قد مر لك أن الهِجرة بمعنى الانتقال من دار الكفر إلى دار الإِسلام، وجوبها باقٍ إلى يوم القيامة، وذلك لما رواه أبو داود، والنَّسائِيّ من حديث مُعاوية - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا تَنْقَطِعُ الهجرةُ حتى تَنْقَطِعَ التوبةُ، ولا تنقطع التوبةُ حتى تَطْلُعَ الشمسُ من مغرِبِها" وروى أحمد من حديث ابن السعدي مرفوعًا: "لا تَنْقَطِعُ الهجرةُ ما دام العدوُّ يقاتِلُ". وروى أحمد أيضًا من حديث جُنادة بن أبي أمية مرفوعًا: "إن الهِجْرةَ لا تَنْقَطِعُ ما كان الجِهادُ"، وروى أحمد في "مسنده" من حديث معاوية، وعبد الرحمن بن عَوْف، وعبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله تعالى عنهم، أن النبي - ﷺ - قال: "الهِجْرةُ خَصْلتان: إحداهما تهجُرُ السيئات، والأخرى تهاجرُ إلى الله ورسوله، ولا تَنْقَطِعُ الهجرةُ ما تُقُبَّلَتِ التوبةُ، ولا تزالُ التوبةُ مقبولةً حتى تَطْلُعَ الشمسُ من المغرب، فإذا طَلَعَت، طُبعَ على كلِّ قلبٍ بما فيه، وكُفِيَ الناسُ العمل".
وما روي من الأحاديث معارض بما أخرجه الشيخان عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، قال رسول الله - ﷺ -: "لا هجرةَ بعد الفتحِ، ولكن جهادٌ ونيةٌ، وإن استُنْفِرْتُم فانفِرُوا".
[ ١ / ١٤٩ ]
وروى البخاري أيضًا أن عبيد بن عُمير سأل عائشة، رضي الله تعالى عنها، عن الهِجْرة، فقالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يَفِرُّ أحدُهم بدينه إلى اللهِ ورسولهِ مَخَافَةَ أن يُفْتَنَ عليه، فأما اليوم، فقد أظهرَ الله الإِسلام، والمؤمن يعبُدُ ربَّه حيثُ شاءَ، ولكن جهادٌ ونيةٌ.
وروى البخاري ومسلم عن مُجاشِع بن مسعود، قال: انطلقت بأبي مَعْبد إلى النبي - ﷺ - ليبايعه على الهجرة، قال: انقضت الهِجْرة لأهلها، فبايَعَهُ على الإِسلام والجهادِ.
وروى أحمد من حديث أبي سعيد الخُدري، ورافع بن خديج، وزيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنهم: "لا هِجْرَةَ بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونية".
وروى أحمد أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: جاء رجل أعرابي، فقال: يا رسول الله! أين الهِجرة؟ إليك حيث كنت؟ أم إلى أرض؟ أم لقوم خاصة؟ أم إذا مت انقطعت؟ فسكت رسول الله - ﷺ - ساعة، ثم قال: "أين السائل عن الهجرة؟ " قال: ها أنا يا رسول الله، قال: "إذا أَقَمْتَ الصلاة، وأتيت الزكاة فأنت مهاجرٌ وإن مُتَّ بالحَضرمَةِ" قال: يعني أرضًا باليمامة. وفي رواية له: "الهجرة أن تهجُرَ الفواحش ما ظهر منها وما بَطَنَ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، ثم أنتَ مهاجرٌ وإن مت بالحضرمةِ".
فهذه الأحاديث متعارضة، والتوفيق بينها هو أن الهجرة قبل فتح مكة إلى المدينة المنورة كانت شرطًا في الإِسلام، لا يصِحُّ إيمان إلا بها، وبعد فتح مكة انقطعت تلك الهجرة، وبقيت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإِسلام، أو من بلد المعاصي إلى غيره واجبة لا تنقطع، قاله الوانْشَريْسيّ في "معياره" و"لباب التأويل"، وذكره في الفتح غير مصرح بأن الأولى كانت شرطًا في الإِسلام، وكون الأولى شرطًا في الإِسلام مروي عن السُّدِّيّ، قال ابن عَطِيّة: والذي يجري مع الأصول أن من مات بمكة مؤمنًا
[ ١ / ١٥٠ ]
إنما هو عاص بترك الهجرة، ومأواه جهنم على جهة العِصيان دون الخلود، ومن مات فيها مرتدًّا، فهو كافر، ومأواه جهنم على جهة الخلود، ووفق الخَطّابِيّ بين الأحاديث بأن الهجرة كانت في أول الإِسلام فرضًا، ثم صارت بعد فتح مكة مندوبًا إليها غير مفروضة، قال: فالمنقطعة منها هي الفرض، والباقية منها هي الندب.
قلت: ظاهر كلامه تخصيص التفرقة بالهجرة إلى المدينة خاصة، فقبل فتح مكة فرض إليها، وبعده مندبة إليها، والذي يَظْهَر أن المراد عنده في عهد النبي - ﷺ - ولم يتعرض للهجرة إلى غيرها من بلاد الكفر، أو المعاصي. وما فسرت به كلامه يدل عليه ما قاله ابن الأثير، فإنه قال الهجرة هجرتان، إحداهما التي وعد الله عليها بالجنة، كان الرجل يأتي النبي -ﷺ، ويدع أهله وماله، لا يرجِعُ في شيء منه، فلما فُتِحَت مكة انقطعت هذه الهجرة، والثانية من هاجر من الأعراب غزا مع المسلمين، ولم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة، وهو المراد بقوله: "لا تنقطع الهجرةُ حتى تنقطعَ التوبة" فكلامه هذا موافق في المعنى لكلام الخَطّابِيّ.
وقال في "الفتح": قال الخَطّابيّ وغيره: كانت الهجرة فرضًا في أول الإِسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة، وحاجتهم إلى الاجتماع، فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجًا، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرضُ الجهادِ والنية على من قام به أو نزل به عدو.
قال ابن حَجَر: وكانت الحكمة أيضًا في وجوب الهجرة على من أسلم لِيَسْلَمَ من أذى ذويه من الكفار، فإنهم كانوا يعذِّبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه، وفيهم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ الخ [النساء: ٩٧]، وقد أكد الله ذلك في عدة آيات حتى قطع الموالاة بين من هاجَر، ومن لم يهاجِر، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢].
[ ١ / ١٥١ ]
قال في "الفتح": وهذه الهجرة يعني المذكورة في آية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ إلخ﴾ [النساء: ٩٧] باقية الحكم في حق من أسلم في دار الكفر وقَدِرَ على الخروج منها. وقد روى النَّسائي من طريق بَهْزِ بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا: "لا يَقْبَلُ اللهُ من مشركٍ عملًا بعدما أسلم أو يفارقَ المشركين" ولأبي داود من حديث سَمُرة مرفوعًا: "أنا بريء من كلِّ مسلمٍ يُقيمُ بينَ أَظْهُرِ المشركين"، قال: وهذا محمولٌ على من لَمْ يَأْمَنْ على دينه؛ وتأتي قريبًا تفرقة في ذلك؛ قال: وقد أطلق ابن التِّينِ أن الهِجْرة من مكة إلى المدينة كانت واجبة، وأن من أقام بمكة بعدما هاجر النبي - ﷺ -، إلى المدينة بغير عذر كان كافرًا، وهو إطلاق مردود.
قلت: ما قاله ابن التِّين موافق لما مر عن الوَنْشرِيْسِيّ في "معياره" و"لباب التأويل"، ثم قال عند حديث عائشة المار: "لا هجرةَ اليومَ الخ" أشارت عائشة إلى بيان مشروعية الهجرة، وأن سببها خوف الفتنة، والحكم يدور مع علته، فمقتضاه أن من قدر على عبادة الله في أي موضع اتفق، لم تجِب عليه الهجرة منه، وإلا وجبت. ومن ثم قال الماوَرْدِيُّ: إذا قَدِرَ على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر؛ فقد صارت البلدة به دار إسلام؛ فالإِقامة فيها أفضل من الرِّحْلة منها، لما يُتَرَجّى من دخول غيره في الإِسلام. قال: وقال البغوي في "شرح السنة": يحتمل الجمع بينها بأن قوله: "لا هجرة بعد الفتح" أي من مكة إلى المدينة، وقوله: "لا تنقطعُ" أي من دار الكفر في حق من أسلم إلى دار الإِسلام. قال: وقد أفصح ابن عُمر بالمراد فيما أخرجه الإِسماعيليُّ بلفظ: "انْقَطَعَتِ الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله - ﷺ -، ولا تنقطعُ الهجرةُ ما قوتلَ الكفارُ". أي ما دام في الدنيا دار كفر؛ فالهجرة منها واجبة على من أسلم، وخشي أن يُفتَنَ عن دينهِ. ومفهومه أنه لو قُدِّرَ على أن لا يبقى في الدنيا دار كفر، فإن الهجرة تنقطع لانقطاع موجبها، والله أعلم.
قلت: تبقى الهجرة من بلد تكثر فيه المعاصي أو البدع إلى بلد أخف منه في ذلك، كما مر في حديث معاوية، وعبد الرحمن بن عوف عند
[ ١ / ١٥٢ ]
أحمد، ثم قال عند حديث ابن عباس السابق: "لا هجرة بعد الفتح" أي فتح مكة، أو المراد ما هو أعم من ذلك إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك حكمها، فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون. أما قبل فتح البلد فمن به من المسلمين أحد ثلاثة:
الأول: قادرٌ على الهجرةِ منها لا يُمكنه إظهار دينه بها، ولا أداء واجباته؛ فالهجرة منه واجبةٌ.
الثاني: قادر لكنه يمكنه إظهار دينه، وأداء واجباته، فمستحبة لتكثير المسلمين، ومعونتهم، وجهاد الكفار، والأمن من غدرهم، والراحة من رؤية المنكر بينهم.
الثالث: عاجز بعذر، من أسر، أو من سن، أو غيره، فتجوز له الإِقامة. فإن حَمَلَ على نفسه، وتَكَلَّفَ الخروج منها أُجِرَ.
وقد أطلت في بحث الهجرة لمسيس الحاجة به في هذا الزمان إن وجد بلد يُهاجَر إليه. انتهى الكلام على متن الحديث.