مالكٌ عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه قال: أُنزلت «عبس وتولى» في عبد الله ابن أم مكتوم. جاء إلى رسول الله، فجعل يقول: يا محمد استدنني، وعند النبي رجلٌ من عُظماء المشركين، فجعل النبي يُعرض عنه ويُقبل على الآخر، ويقول: يا أبا فُلان هل ترى بما أقول بأسًا؟ فيقول: لا والدماء ما أرى بما تقول بأسًا، فأنزلت: ﴿عَبَسَ وتَولَّى (١) أَن جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس: ١، ٢].
كان ذلك بمكة في صدر الإسلام أيام عرض رسول الله - ﷺ - القرآن على مشركي مكة، وكان ابن أم مكتوم من المسلمين الأولين، وكان أعمى البصر، والرجل الذي عند رسول الله من عظماء المشركين. قيل: هو عتبة بن ربيعة، وقيل: أبي بن خلف، وقيل: أمية بن خلف، وقيل: شيبة بن ربيعة. ومعنى قول رسول الله - ﷺ -: «هل ترى بما أقول بأسًا»: أي: ضرًا عليك وعلى قومك؛ وذلك لأن أول ما نزل من القرآن
[ ١٢٨ ]
كان تذكيرًا بالخلق، وتحذيرًا من كفر نعمة الله، وإثباتًا لنبوَّة محمد - ﷺ -، ووعدًا على الأعمال الصالحة؛ مثل: سورة اقرأ باسم ربك، وسورة المدثر، وسورة المزمل، ولم يكن فيه شيء من التعرض لآلهتهم، فلم يتلقوه بالقبول، وكذبوا الرسول، وأنكروا البعث، وناصبوا رسول الله - ﷺ - والمؤمنين العداء؛ فلذلك عَرض رسول الله على أحد عظمائهم ما نزل من القرآن، فقال له الآخر: «ولا الدماء، ما أرى بما تقول بأسًا». وكان رسول الله يرجو أن يسلم ذلك العظيم، فيقتدي به قومه، أو أن يصدًّ قومه عن أذى المسلمين، وقد رأى من الرجل تأثرًا بالقرآن ومقاربة للإيمان، فجعل يُعرض عن الاشتغال بابن أمِّ مكتوم خشية امتعاض هذا الرجل، وخشية انفضاض المجلس عن غير طائل، فكان شغل رسول الله - ﷺ - شغلًا بمهمِّ شرعي عظيم، اجتهد رسول الله ﵊، فرأى أنه أهم من الاشتغال بابن أم مكتوم؛ لأن المشرك إذا دخل في الإسلام زاد في أتباعه، وابن أم مكتوم إسلامه حاصل وإرشاده لا يَفوت؛ ولكن الله تعالى لم يقرَّه على اجتهاده هذا، فأعلمه بأن الاشتغال بهدي أحد من المؤمنين والاهتمام به أولى عند الله من الاشتغال بمحاولة إقناع أحد المشركين؛ لأن إكمال هدي المؤمن بما يزيده تزكية ورشدًا محقق الحصول؛ لأنه طالب هدي؛ ولأن الإقبال عليه يزيده محبَّةً لله ورسوله، وهدي المشرك مشكوك فيه؛ لأنه مكابر معاند، وقد قال الله تعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]. والإقبال عليه لا يزيده إلا طغيانًا. فهذا علم جديد أوحى الله به إلى رسوله - ﷺ -؛ ليعلم به أصلًا من أصول دين الإسلام.
وقول ابن أم مكتوم: «استدنني»: أي: خذ بيدي. أراد أن يصل إلى الجلوس عنده؛ لأنه لما بلغ البيت خشي إن هو استمر على المشي إلى النبي - ﷺ - لأن يطأ جالسًا أو يعثر في شيء؛ ولذلك حكى الله حاله بقوله: «الأعمى»، فليس في ذلك تحقير لابن أم مكتوم، ولا تعريض بأن رسول الله - ﷺ - عبس له؛ لأنه أعمى، إذ لا يخطر ذلك بالبال.
وقول المشرك: «لا والدماء»: قسم تلطف فيه المشرك، فلم يباشر رسول الله ﵊ بقسم بآلهتهم، فأقسم بالدماء التي هي دماء الهدايا في الحج.
وقد يُقال: كان اجتهاد رسول الله جاريًا على حسب ظواهر الأحوال دون إطلاع على مراد الله بها، فإن السعي إلى هداية مشرك أهم، وأعنى من الاشتغال ببعض المسلمين اشتغالًا قد يفيت إقناع ذلك المشرك، فيعلم أنَّ ذلك المسلم جاء مستزيدًا اهتداء، وجاء بقلبٍ سليم ممتلئ إيمانًا وخيرًا، ويعلم أن المشرك مصر على
[ ١٢٩ ]
شركه، وأن إظهاره الاقتناع بما يقول رسول الله - ﷺ - محض مصانعه ومؤاربه، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ [عبي: ٥] أي: طغى وكفر، ﴿فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) ومَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى﴾ [عبس: ٥، ٦]، فكان حال رسول الله - ﷺ - في هذه القضية كحال موسى مع الخضر، فقد حصل ذانك المقامان لرسول الله - ﷺ - من تلقاء ربه من غير احتياج إلى مخلوق، فكان العلمان الحاصلان له علمين لدنيين، والله أعلم.