٥ - باب * ٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
[ ١ / ٣٠٧ ]
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِى رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.
[الحديث ٦ - أطرافه في: ١٩٠٢، ٣٢٢٠، ٣٥٥٤، ٤٩٩٧].
قوله: "كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أجود الناس" أجود منصوب لأنه خبر كان، وقدم ابن عباس هذه الجملة على غيرها، وإن كانت لا تتعلق بالقرآن، على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها، ومعنى أجود الناس: أكثرهم جودًا على الإِطلاق، والجود: الكرم، وهو من الصفات المحمودة، وقد أخرج التِّرمذي من حديث سَعْد رفعه: "إن الله جوادٌ يُحِبُّ الجود" الحديث، وله من حديث أنس رفعه: "أنا أجودُ وَلَدِ آدم، وأجودهم بعدي رجلٌ عَلِمَ عِلمًا فَنَشَر علمه، ورجلٌ جادَ بنفسه في الله" وفي سنده مقال، وفي "الصحيح" عن أنس كما يأتي: كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أشجع الناس، وأجود الناس الحديث.
وقوله: "وكان أجود ما يكون في رمضان" وأجود بالرفع في أكثر الروايات، وخبرها محذوف سد الحال الذي هو في رمضان مسده، وتقديره: حاصل، على حد قولهم: أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة، أو هو مبتدأ مضاف إلى المصدر وهو: "ما يكون"، وخبره "في رمضان"، والتقدير: أجود أكوان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في رمضان، وعلى هذا تكون كان زائدة، ويرجح هذا الوجه وروده بدون كان عند المؤلف في الصوم، وفي رواية: أجود بالنصب على أنه خبر كان، واسمها ضمير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والتقدير: كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مدة كونه في رمضان أجودَ منه في غيره. وذكر النَّوَوِيّ أنه سأل ابن مالك عن هذا اللفظ، فخرج فيه الرفع من ثلاثة أوجه، والنصب من وجهين، وذكر ابن الحاجب في أماليه للرفع خمسة أوجه، تَوَارَدَ مع ابن مالك في وجهين منها، ولم يُعَرِّج على النصب.
[ ١ / ٣٠٨ ]
وقوله: "حينَ يَلْقاه جِبريلُ" أي: لأن في ملاقاته زيادة ترقيه في المقامات، وزيادة اطِّلاعه على علوم الله تعالى، ولا سيما مع مدارسة القرآن.
وقوله: "وكانَ يَلْقاه" الضمير المستتر في كان لجبريل ﵇، والبارز في يَلْقاه للنبي ﵊، وجوز الكِرْماني العكس، ورجَّحَ الأول بقرينة: "حين يلقاه جبريل" فهو أقرب في الذكر.
وقوله: "فيدارسُهُ القرآنَ" الفاء فيه عاطفة له على يلقاه، والقرآن مفعول ثان على حد: جاذَبْتُهُ الثَّوْبَ، والحكمة في أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الجود، والجود في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وهو أعم من الصدقة، وأيضًا فرمضان موسم الخيرات، لأن نِعَم الله فيه على عباده زائدة على غيره، فكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يؤثر متابعة سنة الله تعالى في عباده، فبمجموع ما ذُكر من الوقت، والمنزول به، والنازل، والمذاكرة، حصل المزيد في الجود. قال الطِّيبيُّ: فيه تخصيص بعد تخصيص، على سبيل الترقي، فَضَّلَ أولًا جوده مطلقًا على جود الناس كلهم، ثم فضل ثانيًا جوده في رمضان على جوده في غيره، ثم فضل ثالثًا جوده في ليالي رمضان عند لقاء جبريل له على جوده في غيرها من رمضان، وإنما دارسه القرآن لكي يتقرر عنده، ويرسخ أتَمَّ رسوخ، فلا ينساه أبدًا، وهذا إنجاز، كما وعد به رسوله ﵊ حيث قال له: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦].
وقوله: "فَلَرَسُول اللهِ أجودُ بالخيرِ من الرِّيحِ المُرسلة" الفاء للسببية، واللام في المبتدأ للتأكيد أو جواب قسم مقدر، يعني أنه في الإِسراع بالجود أسرع من الريح، وعَبَّر بالمرسلة، أي: المطلقة، إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده، كما تَعُمُّ الريح المرسلة جميعَ ما تَهُبُّ عليه.
[ ١ / ٣٠٩ ]
ووقع عند أحمد في آخر هذا الحديث: "لَا يسْأَلُ شَيْئًا إلَّا أعْطَاهُ" وثبتت هذه الزيادة في الصحيح من حديث جابر: "ما سُئِلَ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شَيْئًا، فقال: لا" وفي تقديم معمول أجود على المفضل عليه نكتةٌ لطيفة، وهي أنه لو أخره لَظُنَّ تعلقه بالمرسلة، وهذا وإن كان لا يتغير به المعنى المراد من الوصف بالأجودية، إلا أنه تَفُوت به المبالغة، لأن المراد وصفه بزيادة الأجودية على الريح مطلقًا. قلت: عندي في هذا نظر، لأن أجوديته ﵊ إنما تكون بالخير خاصة، وأجوديته إنما تحصل على الريح المرسلة بالخير خاصة لا على غيرها، فلا تظهر هذه النكتة المشار لها.
وفيه جواز المبالغة في التشبيه، وجواز تشبيه المعنوي بالمحسوس ليُقَرَّبَ لِفَهْم سامِعِهِ، وذلك أنه أثبت له أولًا وصف الأجودية، ثم أراد أن يصفه بأزيد من ذلك، فشبه جوده بالريح المرسلة، بل جعله أبلغ منها في ذلك لأن الريح قد تسكن.
وفيه استعمال أفعل التفضيل في الإِسناد الحقيقي والمجازي، لأن الجود منه صلى الله تعالى عليه وسلم حقيقي، ومن الريح مجاز، فكأنه استعار للريح جودًا باعتبار مجيئها بالخير، فَأَنْزَلَها منزلةَ من جاد.
وفيه فوائد منها: الحث على الجود مطلقًا والزيادة في رمضان، وعند الاجتماع بأهل الصلاح، وزيارة الصلحاء وأهل الخير، وتكرار ذلك إذا كان المزور لا يكره ذلك، واستحباب الِإكثار من القرآن في رمضان، وكونه أفضل من سائر الأذكار، إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويًا لَفَعَلاه، فإن قيل: المقصود تجويد الحفظ، قلنا: الحفظ كان حاصلًا، والزيادة فيه تَحْصُل ببعض المجالس، وإنه يجوز أن يقال: رمضان من غير إضافة، وفيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في رمضان، لأن نزوله إلى السماء الدنيا جملة واحدة كان في رمضان، كما ثبت من حديث ابن عباس، فكان جبريل يَتَعاهده في كل سنة، فيُعارِضه بما نزل عليه من
[ ١ / ٣١٠ ]
رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عارَضَهُ به مرتين، كما ثبت في الصحيح من حديث فاطِمَةَ رضي الله تعالى عنها، وبهذا يُجاب من سأل عن مناسبة إيراد الحديث في هذا الباب، ثم نزل بعد نزوله جُملة على حسب الأسباب في عشرين سنة، وقيل نزلت صُحُف إبراهيم ﵇ أول ليلة منه، و"التوراة" لِسِتٍّ، و"الِإنجيل" لثلاث عشرة، و"القرآن" لأربع وعشرين، وفهم منه أن جبريل ﵊ كان ينزل على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في كل ليلة من رمضان، وهذا يعارض ظاهر ما رُوي في صحيح مسلم: "في كل سنة في رمضان حتى يَنْسلِخَ" وأجيب بأن المحفوظ في مسلم أيضًا مثل ما في البخاري، ولئن سلمنا صحة الرواية المذكورة فلا تَعَارُضَ، لأن معناه بمعنى الأول، لأن قوله: "حتى يَنْسَلخَ" بمعنى كل ليلة، وخُص رمضان بالمدارسة لأن عبادة فيه أفضل من العبادة في غيره، ولذلك قال الزُّهري: "تَسْبيحةٌ في رمضان خير من سبعين في غيره. وقد جاء في الحديث أنه يُعْتَقُ في كل ليلة منه ألف ألف عتيق من النار.