مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر كان يسأل هل يصوم أحد عن أحد أو يصلي أحد عن أحد؟ فيقول: لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد.
أراد الصلاة والصيام المفروضين؛ لنهما عبادتان قاصرتان على نفس المتعبد بهما ليس فيهما نفع لغيره، فلا تجزئ فيهما النيابة. وقد أجمع العلماء على أن صلاة أحد عن غيره لا تجزئ عن الغير سواء كان الغير حيًا أم ميتًا. وأجمعوا على أن صيام الحي لا يجزئ عن غيره الحي. واختلفوا في الصيام عن الميت خاصة لأجل خبرين أحدهما: حديث «الصحيحين» عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه»، والأخر: حديثهما أيضًا عن ابن عباس أنَّ رجلًا النبي - ﷺ - فقال: إن أمي أو أختي ماتت وعليها صوم أفأصوم عنها؟ فقال: «نعم أرأيت لو كان على أمك (أو أختك) دين أكنت قاضيه؟» قال: نعم، قال: «فدين الله أحق بأن يقضى». وقد أخذ بهما إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وأهل الظاهر ولم يأخذ بهما مالك؛ إذ لم يجد عليهما عمل أهل المدينة؛ ولأنه ثبت أن عائشة وابن عبَّاس كانا يفتيان بأن لا يصوم أحد عن أحد، ونقل عن مالك أنه قال: ما سمعت أحدًا من الصحابة والتابعين بالمدينة أفتى بما روته عائشة وابن عبَّاس، يعني مع أنَّ
[ ١٦٨ ]
مثله ممَّا يتكرر السؤال عنه وتنقل الفتوى به. وإذا كانت عائشة وابن عبَّاس يفتيان بخلاف روايتهما؛ فذلك توهين لمدلول الرواية، فإمَّا أن يكون ذلك حُكمًا منسوخًا وإما أن يكون ذلك مؤَؤَّلًا. وقال عياض: إن اضطراب الرواية عن ابن عبَّاس، فبعضُ الرواة عنه روى أن السائل رجل وبعضهن روى أنَّه امرأة. وقد أجاب ابن العربي في «القبس»، فقال: إنَّما أجاب النبي - ﷺ - من مسألة: بانه يصوم وعلَّله بـ «أن» دَين الله أحق بأن يقضَى» من أجل أنَّهم كانوا قد جبلوا على إكرام أوليائهم بعد موتهم في الجاهلية حتَّى أن كانوا لينحرون الجزُر على قبور كرمائهم؛ لأنهم كانوا يحبون ذلك في حياتهم، فأراد النبي - ﷺ - أن لا يقطع منهم ذلك البر بأوليائهم. انتهى، أي: وأن لا يظهر فيهم تنزيل حقوق الله تعالى عن عوائد الناس، فلمَّما تقرَّر الإسلام فيهم نسخ ذلك، ويدل لوهن إيجاب ذلك على الوليِّ أنَّه لو لم يصم الولي عن ميته لا أحسب أنَّ أحدًا يُقدم على القول بأنَّ الولي يعاقب على ترك صومه عن وليُّه الميت، فيكون (كذي العر يكوي غيره وهو رَاتع) على أن التشبيه بالدين يقتضي عدم الوجوب؛ لأنَّ الوليَّ لا يجب عليه أداء دين مولاه حفاظًا على المروءة، فلا شكَّ أنَّ الحديث ورد في حالة يحمل إبهامها على عدم الأخذ بظاهره.
وقد أخذ الجمهور في هذا بمثل ما أخذ مالك - ﵃ -. وقال أبو حنيفة: لا يصوم الوليُّ ولكن عليه فدية طعام مسكين عن كلِّ يوم وجوبًا في مال الميِّت واستحبابًا إن لم يترك مالًا. وقال الشافعي في أوَّل قوليه: يستحب للوليِّ أن يصوم عن مولاه الميت، وقد رجع الشافعي عن هذا القول إلى قول مالك.
[ ١٦٩ ]