وقع في حديث يزيد بن عبد الله بن الهاد:
[ ١٠٤ ]
«أن أبا هُريرة قال: خرجت إلى الطُّور فلقيت كعب الأخبار» إلخ.
الظاهر أن أبا هريرة كان في بيت المقدس زائرًا؛ فخرج إلى الطور مهبط الوحي على موسى - ﵇ - بنية القربة بالصلاة فيه، كما يدل عليه قوله بعد: «فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري أو أبا بصرة بن بصرة، كما صوبه أبو عمر بن عبد البر. فإن أبا بصرة قال له: «لو أدركتُك قبل أن تخرج إليه ما خرجت» إلخ.
ولم ينكر عليه أبو هريرة ولا اعتذر بما يدفع اعتراض أبي بصرة.
ويحتمل عندي أن من أغراض أبي هريرة في الخروج إلى الطور أن يلقى كعب الأحبار، فقد جاء في ترجمة أبي هريرة: أنه كان يحب معرفة ما في التوراة، كما ذكره في «الاستيعاب» «والإصابة»، والظاهر أنه لقي كعب الأحبار في الطور قبل إسلام كعب الأحبار، وأن كعبًا كان مجاورًا بالطور أو كان في مسجد لليهود هنالك. ومما يدل على أن كعبًا كان يومئذٍ قبل أن يسلم قوله في الخبر: فقرأ كعب التوراة، فقال: صدق رسول الله؛ وتصديقه رسول الله لا ينافي أنه كان قبل أن يسلم؛ لأنه قد يكون قد ابتدأ انشراح صدره للإسلام، أو قد يكون من اليهود الذين لا ينكرون رسالة محمد - ﷺ -، وإنما يخصونها بالعرب، فقد قال ابن صياد لرسول الله - ﷺ - حين قال له: «أتشهد أني رسول الله؟»: أشهد أنك رسول الأميين، وعلى هذا المذهب نشأ اليهود العيسوية بأصبهان، وهم أصحاب أبي عيسى الأصبهاني اليهودي، وكان كعب من أكبر أحبار اليهود، وهو كعب بن ماتع الحميري، والأحبار بفتح الهمزة: لغة في الحبر، فهو وصف مثل أمشاج، وثوب أخلاق، وبناءٍ أنقاض، وغزل أنكاث؛ فيجعل وصفًا جاريًا على اسم كعب، يعرب إعراب النعت. وليس المراد به هنا جمع حبر، كقوله تعالى: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤]. وربما قالوا: كعب الحبر. أسلم كعب في خلافة عمر، وكان عمر يقربه إليه.
ووقع فيه قوله «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجُمعة».
هكذا ثبت في رواية يحيى «طلعت عليه»، وتعدية فعل طلع بحرف (على)
[ ١٠٥ ]
باعتبار أن اليوم هو من أحوال أهل الأرض؛ فبذلك الاعتبار جعلت الشمس طالعة عليه، ووقع في رواية عبد الله بن مَسلمة في «الموطإ» «طلعت فيه»، وكذلك رواه الترمذي في كتاب الجمعة عن معن عن مالك، وهي ظاهرة.
واعلم أن حديث يزيد بن عبد الله بن الهاد بهذه الرواية لم يخرجه البخاري ولا مسلم، وأخرجه الترمذي عن مَعن عن مالك مقتصرًا على بعضه، وأخرجه أبو داود عن عبد الله بن مسلمة عن مالك وهو حديث صحيح، ومن العجيب إغفال البخاري ومسلم إياه. وفيه رواية ثلاثة من أصحاب رسول الله، ويظن أن إغفال صاحبي الصحيحين إياه ناظر إلى ما وقع فيه من قول الراوي «فلقيت بَصرة بن أبي بَصرة» قالوا؛ لأن المعروف أن راوي كلام الرسول هو أبو بصرة لا بصرة بن أبي بصرة. وهذا عندنا لا يوجب إغفال الحديث؛ لأن بصرة بن أبي بصرة صحابي بالاتفاق، وكون الحديث مرويًا عن أبيه عند غير يزيد ابن الهاد، لا يوجب إبطال رواية بَصرة لإمكان الرواية، والمثبت مُقدم على النافي. ويجوز أن يكون بصرة يكنى أبا بصرة أيضًا؛ فيكون هو الواقع في حديث الجمهور.