مالك عن العلاء بن عبد الرحمان عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وددت أني قد رأيت إخواننا». فقالوا: يا رسول الله ألسنا بإخوانك؟ قال: «بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد. وأنا فرطُهُم على الحوض». فقالوا: يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أُمتك؟ قال: «أرأيت لو كان لرجل خيلٌ غُر مُحجلةٌ في خيلٍ دُهم بهم ألا يعرف خيله؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «فإنهم يأتون غُرًا مُحجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض فلا يُذادن رجالٌ عن حوضي كما يُذاد البعير الضال، أُناديهم: ألا هُلم، ألا هلُم فيُقال: إنهم قد بدلُوا بعدك. فأقول: فسُحقًا فسحقًا فسُحقًا».
قوله: «دار قوم» الدار: المكان الذي يجمع سكانًا كثيرين. يقال: دار القوم ودارة القوم. وفي المثل: دارهم ما دمت في دارهم. والمراد هنا: سُكان الدار، مثل ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وانتصب: «دار قوم» على الاختصاص بالنداء؛ لأن المراد سُكانها.
وقوله: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» تنويه بأولئك المخاطبين، حيث يتمنى
[ ٨١ ]
المتكلم أن يكون مصيره كمصيرهم فيؤكد الخبر تأكيدًا يدل على أنه يسعى مثل سعيهم. فالمقصود لاحقون بكم: بالموت على الإيمان مثل: إيمانكم وعمل مثل عملكم، وكلمة «إن شاء الله» لرجاء حصول المأمول.
وقوله: «وددت»: انتقال من خطاب الأموات إلى خطاب أصحابه الحاضرين معه في المقبرة.
والمراد بالإخوان: الإخوان في الإيمان، كما هو ظاهر، والمراد بالود هنا: التمني بقرينة كون المودود غير ممكن عادةً، فظن السامعون أن رسول الله تمنى أن يرى فريقًا من المؤمنين، فلذلك قالوا: «ألسنا بإخوانك؟» أي: ألست ترانا الآن، وقد أرادوا استطلاع المقصود من تمني رؤية المؤمنين. فأجابهم بقوله: «بل أنتم أصحابي» إلخ. أي إخواني وزيادة. وإنما وددت أن أرى من لم يكن من أصحابي. وقد اتضح أن رسول الله قد آذنهم بقرب انتقاله إلى الرفيق الأعلى؛ لأنه تمنى أن يرى من لم يكن موجودًا يومئذ من المؤمنين، أي: أن الحياة الدنيا لا يود منها رسول الله إلا أن يرى أمته لو كان ذلك في الإمكان المعتاد. وكفى أمته بهذا دليلًا على محبة رسول الله ﵊ أمته وجزاه أحسن ما جزى به نبيًا عن أمته وبما هو أهله.
وقوله: «وأنا فرطهم عن الحوض» الفرط: بفتحتين. ويقال: الفارط بإشباع فتحة الفاء: هو الذي يسبق الواردين إلى الماء، فيصلح لهم الحوض الذي يملأ به الماتحون ويتذوق لهم الماء إن كان المستقون مسافرين في أرض لا يعرفون ماءها، قال الأعشى:
وأصفر كالحناء ذاوٍ جمامه متى ما يذُقه فارط القوم يبصُقُ
والكلام تمثيل، يعني وسيجدونني لما ينفعهم يومئذٍ؛ ولأجل كون الكلام تمثيلًا نشأ عنه سؤال أصحابه بقولهم: «كيف تعرف من يأتي بعدك» أي: كيف تعرفهم يوم الحشر حتى تصلح من أحوالهم كما ينفع الفرط قومه؟ وحصل الجواب بقوله: «أرأيت لو كان لرجل خيل» إلخ.
أما قوله: «فلا يذادن رجال» فهو انتقال من البشارة إلى النذارة، كدأب رسول الله في طبه النفوس، حذرهم به من الوقوع فيما يخرج عن الإسلام بعد الدخول في حضيرته والسعي إلى الارتواء من معينه.
[ ٨٢ ]
وقوله: «لا يذادن» نهي يراد بمثله النهي عن سبب الفعل، كما قال النابغة:
فقلت لهم لا أعرفن عقائلًا رعابيب من جنبي أريكٍ وعاقل
ضوارب بالأيدي وراء براغزٍ حسانٍ كآرام الصريم الخواذل
ولا أعرفني بعد ما قد نهيتكم أجادل يومًا في شوي وحامل
وهو نهي تحذير، ونداء النبي - ﷺ - إياهم يومئذ بالإقبال على حوضه مراد به التعريض للملائكة الذين ذادوهم عن الحوض أن يسمحوا لهم بوروده، فهذا النداء من معنى الشفاعة لهم ظنًا منه أنهم طُردوا لأجل ذُنوبهم وأنهم موفقون.
وقوله: «فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك» لا محالة أن المراد به أنهم بدلوا الإيمان كفرًا. فهو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨]. أي: أنهم ليسوا بمؤمنين، وهؤلاء هم أهل الردة الذين ماتوا على الكفر.
والمجيء بهم إلى جانب الحوض تنكيل بهم، ليروا ما كان لهم من الخير لو ثبتوا على الإيمان. وليس في الكلام ما يؤذن بأنهم يجيئون غُرًا محجلين، وأنى لهم الغرة والتحجيل اللذين هما من سمة التفضيل.
وقوله: «فأقول: فسحقًا فسحقًا فسحقًا» السحق: البُعد، ومكان سحيق: بعيد، وهو مفعول مطلق بديل عن فعل أمر أو عن فعل دعاء. وكرر الدال على إبعادهم ثلاث مرات؛ لإبطال تكرير ما دل على إدنائهم ثلاثًا من قوله: «ألا هلم»، وفيه إيماء إلى أن الرجال المتحدث عنهم ليسوا بمؤمنين؛ لأن الدعاء عليهم بالسحق يقتضي عدم الرحمة لهم، ولو كانوا مؤمنين لكان رسول الله بهم رؤوفًا رحيمًا وشفيعًا ملحًا، وللشارحين في هذا الحديث تطويل وشكوك تفككت بها أوصال هذا الكلام الشريف.
***
مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن حُمران مولى عثمان بن عفان: أن عثمان بن عفانٍ جلس على المقاعد فجاء المؤذن فآذنه بصلاة العصر فدعا بماءٍ فتوضأ، ثم قال:
[ ٨٣ ]
والله لأُحدثنكم حديثًا لولا أنه في كتاب الله ما حدثتكموه، ثم قال: سمعت رسول الله يقول: «ما من امرئ يتوضأ فيُحسن وضوءه، ثم يُصلي الصلاة إلا غُفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يُصليها. قال مالك: أراه يُريد هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].
قوله: «لولا أنه في كتاب الله» رواه يحيى بن يحيى، وابن بكير، عن مالك «أنه» بهمزة ونون مشددة. ورواه أبو مصعب عن مالك «لولا آية» بهمزة ممدودة وياء تحتية. وكذلك رواه مسلم عن حُمران عن عثمان، فيحتمل أن عثمان حدث بذلك مرتين، فقال مرة: «لولا أنه» وقال مرة: «لولا آية». ويحتمل أن حمران حدَّث بذلك عروة فقال مرة: (أنه) ومرة: (آية). وزعم ابن حجر في «فتح الباري» أن رواية (أنه) بهمزة ونون تصحيف، وهذا خطأ وجرأة على الرواة الثقات، فإن الحديث
معنعن في «الموطإ» فلا يظن برواته أنهم نقلوه من الكتب بطريق المناولة؛ لأن هذه الطريقة لم تكن متبعة عند أئمة السلف. وأعجب من ذلك أن ابن حجر اعتذر للتصحيف بسبب زيادة كلمة «في كتاب الله» في «الموطإ» و«صحيح مسلم»، فصحف لأجلها بعض رواته لفظ (آية) بالتحتية فصيره بالنون، يعني وسلم من ذلك رواة «صحيح البخاري» إذ ليس في حديثه ذكر كلمة «في كتاب الله».
ومعنى قول عثمان: «لولا أنه في كتاب الله ما حدثتكموه»: أنه إن لم يحدث به وجد الناس معناه في القرآن الذي لا يخفى عن أحد، ومعنى كونه في كتاب الله أنه
[ ٨٤ ]
مجمل في كتاب الله، وأن المسموع من رسول الله - ﷺ - بيان لذلك المجمل. وهذا كقول ابن مسعود حين لعن الواشمة والواصلة: مالي لا ألعن من لعن رسول الله وهو في كتاب الله، فقالت له امرأة: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته، فقال: إن كنت قرأتيه لقد وجدته، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
وقوله: «ما حدثتكموه» أي: خشية التقصير في غير هذا العمل من الصالحات مع أن مقصد الدين جعل المسلم بين حالي الخوف والرجاء، فكاد أن يمسك عن الحديث به.
ورواية «لولا آية في كتاب الله» بهمزة وتحتية يتعين أن تحمل على مثل رواية (أنه) بالهمزة والنون، كما تدل عليه رواية أبي مصعب، حيث لم تناف قول مالك عقبه: «أراه هذه الآية» إلخ فيكون المراد بما في كتاب الله على الروايتين قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]. وفي «صحيح مسلم» عن عروة بن الزبير أن عثمان أراد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩]. وهو بعيد عندي أن يكون هو المراد؛ لأن المقصود بـ ﴿الَّذِينَ يَكْتُمُون﴾ في تلك الآية اليهود الذين كتموا البشارة بالنبي - ﷺ -، وكتموا أحكامًا من التوراة، فأنسوها مثل حكم الرجم؛ ولأن محملها على كتمان الوحي الذي بكتمانه يضيع لفظه دون كتمان بعض ما يسمع من النبي - ﷺ -. فقد أمسك كثير من الصحابة عن التحدث عن رسول الله ﵊.
وفيما ذكرنا ما ينبهك على أن اختيار مالك ﵀ رواية (أنه) بهمزة ونون دون (آية) بالهمزة والتحتية مع أن كلتيهما مروي عن عمرو عن حمران هو من بديع صنع مالك في هذا الكتاب؛ فغفل عنه كثير من ذوي الألباب.
***
[ ٨٥ ]
مالكٌ أنه بلغه أن رسول الله - ﷺ - قال: «استقيموا ولن تُحصوا».
هذا الحديث من جوامع الكلم النبوية، و«استقيموا»: أمر بالاستقامة المشتقة من القوام أي: عدم الاعوجاج، قال سحيم:
وكنت إذا غمزت قناة قومٍ كسرت كعوبها أو تستقيما
أي: تعتدل ويزول اعوجاجها. والمراد بالاستقامة هنا معناها المجازي، أي: حسن العمل. ويقال في ضده مجاز بضده، وهو الزيغ أصله الاعوجاج.
وقوله: «ولن تُحصوا» أي: ولن تحيطوا بكمال الاستقامة. وحقيقة الإحصاء معرفة كامل العدد ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]. واستعمل مجازًا في العجز عن العمل. شُبهت قوة العمل بكثرة المعدود، فأطلق على العجز عن القيام بالعمل القوي اللفظ الموضوع للعجز عن معرفة العدد الكثير، وأطلق نفي الإحصاء على نفي الاستطاعة، وهو إطلاق فصيح، قال تعالى ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] أي: لن تستطيعوا قيام الليل كله.
والواو في قوله: «ولن تحصوا» واو الحال، أي: استقيموا وأنكم لن تحصوا غاية الاستقامة، والكلام مسوق مساق الإغراء بالعمل، كما تقول: افعل كذا ولا تقدر؛ لأن الإنسان يأنف من نسبته إلى التقصير، فإذا قلت له: لا تقدر أو نحوه، صرف جهده للعمل، فيأتي به كاملًا أو مقاربًا، ومن هذا القبيل قولهم: «ولا أظنك تفعل».