[ ١٥٩ ]
وقع في أكثر النسخ كتاب الصيام بعد الزكاة، وفي بعض النسخ كتاب الزكاة بعد الصيام.
شرع الله الصيام وجعله من قواعد الإسلام، كما دلَّ عليه قول رسول الله - ﷺ - «بني الإسلام على خمس » فذكر فيها «وصيام رمضان »، وكما في حديث سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان، وحديث ضمام بن ثعلبة السعدي، وحديث النجدي. والصوم من النواميس الإلهية في شرائع كثيرة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ولعله كان من الحنيفيَّة، فقد ثبت في «الموطإ» أن قريشًا كانوا يصومون يومَ عاشوراء في الجاهلية، وأنَّ رسول الله - ﷺ - صامه فيما قبل الإسلام، وثبت في «صحيح البخاري» أن اليهود كانوا يصومونه في المدينة، وثبت أنَّ صومه كان مفروضًا على المسلمين عند قدومهم المدينة، ثمَّ نسخ بصوم رمضان في شعبان سنة اثنتين.
وفي الصيام حكمة عظيمة، لاشتماله على فوائد كثيرة نفسانية وجسمانية.
فالنفسانية منها: التخلُّق بالصبر على أشدِّ اللذَّات تعلقًا بالجبلة وأكثرها انبعاثًا في النفس. ومنها التخلُّق بقوَّة الإرادة على ترك المحبوب وارتكاب مصاعب الأمور. ومنها تذكير النفس بحال حاجة المحتاج لتنبعث فيها داعية مواساة الفقير. ومنها تقوية الناحية الملكية في الأرواح البشرية؛ لتتزكَّى بذلك وتتهيَّأ؛ لأن تصدر عنها أفعال الخير. ومنها معرفة قدر نعمة تيسير الطعام والشراب؛ ليشكر الله تعالى على ذلك ويزن نعمة تيسيرها بحالة فقدها الموقت، فيتَّعظ بما لو فقدها فقدًا مستمرًّا.
وأما الجثمانية فمنا: التعويد بتغيير أنظمة المعيشة؛ ليقتدر المسلم على تحمل تغيير
[ ١٦١ ]
نظم عيشه في مدَّة الجهاد وفي الاغتراب والأسفار، فيكون قليل الكروب عند الكوارث. ومنها إراحة الجهاز الهضمي وقتًا طويلًا؛ ليزول بذلك ما عسى أن يكون قد غشيه من صلصال الإفراز، وهي الفائدة الحاصلة من الحمية في علم الصحَّة والطب.
وفيه فوائد جمَّة يعلمها الله تعالى؛ ولذلك قال الله تعالى في مقام الترخيص لبعض أهل الأعذار الخفيفة في الفطر: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ثم إنَّ في توقيت هذه العبادة بشهر معين من العام لسائر الأمة حكمة عظيمة، وهي تيسيره عليهم؛ لأن الاشتراك في المصاعب يسهلها على النفوس، وفيه أيضًا حكمة حصول النظام في أمور المسلمين؛ ليعتادوا على النظام من حصوله في أهمِّ العبادات. وفيه حكمة توقيت هذا التغير الواسع في نظام العيش بوقت معين مثل: أوقات الحِميات والأدوية في الطب. وفيه حكمة كونه جزءًا من اثني عشر جزءًا من السنة، فهو بمقدار ثلث فصل من فصول العام.