مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر».
لم يتضح المراد بالخير في كلام رسول الله - ﷺ - سلم لشراح هذا الحديث، ولم يظهر وجه التسبب بين تعجيل الفطر ودوام الخير للأمة، فجعل بعض رواة الحديث يرونه بالمعنى الذي بدا له، فرواه بعض الرواة عن سهل بن سعد: «لا تزال أمتي على سنتي ما يم تنتظر بفطرها النجوم»، وروى عن أبي هريرة مرفوعًا: «لأن اليهود والنصارى يؤخرون»، وجاء في «سنن أبي داود» و«مسند أبي خزيمة» عن أبي هريرة
[ ١٦٢ ]
مرفوعًا: «لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر».
وأما شراح الحديث، فقال الباجي: إنَّما هو مكروه إذا قصد بتأخير الفطر انتظار ظهور النجوم مثل: اليهود، فيكره لمن رأى ذلك فضيلة. وأمَّا تأخيره على غير هذا الوجه مع اعتقاد أنَّ صومه قد كمل مع الغروب فلا كراهة فيه، وقال المازري في «المعلم» أي: أنَّ تغيير هذه السنة علم على فساد الأمر. أهـ.
وأنا أقول كلمة رسول الله - ﷺ - أكثر معنى؛ والمراد بالخير هو خير الدنيا في صحة أجسامهم وخير الآخرة في استكمال مقدرتهم على أداء تلك العبادة. والحكمة في ذلك فيما أرى أن الصوم تغيير لأوقات الأكل، فإنَّ الناس يأكلون أكلات ثلاثة في النهار وأكلة في الليل، وأنَّ إكثار الأكلات في النهار شيء اقتضاه تطلب المزاج لما يخلف عليه ما أوضاعه من القوة بعمل سائر الحواس والأعضاء بقصدٍ أو بغير قصد. ومعظم عمل الجسد عمل داخلي يديره نظام المجموع العصبي المنزَّل من الحيوان منزلة الحرِّك الميكانيكي مع ما يمدُّه تبعًا لحركته من حركة الدم في دورته وما يتأثر تبعًا لذلك كلِّه من عروق، وعضلات، ونسيج لحمي، وجلد. فهو لا جرم يحتاج إلى الاستراحة بعد حين من العمل استجدادًا للقوى، ومن لطف الله تعالى بالنَّوع أن جعل لنظام هذه الكرة التي نعيش عليها سببين عظيمين: أحدهما للعمل، والآخر للراحة وهما النور والظلمة. ولذلك قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، فالنور يوقظ المجموع العصبي ويبعثه على العلم، والظلام يهديه ويعينه على الراحة ويحمله عليها. ومن أهمِّ آثار أعمال المجموع العصبي حركة الجهاز الهضمي، فهو يحتاج إلى الدافع العصبي وإلى دورة الدم؛ فلذلك يكون الهضم أسرع في أكلات النهار منه في أكلة الليل ولما كان الصوم إمساكًا عن الأكل في النهار، وكان الإفطار ابتداء أكل بعد ذهاب النهار ندبت الشريعة أن تكون تلك الأكلة في أقرب الأوقات بساعات النهار، انتفاعًا ببقايا النشاط الذي في الجهاز الهضمي؛ لأنه بمقدار امتداد ما بعد الغروب ينقص ذلك النشاط وتتوغل الأعضاء في طلب الراحة مع الفتور عن العمل، وقد أشارت السنة بفعل الرسول - ﷺ - وأصحابه إلى أنَّ السحور يكون في آخر أجزاء الليل؛ لتكون تلك الأكلة مستقبلة ظهور النهار وهبوب الأعضاء إلى العمل؛
[ ١٦٣ ]
فلذلك كان من السنة تعجيل ثابتًا بالسنة القولية، وتأخير السحور بالسنة الفعلية.
وإنما قال رسول الله - ﷺ -: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر»، ولم يزد عليه: «وأخروا السحور»، فإن الثابت في «الصحيح» هو الاقتصار على ذكر تعجيل الفطر ولم تثبت زيادة: «وأخروا السحور»؛ لأن رسول الله قد علم أن كثيرًا من أصحابه كان يحب التملي من الصوم، والاستكثار من الخير والقربة حتَّى رام كثير منهم أن يصل صوم اليوم بصوم اليوم الموالي له، وهو ما دعا رسول الله إلى النهي عن الوصال، كما في أحاديثه المثبتة في «الموطإ» وما بعده. ومن البين أن معنى التعمق في الصوم يبعث على تأخير الفطر وتأخير السحور، فكان تعمُّقهم في ذلك منافيًا لمقصد الشريعة في أول طرفيه وموافقًا لمقصدها في طرفة الآخر وهو تأخير السحور، ندبهم رسول الله إلى تعجيل الفطر؛ لأنه المظنون بهم ولم يندبهم إلى تأخير السحور؛ لأنه حاصل منهم، فكما كانوا لقوله من الممثلين لا تكونوا عن فهم قوله من الغافلين.