فأقول: التابعي، ويقال: التابع -والأول أكثر استعمالًا- هو من لقي الصحابي ولو كان أعمى، ولو كان غير مميز، واحدًا كان الصحابي أو أكثر، سمع منه اللاقي أم لا. وحده الخطيب: بأنه من صحب الصحابي ولا يكفي اللُّقِيُّ. والأول أصح، وممن صرح بتصحيحه ابن الصَّلاح والنَّوويُّ، قال النَّوَوِيُّ: الخلاف فيه كالخلاف الجاري في الصحابي، والاكتفاء هنا بمجرد اللقاء أولى نظرًا إلى مقتضى اللفظين. ورجح القَسْطَلاني في "المواهب اللدنية" الثاني، ونصه في خصائص النبي - ﷺ -: ومنها أنه تثبت الصحبة لمن اجتمع به - ﷺ - لحظة بخلاف التابعي مع الصحابي، فلا تثبت إلا بطول الاجتماع معه على الصحيح عند أهل الأصول، والفرق عِظَمُ مَنْصِب النبوة ونورها بمجرد ما يقع بصره على الأعرابي الجِلْفِ ينطق بالحكمةَ.
وهو فرق واضح في غاية الحسن، فينبغي اعتماده.
واختلف العلماء في طبقاتهم فعند مسلم في "طبقاته" أنها ثلاثة، وكذلك عند ابن سعد في "طبقاته"، وربما بلغ بها أربعًا، وكونها أربع طبقات هو الذي صرح به الحافظ ابن حَجَر في "تقريب التهذيب" كما يأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى. وقال الحاكم: إنهم خمسَ عشرة طبقة. آخرهم من لقي أنس ابن مالك من أهل البصرة، ومن لقي عبد الله بن أبي أَوْفَى من أهل الكوفة، ومن لقي السائب بن يزيد من أهل المدينة، وأولهم من لقي العشرة المبشرين بالجنة، وسمع منهم، ولم يقع هذا الوصف إلا لقيس بن أبي حازم، كما نص عليه ابن حِبّان، وعبد الرحمن بن يوسف ابن خِراش. وقال أَبو داود وغيره: إنه لم يسمع من عبد الرحمن بن عَوْف، وعد الحاكم سعيد بن المسيِّب مع قيس بن أبي حازِم في هذا الوصف، وهو غلط لأن سعيدًا إنما ولد في خلافة عمر بن الخطاب، فكيف يسمع من أبي بكر، مع أنه لم يسمع من بعض بقيتهم، بل قيل: إنه لم يسمع من أحد منهم إلا سعد بن أبي وقاص. هكذا عزا العراقي في "ألفيته"
[ ١ / ٥٠ ]
للحاكم أنهم خمس عشرة طبقة، فقال مبينًا لتعريف التابعي وطبقاته، فقال:
والتّابِعُ الّلاقِي لِمَنْ قَدْ صحِبا وَلِلْخَطيب حَدُّهُ أنْ يَصْحَبا
وَهُمْ طِباقٌ قيلَ خَمْسَ عَشْرة أَوَّلُهُمْ رُوَاةُ كُلِّ العَشْرَة
وَقَيْسٌ الفَرْدُ بِهذا الوَصْفِ وَقِيلَ لَمْ يَسْمَعْ مِن ابنِ عَوْفِ
وَقَوْلُ مَنْ عَدَّ سعيدًا فَغَلَط بَلْ قيلَ لَمْ يَسْمَعْ سوى سَعْدٍ فَقَطْ
ولم أر من فَصَّلَ الطبقات الخمس عشرة المعزوة للحاكم.
والذي ذكره ابن حَجَر العَسْقَلاني في "تقريب التهذيب" هو أن عدد طبقات المحدثين جميعًا من عهد الصحابة اثنتا عشرة طبقة. ونصه:
وأما الطبقات:
فالأولى: الصحابة على اختلاف مراتبهم، وتمييز من ليس له منهم إلا مجرد الرؤية عن غيره.
الثانية: طبقة كبار التابعين كابن المُسَيِّب، فإذا كان مُخَضْرَمًا صرحت بذلك، ويأتي، إن شاء الله تعالى، إيضاح المخضرم.
الثالثة: الطبقة الوسطى من التابعين كالحسن وابن سيرين.
الرابعة: طبقة تليها جلُّ روايتهم عن كبار التابعين كالزُّهري وقتادة.
الخامسة: الطبقة الصغرى، منهم الذين رأوا الواحد والاثنين، ولم يثبت لبعضهم السماع من أحد الصحابة كالأعمش.
السادسة: طبقة عاصروا الخامسة، لكن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة كابن جريج.
السابعة: كبار أتباع التابعين، كمالك والثوري.
[ ١ / ٥١ ]
الثامنة: الطبقة الوسطى منهم، كابن عيينة وابن عُلَيَّة.
التاسعة: الطبقة الصغرى من أَتباع التابعين، كيزيد بن هارون، والشافعي، وأبي داود الطَّيَالِسيّ، وعبد الرزاق.
العاشرة: كبار الآخذين لمن تبع الأتباع، ممن لم يلق التابعين، كأحمد بن حَنْبل.
الحادية عشرة: الطبقة الوسطى من ذلك كالذُّهْلي والبُخاري.
الثانية عشرة: صغار الآخذين عن تبع الأتباع كالترمذي، وألحقت بها باقي شيوخ الأئمة الستة الذين تأخرت وفاتهم قليلًا، كبعض شيوخ النسائي.
وذكرت وفاة من عرفت سنة وفاته منهم؛ فإن كان من الأولى والثانية فهم قبل المئة، وإن كان من الثالثة إلى آخر الثامنة فهم بعد المئة، وإن كان من التاسعة إلى آخر الطبقات فهم بعد المئتين؛ ومن ندر عن ذلك بَيَّنْتُهُ.
هذا حاصل ما ذكره من الطبقات، وهو مستوفى غاية الاستيفاء. فانظر الطبقات الخمس عشرة التي ذكرها الحاكم في التابعين وحدهم كيف تصورها. هذا التقسيم لم يذكر لهم إلا أربع طبقات، وذكر طبقة معاصرة للرابعة من طبقات التابعين، لكن لم يحصل لها لقاء لأحد من الصحابة.