وَجُمْلَة مَا روى عَن رَسُول الله ﷺ عشرُون حَدِيثا، أخرج لَهُ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سَبْعَة أَحَادِيث.
٢٢٥٢ - / ٢٨٥٨ - فَفِي الحَدِيث الأول: أَن عَليّ بن أبي طَالب خطب بنت أبي جهل.
أما بنت أبي جهل هَذِه فاسمها جوَيْرِية، أسلمت وبايعت رَسُول الله ﷺ، فَخَطَبَهَا عَليّ، فجَاء عمومتها يستأذنون رَسُول الله ﷺ فِي ذَلِك فَقَالَ هَذَا الْكَلَام.
وَقَوله: " أَخَاف أَن تفتن " أصل الْفِتْنَة الاختبار والابتلاء، ثمَّ قد يُطلق على الْمخوف من الِابْتِلَاء، فَيُقَال: فتن فلَان فِي دينه: بِمَعْنى وَقع فِيمَا لَا يجوز. وَالضَّمِير الَّذِي ذكره مَا بنى عَلَيْهِ هُوَ أَبُو الْعَاصِ بن الرّبيع زوجه رَسُول الله ﷺ ابْنَته زَيْنَب.
وَقَوله: " لست أحرم حَلَالا وَلَا أحل حَرَامًا " الْمَعْنى: إِن هَذَا وَإِن جَازَ
[ ٤ / ٤٩ ]
فَمَا يَقع، وَكَأن قَوْله: وَالله لَا تَجْتَمِع بنت نَبِي الله وَبنت عَدو الله " من جنس قَول أنس بن النَّضر: وَالله لَا يكسر سنّ الرّبيع، وَقَول الرَّسُول ﷺ: " لَو أقسم على الله لَأَبَره ". وَيحْتَمل أَن يكون رَسُول الله ﷺ قد شَرط على عَليّ ﵇ حِين زوجه فَاطِمَة أَلا يتَزَوَّج عَلَيْهَا، وَالشّرط فِي مثل هَذَا صَحِيح، وَلِهَذَا قَالَ: " لَا آذن " وَهَذَا الْوَجْه أولى من الأول، وَيدل عَلَيْهِ أَنه أثنى على أبي الْعَاصِ وشكره. وَجَاء فِي بعض الحَدِيث أَنه قَالَ: " حَدثنِي فوفى لي ".
والبضعة: الْقطعَة من اللَّحْم.
وَقَوله: " يريبني مَا رابها " يُقَال: رَابَنِي الرجل: إِذا استبنت مِنْهُ الرِّيبَة، وأرابنى: إِذا ظَنَنْت بِهِ ذَلِك وَلم تستبنه. قَالَ الشَّاعِر:
(أَخُوك الَّذِي إِن ربته قَالَ إِنَّمَا أربت، وَإِن عاتبته لَان جَانِبه)
فَمَعْنَى أربت: ظَنَنْت وَلم تحقق، وَقَالَ الْفراء وَأَبُو عُبَيْدَة: راب وأراب بِمَعْنى.
٢٢٥٣ - / ٢٨٥٩ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: قسم رَسُول الله ﷺ أقبية.
القباء فَارسي مُعرب، وَقيل: هُوَ عَرَبِيّ واشتقاقه من القبو وَهُوَ الضَّم
[ ٤ / ٥٠ ]
وَالْجمع، كَذَلِك قرأته على شَيخنَا أبي مَنْصُور.
٢٢٥٤ - / ٢٨٦٠ - وَفِي الحَدِيث الأول من أَفْرَاد البُخَارِيّ:
خرج رَسُول الله ﷺ وزمن الْحُدَيْبِيَة.
الْحُدَيْبِيَة مُخَفّفَة، وَرُبمَا شددها من لَا يعرف، وَسميت بذلك لأجل شَجَرَة جدباء كَانَت هُنَاكَ.
والثنية: طَرِيق مُرْتَفع بَين جبلين.
وَقَوله: حل حل: زجر للناقة، يُقَال: حلحلت بِالْإِبِلِ: إِذا زجرتها لتنبعث.
فألحت: أَي لَزِمت مَكَانهَا. يُقَال: تلحلح الرجل: إِذا لزم مَكَانَهُ، وتحلحل عَنهُ: إِذا فَارقه.
وَقَوْلهمْ: خلأت. هُوَ مثل قَوْلهم: حرن الْفرس. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: لَا يكون الخلأ إِلَّا للنوق خَاصَّة.
وَقَوله: " مَا ذَاك لَهَا بِخلق " أَي مَا هُوَ من عَادَتهَا.
وَقَوله: " حَبسهَا حَابِس الْفِيل " يَعْنِي أَن الله تَعَالَى حَبسهَا كَمَا حبس الْفِيل حِين جَاءَ بِهِ أَبْرَهَة الحبشي ليهْدم الْكَعْبَة. وَوجه الْحِكْمَة فِي جَرَيَان
[ ٤ / ٥١ ]
الْقدر بذلك أَنه لَو دخل رَسُول الله ﷺ مَكَّة عامئذ لم يُؤمن وُقُوع قتال كثير، وَقد سبق فِي الْعلم الْقَدِيم إِسْلَام جمَاعَة مِنْهُم وَوُجُود ذُرِّيَّة مُسلمين، فحبس عَن ذَلِك كَمَا حبس الْفِيل؛ إِذْ لَو دخل أَصْحَاب الْفِيل مَكَّة قتلوا خلقا، وَقد سبق الْعلم بِإِيمَان قوم، فَلم يكن للفيل عَلَيْهِم سَبِيل، فَمنع سَببه.
وَقَوله: " لَا يَسْأَلُونِي خطة يعظمون فِيهَا حرمات الله إِلَّا أَعطيتهم "، الخطة: الْحَال، قَالَ الزُّهْرِيّ: وَلِهَذَا لما قَالُوا: لَا نَعْرِف الرَّحْمَن وَلَا نكتب رَسُول الله، وافقهم على مَا أَرَادوا.
والثمد: المَاء الْقَلِيل الَّذِي لَا مَادَّة لَهُ.
ويتبرضه النَّاس: أَي يأخذونه قَلِيلا قَلِيلا.
ونزحوه: أخذُوا جَمِيعه.
وتجيش: تَفُور وترتفع. يُقَال: جَاشَتْ الْقدر: إِذا غلت.
وصدروا: رجعُوا بعد ورودهم.
قَوْله: وَكَانُوا عَيْبَة نصح رَسُول الله: أَي مَوضِع سره وثقته، مُسلم الْقَوْم وكافرهم، لحلف كَانَ بَينهم فِي الْجَاهِلِيَّة.
وتهامة سميت بذلك لشدَّة حرهَا.
وَقَوله: تركت كَعْب بن لؤَي. أَي بني كَعْب بن لؤَي، وَهُوَ من قدماء الأجداد، فَإِن النَّبِي ﷺ هُوَ ابْن عبد الله بن الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي. وعامر أَخُو كَعْب.
وَقَوله: نزلُوا أعداد مياه الْحُدَيْبِيَة، الْأَعْدَاد جمع عد: وَهُوَ المَاء الْكثير
[ ٤ / ٥٢ ]
الجم الَّذِي لَا انْقِطَاع لمادته، كَمَاء الْعين، وَالْمعْنَى نزلُوا على هَذِه الْمِيَاه.
والعوذ المطافيل: قَالَ ابْن قُتَيْبَة: يُرِيد النِّسَاء وَالصبيان. والعوذ جمع عَائِذ: وَهِي النَّاقة إِذا وضعت وَبعدهَا تضع أَيَّامًا حَتَّى يقوى وَلَدهَا قَلِيلا، فَإِذا مَشى فَهُوَ مرشح، فَإِذا تبعها فَهِيَ متلية؛ لِأَنَّهُ يتلوها.
والمطافيل: الأمات، جمع مطفل: وَهِي النَّاقة مَعهَا طفلها، وَإِنَّمَا اسْتعَار ذَلِك. قَالَ ابْن فَارس: كل أُنْثَى إِذا وضعت فَهِيَ سَبْعَة أَيَّام عَائِذ بَيِّنَة العوذ، وَالْجمع عوذ، كَأَنَّهَا تعوذ بِوَلَدِهَا وتشتغل بِهِ.
وَقَوله: قد نهكتهم الْحَرْب. الْهَاء مكسوره، وَالْمعْنَى: أضرت بهم وأثرت فيهم، يُقَال: نهكته الْحمى: إِذا بلغت مِنْهُ وأثرت فِيهِ.
وَقَوله: " فقد جموا " يَعْنِي استراحوا، والجمام: الرَّاحَة بعد التَّعَب.
وَقَوله: " تنفرد سالفتي " السالفة: صفحة الْعُنُق من لدن مُعَلّق القرط، وهما سالفتان عَن يَمِين وشمال، وَإِنَّمَا عَنى الْهَلَاك؛ لِأَن السالفة لَا تنفرد عَمَّا يَليهَا إِلَّا بِالْقَتْلِ.
وَقَوله: استنفرت أهل عكاظ أَي دعوتهم إِلَى الْقِتَال. فَلَمَّا بلحوا عَليّ أَي أَبَوا. وأصل التبليح: الإعياء وَالْعجز، يُقَال: بلح الرجل: إِذا انْقَطع من الإعياء وَعجز عَن الْحَرَكَة، وَقد يُقَال بلح بِالتَّخْفِيفِ.
قَوْله: قد عرض خطة رشد، الخطة: الْحَال، والرشد: الصَّوَاب.
والاستئصال: الإفراط فِي قطع الْأُصُول، وَنَحْوه الاجتياح.
[ ٤ / ٥٣ ]
وَقَوله: أرى أشوابا، الأشواب والأوشاب والأوباش والأشايب: الأخلاط من النَّاس من قبائل شَتَّى.
وَقَوله: خليقا أَن يَفروا: أَي لَا يبعد ذَلِك مِنْهُم.
وَقَوله: امصص بظر اللات، البظر: مَا تبقيه الخافضة عِنْد الْقطع، وَالْمرَاد شتم آلِهَتهم.
وَقَوله: فَكلما كَلمه أَخذ بلحيته، هَذِه كَانَت عَادَة من عادات الْعَرَب تجْرِي مجْرى الملاطفة، وَلم يَدْفَعهُ رَسُول الله ﷺ عَن ذَلِك حلما عَنهُ واستمالة لَهُ.
ونعل السَّيْف: مَا يكون أَسْفَل القراب من حَدِيد أَو فضَّة، وَإِنَّمَا فعل بِهِ الْمُغيرَة هَذَا لِأَن تِلْكَ الْعَادة كَانَت تجرى بَين النظراء.
وَأما قيام الْمُغيرَة على رَأس رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ كالحراسة لَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي مقَام حَرْب، فَلَا يجوز أَن يُؤْخَذ من هَذَا جَوَاز الْقيام على رَأس الرئيس على وَجه الْكبر؛ فَإِنَّهُ قد نهى ﵇ عَن ذَلِك بقوله: " من أحب أَن يتَمَثَّل لَهُ الرِّجَال قيَاما فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار ".
قَوْله: أَي غدر، الْغَيْن مَضْمُومَة وَالدَّال مَفْتُوحَة، وَهُوَ نعت للمبالغ فِي الْغدر.
وَقَوله: أَلَسْت أسعى فِي غدرتك؟؛ كَانَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة قد خرج مَعَ نفر من بني مَالك إِلَى الْمُقَوْقس وَمَعَ الْقَوْم هَدَايَا، فقبلها مِنْهُم الْمُقَوْقس
[ ٤ / ٥٤ ]
ووصلهم بجوائز، وَقصر بالمغيرة؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ من الْقَوْم، فجلسوا فِي بعض الطَّرِيق يشربون، فَلَمَّا سَكِرُوا وناموا قَتلهمْ الْمُغيرَة جَمِيعًا وَأخذ مَا كَانَ مَعَهم، وَقدم على رَسُول الله ﷺ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر: مَا فعل المالكيون الَّذين كَانُوا مَعَك؟ قَالَ: قَتلتهمْ وَجئْت بأسلابهم إِلَى رَسُول الله ﷺ ليخمسها أَو يرى فِيهَا رَأْيه فَإِنَّمَا هِيَ غنيمَة من الْمُشْركين، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: " أما إسلامك فنقبله، وَلَا آخذ من أَمْوَالهم شَيْئا وَلَا أخمسه؛ لِأَن هَذَا غدر، والغدر لَا خير فِيهِ ". وَإِنَّمَا امْتنع رَسُول الله ﷺ من أَخذ تِلْكَ الْأَمْوَال لِأَن الرفقاء يصطحبون على الْأَمَانَة، وَالْأَمَانَة مُؤَدَّاة إِلَى الْمُسلم وَالْكَافِر، وَبلغ الْخَبَر ثقيفا بِالطَّائِف فتداعوا لِلْقِتَالِ، ثمَّ اصْطَلحُوا على أَن يحمل عَنهُ عُرْوَة بن مَسْعُود - وَهُوَ عَم الْمُغيرَة - ثَلَاثَة عشر دِيَة، فَلذَلِك قَالَ: أَي غدر! أَلَسْت أسعى فِي غدرتك؟ .
وَقَوله: جعل يرمق أَصْحَاب رَسُول الله، أَي يلحظهم كالمسارق للنَّظَر.
وتنخم، من النخامة: وَهُوَ مَا يَأْتِي من أقْصَى الْفَم.
وَقَوله: يعظمون الْبدن: أَي يعظمون مَا أهدي إِلَى الْبَيْت احتراما للبيت.
وَقَوله: " رجل فَاجر "؛ أصل الْفُجُور: الْخُرُوج عَن الْحق.
وَقَوله: " قد سهل لكم من أَمركُم " دَلِيل على اسْتِحْبَاب التفاؤل بِالِاسْمِ الْحسن، وَإِنَّمَا يكره التشاؤم وَهُوَ التطير.
[ ٤ / ٥٥ ]
وَفِيمَا جرى من موافقتهم فِي كتب مَا أَرَادوا تَعْلِيم لِلْخلقِ حسن المداراة والتلطف، وَلَا يَنْبَغِي أَن تخرج المداراة عَن الشَّرْع؛ فَإِن الرَّسُول ﷺ مَا وافقهم إِلَّا فِي جَائِز؛ لِأَن قَوْله: " بِاسْمِك اللَّهُمَّ " يتَضَمَّن معنى بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم. وَنسبه إِلَى أَبِيه لَا يُخرجهُ عَن النُّبُوَّة.
وَأما قَول سُهَيْل: أما الرَّحْمَن فوَاللَّه مَا أَدْرِي مَا هُوَ. فَإِنَّهُم كَانُوا يعْرفُونَ الرَّحْمَن، إِلَّا أَنه قَلِيل فِي لغتهم، قَالَ ثَعْلَب: هُوَ اسْم عبراني. قَالَ أَبُو بكر بن الْأَنْبَارِي: يذهب أَبُو الْعَبَّاس إِلَى أَن الرَّحْمَن اتّفقت فِيهِ لُغَة الْعَرَب ولغة الْعَجم، وَقد كَانَت الْعَرَب تعرف الرَّحْمَن فِي الْجَاهِلِيَّة، قَالَ بَعضهم:
(أَلا ضربت تِلْكَ الفتاة هجينها أَلا قضب الرَّحْمَن رَبِّي يَمِينهَا)
وَقَالَ سَلامَة بن جندل:
( . . وَمَا يَشَأْ الرَّحْمَن يعْقد وَيُطلق)
وَقَوله: هَذَا مَا قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّد؛ أَي فصل الحكم عَلَيْهِ. قَالَ الزّجاج: الْقَضَاء فِي اللُّغَة على ضروب، مرجعها إِلَى انْقِطَاع الشَّيْء وَتَمَامه.
وَقَوله: أَخذنَا ضغطة، الضغظة: الْقَهْر والتضييق.
[ ٤ / ٥٦ ]
وَقد ذكرنَا قصَّة أبي جندل فِي مُسْند سهل بن حنيف.
والرسف: مشي الْمُقَيد.
وَقَوله: فَأَجره لي. هَكَذَا ضَبطه الْحميدِي بالراء. وَالزَّاي أليق.
وَأما غضب عمر ومراجعته، وتسكين أبي بكر فورة عمر، فَذَلِك دَلِيل على أَن أَبَا بكر أعلم النَّاس برَسُول الله ﷺ وأعرفهم ببواطن أُمُوره، وَإِن كَانَ عمر إِنَّمَا سَأَلَ لكشف الشُّبْهَة وتعرف أوجه الْحِكْمَة، لَا على وَجه الِاعْتِرَاض على الرَّسُول ﷺ، وجرأه على ذَلِك حرصه على ظُهُور الدّين وعزه، كَمَا اجترأ يَوْم الصَّلَاة على ابْن أبي.
وَقَوله: لم نعطى الدنية؟ يَعْنِي: الدون.
وَقَول أبي بكر: استمسك بغرزه. الغرز للرحل بِمَنْزِلَة الركاب من السرج.
قَول عمر: فَعمِلت لذَلِك أعمالا، كَأَنَّهُ يُشِير إِلَى أَنه اسْتغْفر مِمَّا فعل وَاعْتذر.
وَقَول النَّبِي ﷺ لأَصْحَابه: " قومُوا فَانْحَرُوا واحلقوا " دَلِيل على أَن من أحرم بِحَجّ أَو عمْرَة ثمَّ أحْصر فَإِنَّهُ ينْحَر الْهَدْي مَكَانَهُ وَيحل وَإِن لم يكن هَدْيه قد بلغ الْحرم.
وَأما توقف الصَّحَابَة وَهُوَ يَأْمُرهُم فَلَا يَخْلُو من ثَلَاثَة أَشْيَاء: إِمَّا أَن
[ ٤ / ٥٧ ]
يَكُونُوا ظنُّوا أَنه يَأْمُرهُم بِالرُّخْصَةِ وَيلْزم هُوَ الْعَزِيمَة من بَقَائِهِ على الْإِحْرَام، فأحبوا مُوَافَقَته، أَو أَن يكون لرجاء أَن يَأْتِي الْوَحْي بِأَمْر يتمم لَهُم نسكهم، أَو أَن يَكُونُوا بهتُوا لذَلِك مفكرين فِيمَا قد لحقهم من الذل مَعَ بذل النُّفُوس لإعزاز الدّين.
وَأما مُشَاورَة رَسُول الله ﷺ أم سَلمَة وَقبُول قَوْلهَا فَفِيهِ دَلِيل على جَوَاز الْعَمَل بمشاورة النِّسَاء، ووهن لما يُقَال: شاوروهن وخالفوهن.
وَقَوله: ﴿إِذا جَاءَكُم الْمُؤْمِنَات مهاجرات﴾ [الممتحنة: ١٠]، لما وَقع الصُّلْح وَشرط فِيهِ رد من جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ، وَجَاء أَبُو جندل فَرده على مَا شرحنا فِي مُسْند سهل بن حنيف، فَجَاءَت أم كُلْثُوم بنت عقبَة ابْن أبي معيط، فَخرج فِي أَثَرهَا أَخَوَاهَا الْوَلِيد وَعمارَة ابْنا عقبَة فَقَالَا: يَا مُحَمَّد، ف لنا بشرطنا. فَقَالَت أم كُلْثُوم: يَا رَسُول الله ﴿أَنا امْرَأَة، وَحَال النِّسَاء إِلَى الضعْف مَا قد علمت، فتردني إِلَى الْكفَّار يفتنونني وَلَا صَبر لي﴾ فنقض الله الْعَهْد فِي النِّسَاء وَأنزل فِيهِنَّ هَذِه الْآيَة، وَحكم بِحكم رضوه كلهم.
والامتحان أَن يَقُول: وَالله مَا أخرجكن إِلَّا حب الله وَرَسُوله، وَمَا خرجتن لزوج وَلَا مَال، فَإِذا قُلْنَ ذَلِك تركن فَلم يرددن.
وَالْمَشْهُور أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي أم كُلْثُوم. وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنَّهَا فِي سبيعة بنت الْحَارِث، وَقيل: فِي أُمَيْمَة بنت بشر. قَالَ الْمَاوَرْدِيّ: وَقد اخْتلف الْعلمَاء: هَل دخل رد النِّسَاء فِي عقد الْهُدْنَة لفظا أَو عُمُوما؟
[ ٤ / ٥٨ ]
فَقَالَت طَائِفَة: كَانَ شَرط ردهن فِي عقد الْهُدْنَة لفظا صَرِيحًا، فنسخ الله تَعَالَى ردهن من العقد، وَمنع مِنْهُ وأبقاه فِي الرِّجَال على مَا كَانَ. وَهَذَا يدل على أَن للنَّبِي ﷺ أَن يجْتَهد بِرَأْيهِ فِي الْأَحْكَام، وَلَكِن الله ﷿ لَا يقره على خطأ. وَقَالَت طَائِفَة: لم يشرط ردهن فِي العقد لفظا صَرِيحًا وَإِنَّمَا أطلق العقد، فَكَانَ ظَاهر الْعُمُوم اشتماله عَلَيْهِنَّ مَعَ الرِّجَال؛ لأَنهم قَالُوا: لَا يَأْتِيك منا أحد، فَبين الله ﷿ خروجهن من عُمُوم اللَّفْظ، وَفرق بَينهُنَّ وَبَين الرِّجَال لأمرين: أَحدهمَا: أَنَّهُنَّ ذَوَات فروج فحرمن عَلَيْهِم. وَالثَّانِي: أَنَّهُنَّ أرق قلوبا وأسرع تقلبا. فَأَما المقيمة على شركها فمردودة عَلَيْهِم.
وَقَوله: ﴿الله أعلم بإيمانهن﴾ أَي إِن هَذَا الامتحان لكم وَالله أعلم بِهن. ﴿فَإِن علمتموهن مؤمنات﴾ وَذَلِكَ بإقرارهن.
وَقَوله: ﴿وَآتُوهُمْ﴾ يَعْنِي أَزوَاجهم الْكفَّار ﴿مَا أَنْفقُوا﴾ يَعْنِي الْمهْر. وَهَذَا إِذا تزَوجهَا مُسلم، وَإِن لم يَتَزَوَّجهَا أحد فَلَيْسَ لزَوجهَا شَيْء، وَهَذَا مِمَّا نسخ.
وَقَوله: ﴿إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾ يَعْنِي المهور.
وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِي الحربية إِذا هَاجَرت بعد دُخُول زَوجهَا بهَا: فمذهب الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل أَن الْفرْقَة تقف على انْقِضَاء عدتهَا، فَإِن أسلم الزَّوْج قبل انْقِضَاء عدتهَا فَهِيَ امْرَأَته. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: تقع الْفرْقَة باخْتلَاف الدَّاريْنِ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تمسكوا بعصم الكوافر﴾؛ عصمتهن: عقد نِكَاحهنَّ، وَالْمرَاد نهي الْمُؤمنِينَ عَن الْمقَام على نِكَاح الكوافر؛ لِأَن
[ ٤ / ٥٩ ]
عصمتهن قد انْقَطَعت.
قَالَ الزّجاج: وأصل الْعِصْمَة الْحَبل، وَالْمعْنَى قد انبت عقد النِّكَاح.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿واسألوا مَا أنفقتم﴾ أَي إِن لحقت امْرَأَة مِنْكُم بِأَهْل الْعَهْد من الْكفَّار مرتدة فسلوهم مهرهَا إِذا لم يدفعوها إِلَيْكُم. ﴿وليسألوا﴾ يَعْنِي الْمُشْركين الَّذين لحقت أَزوَاجهم بكم مؤمنات، ليطلبوا مهورهن مِمَّن يتزوجهن مِنْكُم. وَالْمعْنَى: عَلَيْكُم أَن تغرموا الْمهْر كَمَا يغرمون لكم.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِن فاتكم شَيْء من أزواجكم إِلَى الْكفَّار فعاقبتم﴾ أَي أصبتموهم بعقوبة حَتَّى غَنِمْتُم. وَقَالَ الزّجاج: كَانَت العقبى لكم بِأَن غلبتم ﴿فآتوا الَّذين ذهبت أَزوَاجهم﴾ أَي أعْطوا الْأزْوَاج من رَأس الْغَنِيمَة مَا أَنْفقُوا، وَهُوَ الْمهْر.
وَاعْلَم أَن هَذِه الْأَحْكَام من أَدَاء الْمهْر، وَأَخذه من الْكفَّار، وتعويض الزَّوْج من الْغَنِيمَة، كل ذَلِك مَنْسُوخ بِآيَة السَّيْف، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا فِي زمَان الْهُدْنَة.
وَأما أَبُو بَصِير فاسمه عتبَة بن أسيد بن جَارِيَة، أسلم بِمَكَّة قَدِيما، فحبسه الْمُشْركُونَ عَن الْهِجْرَة، وَذَلِكَ قبل عَام الْحُدَيْبِيَة، فَلَمَّا نزل رَسُول الله ﷺ الْحُدَيْبِيَة وقاضى قُريْشًا على مَا قاضاهم عَلَيْهِ وَقدم الْمَدِينَة أفلت أَبُو بَصِير من قومه، فَسَار على قَدَمَيْهِ سبعا حَتَّى أَتَى رَسُول الله ﷺ،
[ ٤ / ٦٠ ]
فَكتب الْأَخْنَس بن شريق وأزهر بن عبد عَوْف إِلَى رَسُول الله ﷺ كتابا، فِيهِ أَن يردهُ إِلَيْهِم على مَا اصْطَلحُوا عَلَيْهِ، وبعثاه مَعَ خُنَيْس بن جَابر، فَخرج خُنَيْس وَمَعَهُ مَوْلَاهُ كوثر، فَدفعهُ إِلَيْهِمَا فَخَرَجَا بِهِ، فَلَمَّا كَانُوا بِذِي الحليفة عدا أَبُو بَصِير على خُنَيْس فَقتله، وهرب كوثر حَتَّى قدم الْمَدِينَة، فَأخْبر النَّبِي ﷺ، وَرجع أَبُو بَصِير فَقَالَ: وفت ذِمَّتك يَا رَسُول الله، دفعتني إِلَيْهِم فَخَشِيت أَن يفتنوني عَن ديني فامتنعت، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لكوثر: " خُذْهُ فَاذْهَبْ بِهِ " فَقَالَ: أَخَاف أَن يقتلني، فَتَركه وَرجع إِلَى مَكَّة، فَأخْبر قُريْشًا، وَخرج أَبُو بَصِير إِلَى الْعيص فَنزل نَاحيَة على طَرِيق عير قُرَيْش إِلَى الشَّام، فَجعل من بِمَكَّة من المحبوسين يَتَسَلَّلُونَ إِلَى أبي بَصِير، فَاجْتمع عِنْده مِنْهُم قريب من سبعين، مِنْهُم أَبُو جندل والوليد ابْن الْوَلِيد، فَجعلُوا لَا يظفرون بِأحد من قُرَيْش إِلَّا قَتَلُوهُ، وَلَا بعير لَهُم إِلَّا اقتطعوها، وكتبت قُرَيْش إِلَى النَّبِي ﷺ يسألونه بأرحامهم إِلَّا أَدخل أَبَا بَصِير وَأَصْحَابه إِلَيْهِ فَلَا حَاجَة لنا بهم، فَكتب النَّبِي ﷺ إِلَى أبي بَصِير أَن يقدم عَلَيْهِ مَعَ أَصْحَابه، فَجَاءَهُ الْكتاب وَهُوَ يَمُوت، فَجعل يقرأه ويقبله ويضعه على عَيْنَيْهِ، فَمَاتَ وَهُوَ فِي يَده، فَغسله أَصْحَابه وصلوا عَلَيْهِ ودفنوه هُنَاكَ، ثمَّ قدمُوا على النَّبِي ﷺ فأخبروه، فترحم عَلَيْهِ.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ حسن أَن يرد مُسلما إِلَى الْكفَّار؟ فَالْجَوَاب: أَن أَبَا بَصِير هَذَا كَانَت لَهُ عشيرة وموال يَذبُّونَ عَنهُ، ثمَّ غَايَة مَا يحملونه عَلَيْهِ التَّكَلُّم بالْكفْر، وَذَلِكَ جَائِز على جِهَة التقية على مَا بَينا فِي قصَّة أبي جندل فِي مُسْند سهل بن حنيف.
[ ٤ / ٦١ ]
وَقَوله: " ويل أمه، مسعر حَرْب "؛ ويل أمه كلمة تعجب، يصفه بالإقدام، والمسعر: الموقد، فَالْمَعْنى أَنه موقد حَرْب. يُقَال: سعرت النَّار وأسعرتها فَهِيَ مسعرة ومسعورة. والمسعر: الْخشب الَّذِي تسعر بِهِ النَّار: أَي توقد.
وَسيف الْبَحْر: ساحله.
والعصابة: الْجَمَاعَة، وَلَيْسَ لَهَا وَاحِد من ألفاظها. وَأما الْعصبَة فنحو الْعشْرَة، وَقيل: هِيَ الْعشْرَة إِلَى الْأَرْبَعين، وَجَمعهَا عصب.
وَقَوله: طلق عمر امْرَأتَيْنِ، كَانَ عمر قد تزوج فِي الشّرك قريبَة بنت أبي أُميَّة، وَأم كُلْثُوم بنت جَرْوَل، وَكَانَت قد ولدت لعمر زيدا وَهُوَ الْأَصْغَر، وَعبيد الله.
وَقَوله: وَهِي عاتق، العاتق من الْجَوَارِي الَّتِي تحدر حِين تدْرك.
والأحابيش: الْجَمَاعَات المجتمعون من قبائل شَتَّى، والتحبش: التجمع.
٢٢٥٥ - / ٢٨٦١ - وَفِي الحَدِيث الثَّانِي: " حَتَّى يرفع إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمركُم ".
العرفاء جمع عريف، والعريف: الَّذِي يتعرف أَحْوَال الْقَوْم وأمورهم كالنقيب.
٢٢٥٦ - / ٢٨٦٢ - وَفِي الحَدِيث الثَّالِث: " إِن سبيعة نفست ".
[ ٤ / ٦٢ ]
أَي ولدت. يُقَال: نفست الْمَرْأَة ونفست بِضَم النُّون وَفتحهَا: إِذا ولدت، فإمَّا إِذا حَاضَت فبفتح النُّون.
[ ٤ / ٦٣ ]