جملَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ سِتُّونَ حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عشرَة.
٢٢٤٥ - / ٢٨٥١ - فَمن الْمُشكل فِي الحَدِيث الرَّابِع: سَمِعت النَّبِي ﷺ يقْرَأ فِي الْمغرب بِالطورِ، فَلَمَّا بلغ: ﴿أم خلقُوا من غير شَيْء أم هم الْخَالِقُونَ﴾ [الطّور: ٣٥]، إِلَى قَوْله: ﴿ المسيطرون﴾ [الطّور: ٣٧] كَاد قلبِي أَن يطير.
الطّور: الْجَبَل، قَالَ مُجَاهِد: الطّور: الْجَبَل بالسُّرْيَانيَّة. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الطّور: مَا لَا ينْبت من الْجبَال وَمَا أنبت فَلَيْسَ بطور.
وَيُمكن أَن يكون قَرَأَ جَمِيع السُّورَة وَيُمكن أَن يكون قَرَأَ بَعْضهَا، فَقَالَ: سمعته يقْرَأ بِالطورِ. وَالْبَاء قد تكون بِمَعْنى من، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿عينا يشرب بهَا عباد الله يفجرونها تفجيرا﴾ [الْإِنْسَان: ٦] أَي مِنْهَا.
وَقَوله: ﴿أم خلقُوا من غير شَيْء﴾ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن الْمَعْنى لَيْسُوا بأشد من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَقد خلقت من غير شَيْء وهم
[ ٤ / ٤٤ ]
خلقُوا من آدم. وَالثَّانِي: أَن الْمَعْنى: أم خلقُوا لغير شَيْء؛ أَي: أخلقوا عَبَثا، ذكرهمَا الزّجاج. وَالثَّالِث: أم خلقُوا فوجدوا بِلَا خَالق، وَذَلِكَ مَا لَا يجوز، لِأَن تعلق الْخلق بالخالق من ضَرُورَة الِاسْم: ﴿أم هم الْخَالِقُونَ﴾ لأَنْفُسِهِمْ، فَإِذا ثَبت أَن لَهُم خَالِقًا فليؤمنوا بِهِ، ذكره الْخطابِيّ، قَالَ: وَقَول: ﴿بل لَا يوقنون﴾ هِيَ الْعلَّة الَّتِي منعتهم عَن الْإِيمَان، وَلِهَذَا انزعج جُبَير بن مطعم لحسن مَعْرفَته بِمَا تحوي الْآيَة.
٢٢٤٦ - / ٢٨٥٢ - وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: رَأَيْت النَّبِي ﷺ يَوْم عَرَفَة وَاقِفًا مَعَ النَّاس بِعَرَفَة، فَقلت: هَذَا وَالله من الحمس، فَمَا شَأْنه هَاهُنَا؟
كَانَت قُرَيْش وَبَنُو كنَانَة يسمون الحمس، لأَنهم تحمسوا فِي دينهم: أَي تشددوا، والحماسة: الشدَّة فِي كل شَيْء، وَكَانُوا يقفون عَشِيَّة عَرَفَة بِالْمُزْدَلِفَةِ وَيَقُولُونَ: نَحن قطن الْبَيْت، وَكَانَ بَقِيَّة الْعَرَب وَالنَّاس يقفون بِعَرَفَات، فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أفيضوا من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٩]، وَهَذِه الْآيَة نزلت فِي الْإِسْلَام وَذَاكَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَهَذَا الرجل إِنَّمَا رأى رَسُول الله ﷺ فِي الْجَاهِلِيَّة، فَكَأَن رَسُول الله ﷺ خَالف قومه فِي هَذَا مَعَ مَا خَالف.
فَأَما حجَّة الْوَدَاع فَإِنَّهُ لم يكن ثمَّ مُشْرك. وَسَيَأْتِي هَذَا مُبينًا فِي الحَدِيث التَّاسِع والثمانين من مُسْند عَائِشَة ﵂.
[ ٤ / ٤٥ ]
٢٢٤٧ - / ٢٨٥٣ - وَفِي الحَدِيث السَّادِس: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لامْرَأَة: " إِن لم تجديني فَأتي أَبَا بكر ".
وَهَذَا من النُّصُوص الْخفية على خلَافَة أبي بكر.
٢٢٤٨ - / ٢٨٥٤ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
أَن النَّبِي ﷺ قَالَ فِي أُسَارَى بدر: " لَو كَانَ الْمطعم بن عدي حَيا ثمَّ كلمني فِي هَؤُلَاءِ النتنى لتركتهم لَهُ ".
النتنى جمع نَتن، كالزمنى جمع زمن. وَإِنَّمَا خص الْمطعم بِهَذَا لِأَنَّهُ لما مَاتَ عَمه أَبُو طَالب وَمَاتَتْ خَدِيجَة خرج إِلَى الطَّائِف وَمَعَهُ زيد بن حَارِثَة، فَأَقَامَ بهَا شهرا ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة فِي جوَار الْمطعم بن عدي، فَأحب مكافأته لَو أمكن.
وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث على جَوَاز إِطْلَاق الْأَسير والمن عَلَيْهِ من غير فدَاء. وَعِنْدنَا أَن الإِمَام مُخَيّر فِي الْأُسَارَى الْبَالِغين، إِن شَاءَ من عَلَيْهِم من غير فدَاء، وَإِن شَاءَ فاداهم، وَإِن شَاءَ قَتلهمْ، أَي ذَلِك كَانَ أصلح وأعز لِلْإِسْلَامِ فعل، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي: إِن شَاءَ قَتلهمْ، وَإِن شَاءَ فاداهم، وَإِن شَاءَ استرقهم، وَلَا يمن عَلَيْهِم بِغَيْر عوض؛ فَإِن ذَلِك تَقْوِيَة للْكفَّار، وَزعم بَعضهم أَن الْمَنّ كَانَ خَاصّا لرَسُول الله ﷺ، وَهَذِه دَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا.
[ ٤ / ٤٦ ]
٢٢٤٩ - / ٢٨٥٥ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: اضطروه إِلَى سَمُرَة فخطفت رِدَاؤُهُ.
السمرَة: شَجَرَة الطلح. والعضاة: شجر من شجر الشوك كالطلح والعوسج.
والاختطاف: الاستلاب بِسُرْعَة.
٢٢٥٠ - / ٢٨٥٦ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: مشيت أَنا وَعُثْمَان بن عَفَّان إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقلت: يَا رَسُول الله! أَعْطَيْت بني عبد الْمطلب وَتَرَكتنَا، وَنحن وهم مِنْك بِمَنْزِلَة وَاحِدَة، فَقَالَ: " إِنَّمَا بَنو الْمطلب وَبَنُو هَاشم شَيْء وَاحِد ".
إِنَّمَا مَشى جُبَير وَعُثْمَان لِأَن جبيرا من بني نَوْفَل، وَعُثْمَان من بني عبد شمس، وهما أخوا هَاشم وَالْمطلب، إِلَّا أَن هاشما وَالْمطلب وَعبد شمس أخوة لأَب وَأم، وَنَوْفَل أخوهم لأبيهم لَا لأمهم. وَكَانَ النَّبِي ﷺ قد أعْطى بني هَاشم وَبني الْمطلب من خمس خَيْبَر وَلم يُعْط بني عبد شمس، فَمضى عُثْمَان يطْلب لكَونه من بني عبد شمس، وَمضى جُبَير يطْلب لِأَنَّهُ من بني نَوْفَل، وَقَالا: نَحن وهم مِنْك بِمَنْزِلَة وَاحِدَة، يعنون أَن الْكل أخوة، فَقَالَ: " إِنَّمَا بَنو الْمطلب وَبَنُو هَاشم شَيْء وَاحِد " أَي حكمهمَا وَاحِد. وَكَانَ يحيى ابْن معِين يرويهِ بِالسِّين الْمُهْملَة فَيَقُول: سي وَاحِد: أَي مثل وَاحِد، يُقَال: هَذَا سي هَذَا، وهما سيان. قَالَ الْخطابِيّ: وَهُوَ أَجود.
[ ٤ / ٤٧ ]
أما قَوْله: " لم يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّة وَلَا إِسْلَام " سَمِعت شَيخنَا أَبَا الْفضل ابْن نَاصِر يَقُول: بَنو الْمطلب دخلُوا مَعَ بني هَاشم إِلَى الشّعب لما حصرهم الْمُشْركُونَ دون غَيرهم.
وَفِي هَذَا الحَدِيث إِثْبَات سهم ذِي الْقُرْبَى؛ لِأَن عُثْمَان وجبيرا إِنَّمَا طَالبا لقرابتهما.
وَفِيمَا انْفَرد بِهِ مُسلم:
٢٢٥١ - / ٢٨٥٧ - " لَا حلف فِي الْإِسْلَام، وَأَيّمَا حلف كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة لم يزده الْإِسْلَام إِلَّا شدَّة ".
أصل الْحلف: المعاقدة والمعاهدة على المعاضدة، فَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّة على الْقِتَال والغارات فَذَلِك الَّذِي أبْطلهُ الشَّرْع بقوله: " لَا حلف فِي الْإِسْلَام "، وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّة على نصر الْمَظْلُوم وصلَة الْأَرْحَام، فَهُوَ الَّذِي لم يزده الْإِسْلَام إِلَّا شدَّة.
[ ٤ / ٤٨ ]