مالكٌ عن ابن شهابٍ عن السائب بن يزيد أن عثمان بن عفان كان يقول: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دينٌ، فليود دينه حتى تحصل أموالكم، فتؤدون منه الزكاة.
وجم شراح «الموطأ» في هذا المقام واستشعروا ما فيه من الإشكال. وأقدم أبو الوليد الباجي، فقال في «المنتقى»: «يحتمل أن قوله: «هذا شهر زكاتكم»، قاله لمن عَرف حاله في الحول. ويحتمل أنه يريد الشهر الذي جرت عادة أكثره بإخراج الزكاة فيه، إن كان يريد العين، وإن كان يريد الماشية؛ فأراد الشهر الذي يجب فيه إخراج زكاتها» أهـ. فضمير الرفع في قوله: (قاله) عائد إلى (عثمان)، وضمير (عرف) عائد إلى (مَن)، أي: المكلف الذي يعرف حال حول ماله. وأمَّا الاحتمال الثاني، فأراد بالعادة اصطلاح الناس تعين لتيسير تعيين أوقات زكواتهم؛ لأن مرور أحوال الناس مختلف باختلاف مبادئ تجمع نصب الزكاة عندهم، وأمَّا احتمال أنه يريد زكاة الماشية، وقد رُوي أن الشهر المشار إليه في كلام عثمان هو شهر رجب.
فالذي أراه في معنى كلام الخليفة الثالث: أنه يشير إلى شهر مصطلح عليه بين التجار وأهل المعاملات التجارية، تبتدأ عند عقوده الشركات، والقراضات المؤجلة عند من لا يرى منع تأجيلها إلى آجال يتحقق فيها الربح وإجارات التجارة ونحوها، وتقوم فيه السلع؛ فيدخل على ذلك الداخل، ويخرج الخارج قصدًا لتسهيل الاستعداد لتصفية الأرباح وانتهاء القراضات والإجارات في التجارات عند من يرى جواز تأجيل القراضات، والظاهر أن هذا الشهر قد كان معروفًا عند أهل المدينة من قبل الإسلام،
[ ١٤٩ ]
فدرجوا عليه في الإسلام؛ وذلك كان من القريب أنه شهر رجب، فإن أهل الجاهلية كانوا يعترون، أي: يذبحون العتيرة في رجب، وهي شاة يذبحها من بلغت غنمه مائة شاة فهي تشبه الزكاة. على أني أحسب أن بعض العرب كان يجعل رجبًا مبدأ السنة لقولهم في المثل: «عِش رجبًا تر عجبًا»، ولعل أهل المدينة كانوا من هؤلاء، ويكون مراد الخليفة بالزكاة في كلامه زكاة التجارات وديونها. وبدون هذا المعنى يشكل الكلام؛ إذ لا يجوز التقدم ولا التأخر في الزكاة إذا مضى على النصاب عام، وسيجيئ في «الموطأ» في باب زكاة العروض قوله: «وما كان من مال عند رجل يديره للتجارة ولا ينض لصاحبه منه شيء تجب عليه فيه الزكاة؛ فإنه يجعل له شهرًا من السنة يقوم فيه ما كان عنده من عرض للتجارة ويحصي فيه ما كان عنده من نقد أو عين، فإذا بلغ ذلك كله ما تجب فيه الزكاة، فإنه يزكيه»؛ فيمكن أن أهل التجارات المدارة اصطلحوا بينهم على أن جعلوا شهر زكاة عروضهم وديونهم وأموال تجرهم من تجارتهم شهرًا متحدًا؛ ليكون ذلك أوفق بمعاملة بعضهم بعضًا؛ فصار ذلك أشهر شهر معاقداتهم، كما كان شهر زكاتهم.