مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن عُروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أن رسول الله صلى ذات ليلةٍ، فصلى بصلاته ناسٌ، ثم صلى الليلة القابلة: فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله، فلما أصبح قال: «قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخُروج إليكم إلا أني خشيت أن تُفرض عليكم»؛ وذلك في رمضان.
قوله: «وذلك في رمضان» هو من كلام عائشة - ﵂-، وفي هذا الحديث إشكال
[ ١٠٦ ]
وهو أنه كيف يكون إيجاب الله تعالى على الناس عبادة مسببًا عن مواظبتهم عليها مع أن حكمة مشروعية العبادات فرضًا ونفلًا حكمة ثابتة لها في ذاتها كسائر الأحكام الدينية، علمنا بعضها ولم نعلم بعضًا، فقلنا: هو تعبُّد. وأجاب أبو بكر الأبهري فيما نقله في «المنتقى»: أن يكون الله أوحى إليه أنه: إن واصل على هذه الصلاة معهم تفرض عليهم بأن يُحدث فيهم من الأحوال والاعتقاد ما يكون الأصلح لهم فرض هذه الصلاة عليهم، وهذا أحسن جواب رأيته. وهنالك أجوبة أخرى لا يثلج لها الصدر. ويرد على هذا الجواب أن ما علل فيه من المصلحة هو أمر قاصر على جماعة خاصة، فلا يقتضي شرعًا عامًا؛ فلا يحصل المطلوب من إثبات مصلحة لقيام رمضان في ذاته تقتضي وجوبه. وأنا أجيب بأن قيام رمضان يشتمل على مصلحة علمها الله تعالى ولو بحثنا عنها لعلمناها وهي تقتضي وجوبه، ولكن الله لم يوجبه تيسيرًا على الأمة؛ لعسر اجتماع فرض صوم النهار وقيام الليل، فإذا واظبوا على قيام رمضان خف عليهم وصار عادة لهم فذهب العسر فلم يكن للإيجاب مانع. وهذا الجواب ينفع في نظائر هذا الحديث.
وقد استشكل الحديث أيضًا، بأنه ينافي ما جاء في حديث الإسراء: «إن الله تعالى قال لما فرض الخمسين صلاة ثم ردها إلى خمس صلوات جعل الحسنة بعشر أمثالها وقال تعالى: «هُن خمسٌ وهُن خمسون لا يُبدل القول لدي» بأنه يقتضي أن لا تزاد صلاة واجبة أكثر من الصلوات الخمس، وأطالوا في الأجوبة عنه بما ليس بمقنع، وهو إشكال غير متجه؛ لأن قوله: «لا يبدل القول لدي» معناه: لا يغير ما أوجبته ابتداء من الخمسين صلاة ومن الفضل بثواب الخمسين.