مالكٌ عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك أنه قال: قُمت وراء أبي بكرٍ، وعمر وعثمان، فكُلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتح الصلاة.
هذا يدل على أن سنة أصحاب رسول الله - ﷺ - في مدينته، عدم قراءة البسملة في الصلاة، وقد علم ذلك من الصلوات الجهرية، وعدم قراءتها يدل على أنها ليست من الفاتحة ولا من غيرها من سور القرآن، سوى أنها جزء آية من سورة النمل. ولا وجه لما تأول به بعض الشافعية من أن عدم الجهر بها، لا يدل على عدم قراءتها؛ إذ لو كانت من الفاتحة ولم يجهر بها، لكان بعض السورة جهرًا وبعضها سرًا ولا يعرف
[ ٩٦ ]
لهذا نظير. وقد تظافرت الأدلة على أنها ليست بآية من سور القرآن. وسيجيئ حديث أبي ابن كعب في «ما جاء في أم القرآن». وهو أعظم دليل على أن البسملة ليست من الفاتحة، وقول مالك وسائر أئمة المدينة، وجمهور علماء الإسلام: إنها ليست بآية في أوائل سور القرآن، وهو الذي لا ينبغي التعويل على غيره؛ إذ لو كانت آية في أوائل السور لرويت قراءتها في أوائل السور بالتواتر، وذلك مفقود بالإجماع. فتعين أن لا تثبت قُراءنيتها في أوائل السور؛ إذ ليس بين أيدينا قرآن غير متواتر، كما أشار إلى الاستدلال بهذا أبو بكر الباقلاني ﵀ وهو ملجئ للمخالفين؛ ولأجل ذلك تُركت زيادات ابن مسعود، آيات انفرد بروايتها ولم تتواتر، مع أنه رواها أنها من القرآن. ونقل عن المازري أنه كان يقرؤها في الصلاة في أول السور خروجًا من الخلاف. ولا أظن ذلك به لضعف أدلة القائلين بقراءنيتها، وإنما تعلقوا بأحاديث ضعيفة، وبكونها كتبت في المصاحف بين السور، ولا يصح هذا دليلًا لقراءنيتها، فإنها كتبت فصلًا للسور علامة على الافتتاح، وإنما جعلوها العلامة دون نحو: الحمد لله، من أجل أنها لفظ قرآني، حتى لا يُدخل في المصحف ما ليس بقرآن.