عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] يُرددها فلما أصبح غدا إلى رسول الله - ﷺ -، فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالُّها، فقال رسول الله: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن».
هذا الحديث معضودٌ بمثله عن أبي أيوب، وأبي هريرة، وأبي بن كعب، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي الدرداء، وأم كلثوم بنت عقبة. وانحصرت التأويلات التي تأوَّل بها أصحاب معاني الآثار لهذا الحديث في أربعة تأويلات:
الأول: أنها تعدل ثلث القرآن في الأجر، أي: يكون لمن قرأها من الأجر مثل ثلث أجر من قرأ القرآن كله بدونها. ونسبه ابن السيد إلى الفقهاء والمفسرين، وهو رأي الأيِّي.
التأويل الثاني: أن ذلك لمن لا يُحسن غيرها أو في مدة محاولة تعلم غيرها معها، أو أراد ذلك القارئ المعين أو نحوه ممن قرأها على صفة الخشوع والتحسر؛ لأنه لم يحسن غيرها، كما ينبئ به قول الراوي: «وكأن الرجل يتقالُّها».
الثالث: أنها تعدل ثلث القرآن باعتبار أجناس معانيه؛ لأن القرآن أحكام، وأخبار، وتوحيد. وقد انفردت هذه السورة بجمعها أصول العقيدة الإسلامية مع الإيجاز.
وأقول: إن هذا يشبه قولهم: الفرائض نصف الفقه، أي: نصف جنسه؛ لأن منه أحكام الأحياء ومنه أحكام الوفيات. وكذلك قولهم: لا أدري نصفُ العلم؛ لأن العلم منه فهم، ومنه توقف. ونحوه ما روي في الحديث وإن كان ضعيفًا: «خُذوا شطر
[ ١٣٠ ]
دينكم عن هذه الحميراء»: يعني عائشة، بناء على تأويل الشطر بأنه شطر الأحكام، أعني الجنس المتعلق بأحكام النساء.
ويرجح هذا التأويل ما رواه مسلم عن أبي قتادة، وأحمد عن أبي الدرداء أن النبي - ﷺ - قال: «إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاءٍ، فجعل قل هو الله أحد ثلث القرآن». أي: كان ذلك قبل نزول آيات مثلها نحو آية الكرسي؛ أو لأنها لا توجد سورة واحدة جامعةً لما في سورة الإخلاص.
التأويل الرابع: أنها تعدل ثلث القرآن في الأجر مثل التأويل الأول، ولكن لا يكون تكرير هذه السورة بمنزلة قراءة ختمة من القرآن؛ ولكن قراءتها مرة لها من الأجر مثل ثلث أجر قراءة جميع القرآن، قاله إسحاق بن راهويه. وفي «سماع ابن القاسم» من كتاب الصلاة الثاني من «العتيبة»: سئل مالك: عمن قرأ: قل هو الله أحد مرارًا في ركعة واحدة؟ فكره ذلك، وقال: هذا من محدثات الأمور. قال ابن رشد: كره مالك ذلك لئلا يعتقد أن أجر من قرأ: قل هو الله أحد ثلاث مرَّات كأجر من قرأ القرآن كله، بتأويل ما رُوي عن النبي - ﷺ -: من أنها تعدل ثلث القرآن إذ ليس ذلك معنى الحديث عند العلماء، فإنهم أجمعوا على أ، من قرأ: قل هو الله أحد ثلاث مرات لا يساوي في الأجر من أحيا الليل بالقرآن كله، وقد اختلف العلماء في معنى قول النبي - ﷺ -: «أنها لتعدل ثلث القرآن» اختلافًا كثيرًا لا يرتفع بشيءٍ منه عن الحديث الإشكال، ولا يتخلص عن أن يكون فيه اعتراض أهـ.
قلت: قال ابن عبد البرِّ: السكوت على هذه المسألة وشبهها أفضل من الكلام فيها وأسلم.
قلت: إنها جمعت أصول العقيدة الإسلامية، وإبطال عقائد أشهر الملل المشهورة، فقوله: «هو الله» ردٌّ على الدهرين؛ إذ هو إثبات لوجود الله.
[ ١٣١ ]
وقوله: «أحَد» رد على المشركين الخُلَّص الذين عبدوا آلهة كثيرة، ولم يعبدوا الله، مثل: مشركي اليونان، ومجوس الفرس، وعبدة الكواكب من العرب أمثال أهل سبأ، وعلى المشركين من العرب الذين اعترفوا لله بالإلهية، وأشركوا معه في الإلهية.
وقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]. أي: الذي يُقصد في المهمات دون غيره، رد على بعض المشركين الذين اعتذروا لعبادة الأصنام بأنها تقربهم إلى الله زلفى، وقالوا في التلبية: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك.
وقوله: ﴿ولَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] إبطال لعقائد بعض أهل الكتاب من اليهود الذين أثبتوا الجسم لله تعالى. فقد زعموا أن يعقوب صارع الله تعالى وغلبه، فلقبه الله إسرائيل، أي: غالب إيل، وإيل اسم الله تعالى.