نزل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فتلقاها من المسلمين من قرأها ومن سمعها مدَّة حياة رسول الله - ﷺ -، ولم يسأله أحد عن المراد منها. والمظنون بهم أن سكوتهم عن السؤال عن تعيينها ما كان إلا لأنهم عرفوا المراد منها، إمَّا: بغلبةِ هذا الوصف على صلاةٍ معينة من الصلوات الخمس، وإمَّا: باستفادة تعيينها من تحقق هذا الوصف في إحدى الصلوات تحققًا أشد منه في غيرها وأولى. ولم يتجاوزوا ذلك الفهم إلى الخوص بينهم في إعلان المراد منها؛ لأن شأنهم كان أن يحافظوا على كل ما أمروا به سواء كان واجبًا أو مرغبًا فيه، ولذلك قل خوضهم في التمييز بين الأمر المقصود منه الوجوب، والأمر المقصود منه الندب، وقد كان الذين تلقوا الآية وسمعوها وفهموا المراد منها ابتداءً هم أهل مدينة الرسول - ﷺ -، ثم انقرض
[ ١١٢ ]
معظم الذين تلقوا الآية وجاء الخوض في طلب تعيين الصلاة الوسطى في آخر عصر الصحابة، فروى لنا خَلَف من درج منهم أن الصلاة الوسطى: هي صلاة الصبح. وقد روى مالك أنه بلغه عن علي، وعبد الله بن عباس ﵄ أنها الصبح. وروى غيره أن ذلك أيضًا قول أبي بن كعب، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله ﵃. ومن الصحابة من ظن أنَّها العصر ولا مانع من أن يشتدَّ فهم بعض السامعين، ويعتمد على ظهور وصف التوسط في اجتهاده، كما قال زيد بن ثابت ﵁، إنها الظهر، وكما قال جمعٌ كثيرٌ: إنها العصر. وقد دلَّت قراءة عائشة وحفصة عن رسول الله - ﷺ - قوله: «والصلاة الوسطى وصلاة العصر» صريحً أن الوسطى غير العصر فكان ذلك مؤذنًا بأنهما تريانها الصبح لشذوذ ما سوى ذلك من الأقوال في الوسطى. ومن زعم أن عطف «وصلاة العصر» في قراءة عائشة وحفصة لا يقتضي المغايرة، لجواز أن يكون المعطوف مغايرًا للمعطوف عليه بالمعنى دون الذات، كما جاء في عطف الصفات في نحو: قول الشاعر:
إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم
فقد بعد فهمًا في استعمال العرب؛ لأنَّ ذلك إنما يكون في عطف مفرد على مفرد كما في الشاهد، وإمَّا الآية ففيها عطف مفرد على جمع، فهو من ذكر بعض أفراد العام للاهتمام به، فلا يحتمل معنى غير التنبيه على الاعتناء بإثبات ما سبق له الكلام إليه.
ونحن إذا نظرنا نظر تحقيق لم نجد صلاة جديرة بالتحريض على الحفاظ عليها في غالب أحوال الناس مثل صلاة جديرة بالتحريض على الحفاظ عليها في غالب أحوال الناس مثل صلاة الصبح، فإنها عرضة للتفويت؛ لأنها في وقت يعقب النوم. وقد جاء في الحديث: «إنَّ الشيطان يعقد على قافية المرء ويقول له: عليك ليلٌ
[ ١١٣ ]
طويلٌ فارقد»، ولأن الله تعالى نبهنا على فضلها بقوله: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، ولم ينبه على غيرها في أوقات الصلوات المذكورة قبل بقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. وقد غير أسلوب تعلُّق بوقت الفجر، فلم يقل: أقم صلاة لدلوك الشمس إلى الفجر، بل جمع أوقات أربع صلوات في قوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ثم أفرد وقت الفجر؛ لأنه إمَّا أراد به وقت الفجر، أو الوقت الذي يليه الفجر.