الفرد قسمان: مطلق، ونسبي.
فالمطلق: هو ما انفرد بروايته عن الصحابي تابعي واحد، سواء استمر التفرد بعد ذلك أولًا، بأن رواه عنه جماعة كحديث النهي عن بيع الولاء وهبته، تفرد به عبد الله بن دينار، عن ابن عمر كما مر.
والنسبي: ما قيد بثقة، أو بلد، أو براو معين كلهم يروونه عن فلان إلا فلان، كحديث أصحاب السنن الأربعة من طريق سفيان بن عُيينة، عن وائل بن داود، عن ابنه بكر بن وائل، عن الزُّهْريّ، عن أنس: أن النبي - ﷺ - أولم على صفية بِسَوِيق وتمر، لم يروه عن بكر إلا أبوه وائل، ولم يروه عن وائل إلا ابن عيينة، ولا يلزم من تفرد وائل به عن ابنه بكر تفرده به مطلقًا؛ فقد ذكر الدارقطني في "علله" أنه رواه محمَّد بن الصَّلت التَّوزيّ، عن ابن عُيَيْنة، عن زياد بن سَعْد، عن الزُّهْرِي، قال: ولم يتابَع عليه. والمحفوظ عن ابن عُيينة، عن وائل، عن ابنه. ورواه جماعة عن ابن عُيينة، عن الزُّهْرِيّ بلا واسطة، ومثال المقيد بالثقة: قول القائل في حديث قراءة النبي - ﷺ - في الأضحى والفطر بقاف واقتربت: لم يروه ثقة إلا ضَمْرَة بن سعيد المازِنِيّ، فقد انفرد به عن عبد الله بن عُبيد الله بن أبي واقِد اللَّيْثِي، عن النبي - ﷺ - رواه مسلم وغيره. وإنما قُيِّدَ بالثقة لرواية الدّارَقُطني له من رواية ابن لَهيعة، وقد ضَعَّفَهُ الجمهور عن خالد بن يزيد، عن الزُّهْرِيّ، عن عُروة، عن عائشة. ومثال المقيد ببلد: قول القائل في حديثَ أبي داود، عن أبي الوليد الطَّيالِسِيّ، عن همَّام، عن قَتادة، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدْري، قال: أمرنا رسول الله
[ ١ / ١٩٠ ]
- ﷺ - أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر: لم يرو هذا الحديث غير أهل البصرة؛ فقد قال الحاكم: إنهم تفردوا بذلك الأمر فيه من أول الإِسناد إلى آخره، وكذا قال في حديث عبد الله بن زَيْد في صفة وضوء رسول الله - ﷺ -: إن قوله: "ومسَحَ رأسهُ بماءٍ غير فضل يدهِ" سنة غريبة، تفرد بها أهل البصرة، فإن نسب القائل الحديث لأهل البصرة مريدًا واحدًا منهم، كان ذلك الإِطلاق تجوزًا، وهو داخل في القسم الأول ومنه حديث: "كُلوا البلحَ بالتَّمْر" قال الحاكم: هو من أفراد البصريين عن المدنيين. تفرد به أبو زكريا عن هِشام بن عُروة، فجعله من أفراد البصريين، وأراد واحدًا منهم، وليس في الأفراد النسبية تضعيف لها من حيثية التفرد، لكن إذا قيد القائل التفرد بالثقة كله يرويه ثقة إلا فلان، كان حكمه قريبًا من القسم الأول، لأن رواية غير الثقة كَلَا رواية؛ فينظر فيه هل بلغ مرتبة من يعتبر بحديثه أو لا؟ وفي المتفرد بالحديث، هل بلغ رتبة من يحتج بتفرده أو لا؟ فعلم أن من أنواع القسم الثاني ما يشارك الأول، كإطلاق تفرد أهل بلد بما يكون راويه منها واحدًا، وتفرد ثقة بما يشاركه، في روايته ضعيف، قال ابن دَقيق العيدِ: إذا قيل في حديث تفرد به فلان عن فلان، احتمل أن يكون تفردًا مطلقًا، وأن يكون تفرد به عن هذا المُعَيَّن خاصة، ويكون مرويًا عن غير ذلك المعين فلينتبه لذلك.
وقال ابن حَجَر: إن الغريب والفرد مترادفان لغة واصطلاحًا، إلا أن أهل الحديث غايروا بينهما من جهة كثرة الاستعمال وقلته؛ فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي، وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما. أما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون، فيقولون في الفرد النسبي والمطلق: تفرد به فلان، أو أغرب فلان. اعترض الكمال بن أبي شريف كونهما مترادفين لغة بما هو واضح، ثم قال: لما كان الغريب والفرد مترادفين اصطلاحًا، قصد أهل الاصطلاح الإِشعار بالفرق بين الفرد المطلق، والفرد النسبي، وغايروا
[ ١ / ١٩١ ]
بينهما من جهة الاستعمال، فكان أكثر استعمالهم الفرد في المطلق، والغريب في النسبي لذلك.
وقال ابن الصلاح: وليس كل ما يُعَدُّ من أنواع الأفراد معدودًا من أنواع الغريب، كما في الأفراد المضافة إلى البلاد، كأهل البصرة.
وإلى قسمي الفرد أشار العراقي بقوله:
الفَرْدُ قسمانِ، ففَرْدٌ مُطلَقا وحُكمُهُ عندَ الشُّذوذِ سَبَقَا
والفَردُ بالنِّسبةِ ما قَيَّدتهُ بثقَة أو بَلَدٍ ذَكَرْتهُ
أو عن فُلانٍ نحوُ قَول القائل لم يَرْوِهِ عن بَكرٍ إلا وائلْ
لم يَروِه ثِقَةٌ إلا ضَمْرَه لم يَروِ هذا غَيرُ أَهلِ البَصرَه
فإنْ يُريدُوا واحِدًا مِن أَهلِها تَجَوُّزًا فاجعلهُ مِن أَوَّلها
ولَيسَ في أفرَادهِ النِّسبيةِ ضَعفٌ لها مِن هذه الحَيْثِيَّةِ
لكن إذا قُيِّد ذاك بالثِّقَة فحُكمُهُ يَقْرُبُ مما أَطلقَهْ
وهذا الحديث أخرجه البخاري في ستة مواضع أخرى من "صحيحه" عن ستة شيوخ آخرين أيضًا: في الإِيمان عن عبد الله بن مَسْلَمة. وفي العِتْق عن محمَّد بن كثير في باب هجرة النبي - ﷺ - عن مُسَدَّد. وفي النكاح عن يحيى بن قَزَعة. وفي الأَيمان والنذور عن قُتيبة بن سعيد. وفي باب ترك الحيل عن ابن النُّعمان.
وأخرجه مسلم في آخر كتاب الجهاد عن عبد الله بن مَسْلمة وجماعة.
وأبو داود في الطلاق عن محمَّد بن كثير.
والترمِذيّ في الحدود عن ابن المُثَنى.
والنسائي عن يحيى بن حبيب وجماعة في الإِيمان، والطلاق، والطهارة، والعتاق.
ورواه ابن ماجة في الزهد من "سننه" عن أبي بكر، وأحمد في "مسنده"، و"الدارقطني"، وابنْ حبان، والبيهقي، قال العَيْنِيّ: ولم يَبْقَ
[ ١ / ١٩٢ ]
من أصحاب الكتب المعتمدة من لم يخرجه سوى مالك، فإنه لم يخرجه في "موطئه" ووهم ابن دِحْية، فقال الحافظ في إملائه على هذا الحديث: أخرجه مالك في "الموطأ"، ورواه الشافعي عنه، وهذا عجيب منه.
قلت: وافق ابن حَجَر في كون الإِمام مالك لم يخرجه في الموطأ، وذلك سهو منهما، فقد أخرجه محمَّد بن الحسن في "موطئه" عنه.