شُرع استقبال جهة معينة في الصلاة إكمالًا لاستحضار الوقوف بين يدي الله حتى يكون المصلي غير مختار أن يتوجه حيث شاء، بل إنما يتوجه لجهة معينة يستشعر بها أنه متوجه إلى عبادة ربه تعالى، فكان من المناسب أن تعيّن جهة الصلاة بجهة شيءٍ له مزيد تعلق بتذكير الله تعالى. واتفق أهل العلم على أن رسول الله - ﷺ - والمسلمين أيام كانوا بمكة قد استقبلوا جهة معينة في الصلاة. والأصح أنهم استقبلوا جهة بيتٍ المقدس، أي جهة الشرق؛ لأن بيت المقدس بنيت على موضع مسجد إبراهيم - ﵇ - الذي بناه بعد الكعبة بأربعين سنة، كما ورد في حديث أبي ذر عن رسول الله - ﷺ - في «صحيح البخاري».
ولا شك أن الاستقبال كان بأمر من الله تعالى، ولولا ذلك لما تأخر رسول الله - ﷺ - عن استقبال الكعبة، حتى يرد له الأمر بذلك من الله تعالى، كما أنبأ به قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٤]، وقد رُوي أن رسول الله - ﷺ - كان في مكة يجعل الكعبة بينه وبين جهة بيت المقدس؛ فلما هاجر إلى المدينة تعذَّر ذلك؛ فتمحض أن يتجه إلى بيت المقدس، ولم يصحَّ ذلك. وروي أنه كان في مكة يستقبل الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس قبل الهجرة بثلاث سنين، فصلى كذلك ثلاث سنين، ثم هاجر إلى المدينة، فاستمر كذلك إلى أن أمر باستقبال الكعبة، ولم يصح، إذ يكون حكم القبلة قد نسخ مرتين، وهذا غير لائق بالشريعة. ومن العجائب أن أيا بكر بن العربي ساير هذا في «العارضة» وجعل له نظيرين: نسخ نكاح
[ ١٢٦ ]
المتعة مرتين، ونسخ أكل لحوم الحمر الأهلية مرتين. وكلُّ ذلك بناء على أساس واه نشأ عن اضطراب في الرواية في أحكام هذه الثلاثة، وليس هذا موضع بيانه.
وإنما أمر رسول الله - ﷺ - باستقبال بين المقدس في مدة مقامه بمكة؛ لأن الكعبة كانت محوطة بالأصنام، فلو استقبلها رسول الله - ﷺ - لاتخذ المشركون ذلك شبهة يرجون بها صحة معتقدهم، فلما هاجر رسول الله ﵊ والمسلمون إلى المدينة وتقرَّرت مجافاته لشعائر الشرك بالخروج من بين المثرين على الإشراك لم يبق في استقبال الكعبة شُبهة يتخذها المشركون حجة على المسلمين، والحكمة في إمهال الأمر باستقبال الكعبة إلى مضي ستة عشر شهرًا من حين الهجرة إلى المدينة، قطعُ طماعية المشركين في ندامة المسلمين على خروجهم من مكة أن يقولوا: لما خرجوا من بيتنا حنُّوا إلى مكة فاقتنعوا باستقبالها؛ فكانت المدة التي مضت مدة لا يبقى للشوق بعدها مخامرة للنفوس، فلا يستطيع مدع أن يدعي أن الاستقبال كان حنينًا إلى الأوطان، ومن الناس من قال: إن رسول الله - ﷺ - استقبل بيت المقدس تأليفًا لليهود بالمدينة. وهذه غفلة إذ قد استقبله بمكة وليس في مكة يهود. ثم اختار الله لرسوله ﵊ وللدين أن تكون قبله أهله الكعبة؛ لأنها أولى الجهات باستقبال مناجي ربه، إذ الكعبة أول بيت أقيم لإعلان توحيد الله، كما بيَّناه في تفسير قوله تعالى: ﴿إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، ولأنه أول بيت بناه رسول بيده. فإنه بناه إبراهيم قبل أن يبني المسجد الأقصى.