ومن ثناء أشياخه عليه ما رواه ورَّاقُه، قال: سمعت البخاري يقول: كان إسماعيل بن أبي أُوَيس إذا انتخبت من كتابه نسخ تلك الأحاديث لنفسه، وقال: هذه أحاديث انتخبها محمَّد بن إسماعيل من حَديثي، قال: وقال لي ابن أبي أُوَيْس: انظر في كتبي وجميع ما أملك لك، وأنا شاكرٌ لك أبدًا ما دمت حيًا.
وقال أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزُّهْرِيّ: محمَّد بن إسماعيل أفقه عندنا وأبصر بالحديث من أحمد بن حَنْبل، فقال له رجل: جاوزت الحد، فقال له أبو مصعب: لو أدركت مالكًا، ونظرت إلى وجهه ووجه محمَّد بن إسماعيل، لقلت: كلاهما واحد في الحديث والفقه.
وقال عبدانُ بن عُثمان المَرْوَزِيُّ: ما رأيت شابًّا أبصر من هذا، وأشار إلى محمَّد بن إسماعيل.
[ ١ / ٩٢ ]
وقال قتيبة بن سعيد: جالست الفقهاء والزهاد والعباد، فما رأيت منذ عَقَلْتُ مثل محمَّد بن إسماعيل، وهو في زمانه كعمر في الصحابة. وقال أيضًا: لو كان محمَّد بن إسماعيل في الصحابة لكان آية، وسأله أيضًا رجل عن محمَّد بن إسماعيل، فقال: يا هؤلاء نظرت في الحديث وفي الرأي، وجالست الفقهاء والزهاد والعباد، فما رأيت منذ عَقلْت مثل محمَّد بن إسماعيل. وسئل يومًا عن طلاق السكران، فدخل البُخاري، فقال: قُتيبة للسائل: هذا أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهَوَيه، وعلي بن المَديني، قد ساقهم الله إليك، وأشار إلى البُخاري. وقال أيضًا: رُحِلَ إليّ من شرق الأرض وغربها، فما رَحَلَ إلي مثل محمَّد بن إسماعيل، ولما حُكي ذلك لمهيار، قال: صدق قُتيبة، أنا رأيته مع يحيى بن مَعين، وهما جميعًا يختلفان إلى محمَّد بن إسماعيل، فرأيت يحيى منقادًا له في المعرفة.
وقال أحمد بن حَنْبل: ما أخرجت خراسان مثل محمَّد بن إسماعيل.
وسأله عبد الله ابنه عن الحفاظ، فقال: شُبّان من خُراسان، فعده فيهم، وبدأ به.
ولما قدم البَصْرة قال مُحمد بن بَشّار: قدم اليوم سيد الفقهاء، وقال أيضًا: ما قدم علينا مثل محمَّد بن إسماعيل، وقال أيضًا: أنا أفتَخِرُ به منذ سنين.
وقال عبد الله بن يوسف التِّنيسيّ للبُخاري: يا أبا عبد الله انظر في كتبي وأخبرني بما فيها من السَّقط، فقال: نعم.
وقال: دخلت على الحُميدِيّ وأنا ابن ثمان عشرة سنة، أول سنة حج، فإذا بينه وبين آخر اختلاف في حديث، فلما بَصرني، قال: جاء من يفصِلُ بيننا، فعرضا عليّ الخصومة، فقضيت للحُمَيْدي، وكان الحق.
وقال البخاري: قال لي مُحمد بن سلام: انظر في كُتبي فما وجدت فيها من خطأ فاضرب عليه، فقال له بعض أصحابه: من هذا الفتى؟ فقال: هذا الذي ليَس له مثله، وكان محمَّد بن سلام يقول: كلما دخل
[ ١ / ٩٣ ]
عليَّ محمَّد بن إسماعيل: تحيرت ولا أزال خائفًا، يخشى أن يخطئ بحضرته، وقال سليم بن مجاهد: كنت عند محمَّد بن سلام فقال لي: لو جئت قبل لرأيت صبيًّا يحفظ سبعين ألف حديث.
وقال حاشد بن إسماعيل: رأيت إسحاق بن راهَوَيه جالسًا على المنبر، والبخاري جالس معه، وإسحاق يُحَدِّثُ بحديث، فأنكره محمَّد، فرجع إسحاق إلى قوله، وقال: يا معشر أصحاب الحديث انظروا إلى هذا الشابِّ، واكتُبوا عنه، فإنه لو كان في زمن الحسن بن أبي الحسن البَصْرِيّ لاحتاج إليه، لمعرفته في الحديث وفقهه، وقال البخاري: أخذ إسحاق بن راهَوَيه كتاب "التاريخ" الذي صنفته، فأدخله على عبد الله بن طاهر الأمير، فقال له: أيها الأمير لا أُريك سحرًا.
وقال أبو بَكْرٍ المَديني: كُنّا يومًا عند إسحاق بن راهَوَيه، ومحمد بن إسماعيل حاضر، فمر إسحاق بحديث، ودون صحابيه الكنجاراني، فقال إسحاق: يا أبا عبد الله: أيش هي كنجاران؟ فقال قرية باليمن، كان معاوية بعث هذا الرجل الصحابي إلى اليمن، فسمع منه عطاء هذا حديثين، فقال له: يا أبا عبد الله كأنك شهدت القوم، وقال: فَتْح بن نُوح: أتيت على ابن المديني، ومحمد بن إسماعيل جالس عن يمينه، وكان إذا حدث التفت إليه مهابةً له، وقال البخاري: ما استَصْغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المَديني، وربما كنت أغرب عليه، فبلغ ذلك ابن المديني، فقال: دعوه فما رأى مثل نفسه.
وقال البُخاري: ما ذاكرني أصحابي عمرو بن علي الفَلّاس بحديث فقلت: لا أعرفه، فَسرُّوا بذلك، وصاروا إلى عمرو بن علي، وقالوا له: ذاكرنا محمَّد بن إسماعيل بحديث فلم يعرفه، فقال عمرو بن علي: حديث لا يعرفه محمَّد بن إسماعيل ليس بحديث.
وقال رجاء بن رجاء الحافظ: فضل محمَّد بن إسماعيل على العلماء
[ ١ / ٩٤ ]
كفضل الرجال على النساء، وقال أيضًا: هو آية من آيات الله تمشي على الأرض.
وقال الحُسين بن حُريث: لا أعلم أني رأيت مثل محمَّد بن إسماعيل، كأنه لم يخلق إلا للحديث.
وقال أبو بكر بن أبي شَيْبة ومحمد بن نُمير: ما رأينا مثل محمَّد بن إسماعيل، وكان أبو بكر بن أبي شيبة يسميه البازل، يعني الكامل.
وقال أبو عيسى التِّرمِذي: كان محمَّد بن إسماعيل عند عبد الله بن مُنير، فقال له لما قام: يا أبا عبد الله! جعلك الله زين هذه الأمة، قال أبو عيسى: فاستجاب الله تعالى فيه، وكان عبد الله بن مُنير يكتب عنده ويقول: أنا من تلامذته وهو من أشياخه الذين روى عنهم في صحيحه.
وقال يحيى بن جعفر البِيْكَنْدِيّ: لو قدرت أن أزيد من عمري في عمر محمَّد بن إسماعيل لفعلت، فإن موتي يكون موت رجل واحد، وموت محمَّد بن إسماعيل فيه ذهاب العلم، وكان يقول له: لولا أنت ما استطعت العيش بِبُخارى.
وقال علي بن حَجَر: أخرجت خراسان ثلاثة، البخاري، فبدأ به قال: وهو أبصرهم وأعلمهم بالحديث وأفقههم. قال: ولا أعلم أحدًا مثله.
وقال: أحمد بن إسحاق السرماري: من أحب أن ينظر إلى فقيه بحقه وصدقه، فلينظر إلى محمَّد بن إسماعيل.
وقال حاشد: رأيت عمرو بن زُرارة، ومحمد بن ربيع، عند محمَّد ابن إسماعيل، وهما يسألانه عن عِلل الحديث، فلما قاما قالا لمن حضر المجلس: لا تخدعوا عن أبي عبد الله فإنه أفقه منا وأعلم وأبصر. قال: وكنا يومًا عند إسحاق بن راهَوَيه، وعمر بن زُرارة، وهو يستملي على أبي
[ ١ / ٩٥ ]
عبد الله وأصحاب الحديث يكتُبون عنه، وإسحاق يقول: هو أبصر منا، وكان أبو عبد الله إذ ذاك شابًّا.