بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه
أما بعد، فقد كانت تَعْرض لي عند مزاولة «موطأ» مالك بن أنس - ﵁ -، رواية ودراية ومطالعة، نُكَتٌ، وتحقيقات، وفتحٌ لمغلقات، ليست مما تهُون إضاعته، ولا مما تُبْخس بضاعته، فكنت حين أقرأته في جامع الزيتونة بتونس، عقدت العزم على وضع شرح عليه يفي بهذا الغرض، يجمع أشتات ما انقدح في الدرس وما قبلُ عرض، ألمُّ بما كتب الشارحون، وأنفل ذلك بما يقدحه زند الذهن عند التأمل في معاني آثاره ومنازع فقه صاحبه، وكنت شرعت في ذلك وكتبت جملة، ثم طرأت شواغل أعمال نافعة ضايقت أوقاتي عن الوفاء بذلك، فاقتنعت بإثبات أهم ما يلوح لي من النكت والمسائل، وكشفت المشاكل، أو تحقيق مبحث، أو فصل نزاع، أو بيان استعمال عربي فصيح، أو مفرد غير متداول؛ «فالموطأ» وإن كان قد شُرح بشروحٍ جمَّة، قد بقيت في خلاله نكت مهمة، لم تغص على دررها الأذهان، وهي إذا لاح شعاعها لا يهون إهمالها.
وبين أيدي الناس اليوم من شروح «الموطأ» جملة صالحة، وهي: «المنتقى» لأبي الوليد الباجي، وشرح محمَّد الزرقاني، وتعليق جلال الدين السيوطي. وبين يديَّ شروح أخر؛ منها: شرح لأبي بكر بن العربي المسمى «بالقَبس»؛ ومنها: جزء هو ربع ثالث من شرح أبي بكر بن العربي عليه المسمى «ترتيب المسالك»، وقطعة من «التمهيد» لأبي عُمر بن عبد البر تبلغ أواخر المرويات عن داود بن الحُصَين، وطالعت عند أحد العلماء من أصحابنا قطعة تبلغ إلى الحج من شرح اسمه «الأنوار في الجمع بين المنتقى والاستذكار» لمحمد بن أحمد بن سعيد المعروف بابن زَرْق (بتقديم
[ ١٧ ]
الزاي المعجمة على الراء المهملة)، ويقال: ابن زَرقون الأشبيلي المتوفي سنة (٥٨٦)، ولدي شرحُ غريب «الموطأ» المسمى: بالتعليق لأبي محمَّد بن السيد البطليوسي، وبعد أن أتممت جانبًا وافرًا من هذا التعليق صارت إلي نسخة من «المشارق» لعياض، ولم يكن قبل ذلك موجودًا لدي؛ فألحقت ما رأيت فيه زيادة فائدة بمواضع تفسير الغريب.
فهذه الشروح لا أجلب منها إلَّا ما يتعين جلبه للتنبيه على وهم أو تقصير، وما عداه أكِلُه إلى مطالعة الناظر المعتني، وأقتصر على ما ينفتح لذهني من الحقائق والألفاظ التي أشكلت أو أهملت أو أغفلت، وكلُّها وإن كانت قليلة وجيزة، تُعدُّ من النكت العزيزة، وليست القيمة للكاثر، ولا بالمكيال تكال المآثر، ولكن رُبَّ كلمة جامعة، تَجِد أذنًا سامعة؛ فتَرجَحُ صحائف واسعة، حقق الله الأمل، ووفق إلى خير العمل.
[ ١٨ ]