ولما ولد، ﵊، كان أول من أرضعته ثويبة، أمة أبي لهب، ولما بشرته بولادته، ﵊، عتقها. وفي الأحاديث الصحاح أن أبا لهب رؤي في النوم، فقيل له: ما فعل الله بك؟
فقال: في النار إلا أنه خفف عني كل ليلة اثنين، وأمص من بين أصبعي هاتين ماء، وأشار إلى النُّقرة التي بين الإبهام والسبابة، وذلك بإعتاقي لثويبة، عندما بشرتني بولادة النبي - ﷺ -، وإرضاعها له.
قال ابن الجزري: فإذا كان هذا أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جوزيَ بفرحه بمولد النبي - ﷺ - فما حالُ الموحد من أمته الذي يُسَرُّ
[ ١ / ٧١ ]
بمولده، ويبذُلُ ما تصل إليه قدرته في محبته، ﵊، لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنات النعيم.
قلت: ولأجل هذا المعنى ما زال المسلمون يُعظِّمون المولد الشريف، جاعلين له عيدًا أعظم من كل عيد، وهو حقيقٌ بذلك وجدير.
وأرضعت ثويبة معه - ﷺ - حمزة بن عبد المطلب، وأبا سلمة بن عبد الأسد، وكان النبي - ﷺ - يُكرمها، وكانت تدخل عليه بعد أن تزوج خديجة، فكانت خديجة تُكرمها، وكان يبعث إليها من المدينة بكسوة وصلة إلى أن ماتت بعد فتح خيبر فبلغته - ﷺ - وفاتها؛ فسأل عن ولدها مسروح الذي أرضعته بلبنه، فقيل له: قد مات، ثم سأل عن قرابتها، فقيل له: لم يبق منهم أحد. ثم بعد ثويبة كان استرضاعه في بني سعد بن بكر، أرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية وما رأته حليمة من الخوارق من يوم أرضعته شهير كثير جدًا، من دَرٍّ شارفها، ونطق أتانها، وخِصب غنمها، وكثرة لبنها، وغير ذلك مما لا يُحصى، وكانت تقول في ترقيصها له ﵊.
يا ربِّ إذ أعطيتَه فأبْقِهِ
وأَعْلِهِ إلى العُلى وأَرقِهِ
وادْحَضْ أباطيلَ العِدا بِحَقِّه
وكانت الشيماء أخته من الرضاعة تقول.
هذا أخٌ لي لَمْ تَلِدْه أُمِّي ولَيس مِنْ نَسلِ أبي وعمِّي
فديته مِنْ مخولٍ مُعِمِّ فأَنْمِهِ الَّلهُمَّ فِيما تَنْمي