لا شك أن الإمام ابن عاشور ﵀. كان حريصًا على تحصيل العلم والمعرفة، سماعًا وقراءة على مَن تأهّل في ذلك، وبرز في فنه، واشتدَّ عوده في ميدانه.
- فتخرج على الشيخ عبد القادر التميمي في تجويد القرآن، وعلم القراءات، وبخاصة في رواية قالون.
- وعلى الشيخ محمَّد النخلي، درس عليه من كتب علوم الوسائل «القطر» و«المكودي على الخلاصة» و«مقدمة الإعراب» في النحو و«مختصر السعد» في البلاغة و«التهذيب» في المنطق. وتخرَّج به في أصول الفقه بدراسة الحطَّاب على «الورقات»، و«التنقيح» للقرافي، وفي الفقه المالكي بكتاب «ميارة على المرشد» و«كفاية الطلب على الرسالة».
[ ٧ ]
-وقرأ على الشيخ محمَّد صالح الشريف كتاب خالد الأزهرية، و«القطر» لابن هشام. و«المكودي على الخلاصة» في النحو. و«السُّلَّم» في المنطق، وفي علوم العقائد: «مختصر السعد على العقائد النسفية» و«التاودي على التحفية» في الفقه.
- وعن الشيخ عمر بن عاشور «لامية الأفعال» وشروحها في الصرف، و«تعليق الدماميني على المغني» لابن هشام في النحو، و«مختصر السعد» في البلاغة، و«الدردير» في الفقه. و«الدرَّة» في الفرائض.
ودرس على الشيخ محمَّد النجار الشريف كتاب «المكودي على الخلاصة» في النحو. و«مختصر السعد» في البلغة. و«المواقف» في علم الكلام. و«البيقونيَّة» أو «غرامي صحيح» في مصطلح الحديث.
- وقرأ على الشيخ محمَّد طاهر جعفر «شرح لمحلي على جمع الجوامع» في أصول الفقه. و«الشهاب الخفاجي على الشفاء» للقاضي عياض في السيرة النبوية.
- وعلى الشيخ أحمد جمال الدين «القطر» في النحو، و«الدردير» في الفقه.
- وعلى الشيخ محمَّد صالح الشاهد «الدردير».
- وعلى لشيخ محمَّد العربي الدرعي «كفاية الطالب على الرسالة» في الفقه.
* والملاحظ أن لبعض شيوخه الكبار أثرًا واضحًا في تكوينه، وفي منهجه المعرفي. وأخص بالذكر شيخين ذاع صيتهما في ذلك الزمن، وكان لهما وقع كبير في الأوساط العلمية في تونس. أولهما: الشيخ سالم بو حاجب (ت ١٩٢٤ هـ) أحد المصلحين والمحققين الأذكياء. فنظرًا لنباهة هذا الشيخ، وعلو كعبه في العلم لازمه الشيخ ابن عاشور فقرأ «صحيح البخاري» بشرح القسطلاني. قراءة تحقيق بجامع الزيتونة، كما قرأ عليه على ذلك النمط أجزاء من «شرح الزرقاني على موطأ مالك».
ثانيهما: الشيخ محمَّد العزيز بوعتور (ت ١٩٠٧ هـ) الذي كانت له عناية خاصَّة بحفيده الشيخ محمَّد الطاهر ابن عاشور فإضافة على قراءة الطالب على شيخه بعض أمهات الكتب فإن الأستاذ دوَّن له بخط يده مجموعًا فريدًا، جمع له به عيون الأدب، ونصوص الحكم وبدائع النظم والنثر.
[ ٨ ]
* وظائفه العلمية والإدارية والشرعية:
دخل الشيخ ابن عاشور ميدان التدريس في جامعة الزيتونة، وترقى في سلَّم مما أهله أن يكون من ذوي الر\ُّتب العليَّة. وخاض مناظراته ونجح في جميع امتحاناته. حتى أصبح مقدمًا بين أقرانه، ماسكًا بزمام التعليم والتربية والتوجيه. فأخذ يتفنن في إفادة الطلبة، وإتحافهم بضروب من التحقيقات النادرة فدرس «الشرح المطول» للتفتراني. وكتاب «دلائل الإعجاز» للجرجاني في البلاغة. و«شرح المحلي لجمع الجوامع» للسبكي في أصول الفقه، و«مقدمة ابن خلدون» وهي كما لا يخفى من الأمهات في نقد التاريخ، وأصول علم الاجتماع. ودرس «ديوان الجماسة» لأبي تمام. ودرس أيضًا في الحديث «موطأ» الإمام. وأقرأ «تفسير البيضاوي» بحاشية الشهاب.
كما تمرس مترجمنا ﵀ على جانب ذلك بالأعمال الإدارية والوظائف الشرعية، التي تأهل لها بمواهبه الفائقة العالية. كما شارك في المؤسسات العلمية والثقافية، وأسهم في إدارتها وتنشيطها بعزم وهمة. فتقلب في عدة وظائف تتعلق بالتعليم وإدارته. وبالمكتبات بالإصلاح. فعُيِّن مرات عديدة في مجلس إصلاح التعليم بجامع الزيتونة. وبحكم وظيفته الشرعية، عُين عضوًا في النظارة العلمية وقاضيًا أو كبير أهل الشورى في المجلس الشرعي. وباشر مشيخة الجامع الأعظم في هذه السنوات (١٩٣٢ - ١٩٣٣) و(١٩٤٥ - ١٩٥٢ م) وإثر الاستقلال التونسي عُين عميدًا للجامعة الزيتونية (من سنة ١٩٥٦ إلى ١٩٦٠ م).
كما عُين الشيخ ابن عاشور قاضيًا مالكيًا بالمجلس الشرعي، ثم مفتيًا ثم شيخًا للإسلام على المذهب المالكي (سنة ١٩٣٣ م).
ونظرًا لبعد صيته في العلم، وتبحُّره في علوم الآلة أي الاجتهاد، وتوسعه في اللغة العربية. انتُخِب عضوًا بالمجمعين: مجمع اللغة العربية بالقاهرة (سنة ١٩٥٠ م) والمجمع العلمي العربي بدمشق (سنة ١٩٥٥ م).
* تلاميذه:
يعتبر الشيخ ابن عاشور معلم الأجيال. فقد طال عمره. وبارك الله له فيه، حتى
[ ٩ ]
تتلمذ عليه الصغار والكبار، وانتفع القاصي به والداني. فمن أشهر تلاميذه ابنه العلَّامة المحقق محمَّد الفاضل ابن عاشور. والعلَّامة محمَّد الشاذلي النيفر، والعلامة محمَّد الحبيب ابن الخوجة وغيرهم من العلماء والباحثين.
* مكانته العلمية وثناء العلماء عليها:
قال فيه شيخ الأزهر العلَّامة المحقق قرنه في الدراسة محمَّد الخضر حسين: «وللأستاذ فصاحة منطق، وبراعة بيان. ويضيف إلى غزارة العلم، وقوة النظر، صفاء الذوق، وسعة الاطلاع في آداب اللغة وبالإجمال ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه، وسماحة آدابه بأقل من إعجابي بعبقريته في العلم».
وقال فيه العلَّامة المصلح الشيخ محمَّد البشير الإبراهيمي قائلًا: عَلَم من الأعلام الذي يعدُّهم التاريخ الحاضر من ذخائره. فهو «إمام مُتبحّر في العلوم الإسلامية، مستقلٌ في الاستدلال. واسع الثراء من كنوزها. فسيح الذرع بتحملها. نافذ البصيرة في معقولها، وافر الاطلاع على المنقول منها، أقرأ وأفاد، وتخرَّجت عليه طبقات ممتازة في التحقيق العلمي.
وقال الدكتور العلمي عبد الرحمن العثيمين: «من أفاضل الرجال في عصرها، أدركته ولم يُقدَّر لي رؤيته -وهو بلا شك- من محاسن العصر، ونوادر الرِّجال. رئيس المفتين المالكيين في تونس. وشيخ جامعة الزيتونة بها خلف مكتبة حافلة بنوادر المخطوطات والمطبوعات. وألَّف آثارًا جليلة.