[ ١٤٣ ]
وقع في أكثر النسخ كتاب الزكاة قبل الصيام، ووقع في بعض النسخ كتاب الصيام قبل الزكاة.
الزكاة اسم جاء في الإسلام مرادًا به الحق الذي يجب على الغنيِّ إعطاؤه من ماله لنفع فقراء المسلمين ونوائب المسلمين؛ وكأنها سميت زكاة؛ لأنها تزكي المال، أي: تطهره من الفساد والتبعات. وأحسب أ، هذا المعنى كان معروفًا في كلام العرب؛ لأن هذا اللفظ ما ورد في آيات القرآن لم يحتج الرسول ﵊ لتبيين المراد منه، فالزكاة أخص من الصدقة؛ لأن الزكاة حقٌ لله في مال الغني والصدقة عطية يتطوع بها المُعطي وإن لم يكن غنيًّا، ومن الزكاة يكون جزء عظيم من الأموال التي تنفق في المصالح العامة للمسلمين المعبَّر عنها ببيت المال، وقد قال أبو بكر لعمر بن الخطاب في المحاورة التي دارت بينهما حين عزم على قتال مانعي الزكاة لأقاتلنَّ مَن فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال»، وقد كانت بذلك جديرة أن تعدَّ في شعائر نظام ولاية أمر المسلمين، ولكن الله رفع قدرها؛ فجعلها عبادة وقربة وقارن بها الصلاة تنويًها بشأنها، وجعلها من خطاب التكليف المقصود لذاته، وجعل الغني المعبر عنه بالنصاب، ومرور الحول الذي يتحقق به الغنى فيما اشترط فيه مرور الحول بمنزلة تسقط الزكاة عن أيتام المجانين؛ لأنها حقُّ المال، وليست عبادة على المعنى الأتمِّ؛ ليكون بذلك كله داعي المسلم إلى إعطائها من نفسه؛ لأنه يراها ذخرًا اتخذه عند ربه. وبهذا الجعل الإلهي يكون تناول الفقير حظه من مال الزكاة غير مُغض به؛ فيبقى بذلك حسنّ المبرة بين أغنياء الأمة وفقرائها. ولو جُعلت الزكاة بمنزلة المغارم المالية، ونزلت منزلة آثار خطاب الوضع، مثل ضمان قيم المتلفات، فاعتبر الغنى أصلًا والزكاة فرعًا له -لحديث في النفوس أنفة تبعثهم على منعها علينًا أو خفية؛ فينقطع بذلك حبل التواصل بين الأغنياء والفقراء وبين الراعي والرعية؛ وذلك يدخل خللًا عظيمًا يميت من الأمة رابطة التعاون على المصالح ويفتح أبواب التأويل لمنع الزكاة؛ وذلك خيال لما تخيَّله
[ ١٤٥ ]
بعض قبائل العرب بعد وفاة رسول الله - ﷺ - دفهم إلى منع الزكاة، فقالوا: إنما كنا نعطي حق أموالنا لرسول الله؛ فإذا قد توفيِّ رسول الله، فلا ندين بذلك لرجال أمثالنا، وقد قال بعض هؤلاء من قبيلة طي، ولعله يعني أحد سعاة الزكاة في صدر خلافة أبي بكر - ﵁ -:
فقولا لهذا المرء ذُو جاءَ ساعيًا هلم فإن المشرفي الفرائض
وقد قال رسول الله - ﷺ - لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن: «فإن هم أطاعوا لك لذلك (أي بالإيمان والصلاة)؛ فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ على فقرائهم» وفي معناه ما وقع في حديث ضِمام بن ثعلبة.
وإذ قد كانت الزكاة حقًا في مال الغني كان مناط تقدير الأنواع والمقادير التي تجب فيها الزكاة شرعًا منظورًا فيه إلى ما يعتبر غنى لصاحبه من الأموال التي لا ينعدم النفع بها، وفي المقادير التي لا تحسب تافهة ولا غير ثابتة في ملك أربابها، فمن هنا تتشعب أحوال الأموال الزكاة وغيرها، والمقادير التي تجب فيها الزكاة من تلك الأموال، ومرور الزمن الذي يتحقق به الغنى عن استهلاك ذلك المال في لوازم الحياة، وتظهر لفروق الجديرة بالاعتبار بين مختلف هذه الأمور؛ وذاك لا يجمع عن زمام النظر في تصاريف الشريعة.