وَهُوَ من أهل أَصْبَهَان، من قَرْيَة يُقَال لَهَا جي. وَقيل: من رامهرمز سَافر يطْلب الدّين مَعَ قوم فغدروا بِهِ فباعوه من الْيَهُود، ثمَّ إِنَّه كُوتِبَ فأعانه رَسُول الله ﷺ فِي كِتَابَته، وَأسلم مقدم النَّبِي ﷺ الْمَدِينَة، وَمنعه الرّقّ عَن بدر وَأحد، وَأول غزَاة غَزَاهَا الخَنْدَق، وَشهد مَا بعْدهَا، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ بِحَفر الخَنْدَق. وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ سِتُّونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سَبْعَة.
٢٢٣٥ - / ٢٨٣٣ - فَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
أَنه تداوله بضعَة عشر من رب إِلَى رب.
قد ذكرنَا أَنه سَافر مَعَ قوم فباعوه، ثمَّ بَاعه الَّذِي اشْتَرَاهُ كَذَلِك، إِلَى بضعَة عشر. قَالَ ابْن فَارس: الْبضْع: مَا بَين الْوَاحِد إِلَى التِّسْعَة. والرب: الْمَالِك.
٢٢٣٦ - / ٢٨٣٤ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: فَتْرَة مَا بَين عِيسَى وَمُحَمّد
[ ٤ / ٣٤ ]
سِتّمائَة سنة.
الفترة بَين الرُّسُل: الْمدَّة الَّتِي لَا رَسُول فِيهَا. وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَق: بَين آدم إِلَى نوح ألف وَمِائَتَا سنة، وَبَين نوح إِلَى إِبْرَاهِيم ألف وَمِائَة وثنتان وَأَرْبَعُونَ سنة، وَبَين إِبْرَاهِيم إِلَى مُوسَى خَمْسمِائَة وَخَمْسَة وَسِتُّونَ، وَمن مُوسَى إِلَى دَاوُد خَمْسمِائَة وتسع وَسِتُّونَ، وَمن دَاوُد إِلَى عِيسَى ألف وثلاثمائة وست وَخَمْسُونَ، وَمن عِيسَى إِلَى مُحَمَّد سِتّمائَة سنة.
٢٢٣٧ - / ٢٨٣٧ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد مُسلم:
" إِن لله مائَة رَحْمَة " وَقد سبق فِي مُسْند أبي هُرَيْرَة، وَفِيه: " فضها على الْمُتَّقِينَ " وأصل الفض: الْكسر والتفريق. وانفض الْقَوْم: تفَرقُوا.
٢٢٣٨ - / ٢٨٣٨ / - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " رِبَاط يَوْم وَلَيْلَة خير من صِيَام شهر وقيامه ".
الرِّبَاط: مُلَازمَة الثغر، وَأَصله أَن يرْبط هَؤُلَاءِ خيولهم وَهَؤُلَاء خيولهم، كل يعد لصَاحبه.
وَقَوله: " جرى عَلَيْهِ عمله " أَي ثَوَابه. " وَأجْرِي عَلَيْهِ رزقه " يَعْنِي من
[ ٤ / ٣٥ ]
الْجنَّة. " وَأمن الفتان " فسره أَبُو عبد الله الْحميدِي فَقَالَ: الفتان: الشَّيْطَان؛ لِأَنَّهُ يفتن النَّاس بخدعه وتزيينه الْمعاصِي. وَلَا أرى لهَذَا التَّفْسِير وَجها؛ لِأَن الْحِكَايَة عَمَّا بعد الْمَوْت، وَلَيْسَ للشَّيْطَان فِيمَا بعد الْمَوْت عمل، وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَمن فتْنَة الْقَبْر، وَهِي سُؤال الْملك، فَإِن النَّبِي ﷺ قَالَ: " إِنَّكُم تفتنون فِي قبوركم ".
٢٢٣٩ - / ٢٨٣٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: قيل لسلمان: قد علمكُم نَبِيكُم كل شَيْء حَتَّى الخراءة.
الخراءة مَكْسُورَة الْخَاء ممدودة الْألف، وَمَعْنَاهَا أدب التخلي وَالْقعُود عِنْد الْحَاجة. وَقد سبق الْكَلَام فِي اسْتِقْبَال الْقبْلَة فِي مُسْند أبي أَيُّوب.
وَالْغَائِط: المطمئن من الأَرْض، ثمَّ صَار اسْما لما يكون فِيهِ من الرجيع.
والاستنجاء: التمسح بالأحجار، قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَأَصله من النجوة: وَهِي الِارْتفَاع من الأَرْض، وَكَانَ الرجل إِذا أَرَادَ قَضَاء الْحَاجة تستر بنجوة من الأَرْض، فاشتق من ذَلِك الِاسْتِنْجَاء، إِن مسح فِيهِ أَو غسل، وَقد سبق هَذَا.
وَقَوله: بِأَقَلّ من ثَلَاثَة أَحْجَار، فِيهِ دَلِيل على أَن من عدل عَن المَاء
[ ٤ / ٣٦ ]
إِلَى الْأَحْجَار لم يجزه أقل من ثَلَاثَة أَحْجَار، وَهَذَا قَول أَحْمد وَالشَّافِعِيّ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجب الْعدَد، وَإِنَّمَا يعْتَبر الإنقاء فَحسب، فَإِنَّهُ قد يحصل بِالْحجرِ الْوَاحِد. وللشرع تعبد فِي الْمَعْقُول مَعْنَاهُ، كَمَا لَهُ تعبد فِيمَا لَا يعقل، أَلا ترى أَنه لما ورد الشَّرْع بسن مَعْلُوم فِي الْهَدْي وَالْأَضَاحِي لم يجز إِبْدَال سنّ بسن وَإِن كَانَ يعقل الْمَعْنى، وَالْعجب من أَصْحَاب الرَّأْي كَيفَ يُنكرُونَ دُخُول التَّعَبُّد فِي مثل هَذَا، وَلَهُم قَول فِي إِيجَاب ثَلَاث مَرَّات فِي غسل النَّجَاسَة وَإِن زَالَت بِأول مرّة.
وَأما الرجيع فَهُوَ الْعذرَة، وَسمي رجيعا لِأَنَّهُ رَجَعَ عَن حَالَته الأولى بعد أَن كَانَ طَعَاما.
وَعِنْدنَا أَنه لَا يجوز الِاسْتِنْجَاء بالرجيع سَوَاء كَانَ طَاهِرا كروث الْبَقر وَالْإِبِل، أَو نجسا كروث الْبَغْل وَالْحمار، وَكَذَلِكَ الْعظم، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وَأما إِذا كَانَ نجسا فالنجس لَا يجوز اسْتِعْمَاله. وَأما إِذا كَانَ الْعظم طَاهِرا فقد سبق فِي مُسْند ابْن مَسْعُود أَن الْجِنّ سَأَلُوا رَسُول الله ﷺ الزَّاد فَقَالَ: " لكم كل عظم ذكر اسْم الله عَلَيْهِ، وكل بَعرَة علف لدوابكم " فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: " فَلَا تستنجوا بهما؛ فَإِنَّهُمَا طَعَام إخْوَانكُمْ ". وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَدَاوُد: يجوز الِاسْتِنْجَاء بالروث وَالْعِظَام، وَسَوَاء فِي ذَلِك النَّجس والطاهر.
[ ٤ / ٣٧ ]
٢٢٤٠ - / ٢٨٤٠ - والْحَدِيث الرَّابِع: قد سبق فِي مُسْند أُسَامَة.
وَفِي هَذَا الحَدِيث: " وَبهَا باض وفرخ " الْمَعْنى أَنَّهَا مَأْوَاه؛ لِأَن الطَّائِر إِنَّمَا يبيض ويفرخ فِي مستقره. وَقيل: أَرَادَ مَا يثيره من الشَّرّ بَينهم فِي الشِّرَاء وَالْبيع.
[ ٤ / ٣٨ ]