مالكٌ عن عمه أبي سُهيل أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول: جاء رجل إلى رسول الله من أهل نجد، ثائر الرأس، يُسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله: «خمس صلوات في اليوم والليلة». قال: هل عليَّ غيرهنَّ؟ قال: «لا، إلا أن تطوَّع». قال رسول الله: «وصيام شهر رمضان». قال: هل عليِّ غيره. قال: «لا، إلا أن تطوَّع». قال: وذكر له رسول الله الزكاة، فقال: هل عليِّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوَّع». فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال رسول الله: «أفلح الرجل إن صدق».
هذا الرجل النجدي هو غير ضمام بن ثعلبة الوارد حديثه في «الصحيحين»؛ لأن ضمانًا من بني سعد بن بكر، ومنازب بني سعد ببادية مكة من تهامة وليسوا من أهل نجد؛ ولأن ضمانًا ذكر أنه رسولُ قومه بني سعد ووافدهم وهذا النجدي إنما جاء يسأل لنفسه؛ ولأن قول طلحة: «يسمع جويُّ صوته ولا نفقه ما يقول» يؤذن بأنه يتكَّلم لغة غير حضرية، ولغة بني سعد من اللغات الفصيحة المشهورة، وقد عُدت من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن في تفسير حديث: «أُنزل القرآن على سبعة أحرفٍ»؛ ولأن ضمامًا جاء كافرًا وسأل رسول الله - ﷺ -. ومن زعم
[ ١٢٢ ]
أنه ضمام فقد أبعد:
وقول رسول الله - ﷺ -: «إلا أن تطوَّع» منقطع يفيد الاستدراك لرفع ما يتوهم من قوله: «لا» أن يظن السامع أنه غير مستفيد من عمل البر غير ما ذكر، وقرينة الانقطاع نفس لفظ التطوع المؤذن بالاختيار، فلا يدخل في النفي الوارد جوابًا؛ لقوله: «هل عليَّ غيرهنَّ» المفيد بكلمة (عليَّ) معنى الوجوب واللزوم. ومن قال: إنه استثناء متصل وأن المراد إلا أن تشرع في تطوع فيكون عليك إكماله، فقد خرج عن مهيع الكلام خروجًا تثقيلًا وما ذكرته أسدُّ وأقوم قيلًا. ومبادرة رسول الله - ﷺ - بذكر التطوع له انتهاز فرصة للترغيب في الخير. وما بيَّنه رسول الله - ﷺ - له من شرائع الإسلام هو الأعمال المتعينة على المسلم في خاصته فهي لازمة له بالذات، ولم يبين له الأحكام العارضة في المعاملات؛ لأنها تطول؛ ولأن عليه أن يسأل عنها عند حدوثها به أو تردده في الإقدام عليها، مثل الوفاء بالنذر كما هو معلوم لهم.
على أن الظاهر أن هذا السائل جاء في مبدأ نزول رسول الله - ﷺ - بالمدينة قبل أن تتسع الشريعة ويجب الجهاد، ألا ترى أنه لم يذكر له الحج ولا الجهاد ولا ما هو معلوم المذمة عند الناس قبل مجيء الشريعة مثل: السرقة، والزنى. وفي هذا ما يبين تأويل قول رسول الله للناس: «أفلح الرجل إن صدق»؛ لأنه إذا أتى بالواجبات المفروضة عليه، فقد صار مفلحًا.