أَحدهَا: حبها؛ قَالَه ابْن عَبَّاس.
وَالثَّانِي: عهد عَهده الله إِلَيْهِ أَن زَيْنَب سَتَكُون لَهُ زَوْجَة، فَلَمَّا جَاءَ زيد يشكو قَالَ لَهُ: «اتَّقِ الله وَأمْسك عَلَيْك زَوجك وَاتَّقِ الله» وأخفى ذَلِك الْعَهْد فِي نَفسه، قَالَه عَليّ بن الْحُسَيْن.
وَالثَّالِث: إيثاره طَلاقهَا، قَالَه قَتَادَة وَابْن جريج. قَالَ ابْن عقيل: الَّذِي كتمه رَسُول الله ﷺ التَّمَنِّي لفراق زيد إِيَّاهَا وإخفاؤه فِي نَفسهَا استحسانها، وتمنيه أَن يَتَزَوَّجهَا لَيْسَ بِمَعْصِيَة.
وَالرَّابِع: أَن الَّذِي أخفاه: إِن طَلقهَا زيد تزَوجهَا، قَالَه ابْن زيد.
فَلَمَّا طَلقهَا زيد وَانْقَضَت عدتهَا بعث رَسُول الله ﷺ زيدا يخطبها لَهُ، فَقَالَت: مَا أَنا بِصَانِعَةٍ شَيْئا حَتَّى أؤامر رَبِّي - يَعْنِي أستخيره، فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدهَا، وَنزل الْقُرْآن يَعْنِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا زَوَّجْنَاكهَا﴾ [الْأَحْزَاب: ٣٧] وَجَاء رَسُول الله ﷺ فَدخل عَلَيْهَا بِغَيْر
[ ٣ / ١٩١ ]
إِذن، فَلهَذَا كَانَت تَفْخَر على أَزوَاج النَّبِي ﷺ وَتقول: زَوجنِي الله من فَوق سبع سموات.
١٥٢٥ - / ١٨٥٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن: سقط النَّبِي ﷺ عَن فرسه فجحش شقَّه الْأَيْمن، فصلينا وَرَاءه قعُودا.
وَقد أجَاز أَحْمد بن حَنْبَل أَن يُصَلِّي النَّاس خلف إِمَام الْحَيّ قعُودا إِذا مرض مَرضا يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَقد تكلمنا على هَذَا فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
١٥٢٦ - / ١٨٥٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: قَالَ عبد الله بن حذافة: من أبي؟ وَكَانَ إِذا لاحى يدعى إِلَى غير أَبِيه، فَقَالَ: «أَبوك حذافة» .
الملاحاة: الْمُنَازعَة والمخاصمة.
والإقتراف: الإكتساب، وَالْإِشَارَة إِلَى الزِّنَا.
والخنين بِالْخَاءِ كالبكاء مَعَ مُشَاركَة فِي الصَّوْت من الْأنف. وَقد صحفه بَعضهم فقرأه بِالْحَاء. وَإِنَّمَا بَكت الصَّحَابَة لأَنهم لما أحفوه فِي الْمَسْأَلَة: أَي استقصوا عَلَيْهِ وألحوا وأسرفوا صعد الْمِنْبَر فَقَالَ: «لَا تَسْأَلُونِي عَن شَيْء إِلَّا بيّنت لكم» وَإِنَّمَا قَالَه غَضبا، فبكوا لغضبه.
١٥٢٧ - / ١٨٥٦ - وَفِي الحَدِيث الْعَاشِر: كَانَت الْأَنْصَار أهل الأَرْض وَالْعَقار، وَكَانَت أم أنس قد أَعْطَتْ رَسُول الله ﷺ عذاقا لَهَا، فَأَعْطَاهَا أم أَيمن، فَلَمَّا فرغ رَسُول الله ﷺ من قتال أهل خَيْبَر رد
[ ٣ / ١٩٢ ]
الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الْأَنْصَار منائحهم الَّتِي كَانُوا منحوهم من ثمارهم، فَرد رَسُول الله ﷺ إِلَى أُمِّي عذاقها، وَأعْطى أم أَيمن مكانهن من حَائِطه.
الْعقار: النّخل.
والعذاق بِكَسْر الْعين جمع عذق بِفَتْحِهَا: وَهِي النّخل.
والمنحة: الْعَطِيَّة. وَهِي تكون على وَجْهَيْن: تمْلِيك الأَصْل، أَو منفعَته مُدَّة.
وَإِنَّمَا رد الْمُهَاجِرُونَ المنائح لأَنهم لم يملكوهم الْأُصُول.
١٥٢٨ - / ١٨٥٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي عشر: «إِنَّكُم سَتَجِدُونَ بعدِي أَثَرَة شَدِيدَة فَاصْبِرُوا» .
الأثرة: الإستئثار بالشَّيْء.
وَقَوله: «إِن قُريْشًا حدثاء عهد بجاهلية ومصيبة» لأَنهم أصيبوا يَوْم بدر وَيَوْم فتح مَكَّة.
والشعب: طَرِيق بَين جبلين، وَهُوَ أضيق من الْوَادي، فَكَأَنَّهُ يَقُول: لَو سلك النَّاس طَرِيقا فِيهِ سَعَة وسلكت الْأَنْصَار طَرِيقا ضيقا لَسَلَكْت طَرِيق الْأَنْصَار.
فَأَما الطُّلَقَاء فهم من أطلق وَمن عَلَيْهِ من مسلمة الْفَتْح.
١٥٢٩ - / ١٨٦٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع عشر: كَانَ رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي الْعَصْر وَالشَّمْس مُرْتَفعَة حَيَّة.
[ ٣ / ١٩٣ ]
حَيَاة الشَّمْس أَن يكون حرهَا غير فاتر، ولونها غير مصفر.
والإرتقاب: الإنتظار.
وَقد سبق معنى قَوْله: «بَين قَرْني شَيْطَان» فِي مُسْند ابْن عمر وَغَيره.
١٥٣٠ - / ١٨٦١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر: قد تقدم فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١٥٣١ - / ١٨٦٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر: أَنه رأى فِي يَد رَسُول الله ﷺ خَاتمًا من ورق.
الْوَرق: الْفضة.
والوبيص: اللمعان والبريق.
وراث: أَبْطَأَ.
ونظرنا: بِمَعْنى انتظرنا، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا انظرنا﴾ [الْبَقَرَة: ١٠٤] .
وَشطر اللَّيْل: نصفه.
وَقَوله: كَأَنِّي بوميض الْخَاتم أَو بصيصه. يُقَال: أومض: إِذا أَشَارَ إِشَارَة خُفْيَة، وَمِنْه وميض الْبَرْق. والبصيص كالوميض.
[ ٣ / ١٩٤ ]
١٥٣٢ - / ١٨٦٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر: كشف رَسُول الله ﷺ السّتْر وَكَأن وَجهه ورقة مصحف.
إِنَّمَا شبهه بِوَرَقَة الْمُصحف لذهاب اللَّحْم ورقة الْجلد وصفاء الْجِسْم من الدَّم.
وَمعنى نكص: رَجَعَ.
١٥٣٣ - / ١٨٦٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: «لَو أَن لِابْنِ آدم وَاديا من ذهب أحب أَن يكون لَهُ واديان» . قَالَ أنس عَن أبي: كُنَّا نرى هَذَا من الْقُرْآن حَتَّى نزلت: ﴿أَلْهَاكُم التكاثر﴾ [التكاثر: ١] يَعْنِي: بَان بنزول هَذِه الْآيَة أَن مثل هَذَا الْمَعْنى فِي كَلَام الله ﷿.
١٥٣٤ - / ١٨٦٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع عشر: ذكر الْحَوْض، وَقد تقدم فِي مُسْند حَارِثَة بن وهب وَغَيره.
١٥٣٥ - / ١٨٦٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين: سُئِلَ عَن الْكَبَائِر.
المُرَاد بالكبائر: مَا يكبر أمره ويعظم عِنْد الله. وَإِنَّمَا ذكر مَا يَقع فِي الْعَرَب كثيرا من الشّرك وَقتل النَّفس، وَإِلَّا فالزنا عَظِيم وَمَا ذكره.
وَرُبمَا ظن ظان أَن شَهَادَة الزُّور أعظم من الْقَتْل لِأَنَّهُ جعلهَا أكبر الْكَبَائِر، وَلَيْسَ كَذَلِك، إِلَّا أَن يُرِيد بِشَهَادَة الزُّور ادِّعَاء شريك مَعَ الله
[ ٣ / ١٩٥ ]
سُبْحَانَهُ، فَإِن لم يرد ذَلِك فشهادة الزُّور فِي بَاب معاملات الْخلق واقتطاع أَمْوَالهم أكبر كَبِير.
١٥٣٦ - / ١٨٦٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين: أَن رجلا اطلع من بعض حجر النَّبِي ﷺ، فَقَامَ إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ بمشقص - أَو قَالَ: بمشاقص - وَكَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ يخْتل الرجل ليطعنه.
المشقص: سهم عريض النصل، وَجمعه مشاقص.
ويختله: بِمَعْنى يترقب الفرصة مِنْهُ. وَقد سبق حكم هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند سهل بن سعد.
١٥٣٧ - / ١٨٧٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين: «إِذا سلم عَلَيْكُم أهل الْكتاب فَقولُوا: وَعَلَيْكُم» .
وَقد رُوِيَ فِي الحَدِيث: أَن أهل الْكتاب كَانُوا يَقُولُونَ: السام عَلَيْكُم، يعنون بالسام الْمَوْت، فَلم يصلح أَن يُقَال لَهُم فِي جَوَاب هَذَا: وَعَلَيْكُم السَّلَام، وَلم يحسن فِي بَاب حسن الْخلق أَن يُقَال: وَعَلَيْكُم السام، لأَنهم كَانُوا يمجمجون الْكَلَام بِهِ فَلَا يبين لكل أحد، فَلَا يصلح أَن يُقَابل الممجمج بالمصرح، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَعَلَيْكُم، أَي مَا قُلْتُمْ.
وَقد جَاءَ فِي حَدِيث: «إِنَّه يُسْتَجَاب لنا فيهم وَلَا يُسْتَجَاب لَهُم فِينَا» .
[ ٣ / ١٩٦ ]
١٥٣٨ - / ١٨٧١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين: كَانَ يتنفس فِي الْإِنَاء ثَلَاثًا.
أما التنفس ثَلَاثًا فقد بَيناهُ فِي مُسْند أبي قَتَادَة.
وَأما كَونه أروى فَإِنَّهُ إِذا جرعت جرعة ثمَّ صَبر عَلَيْهَا ثمَّ جرعت الْأُخْرَى كَانَ أروى للكبد من جعل الجرعتين وَاحِدَة، لِأَنَّهَا تشرب الْقَلِيل الأول بلطف لقوتها على هضمه من أجل قلته، ثمَّ تشرب الثَّانِي كَذَلِك. وَكَونه أَبْرَأ لهَذَا الْمَعْنى أَيْضا. وَقد جَاءَ فِي حَدِيث آخر: أَن العب يُورث الكباد. أَي وجع الكبد؛ وَذَلِكَ أَن المَاء إِذا تكاثر على الكبد آذاها. وَكَونه أمرأ، فالمريء: التَّام الإنهضام الْمَحْمُود الْعَاقِبَة.
١٥٣٩ - / ١٨٧٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين: أنفجنا أرنبا بمر الظهْرَان.
قَوْله: أنفجنا قَالَ ابْن قُتَيْبَة: أَي ذعرناها فعدت، وَهَذَا كَمَا تَقول: أعرق الْفرس: أَي أعده، لِأَنَّهُ إِذا عدا عرق، فيكتفى بِذكر الْعرق من ذكر الْعَدو، وَكَذَلِكَ الأرنب إِذا اثيرت انتفجت، فَاكْتفى بِذكر الإنتفاج من ذكر الْعَدو.
[ ٣ / ١٩٧ ]
وَمر الظهْرَان مَوضِع، والظاء مَفْتُوحَة.
وَقَوله: فلغبوا من اللغوب: وَهُوَ التَّعَب والإعياء.
١٥٤٠ - / ١٨٧٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْعِشْرين: نهى رَسُول الله ﷺ أَن تصبر الْبَهَائِم.
أَي أَن تحبس للرمي، وَكَانُوا يحبسونها ويرمونها بِالنَّبلِ كَمَا بَينا فِي مُسْند ابْن عمر.
١٥٤١ - / ١٨٧٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين: أَن يَهُودِيَّة أَتَت النَّبِي ﷺ بِشَاة مَسْمُومَة فَأكل مِنْهَا.
هَذَا كَانَ فِي غزَاة خَيْبَر. وَاسم هَذِه الْيَهُودِيَّة زَيْنَب بنت الْحَارِث امْرَأَة سَلام بن مشْكم، قَالَ مُحَمَّد بن سعد: الثبت عندنَا أَن رَسُول الله ﷺ قَتلهَا.
وَقَوله: مَا زلت أعرفهَا فِي لَهَوَات رَسُول الله ﷺ. اللهوات جمع لهاة: وَهِي اللحمة المتدلية من الحنك الْأَعْلَى، فَهِيَ حَمْرَاء مُتَعَلقَة.
١٥٤٢ - / ١٨٧٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْعِشْرين: أَن يَهُودِيّا قتل جَارِيَة على أوضاح لَهَا.
وَالْمعْنَى: قَتلهَا لأجل أوضاح، والأوضاح: الْحلِيّ من الْفضة،
[ ٣ / ١٩٨ ]
وَاحِدهَا وضح. والحلي والحلي: مَا يتحلى بِهِ: أَي يتزين.
والرمق: بَاقِي النَّفس.
وَقَوله: «أَقْتلك فلَان؟» فَأَشَارَتْ: أَن لَا. الْمَعْنى أَنه كَانَ يذكر لَهَا وَاحِد بعد وَاحِد من المتهمين إِلَى أَن ذكر الْقَاتِل فَأَشَارَتْ: أَن نعم، وإشارتها لم توجب عَلَيْهِ الْقَتْل، وَإِنَّمَا قتل لِأَنَّهُ اعْترف، وَقد ذكر فِي بعض أَلْفَاظ الحَدِيث: فَأقر، وَإِنَّمَا يحذف ذَلِك بعض الروَاة اختصارا واعتمادا على فهم السَّامع، لِأَنَّهُ قد ثَبت فِي أصُول الشَّرِيعَة أَنه لَا يقتل أحد بِدَعْوَى أحد.
والرضخ: كسر الشَّيْء ودقه. والرض. الدق أَيْضا.
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على وجوب الْقصاص فِي الْقَتْل بالمثقل خلافًا لأبي حنيفَة فِي قَوْله: لَا يجب الْقصاص إِلَّا فِيمَا لَهُ حد.
١٥٤٣ - / ١٨٧٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّلَاثِينَ: أَن أم أنس حِين ولدت انْطَلقُوا بِالصَّبِيِّ إِلَى النَّبِي ﷺ يحنكه.
التحنيك قد سبق: وَهُوَ أَن يمضغ تَمرا وَغَيره فيدلك بِهِ حنك الصَّبِي. والحنك الْأَعْلَى: سقف أَعلَى الْفَم.
والمربد قد سبق فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
فَأَما وسم الْبَهَائِم فَجَائِز، وَلَيْسَ ذَلِك من الْمثلَة والتعذيب للحيوان، وَإِنَّمَا جَازَ لموْضِع الْحَاجة إِلَى معرفَة مَال الرجل من مَال
[ ٣ / ١٩٩ ]
غَيره، وَقد نهى عَن الوسم فِي الْوَجْه.
والخميصة الْجَوْنِية: كسَاء أسود معلم، فَإِذا لم يكن معلما فَلَيْسَ بخميصة.
وَقَوله: يهنأ بَعِيرًا لَهُ. يُقَال: هنأت الْبَعِير أهنؤه، وَهَذِه نَاقَة مهنأة بالهناء: وَهُوَ ضرب من القطران تداوى بِهِ الْإِبِل من الجرب.
وَقَوْلها: قد هدأت نَفسه. وَهَذَا لِأَن النَّفس كَانَت قلقة شَدِيدَة الإنزعاج بِالْمرضِ فسكنت بِالْمَوْتِ، فَلذَلِك قَالَت: أَرْجُو أَن يكون قد استراح، وَهَذَا من المعاريض، وَإِنَّمَا يَسْتَعْمِلهُ أَرْبَاب الذكاء والفطنة عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ.
وَهَذَا الْمَوْلُود سَمَّاهُ النَّبِي ﷺ عبد الله، وجاءه أَوْلَاد. وَقَوله: فَرَأَيْت تِسْعَة أَوْلَاد كلهم قد قَرَأَ الْقُرْآن، يَعْنِي لهَذَا الْمَوْلُود. وَاسم أَوْلَاد عبد الله: الْقَاسِم وَعُمَيْر وَزيد وَإِسْمَاعِيل وَيَعْقُوب وَإِسْحَاق وَمُحَمّد وَعبد الله وَإِبْرَاهِيم وَعمر وَمعمر وَعمارَة، وَكَانَ من هَؤُلَاءِ تِسْعَة قد قرأوا الْقُرْآن، وَكَانَ لَهُ من الْبَنَات عَبدة وكلثم ورقية وَأم أبان.
والطروق: إتْيَان الْمنَازل لَيْلًا.
والمخاض: تمخض الْوَلَد فِي بطن أمه: أَي تحركه لِلْخُرُوجِ.
والعجوة: نوع من التَّمْر.
وَقَوله: فلاكها: أَي أدارها فِي فِيهِ بالمضغ.
والتلمظ: إدارة اللِّسَان فِي ذوق مَا يُؤْكَل، كالإستطابة لَهُ.
[ ٣ / ٢٠٠ ]
وفغرفاه: بِمَعْنى فَتحه. يُقَال: انفغر النُّور: إِذا تفتح.
والمج: صب المَاء من الْفَم بِقُوَّة.
١٥٤٤ - / ١٨٧٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ: كنت أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَة وَأَبا طَلْحَة وَأبي بن كَعْب من فضيخ زهو وتمر.
الفضيخ: الْبُسْر يفضخ: أَي يشدخ وَيتْرك فِي وعَاء حَتَّى ينش.
والفضخ: الْكسر.
والزهو: احمرار الْبُسْر واصفراره.
والمهراس كالحوض.
وَقَوله: أهرقها: أَي أرقها.
والقلال جمع قلَّة: وَهِي الْآنِية الَّتِي كَانُوا يشربون فِيهَا.
واكفأهها: اقلبها.
وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على وجوب قبُول خبر الْوَاحِد إِذا كَانَ ثِقَة.
وَفِيه دَلِيل أَن الْخمر لَا يجوز استصلاحها بالعلاج لتصير خلا، إِذْ لَو جَازَ لما أضاعوها. وَفِيه دَلِيل على أَن النَّبِيذ خمر، لأَنهم أراقوا مَا لَيْسَ بِمَاء الْعِنَب.
١٥٤٥ - / ١٨٧٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالثَّلَاثِينَ: أَن جدته مليكَة دعت رَسُول الله ﷺ لطعام، قَالَ: فَقُمْت إِلَى حَصِير لنا قد اسود من طول مَا لبس - أَي اسْتعْمل.
[ ٣ / ٢٠١ ]
والنضح: الرش.
وَقد بَين هَذَا الحَدِيث جَوَاز صَلَاة التَّطَوُّع فِي جمَاعَة. وَبَين موقف الْمَرْأَة وَأَنه خلف الرِّجَال، فَإِن صلت إِلَى جنب الرجل فقد أساءت وصلاتها وَصَلَاة من يَليهَا صَحِيحَة وَهَذَا قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تبطل صَلَاة من عَن يَمِينهَا وَعَن يسارها وَمن يحاذيها وَمن خلفهَا. وَقَالَ دَاوُد: تبطل صلَاتهَا وَلَا تبطل صَلَاة الرجل.
وَقد نبه الحَدِيث على أَن إِمَامَة الْمَرْأَة للرِّجَال لَا تجوز، لِأَنَّهُ لما لم يجز أَن تساويهم فِي الصَّفّ كَانَت من أَن تتقدمهم أبعد.
وَفِيه دَلِيل على أَنه يَنْبَغِي أَن يتَقَدَّم فِي الصَّفّ الأول الْأَفْضَل فَالْأَفْضَل.
١٥٤٦ - / ١٨٨٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: التمس النَّاس الْوضُوء، فَأتي بقدح رحراح.
الْوضُوء بِفَتْح الْوَاو: المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ.
والرحراح: الْوَاسِع.
والمخضب: شبه المركن، نَحْو الإجانة.
والزوراء: مَكَان قد بَين فِي الحَدِيث.
وَقَوله: يَنْبع من بَين أَصَابِعه. أَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ: يَنْبع
[ ٣ / ٢٠٢ ]
بِضَم الْبَاء، وَقَالَ لنا عبد الله بن أَحْمد النَّحْوِيّ: إِنَّمَا هُوَ يَنْبع بِفَتْح الْبَاء.
والزهاء فِي الْعدَد مَمْدُود. يُقَال: قوم ذَوُو زهاء: أَي ذَوُو عدد وَكَثْرَة. وهم زهاء مائَة: أَي قدر مائَة.
١٥٤٧ - / ١٨٨١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ: عَمَدت أم سليم إِلَى مد من شعير جشته وَجعلت مِنْهُ خطيفة.
الْمَدّ: ربع الصَّاع.
والجش: الدق.
والخطيفة: أَن يُؤْخَذ لبن ثمَّ يذر عَلَيْهِ الدَّقِيق يطْبخ فيلعقه النَّاس ويختطفونه بِسُرْعَة. قَالَ ابْن السّكيت: الخطيفة: الدَّقِيق يذر على اللَّبن يطْبخ فيلعقه النَّاس.
والوغيرة: اللَّبن الْمَحْض وَحده يسخن حَتَّى ينضج، وَرُبمَا جعل فِيهِ السّمن.
والبسيسة: سويق أَو دَقِيق يثرى بِزَيْت أَو سمن.
والربيكة: تمر يعجن بِسمن أَو أقط.
والفريقة: التَّمْر والحلبة تجْعَل للنفساء.
والخزيرة: أَن ينصب الْقدر بِلَحْم يقطع قطعا صغَار على مَاء
[ ٣ / ٢٠٣ ]
كثير، فَإِذا نضج ذَر عَلَيْهِ الدَّقِيق، فَإِن لم يكن فِيهَا لحم فَهِيَ عصيدة.
واللهيدة: الرخوة من العصائد، لَيست بحساء فتحسى، وَلَا غَلِيظَة فتلقم، وَهِي الحريرة.
والوكيرة: طَعَام يصنع عِنْد بِنَاء الْبَيْت.
والنقعية: طَعَام القادم من سفرة.
وَطَعَام الْخِتَان الْإِعْذَار.
وَطَعَام النُّفَسَاء: الخرس.
وَالَّذِي يتَّخذ عِنْد بِنَاء الرجل على أَهله: الْوَلِيمَة.
والمأدبة تجمع هَذَا كُله.
والعكة: زق اللَّبن.
وَقَوله: فأدمته: أَي جعلت لَهُ أدما. وَلَا تمد قَوْله فأدمته؛ فَإِن بعض قرأة الحَدِيث يمده وَهُوَ غلط، كَذَلِك قَالَ لنا عبد الله بن أَحْمد النَّحْوِيّ.
وَقَوله: هيأها: أَي سوى مَوضِع الْأَصَابِع فِيهَا.
والسؤر بِالْهَمْز: الْبَقِيَّة، يُقَال: أسأر فِي الْإِنَاء: أَي أبقى.
١٥٤٨ - / ١٨٨٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ: كَانَ أَبُو طَلْحَة أحب أَمْوَاله إِلَيْهِ بيرحاء.
الَّذِي سمعناه من أشياخنا بيرحى بِفَتْح الْبَاء. وَقَالَهَا بعض الْحفاظ بِالْكَسْرِ.
[ ٣ / ٢٠٤ ]
ورابح بِالْبَاء أصح من رَايِح بِالْيَاءِ.
وَقد دلّ الحَدِيث على أَن الصَّدَقَة على الْأَقَارِب أولى من الْأَجَانِب.
وَقَوله: بني حديلة. أَكثر الْمُحدثين يَرْوُونَهُ بِالْجِيم، وَالصَّوَاب بِالْحَاء المضمومة.
وَفِي هَذَا الحَدِيث إِبَاحَة اتِّخَاذ الْبَسَاتِين، وَإِبَاحَة دُخُول الْعلمَاء والفضلاء الْبَسَاتِين طلبا للتفرج وَالنَّظَر إِلَى مَا يسلي النَّفس وَيُوجب شكر الله ﷿. وَفِيه إِبَاحَة استعذاب المَاء وَاخْتِيَار الأجود مِنْهُ.
١٥٤٩ - / ١٨٨٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: كنت أَمْشِي مَعَ رَسُول الله ﷺ وَعَلِيهِ برد نجراني.
النجراني مَنْسُوب إِلَى نَجْرَان: وَهِي بَلْدَة بِالْيمن.
وجبذ بِمَعْنى جذب، وهما لُغَتَانِ.
وَفِي هَذَا الحَدِيث بَيَان حلم رَسُول الله ﷺ وصفحه، وَهُوَ يعلم الْعلمَاء الصفح عَن الْجُهَّال.
١٥٥٠ - / ١٨٨٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ: كَانَ النَّبِي ﷺ لَا يدْخل على أحد من النِّسَاء إِلَّا على أَزوَاجه، إِلَّا أم سليم.
أم سليم هِيَ أم أنس، وَكَانَت تقرب إِلَيْهِ من النّسَب. وَسَنذكر هَذَا فِي مُسْند أم حرَام. وَسمعت بعض الْحفاظ يَقُول: كَانَت أم سليم
[ ٣ / ٢٠٥ ]
أُخْت آمِنَة من الرضَاعَة.
١٥٥١ - / ١٨٨٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ: أَصَابَت النَّاس سنة.
السّنة: الجدب.
والقزعة مَفْتُوحَة الزَّاي: الْقطعَة من السَّحَاب.
وَقَوله: رَأَيْت السَّحَاب يتحادر على لحيته، يَعْنِي الْمَطَر. وَهَذَا يدل على أَن السّقف وكف عَلَيْهِ.
وَقَوله: مثل الجوبة. يَعْنِي الْمَدِينَة انجاب السَّحَاب عَنْهَا: أَي انْقَطع وانكشف فَبَقيت كالجوبة: وَهِي الوهدة. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: الجوبة هَاهُنَا: الترس.
والجود بِفَتْح الْجِيم: الْمَطَر الْكثير.
وَقَوله: أمْطرت، يُقَال: مطرَت وأمطرت.
وَقَوله: «حوالينا» فِيهِ إِضْمَار، تَقْدِيره: أمطر حوالينا، أَو اجْعَلْهُ حوالينا.
والآكام جمع أكمة: وَهِي مَا ارْتَفع من الأَرْض كَالتَّلِّ، وَجمعه أكم، ثمَّ يجمع على الإكام والآكام.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: والظراب دون الْجبَال، وَاحِدهَا ظرب.
[ ٣ / ٢٠٦ ]
وتكشطت: أَي تكشفت.
والإكليل: الَّذِي يوضع على الرَّأْس، سمي إكليلا لإحاطته بِالرَّأْسِ، وكل شَيْء دَار بِشَيْء من جَمِيع جوانبه فَهُوَ إكليل لَهُ. فَكَأَن الْمَطَر لما أحَاط بجوانب الْمَدِينَة كَانَ كالإكليل لَهَا.
والكراع: اسْم وَاقع على جملَة الْخَيل.
والملاء جمع ملاءة: وَهِي كالرداء.
وَقد جَاءَ فِي بعض الْأَلْفَاظ الصِّحَاح مِمَّا لم يذكرهُ الْحميدِي: مَا زَالَت تمطر حَتَّى كَانَت الْجُمُعَة الْأُخْرَى، فَأتى الرجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله: بشق الْمُسَافِر. قَالَ البُخَارِيّ: بشق: اشْتَدَّ أَي اشْتَدَّ السّفر عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: بشق وبشك: إِذا أسْرع. وَقَالَ الْخطابِيّ: بشق لَيْسَ بِشَيْء، وَإِنَّمَا هُوَ لثق الْمُسَافِر، من اللثق وَهُوَ الْوَصْل، يُقَال: لثق الطَّرِيق، ولثق الثَّوْب: إِذا أَصَابَهُ ندى الْمَطَر ولطخ الطين. قَالَ: وَيحْتَمل أَن يكون مشق بِالْمِيم، يُرِيد أَن الطَّرِيق صَارَت مزلة زلقا. وَمِنْه: مشق الْخط. أخبرنَا أَبُو مَنْصُور الْقَزاز قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر بن ثَابت قَالَ: أخبرنَا أَبُو عمر بن مهْدي قَالَ: أخبرنَا الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل الْمحَامِلِي قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل التِّرْمِذِيّ قَالَ: حَدثنَا أَيُّوب بن سُلَيْمَان قَالَ: حَدثنِي أَبُو بكر عَن
[ ٣ / ٢٠٧ ]
سُلَيْمَان بن بِلَال قَالَ: قَالَ يحيى بن سعيد: سَمِعت أنس بن مَالك يَقُول: أَتَى أَعْرَابِي إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، هَلَكت الْمَاشِيَة، هَلَكت النَّاس، فَرفع رَسُول الله ﷺ يَدْعُو الله، فَمَا خرجنَا من الْمَسْجِد حَتَّى مُطِرْنَا، فَمَا زلنا نمطر حَتَّى كَانَت الْجُمُعَة الْأُخْرَى، فَأتى الرجل إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله، لثق الْمُسَافِر، وَمنع الطَّرِيق.
١٥٥٢ - / ١٨٨٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ: جَاءَ رجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنِّي أصبت حدا، فأقمه عَليّ. وَلم يسْأَله، قَالَ: وَحَضَرت الصَّلَاة، فصلى مَعَ النَّبِي ﷺ فَلَمَّا قضى النَّبِي ﷺ الصَّلَاة قَامَ إِلَيْهِ الرجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنِّي أصبت حدا فأقم فِي كتاب الله. قَالَ: «أَلَيْسَ قد صليت مَعنا؟» قَالَ: نعم. قَالَ: «فَإِن الله قد غفر لَك ذَنْبك، أَو حدك» .
وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفِقْه أَن لَا يكْشف عَن الْحُدُود، بل تدرأ.
وَهَذَا الرجل لم يفصح بِأَمْر يلْزمه شَيْئا فِي الحكم، وَلَعَلَّه أصَاب صَغِيرَة فظنها حدا.
١٥٥٣ - / ١٨٩٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: فِي ذكر الْمَدِينَة «لَيْسَ نقب من أنقابها إِلَّا عَلَيْهِ مَلَائِكَة» .
النقب: الطَّرِيق فِي الْجَبَل، وَجمعه نقاب.
[ ٣ / ٢٠٨ ]
وَقَوله: «ثمَّ ترجف الْمَدِينَة» أَي تضطرب. والرجفة حَرَكَة كالزلزلة.
والرواق كالفسطاط، على عماد وَاحِد فِي وَسطه، وَالْجمع أروقة.
ورواق الْبَيْت: مَا بَين يَدَيْهِ.
١٥٥٤ - / ١٨٩١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ: رأى أَعْرَابِيًا يَبُول فِي الْمَسْجِد فَقَالَ: «دَعوه» .
إِنَّمَا قَالَ: «دَعوه» لِأَنَّهُ قد فَاتَ الْأَمر، فَلَا ينفع قطع بَوْله عَلَيْهِ، إِذْ النَّجَاسَة قد حصلت، وَقطع الْبَوْل يُؤْذِيه.
وتزرموه: الزَّاي مُقَدّمَة على الرَّاء، وَالْمعْنَى: لَا تقطعوا عَلَيْهِ بَوْله. قَالَ أَبُو عبيد: الإزرام: الْقطع، وأزرمه غَيره: قطعه، وزرم الْبَوْل نَفسه: إِذا انْقَطع.
والذنُوب: الدَّلْو الْعَظِيمَة.
وَقَوله: فشنه عَلَيْهِ: أَي فرقه. وَلَو رُوِيَ بِالسِّين كَانَ لَهُ وَجه؛ لِأَن السن الصب فِي سهولة.
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن النَّجَاسَة إِذا كَانَت على الأَرْض فغمرت بِالْمَاءِ استهلكت وطهر الْمَكَان. وَلَوْلَا أَنه يطهر لم يَأْمر بذلك، لِأَنَّهُ قد تكْثر النَّجَاسَة.
وَقد علم هَذَا الحَدِيث كَيْفيَّة الْإِنْكَار على الْجُهَّال، وَتَعْلِيم من لَا يعلم، والرفق بهم.
[ ٣ / ٢٠٩ ]
١٥٥٥ - / ١٨٩٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ: صليت مَعَ رَسُول الله الظّهْر بِالْمَدِينَةِ أَرْبعا، وَصليت مَه الْعَصْر بِذِي الحليفة رَكْعَتَيْنِ.
معنى هَذَا الحَدِيث أَنه صلى بِالْمَدِينَةِ مُقيما، فَلَمَّا خرج إِلَى السّفر قصر.
١٥٥٦ - / ١٨٩٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: «خير دور الْأَنْصَار بَنو النجار» .
يَعْنِي بالدور الْقَبَائِل.
١٥٥٧ - / ١٨٩٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ: مَا صليت وَرَاء إِمَام قطّ أخف صَلَاة، وَلَا أتم صَلَاة من النَّبِي ﷺ، وَإِن كَانَ ليسمع بكاء الصَّبِي فيخفف مَخَافَة أَن تفتتن أمه.
وَفِي هَذَا الحَدِيث تَعْلِيم الْأَئِمَّة الرِّفْق بالمأمومين. وَقد سبق ذكر هَذَا الْمَعْنى فِي مُسْند أبي مَسْعُود وَجَابِر بن عبد الله.
١٥٥٨ - / ١٨٩٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ: فِي ذكر الْمِعْرَاج.
قَالَ أنس: جَاءَهُ ثَلَاثَة نفر قبل أَن يُوحى إِلَيْهِ وَهُوَ نَائِم فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، ثمَّ أَتَوْهُ لَيْلَة أُخْرَى فِيمَا يرى قلبه وتنام عَيناهُ، فَلم يكلموه
[ ٣ / ٢١٠ ]
حَتَّى احتملوه فوضعوه عِنْد بِئْر زَمْزَم، فتولاه مِنْهُم جِبْرِيل، فشق مَا بَين نَحره إِلَى لبته.
النَّحْر: أول الصَّدْر، وَهُوَ مَوضِع القلادة.
وَقد ذكرنَا اللبة فِي مُسْند مَالك بن صعصعة، وَذكرنَا الطست فِي مُسْند أبي ذَر، وَذكرنَا هُنَالك معنى حَشْو صَدره إِيمَانًا وَحِكْمَة.
وَأما اللغاديد فَهِيَ لحمات فِي اللهوات، وَاحِدهَا لغدود. وَقد ذكرنَا اللهوات فِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين من هَذَا الْمسند.
وَقَوله: عنصرهما: أَي أَصلهمَا.
وَقَول الرَّاوِي: فأوعيت مِنْهُم: أَي هَذَا الَّذِي جعلته فِي وعائي الَّذِي كتبته عَن أنس. يُقَال: وعيت الْعلم، وأوعيت الشَّيْء فِي الْوِعَاء.
والأذفر: الْحَدِيد الرَّائِحَة. يُقَال: مسك أذفر: أَي حَدِيد الرَّائِحَة. والذفر: حِدة الرَّائِحَة الطّيبَة والخبيثة.
قَوْله: فَدَنَا الْجَبَّار: أَي قرب. فَتَدَلَّى: أَي زَاد فِي الْقرب.
وَقَوله: داورت: أَي درت مَعَهم متلطفا بهم.
وَقَوله: راودت: أَي طلبت مِنْهُم مَا أريده.
وَقَوله: «ثمَّ استيقظت» دَلِيل على أَنه كَانَ ذَلِك فِي الْمَنَام. وَلَا يَخْلُو هَذَا الحَدِيث من شَيْئَيْنِ: إِمَّا أَن يكون رَسُول الله ﷺ قد رأى فِي الْمَنَام مَا جرى لَهُ مثله فِي الْيَقَظَة بعد سِنِين؛ فَإِن الْمِعْرَاج كَانَ بعد
[ ٣ / ٢١١ ]
اثْنَتَيْ عشرَة سنة من النُّبُوَّة. أَو أَن يكون فِي الحَدِيث تَخْلِيط من الروَاة.
وَقد انزعج لهَذَا الحَدِيث أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ وَقَالَ: هَذَا الحَدِيث مَنَام، ثمَّ هُوَ حِكَايَة يحكيها أنس ويخبر بهَا من تِلْقَاء نَفسه، لم يعزها إِلَى رَسُول الله وَلم يروها عَنهُ، وَمَا ذكر فِيهِ من التدلي إِمَّا رَأْي أنس، وَإِمَّا من شريك بن عبد الله بن أبي نمر، فَإِنَّهُ كثير التفرد بمناكير الْأَلْفَاظ.
قَالَ: وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن أنس من غير طَرِيق شريك؛ فَلم يذكر فِيهِ هَذِه الْأَلْفَاظ الشنيعة، فَكَانَ ذَلِك مِمَّا يُقَوي الظَّن أَنَّهَا صادرة من شريك. قَالَ: وَفِي هَذَا الحَدِيث لَفْظَة أُخْرَى تفرد بهَا شريك وَلم يذكرهَا غَيره، وَهِي قَوْله: فَقَالَ وَهُوَ مَكَانَهُ، وَالْمَكَان لَا يُضَاف إِلَى الله تَعَالَى، وَإِنَّمَا هُوَ مَكَان النَّبِي ﷺ. وَكَذَلِكَ قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى فِي «الْمُعْتَمد»: إِن الله لَا يُوصف بِالْمَكَانِ. وَقد قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم الأندلسي: فِي هَذَا الحَدِيث أَلْفَاظ مقحمة، والآفة فِيهَا من شريك، مِنْهَا قَوْله: قبل أَن يُوحى إِلَيْهِ، فَإِن الْمِعْرَاج كَانَ بعد الْوَحْي بِنَحْوِ اثْنَتَيْ عشرَة سنة. وَمِنْهَا قَوْله: دنا الْجَبَّار. وَعَائِشَة تروي عَن رَسُول الله ﷺ أَن الَّذِي دنا فَتَدَلَّى جِبْرِيل.
قلت: وَمَتى قُلْنَا إِن هَكَذَا كَانَ مناما فَحكم الْمَنَام غير حكم الْيَقَظَة، فَلَا يُنكر مَا يذكر فِيهِ.
[ ٣ / ٢١٢ ]
وَقَوله: «اخْتَرْت الْفطْرَة» مَذْكُور فِي مُسْند مَالك بن صعصعة.
وَقَوله فِي يُوسُف: «قد أعطي شطر الْحسن» . قَالَ ابْن قُتَيْبَة: معنى كَونه أعطي شطر الْحسن أَن الله تَعَالَى جعل لِلْحسنِ غَايَة وَاحِدًا، وَجعله لمن شَاءَ من خلقه، إِمَّا للْمَلَائكَة أَو للحور، فَجعل ليوسف نصف ذَلِك الْحسن، فَكَأَنَّهُ كَانَ حسنا مقاربا للوجوه الْحَسَنَة، وَلَيْسَ كَمَا يزْعم النَّاس من أَنه أعطي نصف الْحسن وَأعْطِي النَّاس كلهم نصف الْحسن.
والفيلة: جمع فيل.
والقلال: الجرار.
١٥٥٩ - / ١٨٩٦ - وَفِي الحَدِيث الْخمسين: «فضل عَائِشَة» وَقد سبق فِي مُسْند أبي مُوسَى.
١٥٦٠ - / ١٨٩٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْخمسين: ركبت دابتها فوقصت بهَا، فَسَقَطت عَنْهَا فَمَاتَتْ.
معنى فوقصت بهَا: دقَّتْ عُنُقهَا. وَقد رَوَاهُ قوم: فرقصت بهَا، يُقَال: رقصت النَّاقة: إِذا خبت: وَهُوَ فَوق الْمَشْي. وَحجَّة من روى هَذَا قَوْله: فَسَقَطت عَنْهَا فَمَاتَتْ، فَدلَّ على أَن الرقص قبل السُّقُوط.
[ ٣ / ٢١٣ ]
١٥٦١ - / ١٨٩٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْخمسين: كَانَ رَسُول الله ﷺ ربعَة من الْقَوْم.
الربعة: بَين الطَّوِيل والقصير.
وَقَوله: أَزْهَر اللَّوْن: أَي بَين اللَّوْن. وَفِي رِوَايَة: لَيْسَ بالأبيض الأمهق. والأمهق: الَّذِي يَحْكِي لَونه لون الجص. وَقيل: بل الَّذِي يضْرب بياضه إِلَى الزرقة.
والآدم: الأسمر.
والجعودة فِي الشّعْر: انثناؤه وانقباضه.
والقطط: الَّذِي قد زَادَت جعودته. والسبط ضد الْجَعْد: وَهُوَ السهل المسترسل.
وَالرجل مُفَسّر فِي مُسْند ابْن عمر.
وَقَوله: فَلبث بِمَكَّة عشر سِنِين ينزل عَلَيْهِ. أما لبثه بِمَكَّة بعد النُّبُوَّة فَثَلَاث عشرَة سنة بِلَا خلاف. وَإِنَّمَا بَقِي مِنْهَا ثَلَاث سِنِين مستترا بأَمْره، ثمَّ حمي الْوَحْي بعد ذَلِك وتتابع، فَإلَى هَذَا يُشِير أنس.
وَأما قَوْله: توفاه الله على رَأس سِتِّينَ. قد بَينا فِي مُسْند ابْن عَبَّاس أَنه توفّي ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ، وَأَن من قَالَ سِتِّينَ قصد أعشار السِّتين، كَمَا يَقُول الرجل: سني أَرْبَعُونَ، وَرُبمَا يكون قد زَاد عَلَيْهَا، إِلَّا أَن الزِّيَادَة لم تبلغ عشرا.
[ ٣ / ٢١٤ ]
وَأما قَول ربيعَة: رَأَيْت شعره أَحْمَر، فَقيل لي: احمر من الطّيب. فِي هَذَا القَوْل بعد؛ وَالظَّاهِر أَنه احمر من الخضاب؛ لِأَنَّهُ قد رُوِيَ عَنهُ أَنه كَانَ يخضب شيبته بِالْحِنَّاءِ على مَا سَيَأْتِي ذكره بعد أَحَادِيث.
وَقَوله: كَانَ ضخم الرَّأْس: أَي كَبِير الرَّأْس.
وَقَوله: سبط الْكَفَّيْنِ: أَي سهل الْكَفَّيْنِ.
والشثن: الغليظ الْأَصَابِع، وَذَلِكَ أَشد للقبض، وأصبر عِنْد المراس. والشثونة تعيب النِّسَاء وَلَا تعيب الرِّجَال.
والديباج قد تقدم ذكره فِي مُسْند حُذَيْفَة.
وَالْعرْف: الطّيب.
والعبير مُخْتَلف فِيهِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ الزَّعْفَرَان وَحده. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: العبير: أخلاط تجمع بالزعفران.
١٥٦٢ - / ١٩٠٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْخمسين: كنت أخدم رَسُول الله ﷺ، فَكنت أسمعهُ يكثر أَن يَقُول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْهم والحزن» .
[ ٣ / ٢١٥ ]
الْهم لما يتَوَقَّع، والحزن لما قد وَقع. وَالْعجز: أَن لَا يُمكنهُ الْفِعْل. والكسل: أَن يقدر عَلَيْهِ ويتوانى عَنهُ. وَالْبخل ضد الْكَرم، والجبن ضد الشجَاعَة.
وضلع الدّين: ثقله.
وأرذل الْعُمر: أردؤه، وَهُوَ آخِره.
وَقَوله: وَأَقْبل بصفية يحوي لَهَا بعباءة. أَي يُدِير الكساء وَرَاءه.
وَقَوله: فاصطفاها: أَي أَخذهَا صفيا، والصفي: سهم رَسُول الله ﷺ من الْمغنم، كَانَ إِذا غنم الْجَيْش غنيمَة أَخذ لَهُ من رَأس المَال - قبل أَن يقسم - مَا يختاره من دَابَّة أَو جَارِيَة أَو غير ذَلِك، فيسمى ذَلِك الصفي.
ويردفها: يركبهَا خَلفه.
والحيس: أخلاط من تمر وأقط وَسمن.
وَقد سبق معنى الْبناء بِالْمَرْأَةِ فِي قصَّة زَيْنَب من هَذَا الْمسند.
وَقَوله فِي أحد: «يحبنا ونحبه» يَعْنِي أهل الْجَبَل، وهم أهل الْمَدِينَة.
وَقَوله: «أحرم مَا بَين جبليها» قد ذكرنَا تَحْرِيم الْمَدِينَة فِي مُسْند عَليّ ﵇، وَذكرنَا هُنَاكَ معنى الصّرْف وَالْعدْل. وَذكرنَا الْمَدّ والصاع فِي مُسْند عبد الله بن زيد.
[ ٣ / ٢١٦ ]
وَقَوله: «من أحدث فِيهَا حَدثا» قد سبق تَفْسِيره فِي مُسْند عَليّ ﵇.
وَقَوله: وَجعل عتقهَا صَدَاقهَا. هَذَا نَص على جَوَاز أَن يكون عتق الْأمة صَدَاقهَا وَلَا يجب لَهَا مهر غَيره، وَهُوَ مَذْهَب الْحسن وَابْن الْمسيب وَأحمد بن حَنْبَل فِي جمَاعَة. وَقَالَ مَالك وَأهل الرَّأْي: هَذَا لَا يصلح، والْحَدِيث يرد قَوْلهم.
فَإِن قيل: مَعْلُوم ثَوَاب الْعتْق، فَكيف أفات نَفسه ثَوَابه، وَجعله فِي مُقَابلَة النِّكَاح الَّذِي يُمكن أَن يكون فِي مُقَابِله دِينَار وَاحِد؟ فَالْجَوَاب: أَن صَفِيَّة كَانَت بنت مَالك، وَمثلهَا لَا يقنع فِي الْمهْر إِلَّا بالكبير، وَلم يكن بيد رَسُول الله ﷺ مَا يرضيها، فَلم ير أَن يقصر بهَا فَجعل صَدَاقهَا نَفسهَا، وَذَلِكَ عِنْدهَا أشرف من الْأَمْوَال الْكَثِيرَة.
والعنوة: الْقَهْر.
والإغارة: الْإِسْرَاع بِالْخَيْلِ إِلَى الْعَدو على غَفلَة، وَأَصلهَا الْإِسْرَاع، قَالَ الْكسَائي: أغار: أسْرع. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: أغار الرجل: إِذا عدا.
والمسحاة: حَدِيدَة يعْمل بهَا فِي الصَّحرَاء.
والمكتل: الزبيل.
وَالْخَمِيس: الْجَيْش. وَفِي تَسْمِيَته بذلك قَولَانِ:
[ ٣ / ٢١٧ ]
أَحدهمَا: لِأَنَّهُ مقسوم على خَمْسَة: الْمُقدمَة والساقة والميمنة والميسرة وَالْقلب.
وَالثَّانِي: لِأَن الْغَنَائِم فِيهِ تخمس.
والرجس: المستقذر، وَالْمرَاد هَا هُنَا الْمحرم، وَهَذَا يدل على تَحْرِيم لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة.
وأكفئت: قلبت وصب مَا فِيهَا.
وبزغت: طلعت.
وَقَوله: رفع صَفِيَّة إِلَى أم سليم تصنعها وتهيئها، وَذَلِكَ بِغسْل جَسدهَا، وتسريح شعرهَا، وَإِصْلَاح أحوالها.
وَقَوله: وَتعْتَد فِي بَيتهَا: أَي تنْتَظر الْحيض.
وفحصت الأَرْض: حفرت حفرا لَيْسَ ببالغ.
والأقط: شَيْء يعْمل من اللَّبن.
ودفعنا: سرنا. ورفعنا: أَسْرَعنَا.
وندر: وَقع.
وَإِنَّمَا قُلْنَ: أبعد الله الْيَهُودِيَّة، لِأَنَّهُنَّ مَا علِمْنَ بإسلامها، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا جواري أَزوَاج النَّبِي ﷺ.
والشمات: الْفَرح ببلية الْعَدو.
وقصة وَلِيمَة زَيْنَب قد تقدّمت فِي هَذَا الْمسند.
وصرعا: وَقعا.
واقتحم: دخل فِي الْأَمر بِشدَّة. وَكَانَ الْحيَاء وَالْخَوْف من النّظر
[ ٣ / ٢١٨ ]
إِلَى الْمَرْأَة قد منعا أَبَا طَلْحَة من الْإِقْدَام، فاقتحم الْمَانِع لضَرُورَة دفع الضَّرَر، وَلذَلِك غطى وَجهه عِنْد قربه من الْمَرْأَة.
١٥٦٣ - / ١٩٠١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْخمسين: سَأَلت أنس بن مَالك وَنحن غاديان من منى إِلَى عَرَفَات عَن التَّلْبِيَة: كَيفَ كُنْتُم تَصْنَعُونَ مَعَ النَّبِي ﷺ؟ قَالَ: كَانَ يُلَبِّي الملبي فَلَا يُنكر عَلَيْهِ، وَيكبر المكبر فَلَا يُنكر عَلَيْهِ.
اعْلَم أَن السّنة فِي هَذَا الْمقَام إِنَّمَا هِيَ التَّلْبِيَة وَألا تقطع حَتَّى ترمى أول حَصَاة من جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر.
وَقَول أنس يحْتَمل أَن من كبر كَانَ يدْخل التَّكْبِير من خلال التَّلْبِيَة.
١٥٦٤ - / ١٩٠٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْخمسين: دَخَلنَا على الْحسن وَهُوَ مستخف فِي دَار أبي خَليفَة، فَقَالَ: حَدثنَا أنس وَهُوَ جَمِيع .
قَوْله: وَهُوَ مستخف. كَانَ الْحجَّاج قد طلب الْحسن لِأَنَّهُ كَانَ يُنكر عَلَيْهِ فاختفى.
وَقَوله: وَهُوَ جَمِيع: أَي مُجْتَمع الذِّهْن وَالْحِفْظ.
وَقَوله: يهتمون بذلك: أَي يَأْخُذهُمْ الْهم لما هم فِيهِ. وَقد رُوِيَ: فيلهمون ذَلِك: أَي يُلْهمُون طلب الشَّفَاعَة.
[ ٣ / ٢١٩ ]
وَقَوله: «يخرج من النَّار من فِي قلبه من الْخَيْر مَا يزن ذرة» الذّرة: النملة الصَّغِيرَة.
وَقَالَ شُعْبَة: ذرة بتَخْفِيف الرَّاء، وَهُوَ تَصْحِيف لَيْسَ بِشَيْء.
وَقَوله: فِي دَاره: أَي فِي الدَّار الَّتِي دورها لأوليائه وبناها لَهُم، وَهِي الْجنَّة، وأضافها إِلَيْهِ للتشريف كإضافة الْبَيْت، وَلَيْسَ كَمَا يتصوره الْحس من سُكْنى الدَّار، فَإِن ذَلِك يَسْتَحِيل فِي حَقه سُبْحَانَهُ، لِأَنَّهُ لَا يُوصف بِالْمَكَانِ. وَقد ذكرنَا هَذَا آنِفا فِي حَدِيث الْمِعْرَاج.
١٥٦٥ - / ١٩٠٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْخمسين: «من كَانَ ذبح قبل الصَّلَاة فليعد» فَقَامَ رجل فَذكر هنة من جِيرَانه - يَعْنِي فقرا وحاجة، وَأَنه ذبح قبل الصَّلَاة، وَقَالَ: عِنْدِي جَذَعَة.
قد ذكرنَا الْجَذعَة وَالْخلاف فِي وَقت الذّبْح فِي مُسْند الْبَراء بن عَازِب.
وَهَذَا الرجل الَّذِي سَأَلَ هُوَ أَبُو بردة بن نيار، وَأَنه ذبح قبل الصَّلَاة، فَرخص لَهُ رَسُول الله ﷺ، وَهَذِه الرُّخْصَة كَانَت لَهُ خَاصَّة لِأَنَّهُ لَا يعلم.
قَوْله: وانكفأ: أَي رَجَعَ.
وَقد ذكرنَا الأملح فِي مُسْند أبي بكرَة. والأقرن: الوافي الْقرن.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
قَوْله: فذبحهما بِيَدِهِ. قد ذكرنَا أَنه يسْتَحبّ للْإنْسَان أَن يتَوَلَّى ذبح أضحيته بِيَدِهِ.
والصفحة: جَانب الْعُنُق، وهما صفحتان، وهما اللديدان والسالفتان.
وتوزعوها: اقتسموها. وتجزعوها كَذَلِك. يُقَال: جزعت الْوَادي: إِذا قطعته.
١٥٦٦ - / ١٩٠٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْخَمْسُونَ: قد سبق فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
١٥٦٧ - / ١٩٠٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْخمسين: أَن النَّبِي ﷺ لما حلق شعره فرقه بَين النَّاس.
هَذَا دَلِيل على أَن بَين الشّعْر لَا حَيَاة فِيهِ فَلَا ينجس بِالْمَوْتِ، لِأَن مَا أبين من حَيّ فَهُوَ ميت، فَلَو مَاتَ فِيهِ حَيَاة كَانَ ينجس بالإبانة.
١٥٦٨ - / ١٩٠٦ - وَفِي الحَدِيث السِّتين: سَأَلت أنسا: أخضب النَّبِي ﷺ؟ فَقَالَ: لم يبلغ من الشيب إِلَّا قَلِيلا. وَفِي رِوَايَة: لم يختضب.
أما شيب رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ قَلِيلا، فَفِي رِوَايَة عَن أنس أَنه قَالَ: مَا عددت فِي رَأس رَسُول الله ﷺ ولحيته إِلَّا أَربع عشرَة شَعْرَة بَيْضَاء. وَفِي رِوَايَة عَن أنس لم ير من الشيب إِلَّا نَحوا من سبع
[ ٣ / ٢٢١ ]
عشرَة أَو عشْرين شَعْرَة فِي مقدم لحيته. وَفِي رِوَايَة عَن أنس: مَا كَانَ فِي رَأس رَسُول الله ﷺ ولحيته يَوْم مَاتَ ثَلَاثُونَ شَعْرَة بَيْضَاء.
وَعَن ابْن عمر: كَانَ شيب رَسُول الله ﷺ نَحوا من عشْرين شَعْرَة.
فَأَما قَوْله: لم يخضب، فقد اخْتلف عَن أنس، فَروِيَ عَنهُ: لم يخضب، وَرُوِيَ عَنهُ أَنه سُئِلَ: هَل خضب رَسُول الله؟ فَقَالَ: مَا أرى. وروى التِّرْمِذِيّ أَن أنسا قَالَ: رَأَيْت شعر رَسُول الله ﷺ مخضوبا. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَنهُ أَنه قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يمس شعره بصفرة. وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: قد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ الخضاب، فَقيل لَهُ: فَقَوْل أنس؟ قَالَ: غَيره يَقُول: قد خضب، فَهَذِهِ شَهَادَة على الخضاب. وَالَّذِي شهد على النَّبِي ﷺ لَيْسَ بِمَنْزِلَة من لم يشْهد. وَأخْبرنَا ابْن الْحصين قَالَ: أخبرنَا ابْن الْمَذْهَب قَالَ: أَنبأَنَا أَحْمد بن جَعْفَر قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي قَالَ: حَدثنَا سَلام بن أبي مُطِيع عَن عُثْمَان بن عبد الله بن موهب قَالَ: دَخَلنَا على أم سَلمَة، فأخرجت إِلَيْنَا شعرًا من شعر رَسُول الله ﷺ مخضوبا بِالْحِنَّاءِ
[ ٣ / ٢٢٢ ]
والكتم. قَالَ عبد الله بن أَحْمد: وَحدثنَا مُحَمَّد بن حسان الْأَزْرَق قَالَ: حَدثنَا أَبُو سُفْيَان الْحِمْيَرِي قَالَ: حَدثنَا الضَّحَّاك بن حمرَة عَن غيلَان بن جَامع عَن إياد بن لَقِيط عَن أبي رمثة قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ يخضب بِالْحِنَّاءِ والكتم.
وَقد روى عبد الله بن زيد صَاحب الْأَذَان أَنه قَالَ: إِن شعر رَسُول الله ﷺ عندنَا مخضوب بِالْحِنَّاءِ والكتم. وَقَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد ابْن عَليّ بن الْحُسَيْن: شمط عَارض رَسُول الله ﷺ فخضبه بحناء وكتم. وَقَالَ عِكْرِمَة: كَانَ رَسُول الله ﷺ يخضب بِالْحِنَّاءِ والكتم.
وَقد أخبرنَا عَليّ بن عبيد الله قَالَ: أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد الصريفيني قَالَ: أخبرتنا أمة السَّلَام بنت أَحْمد بن كَامِل قَالَت: أخبرنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البندار قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن عبد الله بن عَليّ بن سُوَيْد بن منجوف قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن إياد بن لَقِيط عَن أبي رمثة قَالَ: أتيت النَّبِي ﷺ ورأيته قد لطخ لحيته بِالْحِنَّاءِ. وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَن أبي رمثة قَالَ: أتيت النَّبِي ﷺ وَرَأَيْت الشيب أَحْمَر. وَسُئِلَ أَبُو هُرَيْرَة: هَل خضب رَسُول الله ﷺ؟ قَالَ: نعم. وَقد ذكرنَا فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث ابْن عمر أَنه كَانَ
[ ٣ / ٢٢٣ ]
يصْبغ بالصفرة. قَالَ: وَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ يصْبغ بهَا، وَأَنا أحب أَن أصبغ بهَا. وَفِي رِوَايَة عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يصفر لحيته وَيَقُول: إِنِّي رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يصفر لحيته.
وَأما الكتم فنبات يسود الشّعْر. قَالَ الْخطابِيّ: إِن الكتم الوسمة.
وَيُقَال بل نبت آخر.
وَقَوله: مَا شانه الله ببيضاء: أَي مَا كثر الْبيَاض فيشان بِهِ.
١٥٦٩ - / ١٩٠٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتِّينَ: التَّنَفُّل على الرَّاحِلَة إِلَى غير الْقبْلَة. وَقد ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند ابْن عمر.
١٥٧٠ - / ١٩١١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسِّتِّينَ: أَمر بِلَال أَن يشفع الْأَذَان ويوتر الْإِقَامَة، إِلَّا الْإِقَامَة. أَي إِلَّا قَوْله: قد قَامَت الصَّلَاة.
وَهَذَا دَلِيل على أَن الْأَفْضَل فِي الْإِقَامَة الْإِفْرَاد، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل، وَقَالَ أَبُو حنيفَة: السّنة التَّثْنِيَة، وَاحْتج أَصْحَابه بِأَحَادِيث واهية، ثمَّ زعم بعض المتفقهة من الَّذين جهلوا النَّقْل أَن الْآمِر لِبلَال بذلك أَبُو بكر الصّديق، وَهَذَا بَاطِل من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه لم ينْقل، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرّد زعم.
وَالثَّانِي: أَن بِلَالًا لم يُؤذن بعد دفن رَسُول الله ﷺ، ثمَّ خرج إِلَى
[ ٣ / ٢٢٤ ]
الشَّام، واستخلف على الْأَذَان سعد الْقرظ وَقَالَ بعض الْجُهَّال بِالنَّقْلِ والأثر: إِنَّمَا كَانَ الْآمِر لِبلَال بعض أُمَرَاء بني أُميَّة، وَهَذَا بَاطِل من سِتَّة أوجه: أَحدهَا: أَنه إِذا قَالَ الرَّاوِي: أَمر فلَان، أَو أمرنَا فقد صرح بِذكر النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ لَا أَمر لغيره فِي زَمَانه، وَصَارَ كَمَا يُقَال: تقدم إِلَى النَّاس بِكَذَا: أَي تقدم من لَهُ التَّقَدُّم، وَنَظِير هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿أذن للَّذين يُقَاتلُون بِأَنَّهُم ظلمُوا﴾ [الْحَج: ٣٩] .
وَالثَّانِي: أَن هَذَا الحَدِيث يتَضَمَّن شرح ابْتِدَاء الْأَذَان وَالْإِقَامَة، لِأَنَّهُ قَالَ: ذكرُوا أَن ينوروا نَارا، أَو يضْربُوا ناقوسا، فَأمر بِلَال، وَالْأَمر فِي الإبتداء لَا يكون إِلَّا للرسول ﷺ.
وَالثَّالِث: أَن بِلَالًا لم يدْرك خلَافَة بني أُميَّة وَلم يُؤذن لأحد بعده، وَإِنَّمَا أذن بعد وَفَاته قبل أَن يقبر، فانتحب النَّاس وَبكوا عِنْد قَوْله: أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، فَلَمَّا دفن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُ أَبُو بكر: أذن، فَقَالَ: إِن كنت أعتقتني لأَكُون مَعَك فسبيل ذَلِك، وَإِن كنت أعتقتني لله فخلني وَمن أعتقتني لَهُ. فَقَالَ: مَا أَعتَقتك إِلَّا لله، قَالَ: فَإِنِّي لَا أؤذن لأحد بعد رَسُول الله ﷺ قَالَ: فَذَاك إِلَيْك. فَأَقَامَ بِلَال حَتَّى خرجت بعوث الشَّام، فَسَار مَعَهم حَتَّى انْتهى إِلَيْهَا، فَتوفي بِدِمَشْق سنة عشْرين، كَذَلِك ذكره مُحَمَّد بن سعد. وَقَالَ أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ وَقد قيل: سنة ثَمَانِي عشرَة.
وَالرَّابِع: لَو قَدرنَا أَنه أَمر بذلك فَكيف يظنّ بِهِ أَن يتْرك مَا يُعلمهُ من سنة رَسُول الله ﷺ لقَوْل مُبْتَدع من بني أُميَّة؟ كَيفَ وَقد ألف ركون
[ ٣ / ٢٢٥ ]
الْعَزْم من يَوْم قَوْله: أحد أحد.
وَالْخَامِس: أَنه لَو فعل ذَلِك لما أقرته الصَّحَابَة على تَغْيِير مَا كَانَ علما فِي زمَان رَسُول الله ﷺ.
وَالسَّادِس: أَن الدَّارَقُطْنِيّ روى هَذَا الحَدِيث فِي «سنَنه» من حَدِيث أبي قلَابَة عَن أنس: أَن النَّبِي ﷺ أَمر بِلَالًا أَن يشفع الْأَذَان ويوتر
الْإِقَامَة. فقد زَالَ بِهَذَا التَّصْرِيح كل إِشْكَال.
وَاعْلَم أَن الْأَذَان وَالْإِقَامَة من أَعْلَام الدّين، فَيَنْبَغِي أَن يتبع فِي ذَلِك مَا صَحَّ من النَّقْل وَاجْتمعَ عَلَيْهِ الْجُمْهُور. وأحاديثنا أصح بِلَا خلاف، وَالْجُمْهُور مَعنا. قَالَ بكير بن عبد الله الْأَشَج: أدْركْت أهل الْمَدِينَة فِي الْأَذَان مثنى مثنى، وَفِي الْإِقَامَة مرّة مرّة. وَبُكَيْر هَذَا من كبار التَّابِعين، وَهُوَ يخبر بِهَذَا عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي دَار الْهِجْرَة. ثمَّ مَذْهَبنَا مَرْوِيّ عَن الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي، كَانَ يُقَام لَهُم مرّة، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَأنس وفقهاء الْمَدِينَة السَّبْعَة: سعيد بن الْمسيب وَأبي بكر بن عبد الرَّحْمَن وَسليمَان ابْن يسَار وَعُرْوَة وَعبيد الله بن عبد الله وَالقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن وخارجة بن زيد، وَهُوَ مَذْهَب الْحسن وَسَالم وَأبي قلَابَة وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَالزهْرِيّ والقرظي وَالْأَوْزَاعِيّ فِي خلق كثير، وَمَا ذهب إِلَيْهِ الْخصم لم ينْقل إِلَّا عَن الثَّوْريّ وَابْن الْمُبَارك، وَفِي الحَدِيث: «عَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الْأَعْظَم» . وَهُوَ مَعنا بِحَمْد الله وَمِنْه.
[ ٣ / ٢٢٦ ]
١٥٧١ - / ١٩١٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالسِّتِّينَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ فِي بعض أَسْفَاره، وَغُلَام أسود يُقَال لَهُ أَنْجَشَة يَحْدُو، وَكَانَ حسن الصَّوْت، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ: «وَيحك يَا أَنْجَشَة، رويدك سوقك بِالْقَوَارِيرِ» قَالَ أَبُو قلَابَة: يَعْنِي النِّسَاء.
فِي تَفْسِير هَذَا الحَدِيث قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن الْإِبِل: كَانَت كلما سَمِعت الحداء أسرعت، وإسراع السّير يشق على الرَّاكِب خُصُوصا النِّسَاء، فشبههن بِالْقَوَارِيرِ لضعف بنيتهن.
وَالثَّانِي: أَن أَنْجَشَة كَانَ حسن الصَّوْت، وَحسن الصَّوْت بالحداء يشبه الْغناء المحرك للطبع إِلَى الْهوى، وتأثير ذَلِك فِي النِّسَاء أسْرع من تَأْثِيره فِي الرِّجَال، وَهَذَا القَوْل قد ذكره جمَاعَة من الْعلمَاء مِنْهُم ابْن قُتَيْبَة والخطابي، وَكَانَ شَيخنَا أَبُو الْفضل بن نَاصِر يُنكره وَيَقُول: أَو يُقَال هَذَا فِي حق أَزوَاج رَسُول الله ﷺ؟ فأجبته أَنا فَقلت: هَذَا الَّذِي يُنكره لَيْسَ بمنكر، لِأَنَّك تتوهم أَن الَّذِي فسر بِهَذَا إِنَّمَا أَرَادَ ذكر الْفَاحِشَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا أَرَادَ ميل الطباع إِلَى تذكر الْهوى وَإِن كَانَ مُبَاحا، فَإِن الْغناء يحث على حب الدُّنْيَا، وَيذكر الشَّهَوَات، ويشغل الْقلب عَن وظائفه من الْفِكر وَالذكر، وَأَزْوَاج رَسُول الله ﷺ لسن بمعصومات من وساوس الشَّيْطَان وحثه على حب الدُّنْيَا.
[ ٣ / ٢٢٧ ]
١٥٧٢ - / ١٩١٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسِّتِّينَ: قَالَ أنس: من السّنة إِذا تزوج الْبكر على الثّيّب أَقَامَ عِنْدهَا سبعا وَقسم، وَإِذا تزوج الثّيّب أَقَامَ عِنْدهَا ثَلَاثًا ثمَّ قسم.
إِنَّمَا كَانَ هَذَا سنة لِأَن النَّبِي ﷺ لما تزوج أم سَلمَة أَقَامَ عِنْدهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: «إِن شِئْت سبعت لَك، وَإِن سبعت لَك سبعت لنسائي» وَفِي لفظ أَنه قَالَ: «للبكر سبع وللثيب ثَلَاث» وَسَيَأْتِي ذكر هَذَا الحَدِيث وتعليله فِي مُسْند أم سَلمَة. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا فضل قضى.
١٥٧٣ - / ١٩١٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالسِّتِّينَ: أَن أَبَا قلَابَة أنكر أَن يُقَاد بالقسامة.
أما حَدِيث الْقسَامَة فقد بَيناهُ وَذكرنَا الْخلاف فِيهِ فِي مُسْند سهل بن أبي حثْمَة.
وَالظَّاهِر من حَدِيث أبي قلَابَة فِي هَذَا الْمَقْتُول من الْأَنْصَار أَنه عبد الله بن سهل الْمَذْكُور فِي مُسْند ابْن أبي حثْمَة، وَإِن كَانَ يحْتَمل أَن يكون غَيره، إِلَّا أَن فِي مُسْند ابْن أبي حثْمَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ:
[ ٣ / ٢٢٨ ]
«يقسم خَمْسُونَ مِنْكُم على رجل مِنْهُم فَيدْفَع برمتِهِ» وَهَذَا دَلِيل على الْقصاص بالقسامة.
وَقَوله: يَتَشَحَّط فِي دَمه: أَي يضطرب فِيهِ.
وَقَول رَسُول الله ﷺ: «من ترَوْنَ - أَو من تظنون؟» دَلِيل على اعْتِبَار اللوث كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند ابْن أبي حثْمَة.
وَالنَّفْل هُنَا الْأَيْمَان بِالْبَرَاءَةِ من الْقَتْل: يُقَال: انتفل فلَان من كَذَا: أَي تَبرأ مِنْهُ، وَسميت نفلا لِأَن الْقصاص ينفى بهَا.
وَقَوله: خلعوا خليعا لَهُم: أَي انتفوا مِنْهُ.
فطرق أهل بَيت: أَي جَاءَهُم لَيْلًا.
وخذفه بِالسَّيْفِ: رَمَاه بِهِ.
واستوخموا الْمَدِينَة: أَي لم توافقهم: وَيَجِيء فِي بعض الْأَلْفَاظ: اجتووا. قَالَ أَبُو عبيد يُقَال: اجتويت الْبِلَاد: إِذا كرهتها وَإِن كَانَت مُوَافقَة لَك فِي بدنك، واستوبلتها: إِذا لم توافقك فِي بدنك وَإِن كنت محبا لَهَا.
واللقاح: الْإِبِل ذَوَات الدّرّ.
وَأمره بِشرب أبوالها دَلِيل على طَهَارَة بَوْل مَا يُؤْكَل لَحْمه.
وَقَوله: وأطردوا الْإِبِل: الطَّرْد: الْإِخْرَاج والإزعاج، يُقَال: طرده السُّلْطَان وأطرده: إِذا أخرجه عَن مستقره.
والذود من الْإِبِل: من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة.
[ ٣ / ٢٢٩ ]
والقائف: الَّذِي يتبع الْآثَار ويعرفها.
وَقَوله: وَسمر أَعينهم فِيهِ وَجْهَان: أَحدهمَا: أَن يكون من المسمار، يُرِيد أَنهم كحلوا بأميال قد أحميت بالنَّار.
وَالثَّانِي: أَن يكون السمر لُغَة فِي السمل، فَيكون سمر بِمَعْنى سمل، لِأَن الرَّاء وَاللَّام قريبتا الْمخْرج، ذكرهمَا أَبُو سُلَيْمَان. وَقَالَ أَبُو عبيد: السمل: أَن تفقأ الْعين بحديدة محماة أَو بِغَيْر ذَلِك، وَقد يكون السمل بالشوك، قَالَ أَبُو ذُؤَيْب يرثي بَنِينَ لَهُ:
(فالعين بعدهمْ كَأَن حداقها سملت بشوك فَهِيَ عور تَدْمَع)
والكدم: العض بِأَدْنَى الْفَم.
فَأَما اسْم الرَّاعِي الَّذِي قَتَلُوهُ فيسار.
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي وَجه هَذَا الْفِعْل بهؤلاء على قَوْلَيْنِ: أَحدهمَا: أَنه اقْتصّ مِنْهُم على مِثَال فعلهم، فَقَالَ أنس: إِنَّمَا سمل أَعينهم لأَنهم سملوا أعين الرعاء. قَالَ ابْن جرير: وَقد ذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَن هَذَا الحكم ثَابت فِي نظرائهم لَهُ ينْسَخ.
وَالثَّانِي: أَن هَذَا الْفِعْل كَانَ قبل أَن تنزل الْحُدُود. قَالَ أَبُو الزِّنَاد: لما فعل هَذَا وعظه الله ﷿ ونها عَن الْمثلَة وَأنزل الْحُدُود. وَقَالَ
[ ٣ / ٢٣٠ ]
ابْن سِيرِين: هَذَا قبل أَن تنزل الْحُدُود. وَقَالَ قَتَادَة: بلغنَا أَن النَّبِي ﷺ نهى بعد ذَلِك عَن الْمثلَة. وَقَالَ ابْن جرير الطَّبَرِيّ: قد ذهب بَعضهم إِلَى أَن هَذَا الحكم مَنْسُوخ بِالنَّهْي عَن الْمثلَة. قَالَ: وَقَالُوا: إِنَّمَا نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله﴾ [الْمَائِدَة: ٣٣] فِيمَا فعل بالعرنيين.
وَأما البرسام فَهُوَ مرض مَعْرُوف يخْتَص بالصدر. والسرسام يتَعَلَّق بِالرَّأْسِ.
١٥٧٤ - / ١٩١٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسِّتِّينَ: «لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من وَالِده وَولده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ» .
اعْلَم أَن المُرَاد بِهَذِهِ الْمحبَّة الْمحبَّة الشَّرْعِيَّة، فَإِنَّهُ يجب على الْمُسلمين أَن يقوا رَسُول الله ﷺ بِأَنْفسِهِم وَأَوْلَادهمْ. وَلَيْسَ المُرَاد بِهَذَا الْمحبَّة الطبيعية، فَإِنَّهُم قد فروا عَنهُ فِي الْقِتَال وتركوه، وكل ذَلِك لإيثار حب النَّفس.
١٥٧٥ - / ١٩١٦ - وَفِي الحَدِيث السّبْعين: «لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يحب لِأَخِيهِ مَا يحب لنَفسِهِ» .
إِن قيل: كَيفَ يتَصَوَّر هَذَا وكل أحد يقدم نَفسه فِيمَا يختاره لَهَا،
[ ٣ / ٢٣١ ]
وَيُحب أَن يسْبق غَيره فِي الْفَضَائِل، وَقد سَابق عمر أَبَا بكر؟ فَالْجَوَاب: أَن المُرَاد حُصُول الْخَيْر فِي الْجُمْلَة. واندفاع الشَّرّ فِي الْجُمْلَة، فَيَنْبَغِي للْإنْسَان أَن يحب ذَلِك لِأَخِيهِ كَمَا يُحِبهُ لنَفسِهِ، فَأَما مَا هُوَ من زَوَائِد الْفَضَائِل وعلو المناقب فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن يوثر سبق نَفسه لغيره فِي ذَلِك.
١٥٧٦ - / ١٩١٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسبْعين: «إِن من أَشْرَاط السَّاعَة أَن يرفع الْعلم، وَيظْهر الْجَهْل» .
قَالَ أَبُو عبيد: الأشراط: العلامات، وَمِنْه اشْتِرَاط النَّاس بَعضهم على بعض، إِنَّمَا هِيَ عَلامَة يجعلونها بَينهم، وَلِهَذَا سميت الشَّرْط لأَنهم جعلُوا لأَنْفُسِهِمْ عَلامَة يعْرفُونَ بهَا.
وَأما رفع الْعلم فَيكون بشيئين: أَحدهمَا: بِمَوْت الْعلمَاء كَمَا قَالَ فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو: «وَلَكِن يقبضهُ بِقَبض الْعلمَاء» .
وَالثَّانِي: بخساسة الهمم واقتناعها باليسير مِنْهُ، فَإِنَّهَا إِذا دنت قصرت، وكشف هَذَا أَنَّك إِذا تَأَمَّلت من سبق من الْعلمَاء رَأَيْت كل وَاحِد مِنْهُم يفتن فِي الْعُلُوم ويرتقي فِي كل فن إِلَى أقصاه، حَتَّى روينَا عَن الشّعبِيّ أَنه قَالَ: مَا أروي أقل من الشّعْر، وَلَو شِئْت لأنشدتكم شهرا لَا أُعِيد. أخبرنَا الْقَزاز قَالَ: أَنبأَنَا أَحْمد بن عَليّ الْحَافِظ قَالَ:
[ ٣ / ٢٣٢ ]
حَدثنَا الصُّورِي قَالَ: سَمِعت رَجَاء بن مُحَمَّد بن عِيسَى الْمعدل يَقُول: سَأَلت الدَّارَقُطْنِيّ فَقلت لَهُ: رأى الشَّيْخ مثل نَفسه؟ فَقَالَ: إِن كَانَ فِي فن وَاحِد فقد رَأَيْت من هُوَ أفضل مني، وَأما من اجْتمع فِيهِ مَا اجْتمع فِي فَلَا. ثمَّ إِن الرغبات فترت فِي الْعلم، فَصَارَ صَاحب الحَدِيث يقْتَصر على مَا علا إِسْنَاده ويعرض عَن الْفِقْه، فَلَو وَقعت مَسْأَلَة فِي الطَّهَارَة لم يهتد لجوابها، وَصَارَ الْفَقِيه يقْتَصر على مَا كتب فِي التعليقة وَلَا يدْرِي هَل الحَدِيث الَّذِي بنى عَلَيْهِ الحكم صَحِيح أم لَا، وَصَارَ اللّغَوِيّ يشْتَغل بِحِفْظ أَلْفَاظ الْعَرَب وَلَا يلْتَفت إِلَى الْفِقْه، فَهَذَا رفع الْعلم. ثمَّ لَهُ رفع من حَيْثُ الْمَعْنى: وَهُوَ أَنا إِذا وجدنَا الْعَالم المتقن قد مَال إِلَى الدُّنْيَا وتشاغل بِخِدْمَة السلاطين، والتردد إِلَيْهِم غير آمُر بِالْمَعْرُوفِ وَلَا ناه لَهُم عَن مُنكر، وانعكف على اللَّذَّات، وَرُبمَا مزجها بِحرَام كلبس الْحَرِير، لم يبْق لعلمه نور عِنْد المقتبس، فَصَارَ كالطبيب المخلط، لَا يكَاد يقبل قَوْله فِي الحمية، فَمَاتَ الْعلم عِنْده وَهُوَ مَوْجُود، نسْأَل الله ﷿ عزما مجدا لَا فتور فِيهِ، وَعَملا خَالِصا لَا رِيَاء مَعَه.
١٥٧٧ - / ١٩١٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسبْعين: «إِن أحدكُم إِذا قَامَ فِي صلَاته فَإِنَّمَا يُنَاجِي ربه» .
الْمُنَاجَاة: المحادثة، وَأَصله من النجوة: وَهُوَ مَا ارْتَفع من الأَرْض، فَكَأَن المناجي يرْتَفع هُوَ والمناجي منفردين عَن غَيرهمَا.
وَاعْلَم أَن وقُوف الْآدَمِيّ فِي الْعِبَادَة على نَحْو وقُوف الْخَادِم بَين
[ ٣ / ٢٣٣ ]
يَدي مَالِكه، فَيَنْبَغِي لَهُ أَن يسْتَعْمل الْأَدَب. وَقد ذكرنَا هَذَا فِي مُسْند أبي سعيد، وَلِهَذَا أَمر بتسوية الصُّفُوف.
وَالْمرَاد بقوله: «لَا يتفلن» لَا يبصقن.
وَقَوله: «لَا يبسط ذِرَاعَيْهِ» أَي فِي السُّجُود، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يسْجد على كفيه وتنبو ذراعاه عَن الأَرْض.
١٥٧٨ - / ١٩٢١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسبْعين: «أقِيمُوا صفوفكم؛ فَإِنِّي أَرَاكُم من وَرَاء ظَهْري» .
إِن قَالَ قَائِل: إِذا كَانَ يرى من وَرَاء ظَهره فَمَا الْفَائِدَة فِي أَنه أَجْلِس الشَّاب من وَفد عبد الْقَيْس وَرَاء ظَهره؟ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه سنّ للنَّاس، وَالسّنة إِنَّمَا هِيَ فعل ظَاهر.
وَالثَّانِي: أَن رُؤْيَته من بَين يَدَيْهِ أَمر طبعي يزاحم فِيهِ الْهوى، وَمن وَرَاء ظَهره مَحْض إنعام قد زوي فِيهِ عَن تصرفه بِمُقْتَضى الْهوى.
١٥٧٩ - / ١٩٢٢ - وَقد سبق بَيَان الحَدِيث السَّادِس [وَالسبْعين] قبل حديثين.
١٥٨٠ - / ١٩٢٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسبْعين: أَن رَسُول الله ﷺ رأى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَعَلِيهِ وضر من صفرَة فَقَالَ: «مَهيم؟» .
الوضر: اللطخ من خلوق أَو طيب لَهُ لون، وَكَانَ ذَلِك من فعل
[ ٣ / ٢٣٤ ]
الْعَرُوس إِذا بنى بأَهْله، وَيكون الوضر من الصُّفْرَة والحمرة وَالطّيب والزهومة، وأنشدوا:
( أَبَارِيق لم يعلق بهَا وضر الزّبد)
وَأخْبرنَا مُحَمَّد بن نَاصِر قَالَ: أخبرنَا أَبُو زَكَرِيَّا اللّغَوِيّ قَالَ: قَالَ لي أَبُو الْعَلَاء المعري: أصل الوضر الْوَسخ، وَأكْثر مَا يسْتَعْمل ذَلِك فِي اللَّبن وَمَا يحدث مِنْهُ، وَسمي أثر الصُّفْرَة وضرا لِأَنَّهُ يُغير لون الثَّوْب والجسد.
وَقَوله: «مَهيم؟» قَالَ أَبُو عبيد: هِيَ كلمة يَمَانِية مَعْنَاهَا: مَا أَمرك؟ وَمَا هَذَا الَّذِي أرى بك؟ وَقد سبق هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند عبد الرَّحْمَن، لَكنا ذَكرْنَاهُ لهَذِهِ الْأَلْفَاظ الزَّائِدَة.
١٥٨١ - / ١٩٢٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالسبْعين: أَن النَّبِي ﷺ رخص لعبد الرَّحْمَن وَالزُّبَيْر فِي لبس الْحَرِير لحكة بهما. وَفِي رِوَايَة: شكوا إِلَيْهِ الْقمل فَرخص لَهما فِي قمص الْحَرِير فِي غزَاة لَهما.
اخْتلفت الرِّوَايَة عَن أَحْمد: هَل يجوز لبس الْحَرِير لأجل الْمَرَض والحكة أم لَا؟ على رِوَايَتَيْنِ، فَإِن قُلْنَا بِالْجَوَازِ فَلَا كَلَام، وَإِن قُلْنَا:
[ ٣ / ٢٣٥ ]
لَا يجوز، كَانَ مَا رخص لعبد الرَّحْمَن، وَالزُّبَيْر خَاصّا لَهما.
١٥٨٢ - / ١٩٢٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّمَانِينَ: أَن النَّبِي ﷺ وَأَبا بكر وَعمر كَانُوا يفتتحون الصَّلَاة ب ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ وَفِي رِوَايَة: صليت مَعَ أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان فَلم أسمع أحدا مِنْهُم يقْرَأ ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ .
فِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَنه لَا يسن الْجَهْر بالبسملة، وَهُوَ مَذْهَب أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَابْن مَسْعُود وعمار وَعبد الله بن مُغفل وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَأنس، وَقَالَ بِهِ من فُقَهَاء التَّابِعين وَمن بعدهمْ الْحسن وَسَعِيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَقَتَادَة وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَأَبُو إِسْحَاق السبيعِي والفزاري وَمَنْصُور بن الْمُعْتَمِر وَالْأَعْمَش وَحَمَّاد وَلَيْث بن أبي سليم وَابْن أبي ليلى وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد بن حَنْبَل وَأَبُو عبيد وَابْن رَاهَوَيْه فِي خلق يطول إحصاؤهم، وَزَاد مَالك: لَا يسن قرَاءَتهَا فِي ابْتِدَاء الْفَاتِحَة أصلا.
وَذهب قوم مِنْهُم مُعَاوِيَة وَعَطَاء وَطَاوُس وَمُجاهد وَالشَّافِعِيّ إِلَى أَن الْجَهْر بهَا مسنون. قَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي: وَقَول أنس: كَانُوا يفتتحون الصَّلَاة ب ﴿الْحَمد﴾ أَي بِهَذِهِ السُّورَة، قَالُوا: وَقَوله: لم أسمع، شَهَادَة على نفي، فَيحْتَمل أَنه لم يسمع لبعده عَن الإِمَام، وَهَذَا الظَّاهِر لِأَن أنسا كَانَ صَبيا حِينَئِذٍ، وَإِنَّمَا كَانَ يتَقَدَّم الْكَبِير لقَوْله: «ليلني أولو الأحلام والنهى» قَالُوا: ثمَّ يحْتَمل أَنهم مَا كَانُوا يجهرون بهَا كجهرهم
[ ٣ / ٢٣٦ ]
بِبَقِيَّة السُّورَة، وَهَذَا ظَاهر؛ لِأَن الْقَارئ يَبْتَدِئ الْقِرَاءَة ضَعِيف الصَّوْت.
قَالُوا: وَيدل على هَذَا قَوْله: لم أسمع أحدا مِنْهُم يجْهر بهَا، وَهَذَا دَلِيل على أَنه سَمعهَا مِنْهُم.
فَالْجَوَاب: أَنه لَو قصد تَعْرِيفهَا لذكرها بِأحد الْأَسْمَاء الْمَوْضُوعَة لَهَا، كالفاتحة وَأم الْقُرْآن. ثمَّ قَوْله: لَا يذكرُونَ ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ يَكْفِي فِي رد هَذَا التَّأْوِيل، وَفِي رد قَوْلهم: مَا كَانُوا يجهرون بهَا كجهرهم بِبَقِيَّة السُّورَة. وَقَوْلهمْ: شَهَادَة على نفي. قُلْنَا: هِيَ فِي معنى الْإِثْبَات؛ لِأَن أنسا قد صلى خلف رَسُول الله ﷺ عشر سِنِين، وَمَات رَسُول الله ﷺ وَهُوَ ابْن عشْرين سنة، وَكَانَ يَصْحَبهُ صُحْبَة الخدم الْخَواص سفرا وحضرا، فَلَو سَمعه يَوْمًا يجْهر لم يَصح لَهُ أَن يُطلق الْإِخْبَار بِنَفْي الْجَهْر. ثمَّ قدرُوا توهم هَذَا فِي حق رَسُول الله ﷺ، فَكيف وَهُوَ رجل فِي زمن أبي بكر وَعمر، وكهل فِي زمن عُثْمَان. وَقد احْتَجُّوا لنصرة الْجَهْر بِأَحَادِيث دخلت فِيهَا العصبية من رواتها ومصنفيها، حَتَّى احْتَجُّوا بِمَا يعلمُونَ أَنه لَا يَصح الإحتجاج بِهِ.
وَقد كشف عوار أَحَادِيثهم فِي كتاب «التَّحْقِيق فِي أَحَادِيث التَّعْلِيق» .
١٥٨٣ - / ١٩٢٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي والثمانين: أَنه ركب فرسا يقطف أَو كَانَ فِيهِ قطاف، فَقَالَ: «قد وجدنَا فرسكم هَذَا بحرا» .
[ ٣ / ٢٣٧ ]
القطاف فِي الْفرس: البطء، يُقَال: فرس قطوف: أَي بطىء.
وَالْبَحْر وصف للْفرس بِسُرْعَة الجري. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: وَفِي هَذَا الحَدِيث إِبَاحَة التَّوَسُّع فِي الْكَلَام من تَشْبِيه الشَّيْء بالشَّيْء الَّذِي لَهُ تعلق بِبَعْض مَعَانِيه وَإِن لم يسْتَوْف أَوْصَافه كلهَا.
١٥٨٤ - / ١٩٢٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث والثمانين: «أوصيكم بالأنصار، فَإِنَّهُم كرشي وعيبتي» .
الكرش: الْجَمَاعَة. يُقَال: على فلَان كرش من النَّاس: أَي جمَاعَة. فَكَأَنَّهُ قَالَ: هم جماعتي وصحابتي الَّذين أَثِق بهم وأعتمد عَلَيْهِم فِي أموري.
وَقَوله: «وعيبتي» أَي مَوضِع سري الَّذِي أَثِق بِهِ فِي حفظه وكتمانه، وَهَذَا لِأَن الْإِنْسَان يضع فِي عيبته جيد ثِيَابه وَمَا يُرِيد أَن يحوطه بحفظه.
١٥٨٥ - / ١٩٣٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع والثمانين: ينقلون التُّرَاب على متونهم.
الْمَتْن من الظّهْر: مَا اكتنف على الصلب من العصب وَاللَّحم، وهما متنان. وَقَالَ بَعضهم: الْمَتْن: وسط الظّهْر، يُقَال: هَذَا متن السهْم: أَي وَسطه.
وَقَالَ أَبُو عبيد: والإهالة: كل شَيْء من الأدهان مِمَّا يؤتدم بِهِ خَاصَّة، مثل الزَّيْت ودهن السمسم، والألية المذابة والشحم الْمُذَاب
[ ٣ / ٢٣٨ ]
إهالة أَيْضا.
وَأما السنخة فَهِيَ المتغيرة. والبشع: الكريه الطّعْم والرائحة.
١٥٨٦ - / ١٩٣١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس والثمانين: جمع الْقُرْآن على عهد رَسُول الله ﷺ أَرْبَعَة: أبي ومعاذ وَأَبُو زيد وَزيد بن ثَابت.
وَفِي لفظ انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ: أَبُو الدَّرْدَاء مَكَان أبي.
أبي هُوَ ابْن كَعْب. ومعاذ هُوَ ابْن جبل. وَأَبُو زيد اسْمه سعد بن عُمَيْر، وَقيل: ابْن عبيد. وَقد جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات أَن فِي الْقَوْم عُثْمَان ابْن عَفَّان وتميما الدَّارِيّ وَعبادَة بن الصَّامِت وَأَبا أَيُّوب الْأنْصَارِيّ.
١٥٨٧ - / ١٩٣٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس والثمانين: قَالَ النَّبِي ﷺ لأبي: «إِن الله ﷿ أَمرنِي أَن أقرا عَلَيْك: ﴿لم يكن الَّذين كفرُوا﴾ [الْبَيِّنَة]» . وَفِي لفظ: «أَمرنِي أَن أقرئك الْقُرْآن» قَالَ: وسماني؟ قَالَ: «نعم» فذرفت عَيناهُ.
أما قِرَاءَة رَسُول الله ﷺ على أبي فلتعليم أبي، وَخَصه بذلك تَشْرِيفًا لَهُ. وَتَخْصِيص هَذِه السُّورَة يُمكن أَن يكون لِأَنَّهَا تحتوي على التَّوْحِيد والرسالة وَالْقُرْآن وَالصَّلَاة. وذرفت: سَالَتْ
١٥٨٨ - / ١٩٣٣ - وَقد سبق الحَدِيث السَّابِع [وَالثَّمَانُونَ] فِي
[ ٣ / ٢٣٩ ]
مُسْند ابْن مَسْعُود.
١٥٨٩ - / ١٩٣٤ - وَالثَّامِن [وَالثَّمَانُونَ]: فِي مُسْند ابْن عمر.
١٥٩٠ - / ١٩٣٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع والثمانين: أَن رَسُول الله ﷺ دَعَا لأنس فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَكثر مَاله وَولده» . وَفِي رِوَايَة: قَالَت أم سليم: إِن لي خويصة - أَي حَاجَة تخصني بهَا.
وَفِي هَذَا الحَدِيث دَلِيل على أَن كَثْرَة المَال لَا تكره، لِأَن الرَّسُول ﷺ دَعَا بذلك لأنس، وَهَذَا خلاف مَا يَظُنّهُ جهال المتزهدين.
١٥٩١ - / ١٩٣٦ - والْحَدِيث التِّسْعُونَ قد تقدم فِي مُسْند سهل بن سعد.
١٥٩٢ - / ١٩٣٧ - وَالْحَادِي وَالتِّسْعُونَ: فِي مُسْند عُثْمَان بن عَفَّان.
١٥٩٣ - / ١٩٣٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالتسْعين: «يهرم ابْن آدم ويشب مَعَه اثْنَتَانِ: الْحِرْص على المَال، والحرص على الْعُمر» .
[ ٣ / ٢٤٠ ]
لما كَانَ أحب الْأَشْيَاء إِلَى ابْن آدم نَفسه أحب بقاءها، فَأحب الْعُمر، وَأحب سَبَب بَقَائِهَا وَهُوَ المَال. والهرم إِنَّمَا يعْمل فِي بدنه لَا غير، فَإِذا أحس بِقرب التّلف عِنْد الْهَرم قوي حبه للبقاء لعلمه بِقرب الرحيل وكراهيته لَهُ.
١٥٩٤ - / ١٩٣٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالتسْعين: فِي ذكر الدَّجَّال وَأَنه أَعور، وَقد تكلمنا على ذَلِك فِي مُسْند ابْن عمر.
١٥٩٥ - / ١٩٤١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالتسْعين: كَانَ أحب الثِّيَاب إِلَى رَسُول الله ﷺ أَن يلبسهَا الْحبرَة.
الْحبرَة: مَا كَانَ من البرود موشيا مخططا. وَلما رأى أنس رَسُول الله ﷺ يكثر لبسهَا ظن أَنه يُحِبهَا، وَلم يرو عَنهُ لفظ يدل على محبتها، لكنه أخبر عَن ظَنّه. وَقد روى ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «البسوا الثِّيَاب الْبيض؛ فَإِنَّهَا أطهر وَأطيب، وكفنوا فِيهَا مَوْتَاكُم» قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث ابْن عَبَّاس وَسمرَة صَحِيحَانِ. قَالَ: وَهَذَا الَّذِي يستحبه أهل الْعلم. قَالَ أَحْمد وَإِسْحَاق: أحب الثِّيَاب إِلَيْنَا أَن نكفن فِيهَا الْبيَاض.
[ ٣ / ٢٤١ ]
١٥٩٦ - / ١٩٤٢ - والْحَدِيث السَّادِس وَالتِّسْعُونَ قد سبق فِي مُسْند معَاذ.
١٥٩٧ - / ١٩٤٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالتسْعين: «إِن العَبْد إِذا وضع فِي قَبره وَتَوَلَّى عَنهُ أَصْحَابه حَتَّى إِنَّه ليسمع قرع نعَالهمْ» .
أما قرع النِّعَال وخفقها فَهُوَ ضربهَا للْأَرْض وصوتها فِي الْمَشْي.
قَالَ الْخطابِيّ: وَهَذَا يدل على جَوَاز لبس النَّعْل لزائر الْقُبُور الْمَاشِي بَين ظهرانيها. فَأَما مَا رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ «يَا صَاحب السبتيتين، ألق سبتيتيك» فَقَالَ الْأَصْمَعِي: السبتية من النِّعَال مَا كَانَ مدبوغا بالقرظ فَيُشبه أَن يكون إِنَّمَا حرم ذَلِك لما فِيهَا من الْخُيَلَاء؛ لِأَن السبت من لِبَاس أهل الترف والتنعم، فَأحب أَن يكون دُخُوله الْمَقَابِر على زِيّ التَّوَاضُع ولباس أهل الْخُشُوع. قلت: وَهَذَا تكلّف من الْخطابِيّ، لِأَنَّهُ قد سبق فِي مُسْند ابْن عمر أَنه كَانَ يلبس النِّعَال السبتية ويتوخى التَّشَبُّه برَسُول الله ﷺ فِي نعاله، إِمَّا لِأَن نعل رَسُول الله ﷺ كَانَت سبتية أَو لِأَن السبتية تشبهها، وَمَا كَانَ ابْن عمر يقْصد التنعم بل السّنة.
وَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث سوى الْحِكَايَة عَمَّن يدْخل الْمَقَابِر بالنعل، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي إِبَاحَة وَلَا تَحْرِيمًا، وَيدل على أَنه أمره بخلعهما
[ ٣ / ٢٤٢ ]
احتراما للقبور أَنه نهى عَن الإستناد إِلَى الْقَبْر وَالْقعُود عَلَيْهِ.
وَقَوله: «كنت أَقُول مَا يَقُول النَّاس، فَيُقَال لَهُ: لَا دَريت» فِيهِ دَلِيل على تَحْرِيم التَّقْلِيد فِي أصُول الدّين، وَأَنه يَنْبَغِي للعاقل أَن يكون عَارِفًا بِمَا يَعْتَقِدهُ، على يَقِين من ذَلِك لَا يُقَلّد فِيهِ أحدا؛ فَإِن الْمُقَلّد كالأعمى يتبع الْقَائِد.
وَقَوله: «وَلَا تليت» كَذَا رُوِيَ كَذَا رُوِيَ لنا فِي الحَدِيث: قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَهُوَ غلط، قَالَ: وَفِيه قَولَانِ: بَلغنِي عَن يُونُس الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: هُوَ: لَا دَريت [وَلَا] أتليت سَاكِنة التَّاء، يَدْعُو عَلَيْهِ بِأَن لَا تتلى إبِله: أَي لَا يكون لَهَا أَوْلَاد تتلوها: أَي تتبعها، يُقَال للناقة: قد أتلت فَهِيَ متلية، وتلاها وَلَدهَا: إِذا تبعها. قَالَ: وَقَالَ غَيره: لَا دَريت وَلَا ائتليت، على وزن: وَلَا اعتليت، إِذا وصلته، فَإِذا قطعت قلت: ائتليت، على تَقْدِير افتعلت، من قَوْلك: مَا ألوت هَذَا وَلَا استطعته.
وَيُقَال: لَا آلو كَذَا: أَي لَا أستطيعه، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا دَريت وَلَا اسْتَطَعْت، وَهَذَا أشبه بِالْمَعْنَى، وَلَفظه أشبه بِاللَّفْظِ فِي الحَدِيث، أَلا ترى أَنَّك إِذا خففت الْهمزَة وأدرجت الْكَلَام وَافَقت اللَّفْظَة لَفْظَة الْمُحدث. وَقد قَالَ ابْن السّكيت: بَعضهم يَقُول: وَلَا تليت، تزويجا للْكَلَام.
وَأما الثَّقَلَان فهما الْإِنْس وَالْجِنّ، سميا بالثقلين لِأَنَّهُمَا ثقل الأَرْض تحملهم أَحيَاء وأمواتا.
وَالْخضر: كل شَيْء ناعم غض طري.
[ ٣ / ٢٤٣ ]
١٥٩٨ - / ١٩٤٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالتسْعين: «لَا تزَال جَهَنَّم يلقى فِيهَا وَتقول: هَل من مزِيد حَتَّى يضع رب الْعِزَّة فِيهَا قدمه» .
كَانَ من تقدم من السّلف يسكتون عِنْد سَماع هَذِه الْأَشْيَاء وَلَا يفسرونها مَعَ علمهمْ أَن ذَات الله تَعَالَى لَا تتبعض، وَلَا يحويها مَكَان، وَلَا تُوصَف بالتغير وَلَا بالإنتفال. وَمن صرف عَن نَفسه مَا يُوجب التَّشْبِيه وَسكت عَن تَفْسِير مَا يُضَاف إِلَى الله ﷿ من هَذِه الْأَشْيَاء فقد سلك طَرِيق السّلف الصَّالح وَسلم، فَأَما من ادّعى سلوك طَرِيق السّلف ثمَّ فهم من هَذَا الحَدِيث أَن الْقدَم صفة ذاتية وَأَنَّهَا تُوضَع فِي جَهَنَّم، فَمَا عرف مَا يجب لله وَلَا مَا يَسْتَحِيل عَلَيْهِ، وَلَا سلك منهاج السّلف فِي السُّكُوت، وَلَا مَذْهَب المتأولين، وأخسس بِهِ من مَذْهَب ثَالِث ابتدعه من غضب من الْبدع. قَالَ أَبُو الْوَفَاء بن عقيل: تَعَالَى الله أَن يكون لَهُ صفة تشغل الْأَمْكِنَة، هَذَا عين التجسيم، ثمَّ إِنَّه لَا يعْمل فِي النَّار أمره وتكوينه حَتَّى يَسْتَعِين بِشَيْء من ذَاته، وَهُوَ الْقَائِل للنار ﴿كوني بردا وَسلَامًا﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٦٩] فَمن أَمر نَارا - أججها غَيره - بانقلاب طبعها عَن الإحراق، لَا يضع فِي نَار أججها بِأَن يأمرها بالإنزواء حَتَّى يعالجها بِصفة من صِفَاته، مَا أسخف هَذَا الإعتقاد وأبعده عَن المكون للأفلاك والأملاك، وَقد نطق الْقُرْآن بتكذيبهم، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَو كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَة مَا وردوها﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٩٩] فَكيف يظنّ بِاللَّه تَعَالَى أَنه وردهَا،
[ ٣ / ٢٤٤ ]
تَعَالَى الله عَن تخاييل المتوهمة المجسمة.
وَقد حكى أَبُو عبيد الْهَرَوِيّ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: الْقدَم: قوم يقدمهم من شرار خلقه.
فَإِن قيل: كَأَن من قبل هَؤُلَاءِ مَا كَانُوا شرارا. فَالْجَوَاب: أَن الَّذِي يَقع فِي هَذَا أَنه إِذا رمي فِيهَا الْكفَّار أَولا بادرت إِلَى إحراقهم عَاجلا، وَسَأَلت الْمَزِيد، فيلقي فِيهَا قوما من الْمُؤمنِينَ المذنبين، فتحس بِمَا مَعَهم من الْإِيمَان فتتوقف عَن إحراقهم وَتقول: قطّ قطّ، أَي حسبي. وَقد ورد فِي «الصَّحِيح» أَنَّهَا تحرق الْمُؤمنِينَ إِلَّا دارات وُجُوههم لأجل السُّجُود.
فَإِن قيل: كَيفَ يَصح هَذَا التَّأْوِيل وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: «يضع فِيهَا رجله؟» فَالْجَوَاب: أَن هَذَا من تَحْرِيف بعض الروَاة، لِأَنَّهُ ظن أَن الْقدَم هِيَ الرجل، فروى بِالْمَعْنَى الَّذِي يَظُنّهُ، وَيُمكن أَن يرجع هَذَا إِلَى مَا ذكرنَا وَهُوَ أَن الرجل جمَاعَة، كَمَا يُقَال: رجل من جَراد.
قَوْله: ينزوي: أَي ينقبض، وَمِنْه: «زويت لي الأَرْض» . وَلَا يكون
[ ٣ / ٢٤٥ ]
الإنزواء إِلَّا بانحراف مَعَ تقبض، قَالَ الْأَعْشَى:
(يزِيد، يغض الطّرف عني كَأَنَّمَا زوى بَين عَيْنَيْهِ عَليّ المحاجم)
(فَلَا ينبسط من بَين عَيْنَيْك مَا انزوى وَلَا تلقني إِلَّا وأنفك راغم)
وَأما قَوْله: «قطّ قطّ» فالطاء خَفِيفَة مَكْسُورَة، وَهِي بِمَعْنى حسب.
والحسب الْكِفَايَة، وَقد رُوِيَ: «قطني» وَالْمرَاد حسبي، وأنشدوا:
(امْتَلَأَ الْحَوْض وَقَالَ قطني مهلا رويدا قد مَلَأت بَطْني)
وَقد رُوِيَ: قدني، وَهِي بِمَعْنى حسبي.
وَقَوله: «فينشئ للجنة خلقا» إِن قيل: هَؤُلَاءِ الَّذين ينشئهم للجنة، كَيفَ أثيبوا بِلَا عمل؟ فَالْجَوَاب: أَن هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يسكنون فِي فضول الْجنَّة كالحراس والخدم لأربابها، إِلَّا أَنهم يضاهون أهل الْجنَّة، بل هم أَتبَاع.
١٥٩٩ - / ١٩٤٦ - وَفِي الحَدِيث الْمِائَة: «من نسي صَلَاة أَو نَام عَنْهَا فكفارتها أَن يُصليهَا إِذا ذكرهَا» .
قد سبق فِي مُسْند أبي قَتَادَة أَنه قَالَ: «لَيْسَ فِي النّوم تَفْرِيط» فَلم ذكر هَا هُنَا كَفَّارَة؟ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الْإِنْسَان قد يُخطئ فَتجب الْكَفَّارَة مثل الْقَاتِل خطأ.
[ ٣ / ٢٤٦ ]
وَالثَّانِي: أَنه لما توهموا فِي هَذَا الْفِعْل كَفَّارَة بَين لَهُم أَنه لَا كَفَّارَة، وَإِنَّمَا يجب الْقَضَاء فَقَط.
١٦٠٠ - / ١٩٤٧ - وَفِي الحَدِيث الأول بعد الْمِائَة: أَن رَسُول الله ﷺ اعْتَمر أَربع عمر كلهَا فِي ذِي الْقعدَة إِلَّا الَّتِي مَعَ حجَّته: عمْرَة من الْحُدَيْبِيَة - أَو زمن الْحُدَيْبِيَة، وَعمرَة من الْعَام الْمقبل فِي ذِي الْقعدَة، وَعمرَة من جعرانة، وَعمرَة فِي حجَّته. وَحج حجَّة وَاحِدَة.
وَقد رُوِيَ مثل هَذَا عَن ابْن عَبَّاس، وَرُوِيَ عَن عَائِشَة قَالَت: اعْتَمر ثَلَاثًا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح؛ لِأَن أنسا وَابْن عَبَّاس حسبا عمرته الَّتِي خرج لأَجلهَا ثمَّ حصر وَلم يصل إِلَى الْكَعْبَة، فَلذَلِك صَارَت أَرْبعا.
وَأما حجَّته فَإِنَّهُ مَا حج بعد الْهِجْرَة سوى حجَّة الْوَدَاع.
١٦٠١ - / ١٩٤٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي بعد الْمِائَة: كَانَ يضْرب شعره مَنْكِبَيْه.
الْمنْكب: فرع الْكَتف. وَقد سبق بَيَان هَذَا الحَدِيث فِي مَوَاضِع.
١٦٠٢ - / ١٩٤٩ - والْحَدِيث الثَّالِث بعد الْمِائَة: قد تقدم فِي مُسْند ابْن مَسْعُود وَغَيره.
[ ٣ / ٢٤٧ ]
١٦٠٣ - / ١٩٥١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس بعد الْمِائَة: أهْدى أكيدر دومة الرَّسُول ﷺ جُبَّة سندس.
قد سبق فِي مُسْند عَليّ ﵇ ذكر أكيدر دومة، وهدايا الْكفَّار.
وَأما السندس فَقَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: السندس: رَقِيق الديباج، لم يخْتَلف فِيهِ الْمُفَسِّرُونَ، وَلم يخْتَلف أهل اللُّغَة فِي أَنه مُعرب، قَالَ الراجز:
(وَلَيْلَة من اللَّيَالِي حندس لون حواشيها كلون السندس)
وَقَوله: «لمناديل سعد بن معَاذ» قد تقدم فِي مُسْند الْبَراء.
١٦٠٤ - / ١٩٥٢، ١٩٥٣ - والْحَدِيث السَّادِس بعد الْمِائَة تقدم فِي مُسْند جَابر بن عبد الله، وَكَذَلِكَ السَّابِع. ١٦٠٥ / ١٩٥٤ - والْحَدِيث الثَّامِن بعد الْمِائَة: أَن النَّبِي ﷺ رأى شَيخا يهادى بَين ابنيه فَقَالَ: «مَا بَال هَذَا؟» قَالُوا: نذر أَن يمشي.
[ ٣ / ٢٤٨ ]
قَالَ: «إِن الله عَن تَعْذِيب هَذَا نَفسه لَغَنِيّ» وَأمره أَن يركب.
يهادى بَين ابنيه: أَي يمشي بَينهمَا مُعْتَمدًا عَلَيْهِمَا لضَعْفه، وَمن فعل ذَلِك بشخص فَهُوَ يهاديه، فَإِذا فعل ذَلِك الْإِنْسَان نَفسه قيل: تهادى، قَالَ الْأَعْشَى:
(إِذا مَا تأتى يُرِيد الْقيام تهادى كَمَا قد رَأَيْت البهيرا)
وَهَذَا الرجل كَأَنَّهُ نذر الْمَشْي إِلَى الْكَعْبَة فعجز، وَمن نذر طَاعَة فعجز عَنْهَا كفر كَفَّارَة يَمِين.
١٦٠٦ - / ١٩٥٥ - والْحَدِيث التَّاسِع [بعد الْمِائَة] قد سبق فِي مُسْند ابْن عمر.
وَفِي هَذَا الحَدِيث: «لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم» التعمق: طلب عمق الشَّيْء، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ تكلّف مَا لَا يلْزم.
١٦٠٧ - / ١٩٥٧ - والْحَدِيث الْحَادِي عشر [بعد الْمِائَة] قد سبق فِي مُسْند ابْن مَسْعُود.
١٦٠٨ - / ١٩٥٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر بعد الْمِائَة: «إِنَّمَا الصَّبْر عِنْد الصدمة الأولى» .
[ ٣ / ٢٤٩ ]
الصدمة الأولى: فَجْأَة الْمُصِيبَة. والصدم: ضرب الشَّيْء الشَّديد بِمثلِهِ. وتصادم الرّجلَانِ: تدافعا بعنف. وَمعنى الحَدِيث: أَن الصَّبْر الَّذِي هُوَ صَبر حَقِيقَة الَّذِي بِهِ يعظم الْأجر عِنْد الصدمة الأولى. وَلَفْظَة «إِنَّمَا» قد شرحناها فِي مُسْند عمر عِنْد قَوْله: «إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ» .
وَهَذَا لِأَن مُرُور الزَّمَان يهون المصائب، لِأَن النسْيَان يطْرَأ، وَعمل الْقُوَّة الفكرية ينْصَرف عَمَّا تقادم عَهده إِلَى غَيره فَيَقَع الصَّبْر من غير تكلّف، وَإِنَّمَا الْقُوَّة فِي مُقَابلَة الْبلَاء عِنْد مبدأه، وَلَا يقدر على الصَّبْر حِينَئِذٍ إِلَّا أحد رجلَيْنِ: مُؤمن بِالْأَجْرِ فَهُوَ يصبر لنيل مَا يرجوه، أَو نَاظر بِعَين الْعقل إِلَى أَن الْجزع لَا فَائِدَة فِيهِ، قَالَ عَليّ ﵇ للأشعث بن قيس: إِنَّك إِن صبرت إِيمَانًا واحتسابا، وَإِلَّا سلوت كَمَا تسلو الْبَهَائِم. وأنشدوا:
(يمثل ذُو اللب فِي نَفسه مصائبه قبل أَن تنزلا)
(فَإِن نزلت بَغْتَة لم ترعه لما كَانَ فِي نَفسه مثلا)
(رأى الْأَمر يُفْضِي إِلَى آخر فصير آخِره أَولا)
(وَذُو الْجَهْل يَأْمَن أَيَّامه وينسى مصَارِع من قد خلا)
(وَإِن بدهته صروف الزَّمَان بِبَعْض مصائبه أعولا)
(وَلَو قدم الحزم فِي أمره لعلمه الصَّبْر حسن البلا)
[ ٣ / ٢٥٠ ]
وَقَالَ آخر:
(إِذا طالعك الكره فَكُن بِالصبرِ لِوَاذًا)
(وَإِلَّا ذهب الْأجر فَلَا هَذَا وَلَا هَذَا)
١٦٠٩ - / ١٩٥٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث عشر بعد الْمِائَة: إِنِّي لَا آلو أَن أُصَلِّي بكم كَمَا رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يُصَلِّي بِنَا. قَالَ ثَابت: فَكَانَ إِذا رفع رَأسه من الرُّكُوع انتصب قَائِما.
اعْلَم أَن الإعتدال من الرُّكُوع ركن من أَرْكَان الصَّلَاة عندنَا، وَكَذَلِكَ الطُّمَأْنِينَة فِي الْقعُود بَين السَّجْدَتَيْنِ واللبث بِمِقْدَار مَا يَقُول المنتصب من الرُّكُوع: سمع الله لمن حَمده، رَبنَا وَلَك الْحَمد، وَكَذَلِكَ اللّبْث عِنْد الرّفْع من السُّجُود بِمِقْدَار مَا يَقُول: رب اغْفِر لي، وَقَول ذَلِك وَاجِب أَيْضا، وَمَا زَاد على ذَلِك كَقَوْلِه بعد رَبنَا وَلَك الْحَمد: ملْء السَّمَوَات وَالْأَرْض وملء مَا شِئْت من شَيْء بعد.
وتكرار قَوْله: رب اغْفِر لي، من المسنونات فِي الصَّلَاة.
١٦١٠ - / ١٩٦٠ - والْحَدِيث الرَّابِع عشر بعد الْمِائَة: قد تقدم فِي مُسْند ابْن عمر.
١٦١١ - / ١٩٦١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس عشر بعد مائَة: بَيْنَمَا أَنا وَرَسُول الله ﷺ خارجان من الْمَسْجِد لَقينَا رجل عِنْد سدة الْمَسْجِد
[ ٣ / ٢٥١ ]
فَقَالَ: يَا رَسُول الله، مَتى السَّاعَة؟ قَالَ: «مَا أَعدَدْت لَهَا؟» فَكَأَن الرجل قد استكان.
سدة الْمَسْجِد: ظلاله الَّتِي حوله، وفناؤه.
واستكان: بِمَعْنى خضع.
وَأما قصد الرَّسُول ﷺ بقوله: «مَا أَعدَدْت لَهَا؟» فَيحْتَمل شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: أَن ينظر: هَل سُؤَاله سُؤال مكذب بهَا، أَو خَائِف لَهَا، أَو راج لخيرها؟
وَالثَّانِي: أَن المُرَاد تهويل أمرهَا، فَكَأَنَّهُ يَقُول: شَأْنهَا شَدِيد، فَبِمَ تلقاها؟ فَلَمَّا تكلم بِمَا يَقْتَضِي الْإِيمَان ألحقهُ بِمن يُحِبهُ لحسن نِيَّته وقصده.
وَقَول أنس: كَانَ من أقراني: أَي فِي السن، وَكَذَلِكَ: من أترابي، والأتراب: المتساوون فِي السن، واحدهم ترب.
وَقَوله: «إِن أخر هَذَا لم يُدْرِكهُ الْهَرم حَتَّى تقوم السَّاعَة» اعْلَم أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يتَكَلَّم بأَشْيَاء على سَبِيل الظَّن وَالْقِيَاس، وَالظَّن وَالْقِيَاس دَلِيل مَعْمُول عَلَيْهِ، وَلَا ينْسب إِلَى الْخَطَأ من عمل على دَلِيل، فَلَمَّا قربت لَهُ السَّاعَة، وَقيل لَهُ: ﴿أَتَى أَمر الله﴾ [النَّحْل: ١] كَانَ يَظُنهَا بِتِلْكَ الأمارات قريبَة جدا، وَلِهَذَا قَالَ فِي الدَّجَّال: «إِن يخرج وَأَنا فِيكُم فَأَنا حجيجه» وَقد سبق فِي مُسْند طَلْحَة أَنه قَالَ فِي تلقيح النّخل: «مَا أَظن ذَاك يُغني شَيْئا» ثمَّ قَالَ: «إِنَّمَا ظَنَنْت، فَلَا تؤاخذوني
[ ٣ / ٢٥٢ ]
بِالظَّنِّ» وَفِي أَفْرَاد مُسلم من حَدِيث أنس أَنه قَالَ فِي تلقيح النّخل: «لَو لم تَفعلُوا لصلح» فَخرج شيصا، فَهَذَا يدل على أَنه قَالَه بِالظَّنِّ، وَلذَلِك اعتذر فِي حَدِيث طَلْحَة، فَكَانَ هَذَا مِمَّا ظن بدلائل الأمارات لَا مِمَّا أُوحِي إِلَيْهِ بالتصريح. وَيحْتَمل أَن يكون أَرَادَ بالساعة موت الكائنين فِي ذَلِك الزَّمَان كَمَا سبق فِي مُسْند ابْن عمر: أَنه خرج عَلَيْهِم لَيْلَة فَقَالَ: «أَرَأَيْتُم ليلتكم هَذِه، فَإِن رَأس مائَة سنة مِنْهَا لَا يبْقى مِمَّن هُوَ على ظهر أحد» وَسَيَأْتِي فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ من مُسْند عَائِشَة: أَن قوما سَأَلُوهُ عَن السَّاعَة، فَنظر إِلَى أَصْغَرهم فَقَالَ: «إِن يَعش هَذَا لَا يُدْرِكهُ الْهَرم حَتَّى تقوم عَلَيْكُم سَاعَتكُمْ» قَالَ هِشَام بن عُرْوَة: يَعْنِي مَوْتهمْ.
١٦١٢ - / ١٩٦٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس عشر بعد الْمِائَة: خدمت النَّبِي ﷺ عشر سِنِين، وَالله مَا قَالَ لي أُفٍّ قطّ.
فِي «أُفٍّ» عشر لُغَات: إِحْدَاهَا: أُفٍّ بِالْكَسْرِ من غير تَنْوِين، وَبهَا قَرَأَ أَبُو عَمْرو.
[ ٣ / ٢٥٣ ]
وَالثَّانيَِة: أُفٍّ بِالْفَتْح من غير تَنْوِين، وَبهَا قَرَأَ ابْن كثير.
وَالثَّالِثَة: أُفٍّ بِالْكَسْرِ والتنوين، وَبهَا قَرَأَ نَافِع.
وَالرَّابِعَة: أُفٍّ بِالرَّفْع والتنوين، وَبهَا قَرَأَ ابْن يعمر.
وَالْخَامِسَة: أُفٍّ بِالرَّفْع من غير تَنْوِين مَعَ تَشْدِيد الْفَاء، وَبهَا قَرَأَ أَبُو عمرَان الْجُوَيْنِيّ.
وَالسَّادِسَة: أفا مثل تعسا، وَبهَا قَرَأَ عَاصِم الجحدري.
وَالسَّابِعَة: أُفٍّ بِإِسْكَان الْفَاء وتخفيفها، وَبهَا قَرَأَ عِكْرِمَة.
وَالثَّامِنَة: أَفِي بتَشْديد الْفَاء وَكسرهَا وياء، وَبهَا قرا أَبُو الْعَالِيَة.
والتاسعة: إف بِكَسْر الْألف وَالْفَاء.
والعاشرة: أفة.
وَفِي معنى أُفٍّ خَمْسَة أَقْوَال:
أَحدهَا: أَنه وسخ الظفر، قَالَه الْخَلِيل.
وَالثَّانِي: وسخ الْأذن، قَالَه الْأَصْمَعِي.
وَالثَّالِث: قلامة الظفر، قَالَه ثَعْلَب.
وَالرَّابِع: أَن الأف الإحتقار والإستصغار من الأفف، والأفف عِنْد الْعَرَب الْقلَّة، ذكره ابْن الْأَنْبَارِي.
وَالْخَامِس: أَن الأف مَا رفعته من الأَرْض من عود أَو قَصَبَة، حَكَاهُ
[ ٣ / ٢٥٤ ]
ابْن فَارس وقرأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور قَالَ: معنى أُفٍّ: النتن والتضجر، وَأَصلهَا نفخك الشَّيْء يسْقط عَلَيْك من تُرَاب ورماد، وللمكان يُرِيد إمَاطَة الْأَذَى عَنهُ، فَقيل لكل مستثقل.
وَقَوله: مَا قَالَ لي: لم فعلت. اعْلَم أَنه اتّفق فِي هَذَا ثَلَاثَة أَشْيَاء: أَحدهَا: كَون أنس صَبيا، وَالصَّبِيّ يصفح عَن خطئه.
وَالثَّانِي: أَنه كَانَ عَاقِلا، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو طَلْحَة: إِن أنسا غُلَام كيس: أَي عَاقل. وَلَقَد قَالَت لَهُ أمه: أَيْن تذْهب يَا أنس؟ قَالَ: فِي حَاجَة لرَسُول الله ﷺ. قَالَت: مَا هِيَ؟ قَالَ: إِنَّهَا سر، وَلم يخبرها، وَمَتى كَانَ الْخَادِم عَاقِلا لم يلم، وَقد أنشدوا:
(إِذا كنت فِي حَاجَة مُرْسلا فَأرْسل حكيما وَلَا توصه)
وَالثَّالِث: حلم رَسُول الله ﷺ وعفوه. فلهذه الْأَشْيَاء امْتنع لوم أنس.
١٦١٣ - / ١٩٦٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر بعد الْمِائَة: حجمه أَبُو طيبَة. وَقد ذكرنَا هَذَا فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
[ ٣ / ٢٥٥ ]
وَفِيه: «إِن أمثل مَا تداويتم بِهِ الْحجامَة والقسط البحري» . وَقَالَ: «لَا تعذبوا صِبْيَانكُمْ بالغمز من الْعذرَة» . الْعذرَة: وجع الْحلق، يُقَال: عذرت الْمَرْأَة الصَّبِي؛ إِذا كَانَت بِهِ الْعذرَة: وَهِي وجع الْحلق، فغمزته. وَسَيَأْتِي هَذَا مشروحا فِي مُسْند أم قيس.
١٦١٤ - / ١٩٦٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر بعد الْمِائَة: نهى عَن بيع الثَّمر حَتَّى يزهو. فَقُلْنَا لأنس: مَا زهوها؟ قَالَ: تحمر وَتَصْفَر، قَالَ: «أَرَأَيْت إِن منع الله الثَّمَرَة، بِمَ تستحل مَال أَخِيك؟» وَفِي لفظ: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «إِن لم يثمرها الله، فَبِمَ تستحل مَال أَخِيك؟» .
وَقد سبق هَذَا الحَدِيث فِي مُسْند ابْن عمر.
وَقَوله: أَرَأَيْت إِن من الله الثَّمَرَة، بِمَ تستحل مَال أَخِيك؟» ظَاهره أَنه من كَلَام رَسُول الله ﷺ، كَذَلِك رَوَاهُ مَالك، وَخَالفهُ الْأَكْثَرُونَ فجعلوه من كَلَام أنس. أَنبأَنَا عبد الْوَهَّاب الْحَافِظ قَالَ: أخبرنَا جَعْفَر ابْن أَحْمد قَالَ: أَنبأَنَا أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت قَالَ: روى مَالك بن أنس هَذَا الحَدِيث عَن حميد عَن أنس فرفعه، وَفِيه: قَالَ رَسُول الله ﷺ: «أَرَأَيْت إِذا منع الله الثَّمَرَة، فَبِمَ يَأْخُذ أحدكُم مَال أَخِيه؟» وَهَكَذَا رَوَاهُ عَن مَالك أَصْحَابه لم يَخْتَلِفُوا فِيهِ. وَوهم مَالك فِي هَذَا؛ لِأَن قَوْله: أَفَرَأَيْت إِن منع الله الثَّمَرَة إِلَى آخر الْمَتْن كَلَام أنس، وَقد بَين ذَلِك يزِيد بن هَارُون وَعبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد الدَّرَاورْدِي وَأَبُو خَالِد الْأَحْمَر وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر، كلهم فِي روايتهم هَذَا الحَدِيث عَن
[ ٣ / ٢٥٦ ]
حميد، وفصلوا كَلَام أنس من كَلَام النَّبِي ﷺ.
وَقَوله: «بِمَ تستحل مَال أَخِيك؟» دَلِيل على أَن حكم الثِّمَار - إِذا لم يشْتَرط فِيهَا الْقطع - التبقية، وَأَن الْعرف فِي ذَلِك بِمَنْزِلَة الشَّرْط.
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن مَا تهلكه الجوائح من ضَمَان البَائِع، وَقد بَينا هَذَا فِي مُسْند جَابر.
١٦١٥ - / ١٩٦٥ - والْحَدِيث التَّاسِع عشر بعد الْمِائَة: قد سبق فِي مُسْند أبي سعيد الْخُدْرِيّ.
١٦١٦ - / ١٩٦٦ - وَفِي الحَدِيث الْعشْرين بعد الْمِائَة: «تسموا باسمي وَلَا تكتنوا بكنيتي» قد سبق الْكَلَام فِي هَذَا فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
١٦١٧ - / ١٩٦٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْعِشْرين: أَن رَسُول الله ﷺ ركب حمارا وَانْطَلق إِلَى عبد الله بن أبي فَقَالَ: إِلَيْك عني، وَالله لقد آذَانِي حِمَارك.
كَانَ ابْن أبي يظْهر الْإِسْلَام ثمَّ تظهر مِنْهُ فلتات تدل على نفَاقه، ثمَّ يتَأَوَّل لما قَالَ مرّة، وينكر أُخْرَى، فَحَمله رَسُول الله ﷺ على علاته.
[ ٣ / ٢٥٧ ]
١٦١٨ - / ١٩٦٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين: انْطلق ابْن مَسْعُود فَوجدَ أَبَا جهل قد ضربه ابْنا عفراء حَتَّى برد، فَأخذ بلحيته فَقَالَ: أَنْت أَبُو جهل؟ وَفِي لفظ: أَنْت أَبَا جهل؟ وَقَالَ: لَو غير أكار قتلني.
كَذَا رُوِيَ فِي هَذَا الحَدِيث «ابْنا عفراء» وَقد ذكرنَا فِي الْمُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَن أَبَا جهل قَتله معَاذ بن عَمْرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء، وَابْن الجموح لَيْسَ من أَوْلَاد عفراء. وَقد ذكرنَا أولاء عفراء الَّذين شهدُوا بَدْرًا وهم سَبْعَة، وَذكرنَا نَسَبهَا أَيْضا فِي مُسْند ابْن عَوْف. ومعاذ بن عفراء مِمَّن بَاشر قتل أبي جهل، فَلَعَلَّ بعض إخْوَته أَعَانَهُ أَو حَضَره، أَو أَن يكون الحَدِيث «ابْن عفراء» فغلط الرَّاوِي فَقَالَ: «ابْنا عفراء» وَالله أعلم.
وَبرد بِمَعْنى ثَبت، أَي أثبتته الْجراحَة فَلم تمكنه أَن يبرح. وَفِي بعض الْأَحَادِيث: برك.
وَإِنَّمَا ذكر ابْن مَسْعُود كنيته استهزاء. فَقَالَ: أَنْت أَبُو جهل؟ كَقَوْلِه: ﴿أَنْت الْعَزِيز الْكَرِيم﴾ [الدُّخان: ٤٩] . فَأَما من روى: أَنْت أَبَا جهل؟ أَرَادَ: أَنْت هَذَا يَا أَبَا جهل.
والأكار: الزراع، سمي بذلك لحفره الأَرْض فِي الزِّرَاعَة.
والأكرة: الحفرة، وَجَمعهَا أكر.
١٦١٩ - / ١٩٧٠ - والْحَدِيث الرَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة: قد سبق فِي
[ ٣ / ٢٥٨ ]
مُسْند أبي مُوسَى.
١٦٢٠ - / ١٩٧١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة: أَنا أول شَفِيع فِي الْجنَّة. أَي فِي دُخُول الْجنَّة.
١٦٢١ - / ١٩٧٣ - والْحَدِيث السَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة: قد سبق الْكَلَام عَلَيْهِ فِي مُسْند عَليّ.
١٦٢٢ - / ١٩٧٥ - وَالتَّاسِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة: قد سبق فِي مُسْند عمر بن الْخطاب.
١٦٢٣ - / ١٩٧٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: انهزم النَّاس عَن النَّبِي ﷺ يَوْم أحد وَأَبُو طَلْحَة بَين يَدَيْهِ مجوب عَلَيْهِ بحجفة.
أَي سَاتِر للنَّبِي ﷺ، قَاطع بَينه وَبَين الْعَدو بحجفة: وَهِي ترس صَغِير.
والنزع: مد الْقوس.
والجعبة: خريطة النشاب من جُلُود.
والخدم جمع خدمَة: وَهِي الخلخال، وَقد تسمى الساقان خدمتين لِأَنَّهُمَا مَوضِع الخدمتين.
والمتون جمع متن، وَقد بَيناهُ فِي الحَدِيث الرَّابِع والثمانين من هَذَا الْمسند.
[ ٣ / ٢٥٩ ]
وَأما وُقُوع السَّيْف فلأجل مَا ألقِي عَلَيْهِم يَوْم أحد من النّوم الَّذِي أُشير إِلَيْهِ بقوله تَعَالَى: ﴿إِذْ يغشيكم النعاس أَمَنَة مِنْهُ﴾ [الْأَنْفَال: ١١] .
وَقد وَقعت كَلِمَات مصحفة فِي هَذَا الحَدِيث من كتاب البُخَارِيّ إِلَّا أَنه لم يذكرهَا الْحميدِي، وَذكرهَا أَبُو سُلَيْمَان، مِنْهَا: وَكَانَ راميا شَدِيد الْقد، بِالْقَافِ، وَقَالَ: أرَاهُ الْمَدّ. قَالَ: وَيحْتَمل: شَدِيد الْقد بِكَسْر الْقَاف، يُرِيد بِهِ وتر الْقوس. وَمِنْهَا تنقزان الْقرب. وَإِنَّمَا هُوَ تزفران.
١٦٢٤ - / ١٩٧٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: «ليردن عَليّ الْحَوْض رجال مِمَّن صاحبني، إِذا رَأَيْتهمْ وَرفعُوا لي اختلجوا دوني» قد سبق هَذَا فِي مُسْند ابْن مَسْعُود وَغَيره.
١٦٢٥ - / ١٩٨٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: «يَا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هَذَا» .
قَوْله: «ثامنوني» أَي قدرُوا ثمنه لأشتريه مِنْكُم.
قَوْله: وَكَانَ فِيهِ نخل وَخرب. الرِّوَايَة الْمَعْرُوفَة خرب بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة وَالرَّاء الْمَكْسُورَة، جمع خربة، كَمَا يُقَال: كلم وَكلمَة. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: حدّثنَاهُ الْخيام بِكَسْر الْخَاء وَفتح الرَّاء، وَهُوَ جمع الخراب. وَقَالَ اللَّيْث: لُغَة تَمِيم خرب، والواحدة
[ ٣ / ٢٦٠ ]
خربة، إِلَّا أَن قَوْله: فَأمر بالخرب فسويت يدل على أَن الصَّوَاب فِيهِ إِمَّا الخرب بِضَم الْخَاء جمع خربة: وَهِي الخروق الَّتِي فِي الأَرْض، إِلَّا أَنهم يخصون بِهَذَا الإسم كل ثقبة مستديرة من جلد كَانَت أَو فِي أَرض أَو جِدَار. وَإِمَّا أَن تكون الرِّوَايَة الجرف وَجمع الجرفة، وَهِي جمع الجرف، كَمَا قيل: خرج وخرجة، وترس وترسة، وَأبين مِنْهَا فِي الصَّوَاب إِن ساعدته الرِّوَايَة: حدب: وَهُوَ جمع الحدبة، وَهُوَ الَّذِي يَلِيق بقوله: فسويت، وَإِنَّمَا يسوى الْمَكَان المحدودب، أَو مَوضِع من الأَرْض فِيهِ خروق، فَأَما الخرب فَإِنَّهُ تعمر وَلَا تسوى.
١٦٢٦ - / ١٩٨١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: «أَبَا عُمَيْر، مَا فعل النغير؟» .
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان: النغير: طَائِر صَغِير، وَيجمع على النغران.
وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفِقْه أَن صيد الْمَدِينَة مُبَاح، وَفِيه: إِبَاحَة السجع فِي الْكَلَام. وَفِيه: جَوَاز الدعابة مَا لم يكن إِثْمًا. وَفِيه: إِبَاحَة تَصْغِير الْأَسْمَاء. وَفِيه: أَنه كناه وَلم يكن لَهُ ولد، فَلم يدْخل ذَلِك فِي بَاب الْكَذِب.
١٦٢٧ - / ١٩٨٢ - والْحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة: فِي مُسْند
[ ٣ / ٢٦١ ]
عُرْوَة الْبَارِقي.
١٦٢٨ - / ١٩٨٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: أَقَمْنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ عشرا - يَعْنِي بِمَكَّة - نقصر الصَّلَاة.
عندنَا أَنه إِذا نوى الْمُسَافِر إِقَامَة بِبَلَد يزِيد على أَرْبَعَة أَيَّام أتم، وَعَن أَحْمد: إِذا نوى إِقَامَة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين صَلَاة أتم. وَلَا تخْتَلف الرِّوَايَة أَنه يحْتَسب يَوْم الدُّخُول وَيَوْم الْخُرُوج. وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ: إِذا نوى إِقَامَة أَرْبَعَة أَيَّام غير الدُّخُول وَالْخُرُوج، فنحمل نَحن هَذَا الحَدِيث على أَنه لم ينْو إِقَامَة هَذِه الْمدَّة، بل كَانَ يَقُول: الْيَوْم أخرج، وَغدا أخرج. وَمَتى أَقَامَ لقَضَاء حَاجَة وَلم ينْو الْإِقَامَة قصر أبدا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا نوى خَمْسَة عشر يَوْمًا أتم.
١٦٢٩ - / ١٩٨٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: قيل لأنس: أَكُنْتُم تَكْرَهُونَ السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة؟ قَالَ: نعم، لِأَنَّهَا كَانَت من شَعَائِر الْجَاهِلِيَّة، حَتَّى أنزل الله ﷿: ﴿إِن الصَّفَا والمروة من شَعَائِر الله﴾ [الْبَقَرَة: ١٥٨] .
قَالَ الشّعبِيّ: كَانَ على الصَّفَا وثن يدعى إساف، وعَلى الْمَرْوَة وثن يدعى نائلة، فَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يسعون بَينهمَا ويمسحونهما، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام كفوا عَن السَّعْي بَينهمَا، فَنزلت هَذِه الْآيَة. قَالَ
[ ٣ / ٢٦٢ ]
الزّجاج: الصَّفَا فِي اللُّغَة الْحِجَارَة الصلبة الصلدة الَّتِي لَا تنْبت شَيْئا، وَهُوَ جمع واحده صفاة وَصفا، مثل حَصَاة وحصا. والمروة: الْحِجَارَة اللينة. وَهَذَانِ الموضعان من شَعَائِر الله: أَي من أَعْلَام متعبداته، وَوَاحِد الشعائر شعيرَة. والشعائر كل مَا كَانَ من موقف أَو مسعى أَو ذبح. وَالْحج: الْقَصْد، وكل قَاصد شَيْئا فقد [حجه، وَكَذَلِكَ كل قَاصد شَيْئا فقد] اعْتَمر. والجناح: الْإِثْم، أَخذ من جنح: إِذا مَال وَعدل، وَأَصله من جنَاح الطَّائِر. وَإِنَّمَا اجْتنب الْمُسلمُونَ الطّواف بَينهمَا لمَكَان الْأَوْثَان، فَقيل لَهُم: إِن نصب الْأَوْثَان بَينهمَا قبل الْإِسْلَام لَا يُوجب اجتنابهما.
١٦٣٠ - / ١٩٨٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ بعد الْمِائَة: قلت لأنس: أبلغك أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا حلف فِي الْإِسْلَام؟» قَالَ: قد حَالف النَّبِي ﷺ بَين قُرَيْش وَالْأَنْصَار فِي دَاري.
الْحلف: العقد والعهد، وَكَانُوا يتحالفون فِي الْجَاهِلِيَّة على نصر بَعضهم الْبَعْض فِي كل مَا يَفْعَلُونَهُ، فهدم الْإِسْلَام ذَلِك. وَالْمرَاد بقوله: حَالف بَين قُرَيْش وَالْأَنْصَار، المؤاخاة، للإئتلاف على الْإِسْلَام، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا أنس محالفة لِأَن مَعْنَاهَا معنى المحالفة. وَقد أَشَرنَا إِلَى المؤاخاة فِي مُسْند عبد الرَّحْمَن بن عَوْف.
[ ٣ / ٢٦٣ ]
١٦٣١ - / ١٩٨٦ - وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين بعد الْمِائَة: قدم عَليّ من الْيمن، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: «بِمَ أَهلَلْت؟» قَالَ: بإهلال [أَو] كإهلال النَّبِي ﷺ، فَقَالَ: «لَوْلَا أَن معي الْهَدْي لأحللت» .
لما خرج النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه يقصدون الْحَج، ثمَّ أَمر أَصْحَابه أَن يفسخوه إِلَى الْعمرَة - كَمَا ذكرنَا فِي مُسْند ابْن عَبَّاس - لم يُمكنهُ الْفَسْخ لِأَنَّهُ سَاق الْهَدْي. وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه فِي مُسْند جَابر بن عبد الله، وَقد بَيناهُ ثمَّ.
١٦٣٢ - / ١٩٨٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا خرج لِحَاجَتِهِ تَبعته أَنا وَغُلَام منا، مَعنا إداوة من مَاء يستنجي بِهِ.
الْإِدَاوَة: إِنَاء من جُلُود كالركوة.
وَأما الإستنجاء فَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: هُوَ التمسح بالأحجار، وَأَصله من النجوة: وَهِي الإرتفاع من الأَرْض، وَكَانَ الرجل إِذا أَرَادَ قَضَاء الْحَاجة تستر بنجوة من الأَرْض فَقَالُوا: ذهب ينجو، كَمَا قَالُوا: ذهب يتغوط، إِذا أَتَى الْغَائِط: وَهُوَ المطمئن من الأَرْض لقَضَاء الْحَاجة، ثمَّ سمي الْحَدث نَجوا، واشتق مِنْهُ: قد استنجى: إِذا مسح مَوْضِعه أَو غسله.
[ ٣ / ٢٦٤ ]
١٦٣٣ - / ١٩٨٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة: قَالَ أَبُو جهل: اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحق من عنْدك فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء أَو ائتنا بِعَذَاب أَلِيم، فَنزلت: ﴿وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم﴾ إِلَى آخر الْآيَتَيْنِ [الْأَنْفَال: ٣٣، ٣٤] .
أَكثر الْمُفَسّرين على أَن الْقَائِل لهَذَا النَّضر بن الْحَارِث، غير أَن هَذِه الطَّرِيق إِلَى أنس أثبت.
وَفِي الْمشَار إِلَيْهِ بقوله: «هَذَا» ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه الْقُرْآن.
وَالثَّانِي: كل مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ.
وَالثَّالِث: إكرام مُحَمَّد ﷺ بِالنُّبُوَّةِ.
وَالْكِنَايَة فِي قَوْله: ﴿ليعذبهم﴾ عَائِدَة إِلَى أهل مَكَّة.
وَفِي معنى ﴿وَأَنت فيهم﴾ قَولَانِ: أَحدهمَا: وَأَنت مُقيم بَين أظهرهم، قَالَ ابْن عَبَّاس: لم تعذب قَرْيَة حَتَّى يخرج نبيها والمؤمنون مَعَه.
وَالثَّانِي: وَأَنت حَيّ.
وَفِي قَوْله: ﴿وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أَرْبَعَة أَقْوَال:
أَحدهَا: مَا كَانَ معذب الْمُشْركين وَفِيهِمْ من قد سبق لَهُ يُؤمن، قَالَه
[ ٣ / ٢٦٥ ]
ابْن عَبَّاس.
وَالثَّانِي: وَمَا كَانَ الله معذب الْمُشْركين وهم - يَعْنِي الْمُؤمنِينَ الَّذين بَينهم - يَسْتَغْفِرُونَ، قَالَه الضَّحَّاك. قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وصفوا بِصفة بَعضهم لبَعض، لِأَن الْمُؤمنِينَ بَين أظهرهم، فأوقع الْعُمُوم على الْخُصُوص، كَمَا يُقَال: قتل أهل الْمَسْجِد رجلا، وَلَعَلَّه لم يفعل ذَلِك إِلَّا رجل مِنْهُم.
وَالثَّالِث: وَمَا كَانَ الله معذبهم وَفِي أصلابهم من يسْتَغْفر، قَالَه مُجَاهِد: قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: فَمَعْنَى تعذيبهم إهلاكهم، فوصفهم بِصفة ذَرَارِيهمْ كَمَا فِي الْجَواب الَّذِي قبله.
وَالرَّابِع: أَن الْمَعْنى: لَو اسْتَغْفرُوا لما عذبهم وَلَكنهُمْ لم يَسْتَغْفِرُوا فاستحقوا الْعَذَاب، وَهَذَا كَمَا تَقول الْعَرَب: مَا كنت لأهينك وَأَنت تكرمني، يُرِيدُونَ: مَا كنت لأهينك لَو أكرمتني، فَأَما إِذْ لست تكرمني فَأَنت مُسْتَحقّ لإهانتي، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى ذهب قَتَادَة وَالسُّديّ، وَهُوَ اخْتِيَار اللغويين.
وَقَوله: ﴿وَمَا لَهُم أَلا يعذبهم﴾ هَذِه الْآيَة أجازت تعذيبهم، وَالْأولَى نفت ذَلِك، وَهل المُرَاد بِهَذَا الْعَذَاب الأول أم لَا؟ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهَا: أَن الأول امْتنع لشيئين: أَحدهمَا كَون النَّبِي ﷺ فيهم.
وَالثَّانِي: كَون الْمُؤمنِينَ المستغفرين بَينهم، فَلَمَّا وَقع التَّمْيِيز بِالْهِجْرَةِ وَقع الْعَذَاب بالباقين يَوْم بدر، وَقيل: بِفَتْح مَكَّة.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ، ثمَّ فِي ذَلِك قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن
[ ٣ / ٢٦٦ ]
الْعَذَاب الثَّانِي قتل بَعضهم يَوْم بدر، وَالْأول استئصال الْكل، فَلم يَقع الأول لما قد علم من إِيمَان بَعضهم وَإِسْلَام بعض ذَرَارِيهمْ، وَوَقع الثَّانِي. وَالثَّانِي: أَن الْعَذَاب الأول عَذَاب الدُّنْيَا، وَالثَّانِي عَذَاب الْآخِرَة.
١٦٣٤ - / ١٩٩٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة: أَن رَسُول الله ﷺ وجد تَمْرَة فَقَالَ: «لَوْلَا أَن تكون - وَفِي لفظ: لَوْلَا أَنِّي أَخَاف أَن تكون - من الصَّدَقَة لأكلتها» .
اللَّفْظ الثَّانِي فسر الأول، وَهُوَ أصل فِي الْوَرع، وَهُوَ أَيْضا يدل على أَن مَا لَا تتبعه النَّفس لَا يعرف وَيجوز تنَاوله، وَلَا يجب التَّصَدُّق بِهِ.
١٦٣٥ - / ١٩٩٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة: كَانَ رَسُول الله ﷺ يغْتَسل بِخمْس مكاكيك، وَيتَوَضَّأ بمكوك.
المكوك: إِنَاء يسع نَحْو الْمَدّ، مَعْرُوف عِنْدهم.
١٦٣٦ - / ١٩٩٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة: كَانَ أَكثر دُعَاء رَسُول الله ﷺ: «اللَّهُمَّ آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة، وقنا عَذَاب النَّار» .
الْحَسَنَة: الشَّيْء الْحسن، وَقد اخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي حَسَنَة الدُّنْيَا
[ ٣ / ٢٦٧ ]
على سَبْعَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنَّهَا الْمَرْأَة الصَّالِحَة، قَالَه عَليّ ﵇. وَالثَّانِي: الْعِبَادَة: رَوَاهُ سُفْيَان بن حُسَيْن عَن الْحسن. وَالثَّالِث: الْعلم وَالْعِبَادَة، رَوَاهُ هِشَام عَن الْحسن. وَالرَّابِع: المَال، قَالَه أَبُو وَائِل. وَالْخَامِس: الْعَافِيَة، قَالَه قَتَادَة. وَالسَّادِس: الرزق الْوَاسِع، قَالَه مقَاتل. وَالسَّابِع: النِّعْمَة، قَالَه ابْن قُتَيْبَة.
وَفِي حَسَنَة الْآخِرَة ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: الْحور الْعين، قَالَه عَليّ ﵇. وَالثَّانِي: الْجنَّة، قَالَه الْحسن. وَالثَّالِث: الْعَفو وَالْمَغْفِرَة، قَالَه الثَّوْريّ.
١٦٣٧ - / ١٩٩٦ - وَفِي الحَدِيث الْخمسين بعد الْمِائَة: «لن يبرح النَّاس يسْأَلُون حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا الله خَالق كل شَيْء، فَمن خلق الله؟» .
اعْلَم أَن الباحث عَن هَذَا إِنَّمَا هُوَ الْحس، لِأَن الْحس لم يعرف وجود شَيْء إِلَّا بِشَيْء، وَمن شَيْء، فَأَما الْعقل الَّذِي هُوَ الْحَاكِم الْمَقْطُوع بِحكمِهِ، فقد علم أَنه لابد من خَالق غير مَخْلُوق، إِذْ لَو كَانَ مخلوقا لاحتاج إِلَى خَالق، ثمَّ بتسلسل إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ، والمتسلسل بَاطِل، وَإِنَّمَا أثبت الْعقل صانعا، لِأَنَّهُ رأى المحدثات مفتقرة إِلَى مُحدث، فَلَو افْتقر الْمُحدث إِلَى مُحدث كل مُحدثا.
١٦٣٨ - / ١٩٩٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْخمسين بعد الْمِائَة: رأى
[ ٣ / ٢٦٨ ]
رجلا يَسُوق بَدَنَة، فَقَالَ: «اركبها»، وَقد تكلمنا على هَذَا فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
١٦٣٩ - / ١٩٩٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْخمسين بعد الْمِائَة: إِن الرّبيع كسرت ثنية جَارِيَة.
الرّبيع من الصحابيات أَربع: الرّبيع بنت حَارِثَة، وَالربيع بنت الطُّفَيْل، وَالربيع بنت معوذ، وَالربيع بنت النَّضر عمَّة أنس، وَهِي صَاحِبَة هَذِه الْقِصَّة، وكلهن بايعن رَسُول الله ﷺ، وَلم يرو عَنهُ مِنْهُنَّ غير بنت معوذ، وَقد أخرج لَهَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» على مَا سَيَأْتِي ذكرهَا فِي مسندها إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَوْله: لَا وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ، لَا تكسر سنّهَا. كَأَنَّهُ حلف: لَا يجْرِي الْقدر بِهَذَا، طَمَعا فِي فضل الله تَعَالَى أَن يصرف عَنْهَا ذَلِك، فأبره: أَعَانَهُ على الْبر وَلم يحنثه.
١٦٤٠ - / ٢٠٠٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْخمسين بعد الْمِائَة: كَانَ رَسُول الله ﷺ يفْطر من الشَّهْر حَتَّى نظن أَنه لَا يَصُوم مِنْهُ، ويصوم حَتَّى نظن أَلا يفْطر مِنْهُ شَيْئا.
ظَاهر هَذَا الحَدِيث أَنه كَانَ ﵇ يَصُوم عدد مَا يفْطر، وَيفْطر عدد مَا يَصُوم، فَيصير مثل من يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا. وَإِنَّمَا كَانَ يجمع أَيَّام الْفطر وَأَيَّام الصَّوْم، وَقد كَانَ ينَام بِقدر مَا يقوم،
[ ٣ / ٢٦٩ ]
وَيقوم بِقدر مَا ينَام.
١٦٤١ - / ٢٠٠٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْخمسين بعد الْمِائَة: «تسحرُوا؛ فَإِن فِي السّحُور بركَة» .
السّحُور بِفَتْح السِّين: اسْم مَا يُؤْكَل فِي ذَلِك الْوَقْت، وَكَذَلِكَ الفطور والبخور والسفوف واللبوس والسنون والسعوط وَالْوُضُوء.
١٦٤٢ - / ٢٠٠٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْخمسين بعد الْمِائَة: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا دخل الْخَلَاء وَفِي لفظ: الكنيف - قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْخبث والخبائث» .
الْخَلَاء: الْمَكَان الْخَالِي، وَهُوَ هَاهُنَا كِنَايَة، عَن مَوضِع الْحَدث.
والكنيف: أَصله السَّاتِر - قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَمِنْه قيل للترس كنيف: أَي سَاتِر. وَكَانُوا قبل أَن يحدث الكنيف يقضون حوائجهم فِي البراحات والصحاري، فَلَمَّا حفروا فِي الأَرْض آبارا تسترا للْحَدَث سميت كنفا.
وَالْبَاء فِي الْخبث سَاكِنة، كَذَلِك ضبطناه عَن أشياخنا فِي كتاب أبي عبيد وَغَيره. ثمَّ فِي مَعْنَاهُ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه الشَّرّ، قَالَه أَبُو عبيد. وَالثَّانِي: الْكفْر، قَالَه ابْن الْأَنْبَارِي. وَزعم أَبُو سُلَيْمَان
[ ٣ / ٢٧٠ ]
الْخطابِيّ أَن تسكين الْبَاء غلط، وَأَن الصَّوَاب ضمهَا، قَالَ: وَهِي جمع الْخَبيث، والخبائث جمع الخبيثة، وَالْمرَاد: ذكران الشَّيَاطِين وإناثهم. وَلَا أَدْرِي من أَيْن لَهُ هَذَا التحكم وَهُوَ يروي أَن ابْن الْأَعرَابِي كَانَ يَقُول: أصل الْخبث فِي كَلَام الْعَرَب الْمَكْرُوه، فَإِن كَانَ من الْكَلَام فَهُوَ الشتم، وَإِن كَانَ من الْملَل فَهُوَ الْكفْر، وَإِن كَانَ من الطَّعَام فَهُوَ الْحَرَام، وَإِن كَانَ من الشَّرَاب فَهُوَ الضار. فَإِن صَحَّ التَّعَوُّذ من الْمَكْرُوه فَمَا وَجه الْإِنْكَار؟ بل مَا عَلَيْهِ الْجَمَاعَة أولى؛ لِأَنَّهُ يحصل فائدتين: التَّعَوُّذ من الْمَكْرُوه فَيدْخل فِي ذَلِك كل شَرّ، والتعوذ من الشَّيَاطِين وَهُوَ اسْم يعم ذكورها وإناثها، كَذَلِك قَالَ أَبُو عبيد: الْخَبَائِث: الشَّيَاطِين، وَلم يَجعله اسْما للإناث دون الذُّكُور.
١٦٤٣ - / ٢٠٠٥ - والْحَدِيث التَّاسِع وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة: قد سبق فِي مُسْند عمر.
١٦٤٤ - / ٢٠٠٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة: نهى أَن يتزعفر الرجل.
التزعفر: التضمخ بالزعفران واستعماله فِيمَا يظْهر على الرِّجَال.
وَقد جَاءَ فِي حَدِيث آخر: «طيب الرِّجَال مَا خَفِي لَونه وَظهر رِيحه،
[ ٣ / ٢٧١ ]
وَطيب النِّسَاء مَا ظهر لَونه وخفي رِيحه» .
١٦٤٥ - / ٢٠٠٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة: أَنهم كَانُوا يصلونَ رَكْعَتَيْنِ قبل الْمغرب.
وَوجه هَذَا قَوْله ﵇: «بَين كل أذانين صَلَاة لمن شَاءَ» .
وَإِذا غربت الشَّمْس حل التَّنَفُّل.
١٦٤٦ - / ٢٠٠٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة: ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ [الْفَتْح: ١] قَالَ: الْحُدَيْبِيَة.
وَقد ذكرنَا وَجه كَونه فتحا فِي مُسْند الْبَراء بن عَازِب.
١٦٤٧ - / ٢٠١١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة: أَن أم سليم كَانَت تبسط لرَسُول الله ﷺ نطعا فيقيل عِنْدهَا، فَإِذا قَامَ أخذت من عرقه وشعره فجمعته فِي قَارُورَة ثمَّ جعلته فِي سك.
السك: نوع من الطّيب. وَقد ذكرنَا فِيمَا تقدم أَنه كَانَ ينبسط فِي بَيت أم سليم لِأَنَّهَا كَانَت ذَات قرَابَة مِنْهُ.
والعتيدة: شَيْء تخفظ فِيهِ حوائجها كالزنفليجة. والعتيد: الشَّيْء الْمعد.
[ ٣ / ٢٧٢ ]
والسلت: جرف الْمَائِع بِالْيَدِ باستقصاء.
١٦٤٨ - / ٢٠١٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة: دَخَلنَا على أبي سيف الْقَيْن وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيم.
الْقَيْن: الْحداد، وَجمعه قيون.
والظئر: الْمُرضعَة، وَإِنَّمَا كَانَت زَوجته ترْضع، إِلَّا أَنه لما كَانَ بلبنه سمي ظِئْرًا.
١٦٤٩ - / ٢٠١٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة: «من رَآنِي فِي الْمَنَام فقد رَآنِي، فَإِن الشَّيْطَان لَا يتخيل بِي: ورؤيا الْمُؤمن جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة» .
أما أول الحَدِيث فقد سبق فِي مُسْند أبي قَتَادَة وَجَابِر، وَأما آخِره فَفِي مُسْند عبَادَة بن الصَّامِت.
١٦٥٠ - / ٢٠١٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالسِّتِّينَ بعد الْمِائَة: دخل رجل فَقَالَ: أَيّكُم مُحَمَّد؟ وَالنَّبِيّ ﷺ متكئ بَين ظهرانيهم، فَقُلْنَا: هَذَا الْأَبْيَض المتكئ. فَقَالَ لَهُ: ابْن عبد الْمطلب. فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ: «قد أَجَبْتُك» .
الظَّاهِر من الإتكاء الإعتماد على إِحْدَى الْمرْفقين. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان: الْعَامَّة لَا تعرف المتكئ إِلَّا من مَال فِي قعوده مُعْتَمدًا على أحد جَنْبَيْهِ،
[ ٣ / ٢٧٣ ]
وكل من اسْتَوَى قَاعِدا على وطاء فَهُوَ متكئ.
وَقَوله: ابْن عبد الْمطلب: أَي: يَا ابْن عبد الْمطلب، فَرد عَلَيْهِ من جنس كَلَامه فَقَالَ: «قد أَجَبْتُك» .
وَأما قَوْله: أَسأَلك بِاللَّه. إِن قَالَ قَائِل: يَنْبَغِي أَن يتبعهُ بِالدَّلِيلِ لَا بِالْيَمِينِ. فَالْجَوَاب أَنه عرف الدَّلِيل ثمَّ أكد ذَلِك بِأَن أحلفه. قَالَ ابْن عقيل: كَانَ الْأَعرَابِي حسن الثِّقَة بِهِ لِأَنَّهُ لم يجرب عَلَيْهِ إِلَّا الصدْق فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنْت عِنْدِي الصَّادِق فأكد صدقك بِالْيَمِينِ.
وَقَوله: نهينَا فِي الْقُرْآن أَن نسْأَل رَسُول الله ﷺ عَن شَيْء. كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تسألوا عَن أَشْيَاء إِن تبد لكم تَسُؤْكُمْ﴾ [الْمَائِدَة: ١٠١] .
وَقَوله: لَا أَزِيد عَلَيْهِنَّ. رُبمَا ظن ظان أَنه يَعْنِي لَا أتنفل، وَلَيْسَ كَذَلِك، وَإِنَّمَا الْمَعْنى: لَا أَزِيد على المفترض وَلَا أنقص مِنْهُ كَمَا فعلت الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي فرائضهم.
١٦٥١ - / ٢٠١٥ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
قَالَ الزُّهْرِيّ: دخلت على أنس بِدِمَشْق وَهُوَ يبكي، فَقلت لَهُ: مَا يبكيك؟ فَقَالَ: لَا أعرف شَيْئا مِمَّا أدْركْت إِلَّا هَذِه الصَّلَاة، وَهَذِه
[ ٣ / ٢٧٤ ]
الصَّلَاة قد ضيعت.
الظَّاهِر من أنس أَنه يُشِير إِلَى مَا يصنع الْحجَّاج، فَإِنَّهُ كَانَ يُؤَخر الصَّلَاة جدا يَوْم الْجُمُعَة، متشاغلا بمدح عبد الْملك وَمَا يتَعَلَّق بِهِ.
١٦٥٢ - / ٢٠١٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: لم يكن أحد أشبه بِالنَّبِيِّ ﷺ من الْحسن بن عَليّ. وَفِي رِوَايَة عَن ابْن سِيرِين قَالَ: أُتِي عبيد الله بن زِيَاد بِرَأْس الْحُسَيْن، فَجعل فِي طست، فَجعل ينكت وَقَالَ فِي حسنه شَيْئا، فَقَالَ أنس: كَانَ أشبههم برَسُول الله ﷺ، وَكَانَ مخضوبا بالوسمة.
وَقد رُوِيَ فِي الحَدِيث أَن الْحسن كَانَ يشبه رَسُول الله ﷺ من الرَّأْس إِلَى الصَّدْر، وَكَانَ الْحُسَيْن يُشبههُ فِيمَا دون ذَلِك.
وَقد ذكرنَا الطست فِي مُسْند أبي ذَر.
وَقَوله: ينكت: أَي يقرعه بِشَيْء يُؤثر فِيهِ.
وَقَالَ فِي حسنه شَيْئا: أَي فِي وَصفه بالْحسنِ.
والوسمة: خضاب يسود الشّعْر، قيل: إِنَّه ورق النّيل. وَيُقَال: وسمة بِإِسْكَان السِّين ووسمة بِكَسْرِهَا. وَأول من خضب بالوسمة من
[ ٣ / ٢٧٥ ]
أهل مَكَّة عبد الْمطلب. أخبرنَا سلمَان بن مَسْعُود قَالَ: أخبرنَا الْمُبَارك ابْن عبد الْجَبَّار قَالَ: أَنبأَنَا مُحَمَّد بن عَليّ الْبَيْضَاوِيّ قَالَ أَبُو عمر بن حيويه قَالَ: حَدثنَا عمر بن سعد قَالَ: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي الدُّنْيَا قَالَ: حَدثنَا الْعَبَّاس بن هِشَام بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن جده: أَن عبد الْمطلب أول من خضب بالوسمة من أهل مَكَّة، وَذَلِكَ أَنه قدم الْيمن فَنظر إِلَيْهِ بعض مُلُوكهَا فَقَالَ: يَا عبد الْمطلب هَل لَك أَن تغير هَذَا الْبيَاض فتعود شَابًّا؟ قَالَ: ذَاك إِلَيْك، فخضبه بِالْحِنَّاءِ، ثمَّ علاهُ بالوسمة، فَلَمَّا أَرَادَ الإنصراف زوده مِنْهُ شَيْئا كثيرا، وَأَقْبل عبد الْمطلب، فَلَمَّا دنا من مَكَّة اختضب ثمَّ دخل مَكَّة كَأَن رَأسه ولحيته حنك الْغُرَاب، فَقَالَت لَهُ نتيلة أم الْعَبَّاس: يَا شيبَة الْحَمد، مَا أحسن هَذَا الخضاب لَو دَامَ، فَقَالَ:
(لَو دَامَ لي هَذَا السوَاد حمدته وَكَانَ بديلا من شباب قد انصرم)
(تمتعت مِنْهُ والحياة قَصِيرَة وَلَا بُد من موت - نتيلة - أَو هرم)
(وماذا الَّذِي يجدي على الْمَرْء خفضه وَنعمته يَوْمًا إِذا عَرْشه انْهَدم)
قَالَ: فَخَضَّبَ بعده أهل مَكَّة.
وَكَانَ الْحسن وَالْحُسَيْن جَمِيعًا يخضبان بالوسمة. وَكَانَ عُثْمَان ابْن عَفَّان يخضب بِالسَّوَادِ فِيمَا رَوَاهُ ابْن أبي مليكَة. وَكَذَلِكَ عبد الله ابْن جَعْفَر بن أبي طَالب وَسعد بن أبي وَقاص وَعقبَة بن عَامر والمغيرة ابْن شُعْبَة وَجَرِير بن عبد الله وَعَمْرو بن الْعَاصِ، وَهَؤُلَاء كلهم صحابة. وَمن التَّابِعين وَمن بعدهمْ عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان ومُوسَى
[ ٣ / ٢٧٦ ]
ابْن طَلْحَة وَعلي بن عبد الله بن عَبَّاس السَّجَّاد أَبُو الْخُلَفَاء أَبُو سَلمَة ابْن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَعبد الرَّحْمَن بن الْأسود وَإِسْمَاعِيل بن معد يكرب وَالزهْرِيّ وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ ومحارب بن دثار وَيزِيد الرشك وَالْحجاج بن أَرْطَأَة وَابْن أبي ليلى وَابْن جريج وَمُحَمّد بن إِسْحَاق وغيلان بن جَامع القَاضِي وَنَافِع بن جُبَير وَهِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَأَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور وَعبد الله بن المعتز وَعمر بن عَليّ بن الْمقدمِي وَأَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عَرَفَة الْمَعْرُوف بنفطويه، فِي آخَرين كلهم كَانُوا يخضون بِالسَّوَادِ، وَقد ذكرت أَخْبَار هَؤُلَاءِ بِالْأَسَانِيدِ فِي كتاب «الشيب والخضاب» .
١٦٥٣ - / ٢٠١٧ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: أَن رجَالًا من الْأَنْصَار اسْتَأْذنُوا رَسُول الله ﷺ فَقَالُوا: ائْذَنْ لنا فلنترك لِابْنِ أُخْتنَا عَبَّاس فداءه، فَقَالَ: «لَا تدعون مِنْهُ درهما» .
الْإِشَارَة إِلَى الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، فَإِنَّهُ خرج يَوْم بدر مَعَ الْمُشْركين مكْرها، فَأسرهُ أَبُو الْيُسْر كَعْب بن عَمْرو، فَقَالَت الْأَنْصَار هَذَا، وَأَرَادُوا بذلك أَمريْن: أَحدهمَا: إكرام رَسُول الله ﷺ. وَالثَّانِي: لقرابة الْعَبَّاس مِنْهُم؛ فَإِن هاشما كَانَ قد تزوج امْرَأَة من بني النجار فَولدت لَهُ عبد الْمطلب، فَلذَلِك قَالُوا: ابْن أُخْتنَا، وَإِنَّمَا قَالُوا: ابْن أُخْتنَا لتَكون الْمِنَّة عَلَيْهِم فِي إِطْلَاقه، وَلَو قَالُوا: عمك، لَكَانَ منَّة عَلَيْهِ، وَهَذَا من قُوَّة الذكاء وَحسن الْأَدَب فِي الْخطاب. وَقد صحفه بعض قرأة الحَدِيث لجهله بِالنّسَبِ فَقَالَ: ابْن أخينا.
[ ٣ / ٢٧٧ ]
فَلم يَأْذَن لَهُم رَسُول الله ﷺ لِئَلَّا يكون فِي الدّين نوع مُحَابَاة، فَأخذ الْفِدَاء من الْعَبَّاس، وكلفه أَن يفْدي ابْني أَخِيه عقيل بن أبي طَالب وَنَوْفَل بن الْحَارِث. وَكَانَ الْعَبَّاس يَئِن لَيْلَة قيد، فَبَاتَ رَسُول الله ﷺ ساهرا، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه: مَالك لَا تنام؟ فَقَالَ: «سمت أَنِين الْعَبَّاس فِي وثَاقه» فَقَامَ رجل مِنْهُم إِلَى الْعَبَّاس فَأرْخى من وثَاقه، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: «مَالِي لَا أسمع أَنِين الْعَبَّاس؟» فَقَالَ رجل من الْقَوْم: إِنِّي أرخيت من وثَاقه، قَالَ: «فافعل ذَلِك بالأساري كلهم» .
١٦٥٤ - / ٢٠١٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع: أَن أنسا رأى على أم كُلْثُوم بنت رَسُول الله ﷺ برد حَرِير سيراء. قد تقدم تَفْسِير هَذَا فِي مُسْند عمر.
١٦٥٥ - / ٢٠١٩ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: «انصر أَخَاك ظَالِما أَو مَظْلُوما» وَفسّر نَصره ظَالِما بِأَن تَمنعهُ من الظُّلم.
اعْلَم أَن من منع شخصا من الظُّلم فقد نَصره على هَوَاهُ ونفعه بِالْمَنْعِ كَمَا يَنْفَعهُ بالنصر.
١٦٥٦ - / ٢٠٢٠ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: كَانَ رَسُول الله ﷺ لَا
[ ٣ / ٢٧٨ ]
يَغْدُو يَوْم الْفطر حَتَّى يَأْكُل تمرات، ويأكلهن وترا.
وَأما التبكير بِالْأَكْلِ فللمبادرة إِلَى امْتِثَال أَمر الله تَعَالَى فِي الْإِفْطَار، كَمَا امتثل أمره فِي الصَّوْم. وَأما الْوتر فَإِنَّهُ كَانَ يحب الإيتار فِي كثير من الْأَشْيَاء.
١٦٥٧ - / ٢٠٢١ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع: كَانَ رَسُول الله إِذا تكلم بِكَلِمَة أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تفهم عَنهُ، وَإِذا أَتَى على قوم فَسلم عَلَيْهِم سلم عَلَيْهِم ثَلَاثًا.
أما إِعَادَة الْكَلِمَة لتفهم فَلَا تعدو ثَلَاثَة أَشْيَاء: إِمَّا ليفهم معنى اللَّفْظ بإعادته. أَو ليتضح اللَّفْظ فَيَنْقَطِع عَنهُ المحتملات، أَو لتحفظ فَيكون المُرَاد بالفهم الْحِفْظ.
وَأما إِعَادَة السَّلَام فَالْمُرَاد بِهِ الإستئذان إِذا لم يسمع السَّلَام الأول وَلم يجب، فَأَما إِذا مر على مجْلِس فعمهم بِالسَّلَامِ، أَو أَتَى دَارا فَسلم فَأَجَابُوا فَلَا وَجه للإعادة.
١٦٥٨ - / ٢٠٢٣ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع: إِن رَسُول الله ﷺ حج على رَحل وَكَانَ زاملته.
الرحل للبعير كالسرج للْفرس. وَأما الزاملة فَقَالَ ابْن فَارس: الزاملة: بعير يستظهر بِهِ الرجل يحمل عَلَيْهِ مَتَاعه. وَالْمرَاد أَنه لم يكن فِي هودج كَمَا يصنع المترفون، وَلَا كَانَ مَعَه غير ذَلِك الْبَعِير.
[ ٣ / ٢٧٩ ]
١٦٥٩ - / ٢٠٣٠ - وَمَا بعد هَذَا قد تقدم تَفْسِيره إِلَى الحَدِيث السَّادِس عشر: وَفِيه: نهى عَن المحاقلة والمخاضرة وَالْمُلَامَسَة والمنابذة.
قد سبقت هَذِه الْأَشْيَاء، إِلَّا أَنا نشِير إِلَيْهَا فَنَقُول: المحاقلة: بيع الزَّرْع قبل إِدْرَاكه. والمخاضرة: اشْتِرَاء الثِّمَار وَهِي مخضرة وَلم يبد صَلَاحهَا. وَالْمُلَامَسَة: أَن يَقُول: إِذا لمست ثوبي أَو لمست ثَوْبك فقد وَجب البيع. والمنابذة: أَن يَقُول: إِذا نبذت إِلَيّ الثَّوْب أَو نَبَذته إِلَيْك فقد وَجب البيع.
١٦٦٠ - / ٢٠٣٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْعِشْرين: إِبَاحَة الكي.
وَقد سبق فِي مُسْند عمرَان بن حُصَيْن.
١٦٦١ - / ٢٠٣٩ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين: «إِذا تقرب العَبْد إِلَيّ شبْرًا تقربت إِلَيْهِ ذِرَاعا» .
المُرَاد بتقرب العَبْد: تقربه بِالطَّاعَةِ، وبتقرب الرب تقربه بالمغفرة.
والهرولة: شدَّة السَّعْي، وَهَذَا ضرب مثل. قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ: ويروى عَن الْأَعْمَش فِي تَفْسِير هَذَا الحَدِيث: «تقربت مِنْهُ ذِرَاعا» قَالَ: يَعْنِي بالمغفرة وَالرَّحْمَة، قَالَ: وَهَكَذَا فسر بعض أهل الْعلم هَذَا الحَدِيث. قَالُوا: مَعْنَاهُ: إِذا تقرب إِلَيّ بطاعتي سارعت إِلَيْهِ بمغفرتي ورحمتي.
[ ٣ / ٢٨٠ ]
١٦٦٢ - / ٢٠٤٠ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين: كَانَ رَسُول الله ﷺ يَدُور على نِسَائِهِ فِي السَّاعَة الْوَاحِدَة من النَّهَار، وَهن إِحْدَى عشرَة.
اعْلَم أَن الْعَرَب كَانَت تعد الْقُوَّة على النِّكَاح من كَمَال الْخلقَة وَقُوَّة البنية، كَمَا تعد الشجَاعَة مِنْهَا، وَكَانَ ﷺ أتم النَّاس خلقَة، ثمَّ أعطي قُوَّة ثَلَاثِينَ، ثمَّ كَانَ فِي فعله ذَلِك رد على النَّصَارَى فِي التبتل طلبا للنسل.
١٦٦٣ - / ٢٠٤٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين: مشيت إِلَى رَسُول الله ﷺ بِخبْز شعير وإهالة سنخة، وسمعته يَقُول: «مَا أصبح لآل مُحَمَّد إِلَّا صَاع وَلَا أَمْسَى وَإِنَّهُم لتسعة أَبْيَات» .
الإهالة: الودك، وَهُوَ الشَّحْم الْمُذَاب. واستأهل الرجل: أكلهَا: والسنخة المتغيرة، يُقَال: سنخ الدّهن: إِذْ تغير.
والصاع: خَمْسَة أَرْطَال وَثلث بالعراقي.
والأبيات التِّسْعَة هِيَ أَبْيَات أَزوَاجه اللواتي توفّي عَنْهُن، وَهن عَائِشَة وَحَفْصَة وَسَوْدَة وَأم حَبِيبَة وَأم سَلمَة ومَيْمُونَة وَزَيْنَب بنت جحش وَجُوَيْرِية وَصفِيَّة.
وَقَوله: مَا أصبح لآل مُحَمَّد إِلَّا صَاع، شرح للْحَال لَا شكوى، وَفَائِدَة ذَلِك من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: تَعْلِيم الْخلق الصَّبْر، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنا أكْرم الْخلق على الله تَعَالَى وَهَذِه حَالي، فَإِذا ابتليتم فَاصْبِرُوا. وَالثَّانِي: إِعْلَام النَّاس بِأَن الْبلَاء يلصق بالأخيار ليفرح الْمُبْتَلى.
[ ٣ / ٢٨١ ]
١٦٦٤ - / ٢٠٤٣ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْعِشْرين: «ليصيبن أَقْوَامًا سفع من النَّار» أَي أثر من لهيبها وعذابها.
١٦٦٤ - / ٢٠٥٠ - وَقد سبق مَا بعد هَذَا إِلَى الحَدِيث السَّادِس وَالثَّلَاثِينَ: وَفِيه: أَن رَسُول الله ﷺ لم يَأْكُل على خوان حَتَّى مَاتَ، وَمَا أكل خبْزًا مرققا، وَلَا رأى شَاة سميطا، وَمَا علمت أَنه أكل على سكرجة.
الخوان: شَيْء ينصب كالمائدة وَيتْرك عَلَيْهِ الطَّعَام، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي مُسْند ابْن عَبَّاس.
وَالْخبْز المرقق: الْخَفِيف، وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذ من المرقاق: وَهِي الْخَشَبَة الَّتِي يرقق بهَا.
والسميط: المسموط الَّذِي جلده عَلَيْهِ، وَهُوَ مآكل المترفين، وَإِنَّمَا كَانُوا يَأْخُذُونَ جلد الشَّاة يَنْتَفِعُونَ بِهِ ثمَّ يشوونها.
وَأما السكرجة، فَقَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: هِيَ السكرجة بِضَم السِّين وَالْكَاف وَفتح الرَّاء وتشديدها، قَالَ: وَكَانَ بعض أهل اللُّغَة يَقُول: الصَّوَاب أسكرجة بِالْألف وَفتح الرَّاء. وَهِي فارسية معربة، وترجمتها: مقرب الْخلّ، وَقد تَكَلَّمت بهَا الْعَرَب، قَالَ أَبُو عَليّ: فَإِن حقرت حذفت الْجِيم وَالرَّاء فَقلت: أسيكره، وَإِن عوضت عَن
[ ٣ / ٢٨٢ ]
الْمَحْذُوف قلت: أسيكيرة، وَقِيَاس مَا رَوَاهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بريهم سكيرجة.
١٦٦٥ - / ٢٠٥٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ: أَن نعل النَّبِي ﷺ كَانَ لَهَا قبالان.
القبالان: زِمَام النَّعْل.
والجرداوان: لَا شعر عَلَيْهَا.
١٦٦٦ - / ٢٠٥٥ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالْأَرْبَعِينَ: أَن أم حَارِثَة بن سراقَة أَتَت النَّبِي ﷺ فَقَالَت: يَا نَبِي الله، أَلا تُحَدِّثنِي عَن حَارِثَة - وَقد قتل يَوْم بدر، أَصَابَهُ سهم غرب. فَقَالَ: «إِن ابْنك أصَاب الفردوس الْأَعْلَى» .
كَذَا رُوِيَ لنا فِي الحَدِيث: سهم بِالتَّنْوِينِ، غرب بتسكين الرَّاء مَعَ الرّفْع والتنوين. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: الْعَامَّة تَقول هَكَذَا، والأجود سهم غرب بِفَتْح الرَّاء وَإِضَافَة الغرب إِلَى السهْم. وَقَالَ يَعْقُوب بن السكت: يُقَال: أَصَابَهُ سهم غرب: إِذا لم يدر من أَي جِهَة رمي بِهِ، قَالَ أَبُو دؤاد:
(فألحقه وَهُوَ ساط بهَا كَمَا يلْحق الْقوس سهم الغرب)
يصف فرسا يعدو خلف عانة من حمير الْوَحْش ألحقهُ فارسه الْعَانَة
[ ٣ / ٢٨٣ ]
وَالْفرس ساط بهَا: أَي غَالب.
وَقد رُوِيَ عَن أبي زيد أَنه قَالَ: إِذا جَاءَ من حَيْثُ لَا يعرف فَهُوَ سهم غرب بِسُكُون الرَّاء، فَإِن رمي بِهِ إِنْسَان بِعَيْنِه فَأصَاب غَيره فَهُوَ سهم غرب بِفَتْح الرَّاء: وَقَالَ الْأَزْهَرِي: بِفَتْح الرَّاء لَا غير.
وَأما الفردوس فَقَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ عَن الزّجاج قَالَ: الفردوس: أَصله رومي أعرب: وَهُوَ الْبُسْتَان، قَالَ: وَقد قيل: الفردوس مُذَكّر، وَإِنَّمَا أنث فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَرِثُونَ الفردوس هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ١١] لِأَنَّهُ عَنى بِهِ الْجنَّة، قَالَ: وَقَالَ الزّجاج: وَقيل: الفردوس: الأودية الَّتِي تنْبت ضروبا من النبت. وَقيل: هُوَ بالرومية، مَنْقُول إِلَى لفظ الْعَرَبيَّة. قَالَ: والفردوس أَيْضا بالسُّرْيَانيَّة كَذَا لَفظه فردوس، قَالَ: وَلم نجده فِي أشعار الْعَرَب إِلَّا فِي شعر حسان، وَحَقِيقَته أَنه الْبُسْتَان الَّذِي يجمع كل مَا يكون فِي الْبَسَاتِين، لِأَنَّهُ عِنْد أهل اللُّغَة كَذَلِك، وَبَيت حسان:
(وَإِن ثَوَاب الله كل موحد جنان من الفردوس فِيهَا يخلد)
قَالَ: وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ بِإِسْنَادِهِ: الفردوس: الْبُسْتَان بلغَة الرّوم.
وَقَالَ فردوسا. وَقَالَ السّديّ: الفردوس أَصله بالنبطية فرداسا. وَقَالَ عبد الله بن الْحَارِث: الفردوس: الأعناب.
[ ٣ / ٢٨٤ ]
١٦٦٧ - / ٢٠٥٩ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ: كَانَ غُلَام يَهُودِيّ يخْدم رَسُول الله ﷺ، فَمَرض فَأَتَاهُ النَّبِي ﷺ يعودهُ، فَقعدَ عِنْد رَأسه فَقَالَ لَهُ: «أسلم» فَنظر إِلَى أَبِيه، فَقَالَ: أطع أَبَا الْقَاسِم، فَأسلم.
فِي هَذَا الحَدِيث جَوَاز اسْتِخْدَام الْيَهُودِيّ، وَجَوَاز عيادته، وتواضع رَسُول الله ﷺ ومبالغته فِي النصح.
١٦٦٨ - / ٢٠٦٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْأَرْبَعِينَ: «(إِن أَقْوَامًا بِالْمَدِينَةِ مَا سلكنا شعبًا إِلَّا وهم مَعنا» قد تقدم فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
١٦٦٩ - / ٢٠٦٣ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ: كَانَت العضباء لَا تسبق، فجَاء أَعْرَابِي على قعُود لَهُ فسبقها، فشق ذَلِك على الْمُسلمين، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: «حق على الله أَلا يرْتَفع شَيْء فِي الدُّنْيَا إِلَّا وَضعه» .
العضب: شقّ الْأذن، وَقد ذكرنَا هَذِه النَّاقة فِيمَا تقدم فِي مَوَاضِع، وحكينا أَن بَعضهم يَقُول: هُوَ لقب لَهَا لَا أَنَّهَا كَانَت مشقوقة الْأذن.
وَالْقعُود من الْإِبِل: مَا أعد للرُّكُوب خَاصَّة.
وَأما وضع كل مُرْتَفع من الدُّنْيَا فَلِأَنَّهَا لَيست بدار بُلُوغ الْأَغْرَاض،
[ ٣ / ٢٨٥ ]
وَإِنَّمَا هِيَ مَحل الْبلَاء والنغص.
١٦٧٠ - / ٢٠٦٤ - وَفِي الحَدِيث الْخمسين: كَانَ إِذا قدم من سفر فَنظر إِلَى جدرات الْمَدِينَة أوضع رَاحِلَته.
الْمَعْنى: سَار سيرا سهلا سَرِيعا. وَوضع الْبَعِير يضع فِي سيره وضعا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿ولأوضعوا خلالكم﴾ [التَّوْبَة: ٤٧] وَقيل: الإيضاع سير مثل الخبب.
١٦٧١ - / ٢٠٦٥ - والْحَدِيث الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ: قد تقدم فِي مَوَاضِع.
١٦٧٢ - / ٢٠٦٨ - وَمَا بعده قد تقدم إِلَى الحَدِيث الرَّابِع وَالْخمسين: وَفِيه: كَانَت الرّيح إِذا هبت عرف ذَلِك فِي وَجه رَسُول الله ﷺ.
وَقد بَين سَبَب هَذَا فِي مُسْند عَائِشَة، وَأَنه كَانَ يخَاف أَن يكون عذَابا.
١٦٧٣ - / ٢٠٦٩ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْخمسين: كَانَ رَسُول الله ﷺ عِنْد بعض نِسَائِهِ، فَأرْسلت إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ بصحفة فِيهَا طَعَام، فَضربت الَّتِي النَّبِي ﷺ فِي بَيتهَا يَد الْخَادِم فَسَقَطت الصحفة فانفلقت، فَجمع النَّبِي ﷺ فلق الصحفة ثمَّ جعل يجمع فِيهَا الطَّعَام الَّذِي كَانَ فِي الصحفة وَيَقُول: «غارت أمكُم» ثمَّ حبس الْخَادِم حَتَّى
[ ٣ / ٢٨٦ ]
أَتَى بصحفة من عِنْد الَّتِي هُوَ فِي بَيتهَا، فَدفع الصحفة الصَّحِيحَة إِلَى الَّتِي كسرت صحفتها، وَأمْسك الْمَكْسُورَة فِي بَيت الَّتِي كسرت.
الصحفة: الْقَصعَة. فَإِن قيل: الصحفة من ذَوَات الْقيم، فَكيف غرمها بِمِثْلِهَا؟ فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: - أَحدهَا: أَن الظَّاهِر فِيمَا يحويه بَيته أَنه ملكه، فَنقل من ملكه إِلَى ملكه لَا على وَجه الغرامة بِالْقيمَةِ. وَالثَّانِي: أَنه أَخذ الْقَصعَة من بَيت الكاسرة عُقُوبَة لَهَا، والعقوبة بالأموال مَشْرُوعَة، من ذَلِك تغريم قيمَة مثلي الثَّمر الْمُعَلق على سارقه. وَأخذ الزَّكَاة وَشطر مَال الْمُمْتَنع، وتحريق رَحل الغال، وَعتق العَبْد الممثل بِهِ، وكل ذَلِك حكم بَاقٍ عندنَا، ذكره ابْن عقيل.
١٦٧٤ - / ٢٠٧٠ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْخمسين: بلغ عبد الله ابْن سَلام مقدم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة وَهُوَ فِي أَرض يخْتَرف، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَن مسَائِل، فَقَالَ: «خبرني بِهن جِبْرِيل آنِفا» .
يخْتَرف بِمَعْنى يجتني الثَّمَرَة.
وآنفا بِمَعْنى السَّاعَة.
وَقَوْلهمْ عَن جِبْرِيل: ذَلِك عَدو الْيَهُود. رُبمَا قَالَ قَائِل: مَا وَجه عداوتهم لملك؟ فَالْجَوَاب أَنهم كَانُوا يتعللون للتقاعد عَن الْإِيمَان بِهَذِهِ الْأَشْيَاء، كَمَا قَالُوا: ﴿قُلُوبنَا غلف﴾ [الْبَقَرَة: ٨٨] على أَنهم قد ذكرُوا وَجه المعاداة بِمَا يبين جهلهم، فَقَالُوا: إِنَّه ينزل بِالْحَرْبِ والشدة. أفتراهم
[ ٣ / ٢٨٧ ]
لم يعلمُوا أَنه مَأْمُور؟ وَمَا ذَنْب الْمَأْمُور؟ فالمعاداة للْآمِر.
وَينْزع: يمِيل وَيرجع.
وَقَوله: «نَار تحْشر النَّاس» هَذَا هُوَ الْحَشْر الأول قبل قيام السَّاعَة، تسلط النَّار على النَّاس فيهربون مِنْهَا، وَذَلِكَ من عَلَامَات الْقِيَامَة، ثمَّ يموتون، ثمَّ يحشرون إِلَى الْقِيَامَة.
وَأما أكلهم زِيَادَة كبد الْحُوت فَفِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه حوت من الْجنَّة وثور من الْجنَّة، يتحفون بهما على معنى إتحاف الضَّيْف بِمَا يصنع لَهُ. وَسَيَأْتِي من مُسْند ثَوْبَان: أَن يَهُودِيّا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: مَا تحفتهم حِين يدْخلُونَ الْجنَّة؟ قَالَ: «زِيَادَة كبد الْحُوت» قَالَ: فَمَا غذاؤهم فِي أَثَرهَا؟ قَالَ: «ينْحَر لَهُم ثَوْر الْجنَّة الَّذِي يَأْكُل من أطرافها» وَقَالَ كَعْب: يَقُول الله ﷿ لأهل الْجنَّة: «ادخلوها فَإِن لكل ضيف جزورا، وَإِنِّي أجزركم الْيَوْم، فَيُؤتى بثور وحوت يجزر لأهل الْجنَّة» .
وَالثَّانِي: أَن الْحُوت الَّذِي عَلَيْهِ الأَرْض، فكأنهم أعلمُوا بِأَكْلِهِ أَن الدُّنْيَا ذهبت وَذهب مَا كَانَ يحملهَا فَلَا رُجُوع إِلَيْهَا، بل هَذِه الدَّار هِيَ منزل الْإِقَامَة. أَنبأَنَا أَبُو غَالب بن الْبناء قَالَ: أخبرنَا جَابر بن ياسين قَالَ: أخبرنَا الْحسن بن عُثْمَان قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو بكر النجاد قَالَ: حَدثنَا الْحسن بن عَليّ الْقطَّان قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عِيسَى قَالَ: حَدثنَا إِسْحَاق بن بشر قَالَ: حَدثنَا جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس قَالَ:
[ ٣ / ٢٨٨ ]
إِذا اجْتمع أهل الْجنَّة تَحت شَجَرَة «طُوبَى» أرسل الله ﷿ إِلَيْهِم الْحُوت الَّتِي قَرَار الأَرْض عَلَيْهَا والثور الَّذِي تَحت الْأَرْضين، قَالَ: فينطح الثور الْحُوت بقرنيه فيذكيه لأهل الْجنَّة فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ، فيجدون فِيهِ ريح كل طيب وَطعم كل ثَمَرَة، ثمَّ يَنْصَرِفُونَ إِلَى مَنَازِلهمْ. وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن الْقَاسِم الْفَارِسِي: الَّذِي يقرب إِلَيْهِم رَأس الثور الَّذِي كَانَت الأَرْض على قرنه وكبد الْحُوت الَّتِي كَانَت الأَرْض على ظَهره.
وَقَوله: إِن الْيَهُود قوم بهت. الْهَاء مَضْمُومَة، وَالْمعْنَى: أَنهم يبهتون بِالْكَذِبِ، فَإِن علمُوا بِإِسْلَامِي بَهَتُونِي عنْدك: أَي كذبُوا عَليّ مَعَ حضوري. والبهتان: الْكَذِب الَّذِي تتحير من بُطْلَانه وتعجب من إفراطه.
وَقَوله: حاشا لله. كلمة مُشْتَقَّة من قَوْلك: كنت فِي حَشا فلَان: أَي فِي ناحيته، وأنشدوا:
( بِأَيّ الحشا أَمْسَى الخليط المباين)
أَي: بِأَيّ النواحي. فَالْمَعْنى: فِي حَشا من ذَلِك، يعنون أَنه لَا يسلم.
والمسلحة: الحارس بِالسِّلَاحِ. والمسالح: قوم يَحْرُسُونَ مَكَان الْخَوْف.
١٦٧٥ - / ٢٠٧٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْخمسين: «أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، فَإِذا شهدُوا،
[ ٣ / ٢٨٩ ]
واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا، وصلوا صَلَاتنَا، حرمت علينا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَقِّهَا» .
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على أَن معاملات النَّاس إِنَّمَا تحمل على الظَّوَاهِر.
١٦٧٦ - / ٢٠٧٣ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْخمسين: عَن أنس قَالَ: لم يبْق مِمَّن صلى الْقبْلَتَيْنِ غَيْرِي.
يَعْنِي قبْلَة بَيت الْمُقَدّس والكعبة. وَأنس هُوَ آخر من مَاتَ من الصَّحَابَة بِالْبَصْرَةِ، وَآخر من رأى الرَّسُول ﷺ موتا أَبُو الطُّفَيْل، وَسَيَأْتِي ذكره فِي مُسْنده إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٦٧٧ - / ٢٠٧٤ - وَفِي الحَدِيث السِّتين: رَأَيْت على أنس برنسا أصفر من خَز.
الْبُرْنُس: كسَاء.
١٦٧٨ - / ٢٠٧٥ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتِّينَ: كَانَ قرام لعَائِشَة سترت بِهِ جَانب بَيتهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِي ﷺ: «أميطي عني، فَلَا تزَال تصاويره تعرض لي فِي صَلَاتي» .
القرام: السّتْر الرَّقِيق.
[ ٣ / ٢٩٠ ]
والإماطة: الْإِزَالَة.
وَمعنى «يعرض لي فِي صَلَاتي»: أَي لما رَأَيْتهَا صَارَت عِنْد غيبتها تمثل لي.
١٦٧٩ - / ٢٠٧٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسِّتِّينَ: «مَذْهَب الباس، شِفَاء لَا يُغَادر سقما» .
الباس: الشدَّة. ويغادر بِمَعْنى: يتْرك.
١٦٨٠ - / ٢٠٧٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسِّتِّينَ: «مَا من مُسلم يَمُوت لَهُ ثَلَاثَة من الْوَلَد لم يبلغُوا الْحِنْث إِلَّا أدخلهُ الْجنَّة بِفضل رَحمته إيَّاهُم» .
الْحِنْث: الْإِثْم. وَالْمرَاد أَن يبلغ إِلَى الْحَد الَّذِي يجْرِي عَلَيْهِ فِيهِ الْقَلَم بالسيئات والحسنات، وَإِنَّمَا اشْترط الصغر لِأَنَّهُ أَشد لمحبة الْآبَاء وشفقتهم. وَقد سبق هَذَا فِي مُسْند أبي سعيد الْخُدْرِيّ.
١٦٨١ - / ٢٠٧٩ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسِّتِّينَ: أَنه أُتِي بِمَال من الْبَحْرين، فَقَالَ: «انثروه فِي الْمَسْجِد» فجَاء الْعَبَّاس فَقَالَ: أَعْطِنِي، فَقَالَ: «خُذ» فَحَثَا فِي ثَوْبه ثمَّ ذهب يقلهُ فَلم يسْتَطع، فَقَالَ: مر بَعضهم: يرفعهُ إِلَيّ، قَالَ: «لَا» . قَالَ: فارفعه أَنْت عَليّ، قَالَ: «لَا» .
[ ٣ / ٢٩١ ]
أما كَونه لم يلْتَفت إِلَيْهِ عِنْد خُرُوجه إِلَى الصَّلَاة فصيانة لتوجهه إِلَى الْعِبَادَة من شوب الْتِفَات إِلَى الدُّنْيَا.
ويقل بِمَعْنى يحمل. وَإِنَّمَا لم يَأْمر أحدا بإعانة الْعَبَّاس عَلَيْهِ، وَلم يعنه لينبه على أَنه هُوَ الْمَسْئُول عَنهُ، وَلَا أحد يحمل عَنهُ ثقل السُّؤَال.
والكاهل: مَا بَين الْكَتِفَيْنِ.
١٦٨٢ - / ٢٠٨٠ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالسِّتِّينَ: «اسمعوا وَأَطيعُوا وَإِن اسْتعْمل عَلَيْكُم عبد حبشِي كَأَن رَأسه زبيبة» .
اعْلَم أَن هَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْعمَّال والأمراء دون الْأَئِمَّة وَالْخُلَفَاء، فَإِن الْخلَافَة لقريش لَا مدْخل فِيهَا للحبشة، لقَوْله ﵇: «لَا يزَال هَذَا الْأَمر فِي قُرَيْش» وَإِنَّمَا للأئمة تَوْلِيَة من يرَوْنَ، فَتجب طَاعَة ولاتهم.
وَصغر الرَّأْس مَعْرُوف فِي الْحَبَشَة، فَلذَلِك قَالَ: «كَأَن رَأسه زبيبة» .
١٦٨٣ - / ٢٠٨١ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسِّتِّينَ: كَانَ قدح النَّبِي ﷺ عِنْد أنس قد انصدع، فسلسله بِفِضَّة، وَهُوَ قدح عريض من نضار.
انصدع بِمَعْنى انْشَقَّ. وسلسله بِمَعْنى ضببه.
وَاعْلَم أَن التضبيب إِذا كَانَ بِالذَّهَب فَحَرَام، سَوَاء كَانَ كَانَ كثيرا أَو
[ ٣ / ٢٩٢ ]
قَلِيلا، وَقد ذكر أَبُو بكر عبد الْعَزِيز من أَصْحَابنَا أَنه يُبَاح يسير الذَّهَب.
وَأما المضبب بِالْفِضَّةِ فَلَا يَخْلُو من أَمريْن: إِمَّا أَن يكون كثيرا فَهُوَ حرَام، وَكَذَلِكَ إِن كَانَ يَسِيرا لغير حَاجَة كالحلقة فِي الْإِنَاء. وَأما إِذا كَانَ الْيَسِير لحَاجَة كتشعيب قدح وقبيعة سيف وشعيرة سكين فَإِن ذَلِك مُبَاح، لَكِن تكره مُبَاشرَة مَوضِع الْفضة بالإستعمال، وَقد رُوِيَ عَن أَحْمد أَن الْيَسِير مُبَاح. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَدَاوُد: لَا يكره المضبب بِحَال.
وَأما النضار فَقيل: هُوَ شَجَرَة الأثل. وَقيل: النضار: أقداح حمر شبهت بِالذَّهَب. وَقيل: هُوَ النبع، وَهُوَ شجر مَعْرُوف.
والنضار: الْخَالِص من كل شَيْء.
١٦٨٤ - / ٢٠٨٣ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسِّتِّينَ: نظر أنس إِلَى النَّاس يَوْم الْجُمُعَة فَرَأى طيالسة فَقَالَ: كَأَنَّهُمْ يهود خَيْبَر.
قَرَأت على شَيخنَا أبي مَنْصُور اللّغَوِيّ قَالَ: الطيلسان أعجمي مُعرب، بِفَتْح اللَّام، وَالْجمع طيالسة بِالْهَاءِ، وَقد تَكَلَّمت بِهِ الْعَرَب، وَأنْشد ثَعْلَب:
(كلهم مبتكر لشانه كاعم لحييْهِ بطيلسانه)
[ ٣ / ٢٩٣ ]
(وَآخر يزف فِي أعوانه مثل زفيف الهيق فِي حفانه)
(فَإِن تلقاك بقيراونه أَو خفت بعض الْجور من سُلْطَانه)
(فاسجد لقرد السوء فِي زَمَانه )
يزف من الزفيف، من قَوْله: ﴿يزفون﴾ [الصافات: ٩٤] أَي يسرعون.
والهيق: ذكر النعام. وَفِي حفانه قَولَانِ: أَحدهمَا: فِي صغاره، قَالَه ابْن الْأَعرَابِي. وَالثَّانِي: إناثه، قَالَه الْأَصْمَعِي. والقيروان: الْجَمَاعَة.
وَهَذِه الطيالسة الَّتِي أنكرها أنس لبسة مَا كَانَ يعهدها.
١٦٨٥ - / ٢٠٨٥ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسبْعين: كَانَ رَسُول الله ﷺ يتَوَضَّأ لكل صَلَاة.
وَإِنَّمَا كَانَ يفعل ذَلِك لموْضِع الْفَضِيلَة. وَصلى يَوْم الْفَتْح صلوَات بِوضُوء وَاحِد، وَقَالَ: «عمدا فعلته» ليعلم أَن الْوضُوء إِنَّمَا يجب لأجل الْحَدث، وَأَن الْوضُوء من غير حدث فَضِيلَة.
١٦٨٦ - / ٢٠٨٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسبْعين: أَتَيْنَا أنس بن مَالك نشكو إِلَيْهِ مَا نلقى من الْحجَّاج، فَقَالَ: «اصْبِرُوا، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُم زمَان إِلَّا الَّذِي بعده شَرّ مِنْهُ حَتَّى تلقوا ربكُم»، سمعته من نَبِيكُم ﷺ.
[ ٣ / ٢٩٤ ]
إِن قَالَ قَائِل: مَا وَجه هَذَا وَنحن نعلم أَنه جَاءَ بعد الْحجَّاج عمر ابْن عبد الْعَزِيز، فَبسط الْعدْل وَصلح الزَّمَان؟ فَالْجَوَاب: أَن الْكَلَام خرج على الْغَالِب، فَكل عَام تَمُوت سنة وتحيا بِدعَة، ويقل الْعلم، وَيكثر الْجُهَّال، ويضعف الْيَقِين، وَمَا يَأْتِي من الزَّمَان الممدوح نَادِر قَلِيل.
١٦٨٧ - / ٢٠٨٨ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالسبْعين: شَهِدنَا بنت رَسُول الله ﷺ وَهِي تدفن فَقَالَ: «هَل فِيكُم من أحد لم يقارف اللَّيْلَة؟» فَقَالَ أَبُو طَلْحَة: أَنا، فَأنْزل فِي قبرها.
هَذِه الْبِنْت هِيَ رقية، وَقد أفْصح بذلك أنس فِيمَا رُوِيَ عَنهُ، وَقد غلط الْخطابِيّ فَقَالَ: يشبه أَن تكون هَذِه الْميتَة لبَعض بَنَات رَسُول الله ﷺ فنسبت إِلَيْهِ.
وَفِي هَذَا الحَدِيث تَفْسِير يقارف عَن بضع الروَاة، وَهُوَ فليح، فَإِنَّهُ قَالَ: أرَاهُ يَعْنِي الذَّنب، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء لثَلَاثَة أوجه: أَحدهَا: أَنه قد رُوِيَ مَا يمْنَع هَذَا، فَأخْبرنَا ابْن الْحصين قَالَ: أَنبأَنَا ابْن الْمَذْهَب قَالَ: أَنبأَنَا أَحْمد بن جَعْفَر قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: حَدثنَا عَفَّان قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد قَالَ: حَدثنَا ثَابت عَن أنس: أَن رقية لما مَاتَت قَالَ رَسُول الله ﷺ: «لَا يدْخل الْقَبْر رجل قارف أَهله اللَّيْلَة» . وَأخْبرنَا إِسْمَاعِيل بن أَحْمد السَّمرقَنْدِي
[ ٣ / ٢٩٥ ]
قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن هبة الله الطَّبَرِيّ قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن الْحسن ابْن الْفضل قَالَ: أخبرنَا عبد الله بن جَعْفَر بن درسْتوَيْه قَالَ: حَدثنَا يَعْقُوب بن سُفْيَان قَالَ: حَدثنِي مَحْفُوظ بن أبي تَوْبَة قَالَ: حَدثنَا عَفَّان قَالَ: حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن ثَابت عَن أنس قَالَ: لما مَاتَت رقية بنت رَسُول الله ﷺ قَالَ رَسُول الله ﷺ: «لَا يدخلن الْقَبْر أحد قارف أَهله البارحة» قَالَ: فَتنحّى عُثْمَان بن عَفَّان.
وَالثَّانِي: أَنه لَو أَرَادَ الذَّنب كَانَ رَسُول الله ﷺ وكبار الْمُهَاجِرين أَحَق بذلك.
وَالثَّالِث: أَن يكون أَبُو طَلْحَة قد مدح نَفسه بِهَذَا وَلم يكن ذَلِك من خصالهم، وَإِنَّمَا المُرَاد الْوَطْء، يُقَال: قارف الرجل امْرَأَته: إِذا جَامعهَا. والقريب الْعَهْد بالشَّيْء يتذكره، فَلهَذَا طلب من لم يقرب عَهده بذلك.
١٦٨٨ - / ٢٠٨٩ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسبْعين: كَانَ يَقُول عِنْد المعتبة: «مَاله، تربت يَمِينه» .
المعتبة: العتاب.
وتربت: افْتَقَرت. قَالَ أَبُو عبيد: نرى أَن النَّبِي ﷺ لم يتَعَمَّد الدُّعَاء بالفقر على من خاطبه، وَلكنهَا كلمة جَارِيَة على أَلْسِنَة الْعَرَب يَقُولُونَهَا، وهم لَا يُرِيدُونَ وُقُوع الْأَمر. وَقَالَ ابْن عَرَفَة: تربت يَمِينه
[ ٣ / ٢٩٦ ]
إِن لم يفعل مَا أَمر بِهِ. وَقد سبق هَذَا فِي مُسْند جَابر بن عبد الله.
١٦٨٩ - / ٢٠٩٣ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسبْعين: إِنَّكُم لتعملون أعمالا هِيَ أدق فِي أعينكُم من الشّعْر، كُنَّا نعدها على عهد رَسُول الله ﷺ من الموبقات.
الْمَعْنى: تَعْمَلُونَ أعمالا لَيْسَ لَهَا عنْدكُمْ كثير وَقع احتقارا لَهَا، وَهِي من الموبقات أَي المهلكات، وَهَذِه الْأَعْمَال مثل قَول الرجل للرجل: قلبِي إِلَيْك، وَكنت على نِيَّة قصدك، وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يكذب فِيهِ، أَو مدح الرجل الرجل بالشَّيْء الَّذِي لَيْسَ فِيهِ، وَرُبمَا كَانَ ذَلِك لسلطان جَائِر، وَقد يكون ذَلِك فِي الْمُعَامَلَات بالربا وعقوق الْوَالِدين، وَقذف المحصنة، وعيبة الْمُسلم، وَأَشْيَاء يحتقرها الْإِنْسَان وَيجْرِي فِيهَا مَعَ الْعَادَات وَهِي مهلكة.
١٦٩٠ - / ٢٠٩٥ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي والثمانين: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا اشْتَدَّ الْبرد بكر بِالصَّلَاةِ، وَإِذا اشْتَدَّ الْحر أبرد بِالصَّلَاةِ.
بكر بِمَعْنى قدم. وَقد ذكرنَا معنى الْإِبْرَاد فِي مُسْند أبي ذَر.
١٦٩١ - / ٢٠٩٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي والثمانين: قدم النَّبِي ﷺ وَلَيْسَ فِي أَصْحَابه أشمط غير أبي بكر، فغلفها بِالْحِنَّاءِ والكتم.
[ ٣ / ٢٩٧ ]
قَوْله قدم: يَعْنِي الْمَدِينَة حِين هَاجر إِلَيْهَا.
والشمط: اخْتِلَاط الشيب بسواد الشّعْر، وَيُسمى الصَّباح أول مَا يَبْدُو شميطا لإختلاطه بباقي ظلمَة اللَّيْل.
وَقَوله: فغلفها - يَعْنِي لحيته، أَي عَمها بذلك. وَمِنْه غلاف الشَّيْء: وَهُوَ مَا أحَاط بِهِ وغطاه.
والكتم: نَبَات يسود الشّعْر، فَإِذا خلط مَعَ الْحِنَّاء صَار الشّعْر بَين الْحمرَة والسواد. وَيَجِيء فِي بعض أَلْفَاظ الصَّحِيح: فغلفها بِالْحِنَّاءِ والكتم حَتَّى قنأ لَوْنهَا. قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الْخطابِيّ: القاني من الألوان: الشَّدِيدَة الْحمرَة الَّتِي يضْرب إِلَى السوَاد. وَقد كَانَ يخضب بِالْحِنَّاءِ والكتم خلق كثير من الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ. وَقد ذكرتهم فِي كتاب: «الشيب والخضاب» .
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا فَائِدَة خضاب الشيب؟ قيل لَهُ: فِيهِ ثَلَاث فَوَائِد: إِحْدَاهَا: امْتِثَال أَمر الشَّارِع، فَإِنَّهُ قَالَ: «غيروا الشيب وَلَا تشبهوا باليهود» أخبرنَا عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي عمر قَالَ: أخبرنَا عَليّ بن الْحُسَيْن بن أَيُّوب قَالَ: أَنبأَنَا عبد الْملك بن مُحَمَّد بن بَشرَان قَالَ: أخبرنَا حَمْزَة بن مُحَمَّد بن الْفضل قَالَ: أَنبأَنَا عَبَّاس بن مُحَمَّد الدوري قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْقَاسِم الْأَسدي قَالَ: حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ عَن
[ ٣ / ٢٩٨ ]
الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «إِن الْيَهُود وَالنَّصَارَى لَا يخضبون فخالفوهم» . وَقد روينَا من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «اختضبوا، فَإِن الْمَلَائِكَة يستبشرون بخضاب الْمُؤمن» . قَالَ صَالح بن أَحْمد بن حَنْبَل: لما مرض أبي دخل عَلَيْهِ رجل من جيراننا قد خضب فَقَالَ: إِنِّي لأرى الرجل يحيي شَيْئا من السّنة فَأَفْرَح بِهِ. وَقَالَ الْمروزِي: دخل على أبي عبد الله شيخ مخضوب فَقَالَ: إِنِّي لأسر أَن أرى الشَّيْخ قد خضب. فَهَذِهِ فَائِدَة من جِهَة مُوَافقَة الشَّرْع.
والفائدة الثَّانِيَة: تخْتَص الْمَرْأَة، وَالنِّسَاء يُكْرهن الشيب جدا، فَإِذا غير كَانَ أقرب حَالا عِنْدهن وَأصْلح لمعاشرتهن.
والفائدة الثَّالِثَة: تخْتَص بِالرجلِ وَهُوَ أَن الشيب يُؤثر فِيهِ صُورَة وَمعنى، فَأَما الصُّورَة فيشينه، وَلِهَذَا قَالَ أنس فِي صفة النَّبِي ﷺ: مَا شانه الله ببيضاء. فَقيل لَهُ: أَو شين هُوَ؟ فَقَالَ: كلكُمْ يكرههُ. وَأما فِي الْمَعْنى فَإِنَّهُ يضعف الأمل، وَيقطع الْقلب، لعلم الْإِنْسَان بِقرب الْأَجَل.
وَرُبمَا قَالَ قَائِل: فَنحْن إِنَّمَا ندور على مَا يقصر الأمل وَيذكر بِالآخِرَة، فَكيف نشرع فِيمَا ينسينا؟ فَالْجَوَاب: أَن النَّاس فِي هَذَا يَخْتَلِفُونَ، فَمنهمْ الشَّديد الْغَفْلَة عَن الْآخِرَة فَيحْتَاج إِلَى الموقظات،
[ ٣ / ٢٩٩ ]
وَمِنْهُم الشَّديد الْيَقَظَة فَيحْتَاج إِلَى التَّعْدِيل بالمباحات. وَمَتى نصب الْإِنْسَان ذكر الْمَوْت بَين عَيْنَيْهِ وَلم يغالط نَفسه وتبسط لَهَا فِي أملهَا لم يقدر على نشر علم، وَلم ينْتَفع بعيش، وَهَذَا لَا يفهمهُ إِلَّا الْعلمَاء.
فَإِن قَالَ قَائِل: فَمَا الَّذِي ينفع الْعَالم الْعَاقِل من تَغْطِيَة شَيْء يعلم بَاطِنه؟ فَالْجَوَاب: أَن النَّفس تقنع بستر الْأَحْوَال، فطبع البشرية يتشاغل بالظواهر، فَإِن الْإِنْسَان لَو تصور فِي حَال مضغ الطَّعَام كَيفَ هُوَ وَقد اخْتَلَط بريقه مَا أمكنه بلعه، وَلِهَذَا لَو أخرج اللُّقْمَة اللذيذة ثمَّ أَرَادَ إِعَادَتهَا لم يُمكن، وَلَو تصور نَفسه وَمَا بِهِ من الدِّمَاء والأنجاس مَا طَابَ عيشه، أَو لَو تصور ذَلِك فِي جَسَد امْرَأَته لم يقدره على التَّمَتُّع، فتغطية الْحَال مصلحَة العَبْد، وَالنَّفس تقنع بذلك، وَلِهَذَا اقْتَضَت الْحِكْمَة تَغْطِيَة أجل الْإِنْسَان عَنهُ لينْتَفع بعيشه، وَفهم هَذِه الْأَشْيَاء لَا تحصل إِلَّا لذِي لب.
١٥٩٢ - / ٢٠٩٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث من أَفْرَاد مُسلم:
خرجت تلوث خمارها: أَي تلويه على رَأسهَا.
١٦٩٣ - / ٢١٠١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: رأى رَسُول الله ﷺ مَعَ أم سليم خنجرا، فَقَالَت: إِن دنا مني أحد من الْمُشْركين بقرت بَطْنه. أَي: شققته وفتحته.
وَقَوْلها: اقْتُل من بَعدنَا من الطُّلَقَاء. والطلقاء: من أطلق وَمن
[ ٣ / ٣٠٠ ]
عَلَيْهِ من مسلمة الْفَتْح.
وَقَوْلها: انْهَزمُوا بك: أَي انْهَزمُوا من بَين يَديك يَوْم هوَازن، تَعْنِي يَوْم حنين. فَقَالَ: «إِن الله كفى» لِأَن تِلْكَ الْهَزِيمَة تعقبها النَّصْر وَالْغنيمَة.
١٦٩٤ - / ٢١٠٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن فِي «الْمُلَاعنَة»: «إِن جَاءَت بِهِ سبطا قضيء الْعَينَيْنِ فَهُوَ لهِلَال» .
السبط: السهل الشّعْر، وَهُوَ ضد الْجَعْد.
وقضيء الْعين: فاسدهما، وَهُوَ مَقْصُور، يُقَال: فِي عين فلَان قضأة: أَي فَسَاد.
وَقَوله: «أكحل» الْكحل: سَواد الْعين خلقَة.
وَقَوله: «حمش السَّاقَيْن» أَي: دقيقهما. يُقَال: رجل حمش السَّاقَيْن، وَامْرَأَة حمشاء السَّاقَيْن. وَالْمرَاد بذلك الدقة.
١٦٩٥ - / ٢١٠٧ - وَقد تكلمنا على الحَدِيث الْحَادِي عشر فِي مُسْند أبي سعيد.
١٦٩٦ - / ٢١٠٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي عشر: أَنه كتب إِلَى النَّجَاشِيّ، وَلَيْسَ بالنجاشي الَّذِي صلى عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ.
اعْلَم أَن الْحَبَشَة كَانَ يسمون كل من يملكهم النَّجَاشِيّ، كَمَا أَن فَارس يسمون ملكهم كسْرَى.
[ ٣ / ٣٠١ ]
١٦٩٧ - / ٢١٠٩ - والْحَدِيث الثَّالِث عشر: قد تقدم فِي مُسْند جَابر.
١٦٩٨ - / ٢١١٠ - والْحَدِيث الرَّابِع عشر: فِيهِ: أَن رَسُول الله ﷺ عَاد رجلا قد خفت: أَي: ذهبت قوته.
١٦٩٩ - / ٢١١٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع عشر: أَن النَّبِي ﷺ صلى على قبر.
هَذَا يدل على جَوَاز الصَّلَاة على الْقَبْر على الْإِطْلَاق. وَقد قَالَ أَكثر أَصْحَابنَا: يُصَلِّي عَلَيْهِ إِلَى شهر. قَالَ ابْن عقيل: وَالصَّحِيح عِنْدِي أَنه يصلى عَلَيْهِ بعد شهر. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: إِذا دفن قبل أَن يُصَلِّي عَلَيْهِ الْوَلِيّ صلي عَلَيْهِ إِلَى ثَلَاث.
١٧٠٠ - / ٢١١٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن عشر: شقّ صدر النَّبِي ﷺ ثمَّ لأمه.
أَي جمع طرفِي الشق.
قَوْله: وَهُوَ منتفع اللَّوْن: أَي متغير - اللَّوْن.
والمخيط: الإبرة الَّتِي يخاط بهَا. وَمِنْه «أدو الْخياط والمخيط» .
فالخياط: الْخَيط، والمخيط: الإبرة.
فَإِن قيل: قد خلق رَسُول الله ﷺ مختونا مَسْرُورا، فَهَلا ولد مطهر
[ ٣ / ٣٠٢ ]
الْقلب من حَظّ الشَّيْطَان. فَالْجَوَاب: أَن هَذِه الْأُمُور جعلت لامتحان الْعُقُول، كَمَا خلق القلفة وَأمر بقطعها، وحول من قبْلَة إِلَى قبْلَة.
فَمن اعْترض على تصاريف من تصرف اللَّيْل وَالنَّهَار فَهُوَ سَفِيه، وَإِنَّمَا يَقع الإعتراض لأَنهم يحملون أمره على الْمشَاهد، وَإِن من بنى ثمَّ هدم ثمَّ عَاد فَبنى كَانَ مستدركا أمرا لم يكن عمله، فَمَتَى لم يكن مستدركا كَانَ بالهدم عابثا، والأمران لَا يجوزان على الله تَعَالَى، وَأما الْمُحَقِّقُونَ فَإِنَّهُم يسلمُونَ. ثمَّ قد بَان وَجه الْحِكْمَة فِي هَذَا: أَن وِلَادَته مختونا مَسْرُورا تبين لِلْخلقِ إنعام الْحق فِي حَقه، وَلَو خلق سليم الْقلب مِمَّا أخرج فِي بَاطِنه لم يعلم بذلك، فالإعلام بِإِخْرَاج شَيْء كَانَ بَقَاؤُهُ يُؤْذِي إنعام آخر، على أَنه خلق طَاهِرا، لكنه زيد تنظيف طَرِيق الْوَحْي وتأكيد أَمر الْعِصْمَة.
١٧٠١ - / ٢١١٦ - وَفِي والْحَدِيث الْعشْرين: فَلَمَّا قفى: أَي ولى وَذهب.
١٧٠٢ - / ٢١١٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعِشْرين: ﴿فلنولينك قبْلَة ترضاها﴾ [الْبَقَرَة: ١٤٤] أَي: تحبها.
(والشطر): النَّحْو.
١٧٠٣ - / ٢١٢٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْعِشْرين: جَاءَ رجل وَقد حفزه النَّفس. أَي: جهده من شدَّة السَّعْي. وأصل الحفز الدّفع العنيف.
[ ٣ / ٣٠٣ ]
وأرم الْقَوْم: سكتوا.
١٧٠٤ - / ٢١٢١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْعِشْرين: كَانَ يَقُول يَوْم أحد: «اللَّهُمَّ إِن تشأ لَا تعبد فِي الأَرْض» .
وَهَذَا غلط؛ إِنَّمَا هُوَ يَوْم بدر. وَقد تقدم الْكَلَام على هَذَا فِي مُسْند عمر.
١٧٠٥ - / ٢١٢٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْعِشْرين: وَردت عَلَيْهِم روايا قُرَيْش، فَقَالَ: «هَذَا مصرع فلَان» فَمَا مَاطَ أحد عَن مَوضِع يَد رَسُول الله ﷺ.
الروايا: الْحَوَامِل للْمَاء، والواحدة راوية.
وماط بِمَعْنى زَالَ، وَمِنْه إمَاطَة الْأَذَى: وَهِي إِزَالَته.
١٧٠٦ - / ٢١٢٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالْعِشْرين: أَن قُريْشًا صَالحُوا رَسُول الله ﷺ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ لعَلي: «اكْتُبْ: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم» فَقَالَ سُهَيْل: مَا نَدْرِي مَا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، اكْتُبْ: بِاسْمِك اللَّهُمَّ.
كَانَ الْقَوْم يَقُولُونَ: لَا نَعْرِف الرَّحْمَن إِلَّا رحمان الْيَمَامَة، يعنون مُسَيْلمَة، فَلَمَّا ردوا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم عَلَيْهِ، لم ينفذها إِلَيْهِم
[ ٣ / ٣٠٤ ]
حِين أنفذ «بَرَاءَة» . وَقد ذكرنَا هَذَا الصُّلْح وشرحناه فِي مُسْند سهل بن حنيف والبراء بن عَازِب.
١٧٠٧ - / ٢١٢٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْعِشْرين: أَن رَسُول الله ﷺ أفرد يَوْم أحد فِي سَبْعَة من الْأَنْصَار وَرجلَيْنِ من قُرَيْش، فَلَمَّا رهقوه قَالَ: «من يردهم عَنَّا وَله الْجنَّة» .
رهقوه: قربوا مِنْهُ، وَمِنْه الْمُرَاهق: وَهُوَ المقارب للحلم.
وَقد اخْتلفت الرِّوَايَات فِي عدد من ثَبت مَعَه يَوْم أحد؛ فَفِي هَذِه الرِّوَايَة تِسْعَة. وَقَالَ ابْن سعد: أَرْبَعَة عشر فيهم أَبُو بكر. وَقد ذكر فِيمَن ثَبت مَعَه طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعبد الرَّحْمَن وَأَبُو عُبَيْدَة، وَكَأَنَّهَا حالات: يبعد عَنهُ فِيهَا قوم ويرجعون إِلَيْهِ. فَأَما عدد من قتل يَوْم أحد فَقَالَ ابْن إِسْحَاق: اسْتشْهد من الْمُسلمين يَوْم أحد خَمْسَة وَسِتُّونَ رجلا.
وَقَوله: «مَا أنصفنا أَصْحَابنَا» فَرُبمَا أشكل هَذَا على بعض النَّاس فَقَالَ: كَيفَ يَأْمُرهُم بِالْقِتَالِ ثمَّ يَقُول: «مَا أنصفنا أَصْحَابنَا»، وَهل عِنْده غير الْإِنْصَاف؟ ! فَالْجَوَاب: أَنه يجب على النَّاس أَن يقوا رَسُول الله بِأَنْفسِهِم، فَلَمَّا قَالَ: «من يردهم عَنَّا» كَانَ يَنْبَغِي للْكُلّ أَن يُبَادر، فَتَأَخر بَعضهم لَيْسَ بإنصاف. وَيحْتَمل أَن يكون إِشَارَته بذلك إِلَى القرشيين، لِأَنَّهُمَا تركا الْأَنْصَار ينفردون بذلك.
[ ٣ / ٣٠٥ ]
١٧٠٨ - / ٢١٢٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْعِشْرين: أَنه كسر رباعيته يَوْم أحد وشج فِي وَجهه، فَجعل يَسْلت الدَّم عَنهُ.
الرباعيات: الْأَسْنَان الَّتِي بعد الثنايا، وهما رباعيتان من فَوق ورباعيتان من أَسْفَل.
والشج: الْجراحَة فِي الْوَجْه وَالرَّأْس.
والسلت: الْمسْح والإزالة.
١٧٠٩ - / ٢١٢٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ: «من طلب الشَّهَادَة صَادِقا أعطيها وَلَو لم تصبه» .
وَهَذَا لِأَن صدق الطّلب للشَّهَادَة يدل على تَسْلِيم النَّفس لَهَا ورضى الْقلب بهَا، فَكَأَنَّهَا وَقعت فَحصل أجرهَا، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿قد صدقت الرءيا﴾ [الصافات: ١٠٥] فَإِذا لم يجر الْقدر بالمطلوب فَذَاك لَيْسَ إِلَى الطَّالِب، فَيعْطى بِطَلَبِهِ مَا طلب.
١٧١٠ - / ٢١٢٨ - والْحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: سبق فِي مُسْند جَابر.
١٧١١ - / ٢١٣٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالثَّلَاثِينَ: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ مَعَ إِحْدَى نِسَائِهِ، فَمر بِهِ رجل، فَدَعَاهُ فجَاء، فَقَالَ: «يَا فلَان، هَذِه زَوْجَتي» .
[ ٣ / ٣٠٦ ]
هَذِه الْمَرْأَة صَفِيَّة بنت حييّ. وَسَيَأْتِي هَذَا الحَدِيث فِي مسندها إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٧١٢ - / ٢١٣١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالثَّلَاثِينَ: «رَأَيْت ذَات لَيْلَة كأنا فِي دَار عقبَة بن رَافع، فأتينا برطب من رطب ابْن طَابَ، فأولت الرّفْعَة لنا فِي الدُّنْيَا، وَالْعَاقبَة فِي الْأُخْرَى، وَأَن ديننَا قد طَابَ» .
هَذَا الحَدِيث أصل فِي تَعْبِير الرُّؤْيَا على الْأَسْمَاء وَالْأَحْوَال.
١٧١٣ - / ٢١٣٣ - والْحَدِيث السَّابِع وَالثَّلَاثُونَ: قد تقدم فِي مُسْند طَلْحَة. وَفِيه: فَخرج شيصا: وَهُوَ أردأ التَّمْر.
١٧١٤ - / ٢١٣٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالثَّلَاثِينَ: «دخلت الْجنَّة فَسمِعت خشفة، قلت: من هَذَا؟ قَالُوا: هَذِه الغميصاء بنت ملْحَان» .
الخشفة: الصَّوْت وَالْحَرَكَة.
وَهَذِه الغميصاء هِيَ أم سليم. وَسَيَأْتِي الْخلاف فِي اسْمهَا فِي مسندها إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
١٧١٥ - / ٢١٣٦ - وَفِي الحَدِيث الْأَرْبَعين: فأحجم الْقَوْم أَي توقفوا.
[ ٣ / ٣٠٧ ]
١٧١٦ - / ٢١٣٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ: «جعل إِبْلِيس يطِيف بِآدَم لما خلق، فَلَمَّا رَآهُ أجوف عرف أَنه خلق لَا يَتَمَالَك» .
الأجوف: ضَعِيف الصَّبْر من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه لَا يثبت ثُبُوت مَا لَيْسَ بأجوف. وَالثَّانِي: أَنه مفتقر إِلَى الْغذَاء لَا يصبر عَنهُ، فيطمع فِيهِ إِبْلِيس من الْوَجْهَيْنِ.
١٧١٧ - / ٢١٣٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْأَرْبَعِينَ: فَأَخذهُم سلما فاستحياهم. الْمَعْنى: أَخذهم بِلَا قتال مستسلمين. واستحياهم: استبقاهم.
١٧١٨ - / ٢١٤٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ: وآوانا: أَي صير لنا مأوى نأوي إِلَيْهِ. والمأوى: مَوضِع السُّكْنَى وَالْإِقَامَة.
١٧١٩ - / ٢١٤١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالْأَرْبَعِينَ: أَن رجلا كَانَ يتهم بِأم ولد رَسُول الله ﷺ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لعَلي: «اذْهَبْ فَاضْرب عُنُقه» .
أم ولد رَسُول الله ﷺ هِيَ مَارِيَة أم إِبْرَاهِيم، أهداها إِلَيْهِ الْمُقَوْقس صَاحب الْإسْكَنْدَريَّة فِي سنة سبع من الْهِجْرَة وَمَعَهَا أُخْتهَا سِيرِين، وَبعث مَعَهُمَا ألف دِينَار وَعشْرين ثوبا، وَبغلته الدلْدل، وَحِمَاره يَعْفُور، وَخَصِيًّا يُقَال لَهُ مَأْبُور كَانَ أَخا مَارِيَة، بعث ذَلِك مَعَ حَاطِب
[ ٣ / ٣٠٨ ]
ابْن أبي بلتعة، فَعرض حَاطِب الْإِسْلَام على مَارِيَة فَأسْلمت هِيَ وَأُخْتهَا، وَأقَام الْخصي على دينه حَتَّى أسلم بِالْمَدِينَةِ بعد ذَلِك على عهد رَسُول الله ﷺ. وَنزلت فِي عالية الْمَدِينَة، وَكَانَ رجل من القبط يَأْتِيهَا بِالْمَاءِ والحطب ويتردد إِلَيْهَا، فَقَالَ النَّاس: علج يدْخل على علجة، فَأمر رَسُول الله ﷺ عليا بقتْله، فَأَتَاهُ وَهُوَ فِي ركي - وَهِي الْبِئْر الَّتِي لم تطو، فَخرج فَإِذا هُوَ مجبوب، وَقيل: بل وجده على نَخْلَة، فَلَمَّا رأى السَّيْف وَقع فِي نَفسه مَا جَاءَ لأَجله فَألْقى كساءه، وَتكشف، فَإِذا هُوَ مجبوب: وَهُوَ الْمَقْطُوع الذّكر.
وعَلى هَذَا الحَدِيث اعْتِرَاض: وَهُوَ أَن يُقَال: كَيفَ أَمر ﷺ بقتل رجل بالتهمة؟ فقد أجَاب عَنهُ ابْن جرير فَقَالَ: جَائِز أَن يكون قد كَانَ من أهل الْعَهْد، وَقد تقدم إِلَيْهِ بِالنَّهْي عَن الدُّخُول على مَارِيَة فَعَاد، فَأمر بقتْله لنقض الْعَهْد.
١٧٢٠ - / ٢١٤٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْأَرْبَعِينَ: «يُؤْتى بأنعم أهل الدُّنْيَا من أهل النَّار، فيصبغ فِي النَّار صبغة، ثمَّ يُقَال لَهُ: هَل رَأَيْت خيرا قطّ؟ هَل مر بك نعيم قطّ؟ فَيَقُول: لَا وَالله. وَيُؤْتى بأشد النَّاس بؤسا فِي الدُّنْيَا من أهل الْجنَّة فَيُقَال لَهُ: هَل رَأَيْت بؤسا قطّ؟ فَيَقُول: لَا وَالله يَا رب» .
هَذَا الحَدِيث يحث على مُرَاعَاة العواقب، فَإِن التَّعَب إِذا أعقب الرَّاحَة هان، والراحة إِذا أثمرت النصب فَلَيْسَتْ رَاحَة، فالعاقل من
[ ٣ / ٣٠٩ ]
نظر فِي الْمَآل لَا فِي عَاجل الْحَال، وَقد كشف هَذَا الْمَعْنى الحَدِيث الَّذِي بعده: «حفت الْجنَّة بالمكاره، وحفت النَّار بالشهوات» وَقد قَالَت الْحُكَمَاء: لَا تنَال الرَّاحَة بالراحة، وَقل أَن يلمع برق لَذَّة إِلَّا وَتَقَع صَاعِقَة نَدم.
١٧٢١ - / ٢١٤٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ: «من يدْخل الْجنَّة ينعم، لَا يبأس» .
الْبُؤْس: الشَّقَاء وَسُوء الْعَيْش.
١٧٢٢ - / ٢١٤٦ - والْحَدِيث الْخَمْسُونَ: فِي مُسْند عمر.
١٧٢٣ - / ٢١٤٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ: أَن عَائِشَة وَزَيْنَب تقاولتا حَتَّى استحثتا أَي: رمت كل وَاحِدَة صاحبتها بِالتُّرَابِ.
يُقَال: حثا التُّرَاب يحثوه.
وَقد رَوَاهُ قوم: حَتَّى استخبثتا: أَي: قَالَت كل وَاحِدَة لصاحبتها الهجر والخبيث من القَوْل. وَرَوَاهُ آخَرُونَ: حَتَّى استخبتا: أَي اصطخبتا. والصخب: رفع الصَّوْت فِي الْخُصُومَة، وَالسِّين وَالصَّاد يتعاقبان، وَاللَّفْظ الأول هُوَ الْمَحْفُوظ.
١٧٢٤ - / ٢١٤٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث وَالْخمسين: بعث رَسُول الله
[ ٣ / ٣١٠ ]
ﷺ بسيسة عينا.
يُقَال فِي هَذَا: بسيسة وبسبس أَيْضا، وَهُوَ ابْن عَمْرو بن ثَعْلَبَة الْأنْصَارِيّ.
وَقَوله: «قومُوا إِلَى جنَّة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض» أَي: كعرض السَّمَوَات وَالْأَرْض. قَالَ ابْن قُتَيْبَة. لم يرد الْعرض الَّذِي هُوَ خلاف الطول، وَإِنَّمَا أَرَادَ سعتها، وَالْعرب تَقول: بِلَاد عريضة: أَي وَاسِعَة.
فَإِن قَالَ قَائِل: أَنْتُم تروون أَن أقل أهل الْجنَّة لَهُ بِقدر الدُّنْيَا عشر مَرَّات، فَكيف تكون الْجنَّة كلهَا بِعرْض السَّمَاء وَالْأَرْض؟ فَجَوَابه من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن الدُّنْيَا بِالْإِضَافَة إِلَى السَّمَوَات كالذرة، وكل سَمَاء هِيَ أعظم من الَّتِي تَلِيهَا، فَإِذا أضيفت السَّمَوَات كلهَا كَانَت الدُّنْيَا عِنْدهَا كنطفة. وَالثَّانِي: أَن يكون المُرَاد بذلك صفة الْبُسْتَان الَّذِي يخْتَص بِكُل مُؤمن لَا صفة جَمِيع الْجنَّة.
وَقَوله: بخ بخ. هِيَ كلمة تقال عِنْد الْمَدْح: قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: مَعْنَاهَا تَعْظِيم الْأَمر وتفخيمه، وسكنت الْخَاء كَمَا سكنت اللَّام من هَل وبل، وَأَصله التَّشْدِيد فَخفف وَيُقَال: بخ بخ منونا تَشْبِيها بالأصوات كصه ومه. وَقَالَ ابْن السّكيت: بخ بخ وَبِه بِهِ بِمَعْنى وَاحِد. وَقَالَ الآخر: فِي بخ أَربع لُغَات: الْجَزْم والخفض وَالتَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف، وَأنْشد:
[ ٣ / ٣١١ ]
(روافده أكْرم الرافدات بخ لَك بخ لبحر خضم)
وَقَالَ آخر:
( . . بخ بخ لوالده وللمولود)
واخترج بِمَعْنى أخرج.
والقرن بِفَتْح الرَّاء: جعبة صَغِيرَة تضم إِلَى الجعبة الْكَبِيرَة.
١٧٢٥ - / ٢١٥٠ - وَفِي الحَدِيث الرَّابِع وَالْخمسين: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا صلى الْغَدَاة جَاءَ خدم الْمَدِينَة بآنيتهم فِيهَا المَاء، فَمَا يأْتونَ بِإِنَاء إِلَّا غمس يَده فِيهِ.
إِنَّمَا كَانُوا يطْلبُونَ بِهَذَا بركته ﷺ. وَيَنْبَغِي للْعَالم إِذا طلب الْعَوام التَّبَرُّك بِهِ فِي مثل هَذَا أَلا يخيب ظنونهم، وَأَن يحملهم على مَا هم عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ فِي هَذَا نوع مخاطرة لَهُ؛ إِلَّا أَن الْعَالم يعتصم من الْخطر بِعِلْمِهِ، وَيعرف نَفسه وَلَا يُؤثر فِيهِ فعل غَيره، وَإِنَّمَا يَقع الْخطر بالمتزهد الْقَلِيل الْعلم، فَرُبمَا أفْسدهُ مثل هَذَا، كَمَا قَالَ: مَا أبقى خَفق النِّعَال وَرَاء الحمقى من عُقُولهمْ شَيْئا.
[ ٣ / ٣١٢ ]
١٧٢٦ - / ٢١٥٢ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس وَالْخمسين: انْطلق رَسُول الله ﷺ إِلَى أم أَيمن وَانْطَلَقت مَعَه، فناولته إِنَاء فِيهِ شراب، قَالَ: فَلَا أَدْرِي أصادقته صَائِما أَو لم يردهُ، فَجعلت تصخب عَلَيْهِ وتذمر عَلَيْهِ.
الصخب: الصَّوْت والجلبة. وَمَاء صخب الموج والجريان: إِذا كَانَ لَهُ صَوت. وَمعنى تصخب: تصيح. وتذمر: تغْضب. وَإِنَّمَا انبسطت عَلَيْهِ لِأَنَّهَا كَانَت حاضنته ومربيته.
١٧٢٧ - / ٢١٥٣ - والْحَدِيث السَّابِع وَالْخَمْسُونَ: فِي مُسْند عَليّ.
١٧٢٨ - / ٢١٥٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالْخمسين: وَقت لنا فِي قصّ الشَّارِب وتقليم الْأَظْفَار ونتف الْإِبِط وَحلق الْعَانَة أَن لَا نَتْرُك أَكثر من أَرْبَعِينَ لَيْلَة.
اعْلَم أَنه مَتى زَاد الزَّمَان على هَذَا الْمِقْدَار كثرت الأوساخ، وَرُبمَا حصل تَحت الظفر مَا يمْنَع وُصُول المَاء إِلَيْهِ. ثمَّ إِنَّهَا تعدم الزِّينَة الَّتِي خصت بالأظفار والشارب.
١٧٢٩ - / ٢١٥٧ - وَفِي الحَدِيث الْحَادِي وَالسِّتِّينَ: «وَيُقَال لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي» .
[ ٣ / ٣١٣ ]
الْأَركان: الْأَعْضَاء.
وَقَوله: «عنكن كنت أُنَاضِل» المناضلة: الرَّمْي بِالسِّهَامِ، وَالْمرَاد بهَا هَا هُنَا المدافعة عَنْهَا والإعتذار.
١٧٣٠ - / ٢١٥٨ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي وَالسِّتِّينَ: سُئِلَ عَن الْخمر، أتتخذ خلا؟ قَالَ: «لَا» .
هَذَا الحَدِيث دَلِيل على صِحَة مَذْهَبنَا؛ فَإِنَّهُ عندنَا لَا يجوز تَخْلِيل الْخمر، وَلَا تطهر إِذا خللت. وَعَن أَحْمد: أَن تخليلها يكره وتطهر.
وَقَالَ أَبُو حنيفَة: يجوز وتطهر. وَعَن مَالك كالروايتين.
١٧٣١ - / ٢١٦١ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس وَالسِّتِّينَ: جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله فَقَالَ: يَا خير الْبَريَّة. قَالَ: «ذَاك إِبْرَاهِيم» .
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: الْبَريَّة: الْخلق، وَأكْثر الْعَرَب والقراء على ترك الْهمزَة لِكَثْرَة مَا جرت على الْأَلْسِنَة، وَهِي «فعيلة» بِمَعْنى «مفعولة» .
وَمن النَّاس من يزْعم أَنَّهَا مَأْخُوذَة من بريت الْعود، وَمِنْهُم من يزْعم أَنَّهَا من البرا: وَهُوَ التُّرَاب: أَي خلق من التُّرَاب، وَقَالُوا: لذَلِك لَا يهمز. وَقَالَ الزّجاج: لَو كَانَت من البرا وَهُوَ التُّرَاب لما قُرِئت بِالْهَمْز، وَإِنَّمَا اشتقاقها من: برأَ الله الْخلق.
فَإِن قيل: كَيفَ شهد لإِبْرَاهِيم أَنه خير الْبَريَّة وَهُوَ يَقُول: «أَنا سيد
[ ٣ / ٣١٤ ]
ولد آدم» فَالْجَوَاب: أَن هَذَا مَحْمُول على مَا قَالَه قبل أَن يعلم أَنه خير الْخلق، فَلَمَّا عرف ذَلِك قَالَ: «أَنا سيد ولد آدم» .
١٧٣٢ - / ٢١٦٣ - وَفِي الحَدِيث السَّابِع وَالسِّتِّينَ: أُتِي النَّبِي ﷺ بِتَمْر، فَجعل يقسمهُ وَهُوَ محتفز، يَأْكُل مِنْهُ أكلا ذريعا. وَفِي لفظ: رَأَيْته مقعيا يَأْكُل تَمرا.
المحتفز: المستعجل الَّذِي لَيْسَ يتَمَكَّن. والذريع: السَّرِيع الحثيث.
قَالَ النَّضر بن شُمَيْل: والإقعاء: أَن يجلس على وركيه، وَهُوَ الإحتفاز. وَقَالَ أَبُو عبيد: هُوَ أَن يلصق أليتيه بِالْأَرْضِ وَينصب سَاقيه وَيَضَع يَده بِالْأَرْضِ.
١٧٣٣ - / ٢١٦٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّامِن وَالسِّتِّينَ: رخص رَسُول الله ﷺ فِي الرّقية من الْعين والحمة والنملة.
أما الرّقية من الْعين فقد ذكرنَا الْعين وَمَا يتَعَلَّق بهَا فِي مُسْند ابْن عَبَّاس. وَأما الْحمة فَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: الْحمة: الْحَيَّات والعقارب وأشباهها من ذَوَات السمُوم. والنملة: قُرُوح فِي الْجنب. وَقَالَ
[ ٣ / ٣١٥ ]
أَبُو عبيد: هِيَ قُرُوح تخرج بالجنب وَغَيره. قَالَ: ويحكى عَن عمر بن عبد الْعَزِيز فِي رقية النملة: الْعَرُوس تحتفل وتقنأ وتكتحل، وكل شَيْء تفتعل، غير أَن لَا تَعْصِي الرجل. تقنأ: تتزين. فَأَما النملة بِضَم النُّون فَهِيَ النميمة. يُقَال: رجل نمل: إِذا كَانَ نماما.
١٧٣٤ - / ٢١٦٥ - وَفِي الحَدِيث التَّاسِع وَالسِّتِّينَ: «إِن لَهُ لظئرين» .
الظِّئْر: الْمُرضعَة، وَأَصله من الْعَطف، وَقد تقدم هَذَا الحَدِيث.
١٧٣٥ - / ٢١٦٦ - وَفِي الحَدِيث السّبْعين: كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا خرج مسيرَة ثَلَاثَة أَمْيَال أَو ثَلَاثَة فراسخ صلى رَكْعَتَيْنِ.
هَذَا شَيْء لَا يَقُول بِهِ أحد من أَرْبَاب الْمذَاهب الظَّاهِرَة، وَإِن كَانَ هَذَا الحَدِيث مذهبا لجَماعَة من السّلف، فقد كَانَ أنس يقصر فِيمَا بَينه وَبَين خَمْسَة فراسخ، وَقَالَ ابْن عمر: إِنِّي لأسافر السَّاعَة من النَّهَار فأقصر. وَإِنَّمَا يحمل هَذَا الحَدِيث على أحد شَيْئَيْنِ: أَحدهمَا: أَن يكون رَسُول الله ﷺ خرج بنية السّفر الطَّوِيل فَلَمَّا سَار ثَلَاثَة أَمْيَال
[ ٣ / ٣١٦ ]
قصر، ثمَّ عَاد من سَفَره، فَحكى أنس مَا رأى. وَالثَّانِي: أَن يكون مَنْسُوخا.
١٧٣٦ - / ٢١٦٧ - والْحَدِيث الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ: قد تقدم فِي مُسْند عمر وَغَيره.
[ ٣ / ٣١٧ ]